-{{{{{{داروسيا..............................................................إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ........................................................................... ولا بد لليل ان ينجلي وللجهل ان ينحسر؟؟؟!!!..................................................................................... بعناتا}}}}}}
(((( مسجد الاقصى يناديكم )))) ------=========================================================

الغزو والاختراق الصهيوني 1897 – 2018 (الحلقة الخامسة)؛

الغزو والاختراق الصهيوني 1897 – 2018 (الحلقة الخامسة)؛

دراسة للباحث والمؤرخ الفلسطيني أ.عبد العزيز أمين عرار

شبكة البصرة

أ.عبد العزيز أمين عرار

الفصل الرابع: الثورة في ريف جبل نابلس 1936ـ 1939

دوافعها، وأسباب انفجارها، ونتائجها

أسباب قيام الثورة ودوافعها في جبل نابلس:

تعددت الأسباب في انفجار ثورة شعب فلسطين، وما من شك أن أهمها مناصرة بريطانيا لليهود من أجل إقامة وطن قومي على حساب العرب، وما نتج عنه من تدهور في جميع مناحي الحياة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والدينية، والطبيعية، وغلبة الشعور عند العربي أن فلسطين سائرة باتجاه أن تصبح يهودية كما هي بريطانيا إنجليزية، بفعل جملة سياسات استعمارية اتبعت عبر تطبيق صك الانتداب ومواده التي سبق ذكرها، ومن أراد مزيداً من الأسباب فليطالع شهادات العرب أمام اللجنة الملكية عام 1936ـ 1937، ولا يختلف حال نابلس وجبلها عن حال الوطن، وما يشاهد يومياً من تغيرات كانت تظهر أن فلسطين تسير نحو التهويد وبتسارع لا مثيل له.

وبدورنا سنجيب عن الأسئلة الآتية دون تفاصيل كثيرة.

أولاً: ما أسباب انفجار الثورة العربية الفلسطينية الكبرى في جبل نابلس؟

ثانياً: لماذا اصطبغت الثورة بالطابع ألفلاحي؟

ثالثاً: ما دور القساميين في الثورة العربية الفلسطينية الكبرى؟

رابعاً: ما أسباب توهج الثورة في جبل نابلس؟

خامساً: ما أسباب تراجع الثورة وانحسارها في جبل نابلس وسائر البلاد؟

سادساً: ما آثارها ونتائجها؟

هذه الأسئلة وغيرها تشكل محور هذه الدراسة التي سنجيب عنها.

كانت أهم الأسباب التي أدت لقيام الثورة العربية الفلسطينية الكبرى وبروزها في أوساط الفلاحين في جبل نابلس هي:

أولاً: سلب أراضي الفلاحين وحرمان العمال العرب من فرص العمل:

كان الفلاحون الذين عاشوا على إنتاج الأرض منذ آلاف السنين يواجهون خطر الاستعمار الاستيطاني التشريدي الصهيوني الاحتلالي، فالأراضي الأميرية العثمانية تصادر على يد السلطات البريطانية في فلسطين، والإقطاعيون من خارج فلسطين أخذوا يبيعون الأراضي للوكالة اليهودية كما أسلفنا، ومنها:عائلات سرسق، والليان في سوريا، ولبنان. لقد شعر الفلاحون أن وجودهم على أرض فلسطين يتهدده الخطر خاصة وأن عمليات الطرد أخذت تزيد يوماً بعد يوم، فمنذ طرد الفلاحين بعد تأسيس المطلة عام 1886 إلى لبنان إلى طرد فلاحي مرج ابن عامر في عشرينات القرن الماضي بالإضافة إلى عرب الحارثية عام 1933. كتب زعيتر:” لقد تم طرد عرب الحارثية الذين حاولوا استعادة أراضيهم، فأطلق الحراس اليهود النار عليهم، وقتلوا أحدهم، وتم تهجيرهم غصباً، وتحت حراب البنادق ودون إرادتهم في سنة 1933″(1).

لقد شاهد الفلاحون الفلسطينيون عمليات شراء الأراضي التي يقوم بها اليهود، وما تتعرض له القرى العربية من تحطيم لإنتاجها بفعل التغييرات التي أحدثها سكان المستعمرات، ولمسوا الآثار السريعة، والتحولات العمرانية، والزيادة البشرية، وزحف المستعمرين اليهودعلى أراضيهم، وزيادة عدد المستعمرات في السهل الساحلي الفلسطيني والجليل حتى بئر السبع، ومنها: ملبس، ورعنانيا، وكفار سابا (سبية)، وتل أبيب، والخضيرة، وكريات جات، ثم زيادة منشآتهم الاقتصادية ونموها على حساب العرب الفلسطينيين، وقد جعل اليهود هذه المستعمرات مراكز صناعية، وتجارية، وسياسية، واجتماعيه. فقد استقبلت المستعمرات بعض إنتاج القرى العربية من زبل بلدي، وشيد، وبيض، وفحم، وألبان، وقد لعبت فئة محدودة من المجتمع القروي دور الوكيل والوسيط التجاري السمساري، وبفعل هذا الدور الاقتصادي قامت علاقات أخرى، مثل: بيع قطع أراض لليهود عام 1935، واحتكاك بعض العرب باليهوديات والزواج من المومسات، وأحياناً توجه الفلاحون القريبون من المستعمرات للتطبب والعلاج في ملبس، وسبية، وكفار سابا، وترافق هذا الدور أيضاً مع مجموعة إجراءات للحكومة حيال الإنتاج الزراعي وتسويقه، وإرهاق أبناء البلاد بالضرائب المفروضة عليهم، ومصادرة الحكومة مساحة لا يستهان بها من الأراضي الفلسطينية؛بحجة أنها أراضٍ أميرية، ومشاعية بعد مسحها في هذا العام، وأسهمت في تحطيم الإنتاج الزراعي، وتحويل الفئات الاقتصادية نحو الخضوع للمصالح الرأسمالية الاستعمارية والصهيونية(2).

وقد عبر د. جمال الحسيني رئيس الحزب العربي الفلسطيني عن وعيه لما يجري من متغيرات سريعة في البلاد، التي ظهرت آثارها في زيادة وتوسع المشهد العمراني للمستعمرات الصهيونية، الذي شاهده بعد مروره في مرج ابن عامر عام 1935، وقد شاهد جمال جملة الآثار والمتغيرات السلبية في أسواق الناصرة العربية، وبين أسباب معاناة أبناء المدينة العربية، التي تعود للدورالانجليزي واليهودي، ومن باعوا أراضيمدينة المسيح، ومنهم آل سرسق الذين باعوا السهول النضرة التي كانت وفيرة الانتاج وعندها خلت أسواق المدينة من الخيرات والمزارعين، ويبدي أسفه على نتائج التحولات السلبية فيقول: ” يا للأسف بارت صناعاتكم وتجارتكم كل ذلك لكي يشبع الفرد الواحد نهمه” (3).

إن وعيمخاطر المشروع الصهيوني، وضرره على طبقة الفلاحينجعلهم في طليعةالكفاح الوطني والقوميمصممين على خوض معمعان الثورة المسلحة خاصة أولئك الذين كانوا على قرب من مستعمرات السهل الساحلي يرقبون التحولات ويعيشون آثاره، لهذا لا نعجب إذا قلنا:إن الثورة كانت فلاحيه، وإن قادة الفصائل كانت غالبيتهم من أبناء القرى باستثناء الثائر القائد عبدالقادر الحسيني (مدينة القدس)ابن طبقة الملاك الذي عد استثناء.

أما الباقون فهم من الفلاحين الذين لعبوا دوراً ميدانياً في الثورة أمثال: عبدالرحيم الحاج محمد “أبو كمال” من (قرية ذنابة ـ طولكرم) وله أرض تسمى دبة القراية في وادي اسكندر، وعارف عبدالرازق من (قرية الطيبة ـ طولكرم) وله أرض غرب الطيبة، وبجوار أرضه أقيمت كفار يعبتس الصهيونية، والشيخ حسن سلامة من (قرية قولةـ اللد)، ويوسف سعيد أبو درة من (قرية السيلة الحارثية ـ جنين)، الذي لمسآثار بيع سرسق لمرج ابن عامر، وأضرارهعلى أبناء قرى المرج، وكان فارس محمد أبو خديجة الحواري (العزوني) من (غابة عزون ـ طولكرم)يشاهد إنشاء مستعمرة رعنانيا على أراضي بلده(4).

إن فتح الاستعمار البريطاني البلاد على مصراعيها، والغزو الصهيوني قد ضاعف من موجات الهجرة، والاستيطان اليهودي في فلسطينالذي جعل الغضب الشعبي يتحول إلى وقود يزداد ضراماً، وتشتعل الثورة عام 1936، وبصورة جماهيرية شعبية، وعلى رأسها الفلاحون في شعار جديد (بريطانيا أصل البلاء والرزايا). لقد ظهر خطر الهجرة وزيادتها التي وصلت عام 1932 إلى عشرين ألفاً، وعام 1933إلى ثلاثين ألفاً، وعام 1934 إلى 40 ألفاً، وعام 1935 إلى 60 ألفاً(5).

لقد كان عارف عبدالرازق، وقريبه سليم عبدالرحمن، والمحامي عوني عبدالهادي، ومن خلفهم المجتمع العربي الفلسطيني يتابعون قضية وادي الحوارث في المحاكم، ويسمعون ويقرؤون الصحف التي تناولت طردهم، وضربهم، وجر النساء من شعورهن وهي من القضايا المهمة التي ألهبت ونبهت للخطر الصهيوني الماحق والمحدق بتراب فلسطين الذي بات يوم طردهم من بلادهم وترحيلهم عنها جميعاً غير بعيد.

وقد ساعد عارف، وسليم المزارعين العرب في وادي الحوارث في الدفاع عن حقوقهم وقضيتهم العادلة في الأرض التي زرعوها عشرات السنين، والبيوت التي سكنوها، وأقاموا عليها، وهي من القضايا التي وصلت مجلس الملك الخاص(6).

إن إخراج عرب وادي الحوارث بالقوة دفع بوقعه الشديد على النفس الشاب البدوي سليمان خليفة على الالتحاق بالثورة منذ بدايتها، وهو البدوي الحر الذي ظل أمام ناظريه شاخصاً منظر النساء اللواتي رفضن الخروج من بيوتهن، وراح الإنجليز يجروهن من شعورهن بينما ضربوا الشباب والرجال بأعقاب البنادق؛ليجبروهم على الرحيلوترك الوادي(7).

ولقد تأثرت مشاعر العرب وزادت كراهيتهم للاستعمار اليهودي والإنجليزي في فلسطين، بفعل التحولات الاجتماعية والتغيرات السلبية التي جاءت بها مجموعات اليهود في الكيبوتسات، والقرى الزراعية من أخلاق فاسدة نشروها بين بعض الشباب العربي المنحرف الذين رجعوا إلى قراهم، ومدنهم العربية يحملون أخلاقاً وقيماً منحلة سائرين في دروب الفساد، والخلاعة بعد أن باعوا قطعة أرض، أو تنازلوا عنها بإغراء من المومسات اليهوديات، وقمن بأخذ تنازل منهم مقابل تركهم يتمتعون قليلاً، وعادوا خالين الوفاض، ومدحورين لا يلوون على شيء(8).

ثانيا: الفلاحون يشكلون الأغلبية في المجتمع الفلسطيني:

إن غالبية سكان فلسطين في العهد البريطاني كانوا يقيمون في القرى التي زاد عددها عن 850 قرية، وهؤلاء يشكلون 70% من مجمل سكان فلسطين(9).

لقد صورت الأقلام الصهيونية جهاد الفلاحين العرب ونضالهم على أنه حالة غليان أوجدها ساسة غاشمون في البلاد من طبقة الأفندية(الفئة المتعلمة)، الذين استغلوا جهل الفلاحين وسذاجتهم، وقللت من شأن الدوافع الوطنية والقومية عندهم، وعدتها أحداث شغب وفوضى وتمرد واضطرابات، متناسيةالآثار السلبية، والعميقة للهجرة الصهيونية في البلاد. خاصة بعد أن تركتها مفتوحة على مصراعيها، وقد غابت عن أبناء البلاد أية بارقة أمل بتحسن الأحوال والعيش بكرامة. فلا أمل يرتجى من وعود بريطانيا ولا تغيرت الأحوال الاقتصادية نحو الأفضل.

هكذا كانت ثورة 1936 نابعة من مشاعر وطنية قلقة على مصير البلاد، وليست بتحريض من فئة الأفندية كما درجت أعلام الصهيونية وأبواقها الدعائية، حتى إن أقلاماً إنجليزية نشرت في جريدة الديلي ميرور مقالاً بتوقيع المستر برود هارست الذي كان ضابطاً في بوليس فلسطين، ثم سكن تل أبيب:”إن الثورة العربية ليست حركة أشقياء مسلحين، بل إنها امتدت إلى أوساط أصحاب النفوذ من الأغنياء المسيحيين، وإن السلاح يدخل البلاد بكميات هائلة”(10).

وكتب أكرم زعيتر: “ليس أكذب ولا أنذل من أولئك المستعمرين الصهاينة الذين يزعمون أن حركتنا حركة أفندية مع أنها حركة شعبية عامة شاملة قامت على سواعد العمال والفلاحين أولاً، وإن القرويين أبدوا في هذه الحركة حمية لا تجارى، وحماسة لا تبارى”(11).

إن القول بأن أحداث الثورة كانت مجرد أحداث شغب واضطرابات يدل على سخف، وتضليل، وطرح مناف للحقيقة، إذا علمنا أن غالبيةفصائل الثوار تتألف من الفلاحين الذين تتصل حياتهم ووسائل عيشهم بالأرض(12).

لقد أدان غالبية الفلاحين بالولاء والطاعة للمفتي الحاج محمد الحاج أمين الحسيني. ففي الريف كانت شعبيته عظيمة، وقد نظروا إلى شخصيته كقائد ملهم، ومن سلالة شريفة، وعائلة يتصل نسبها بالدوحة المحمدية الشريفة، وهذا الإعجاب، دفعهم لصبغ شخصيته بهالة من الاحترام والتقدير، وقد تجاوزت شخصيته حدود فلسطين، بل وعدت شخصية عربية، وحوله تبلورت طموحات أمة تحلم بالإنقاذ، وهو الذي تميز منذ صغره بالذكاء، وبشخصية جذابة، وساحرة وببراعة في القيادة، وحسن التصرف(13).

لقد تذبذب الحاج أمين الحسيني في خطه السياسي، وتم تغييره وتطويره بحسب الأجواء والمصالح والمؤثرات الشعبية. ففي الأعوام الممتدة ما بين 1920 ـ 1928 اتخذ موقفاً مهادناً وليناً من سلطات المحتل، حيث كان موظفاً في المجلس الإسلامي الأعلى وتحت إدارة إنجليزية للبلاد، ولكنه خطط لثورة البراق عام 1929، وعندما اشتدت الأمور وطالبه الإنجليز بوقف الأحداث تظاهر بأنه لا قدرة له على لجم المتظاهرين، وفي مظاهرات عام 1933 جارى الحركة الوطنية في رغبتها الانتفاض على الإنجليز، وبعد إعلان اللجنة القومية في نابلس ودعوتها الشعب العربي الفلسطيني للإضراب في نيسان 1936 اضطر لمداراة الشعب وتوحيده خلف قيادته في اللجنة العربية العليا، وسار في شوط مخالف لمعارضيه في الثورة الثانية عام 1937، فقد شرد وطورد بسبب موقفه المتصلب خارج البلاد، في حين اختار معارضوه تأييد الإنجليز وتحولوا نحو الثورة المضادة. لقد اختلف موقفه عن معارضيه والتزم بالثورة المسلحة التزاماً كاملاً، وقد انطلق من إستراتيجية كونه زعيماً وطنيا(14).

وعند مقارنة الحاج أمين الحسيني برأس المعارضة الفلسطينية السيد راغب النشاشيبي فان الحسيني يظهر بمظهر القديس وزعيم الشعب مقابل شخص معروف بمزاجي ومتقلب. وقد وصفته جريدة الجامعة العربية بـ “انتهازيته”، واتخاذه المبادئ الميكافيلية المشهورة التي تتلخص بوصفه بالأنانية المطلقة، وليس أدل على انتهازيته إعجابه بالأبيات التي علقها في صدر ديوانه:

إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل عاصفة سكون

وإذا طالت يداك فلا تقصر *** فإن الدهر عادية خؤون(15).

ولا تختلف شخصيات أخرى، ومنها: فخري النشاشيبي (القدس) الذي يكرس جل نشاطاته في الحزب لخدمة مصالحه الخاصة، ويمارس الوطنية المتطرفة في الثورة الأولى، وفي الثورة الثانية يخرج عن إجماع الأمة، ويشكل (فصائل السلام) خدمة للاحتلال البريطاني، ويحارب الثورة والثوار، ومثله فخري عبدالهادي (جنين)، وعادل الشوا من أخلص أصدقاء فخري المنشق عن الأمة، وحسن صدقي الدجاني (القدس) الذي تتهمه مصادر إنجليزية بأنه ذو ميول بريطانية ومقرب من الأمير عبدالله أمير شرق الأردن وغيرهم(16).

لقد اصطبغت ثورة 1936ـ 1939 بطابع فلاحي؛ أي إن نسبة كبيرة من المشاركين والفاعلين كانوا من أبناء القرى والريف. فقد أظهرت دراسة تاريخية أن من بين 282 قائداً تولوا مختلف المناصب العسكرية. كان بينهم أشخاص 183(65%) من أصول فلاحية، و8 أشخاص (3%) من الفلاحين الذين استقروا في المدينة. و61 شخصاً (22%) من سكان المدن 22 (8%) من البدو، والباقي من الدول العربية المجاورة”(17).

وعند إحصاء الباحث لأسماء القادة ورؤساء الفصائل في فلسطين في ثورة 1936ـ 1939 تحديداًوجد أن عددهم يزيد عن 600 قائد ورئيس فصيل، ويصل إلى 700. وعند فحص أسماء المجموعة التي أعلنت حكومة الاستعمار البريطاني بجائزة للقبض عليها والمكونة من (22) ثائراً وجد أن (19) ثائراً وقائداً هم من أبناء القرى والباقي من مدن، صفد، وحيفا(18).

وعند استعراض أسماء رجال العصبة القسامية وأعمالهم التي أسسها الشيخ عزالدين القسام نرى أن القسام ركزَ على اختيار الكادحين، والفقراء من الفلاحين، والعمال، والمهمشين الذين وجدهم مستعدين لتقديم التضحية والفداء بما يفوق غيرهم، وادراكاً منه لرجولتهم وشجاعتهم ضم إلى منظمته السرية رجالاً وصفوا في مجتمعهم بـ “الأشقياء” تارةً، أو اللصوص تارةً أخرى، وقد كان مؤمناًبإمكانيةإصلاحهم منطلقاً من أن الإسلام يجُب ما قبله، وهم الذين هداهم الله- تعالى- على يد شيخهم القسام، فكانوا من خيرة المجاهدين، وهذه أسماء بعضهم ممن أوردهم سميح حمودة، وهم: الشيخ فرحان السعدي: من قرية نورس، ونمر السعدي: من قرية بسمة طبعون البدوية، وخليل محمد عيسى ” أبو إبراهيم الكبير ” من قرية المزرعة الشرقية قرب رام الله، و محمد الصالح حمد “أبو خالد: من قرية سيله الظهر، والقائد يوسف سعيد أبو درة: من سيله الحارثية، وعربي بدوي، من قرية قبلان، وهناك أسماء أخرى كثيرة نسبت نفسها للعصبة، وهي ذات أصول فلاحية(19).

ثالثا: ملاءمة الطبيعة التضاريسية للبلاد للثورة:

كانت المناطق الجبلية في فلسطين وعرة المسالك، ومنها: منطقة جبل نابلس ذات الموقع المتوسط، ويقع فيها عدة قرى وبلدات، ولا يوجد طرق معبدة، أو رابطة مسفلتة بينها، وتتوفر فيها الأماكن العالية الملائمة للمرابطة والاختباء والحماية، وتحاط القرى بالصبار الذي يشبه السياج، وعادة تسهل أشجار الزيتون والأشجار الحرجية: كالبطم، والبلوط تنقل الثوار، واختبائهم، وعندما يشعر الثوار بالخطر في بعض المعارك يلجؤون لقرى أكثر أمناً.

ولقد كان عدد الطرق المعبدة في المنطقة الجبلية من فلسطين قليلة ومحدودة؛ وبسبب ذلك أمكن للثوار التنقل بحرية وسرعة عبر البلدات والقرى الجبلية متنقلين في فضاء جبلي واسع، حيث نصبوا الكمائن على هذه الطرق، ثم انسحبوا إلى قرى وبلدات يصعب فيها حركة ناقلات الجند البريطاني؛ لهذا كانت القرى القريبة من الخطوط هدفاً لعمليات الثوار، ومعاركهم في حين كانت القرى البعيدة عن الخطوط الرئيسة ملاجئ آمنة للثوار.

لقد بدأت حكومة فلسطين الانتدابية تدرك هذه الحقيقة منذ عام 1930 بعد مطاردة قام بها جنود الإنجليز لعصابة الكف الأخضر بقيادة “أحمد طافش” في جبال الجليل الأعلى، ولم تكن في فلسطين يومها غير طرق محدودة ومنها: الطريق الذي ربط مدينة القدس بحيفا، ويمر من نابلس، وجنين، وطريق يربط يافا بحيفا، ويمر من طولكرم وجنين، في حين كانت طريق نابلس ـ قلقيلية مفروشة بالحصى وغير مسفلتة حتى عام 1942، ومثلها طريق كفرقاسم ـ جماعين ـ نابلس.

لقد وفرت الجبال والأماكن الوعرة في جبل نابلس، ومنها:محمية “وادي قانا الطبيعية”. الملاذ الآمن بفضل سهولة الاختباء والاحتماء فيها، فالثوار يهاجمون، ويكرون على دوريات الجند عند رأس عامر بين جلجولية، وقلقيلية، أو ينسفون القطار، ويفجرون عرباته الكاشفة “ترلي “ويقتلعون القضبان الحديدية، في منطقة السهل الساحلي، ويفرون وينسحبون إلى المرتفعات الجبلية تاركين وراءهم قتلى الإنجليز.

قام الثوار عدة مرات بمراقبة دوريات العدو الانجليزي ودباباته بين التلال والجبال والأودية الوعرة المكسوة بالأشجار الحرجية، وقد سهلت الليات، والصخور العالية عمليات التنقل والاشتباك مع العدو دون أن تكشفهم الطائرات البريطانية التي حلقت في الجو لاستطلاع تجمعاتهموضربها. ففي معركة “الوادات”التي جرت قرب عزون شهد لنا عدة رواة أن القائد فارس العزوني “أبو معروف” اختبأ تحت شجرة بلوط وارفة الظلال، بينما كان ضباط الإنجليز وجنودهم يبحثون عنه دون أن يروه، وهو يرقبهم حتى تغرب الشمس، ومن ثم ينسحب إلى مكان أكثر أمناً(20).

إن هذا يفسر اختيار القائد فوزي القاوقجي ياصيد، وجبل حريش مركزاً لقواته، حيث يشرف الجبل على منطقة واسعة بين نابلس، وجنين، وطولكرم. كذلك اتخذ القائد عبدالرحيم الحاج محمد أيضاً قرية رامين المشرفة على منطقة وادي الشعير، و”وطاة جمعة” من أراضي بلعا مكانين لمراقبة دوريات العدو الإنجليزي وحركاته، وعلى طريق نابلس، و طولكرم، وجنين، ثم اعتاد الذهاب إلى قرية سفارين العالية ليحتمي فيها، كما إن عارف عبدالرازق اتخذ كفرثلث وقراوة بني حسان، ودير استيا، ووادي قانا أماكن للاجتماعات، والتخطيط لتنفيذ المهمات(21).

لقد برز دور الثورة في جميع مناطق فلسطين وعلى وجه الخصوص في المناطق الجبلية من فلسطين، ومن بينهاتجلت فاعلية العمليات والمعارك في منطقة جبل نابلس خاصةً في المنطقة الممتدة بين نابلس، وجنين، وطولكرم، التي سماها الانجليز واليهود منطقة “مثلث الرعب”، وهي منطقة جيدة لحرب العصابات.

وقد حفل سفر النضال الفلسطيني بسلسلة معارك، ومنها: معركة بيت أمرين، وكفر صور وياصيد، وبلعا، وجبع، وصانور، والخضر، وبني نعيم، وطيرة حيفا، ووادي عزون، ودير غسانة، وقد أجهز الثوار على ضباط وجنود في هذه المعارك البطوليةففي:موقع عيون الحرامية ” على بعد 18 كم شمالي رام الله نصب الثوار حاجزاً من الحجارة بقيادة الشيخ عبد الفتاح المزرعاوي وما إن نزلوا حتى أسقط رصاص الثوار عدداً منهم، ومع أن المعارك الكبيرة حصلت في المناطق الجبلية إلا أن الثوار قاموا بأعمال فدائية داخل المدن، مثل قتل الضباط، أواغتيال شخصيات في القدس، وحيفا، ويافا، ونابلس، وفي مناطق السهل الساحلي والنقب جرت أيضاً أعمال ثورية مختلفة كزرع الألغام والمتفجرات، أو الاشتباك والتخريب، ثم الانسحاب إلى الجبال.

رابعا: أثر اختلاف العادات والتقاليد بين عرب فلسطين والصهاينة:

إن المجتمع العربي المعروف بعاداته التي ورثها عن أجداده وتقاليده التي يعتز بها كالمحافظة على العرض والشرف، وذات طابع مميز من النسيج الاجتماعي التقليدي، وجد أن أخلاقه، وتقاليده تتعارض مع أخلاق اليهود الغربية، وتقاليدهم سواء في شكل اللحى، والسوالف، وتناول الطعام، والعلاقة مع الفتيات شبه العاريات، والسير معهن في الأسواق، والسباحة المختلطة في أنشطة المنظمات الطلائعية، بعكس النساء العربياتالمتحجبات المحافظات على شرفهن وأخلاقهن، وقد هاجم الشيوخ في خطب الجمعة الشباب العربي ممن يلبسون الملابس الإفرنجية، والشابات المسلمات المتبرجات، وطالبت صحف عربية بمنع الاستحمام في البحر الذي يضم كلا الجنسين أيام السبت، وعدت هذا السلوك إفساداً لأخلاق الشباب العربي(22).

كل ذلك جعل الثقافتين العربية، والأوروبية، واليهودية منها في تصادم إلى جانب ما يحفل به القرآن من تحذير من غدر اليهود وخيانتهم، وتأصله فيهم، والصراع الضارب في أعماق التاريخ بين المسلمين، والمسيحيين من جهة، و اليهود من جهة أخرى؛فهم سبب الغدر بعيسى المسيح -عليه السلام- الذي وقف في وجه الصيارفة، والمرابين من أحبار اليهود في العهد الرومانيحيث مارسوا السُحت مع الناس.

اندفع المسلمون نحو الكفاح والقتال، وقدم شيوخ المسلمين وأئمتهم الخطب الحماسية والقصائد الشعرية المحرضة على الاستعمار والصهيونيةوفي سياق هذا الدور الذي لعبه مشايخ المسلمين، حيث ظهر دور عدد منهم أمثال: الشيخ عبدالقادر المظفر في انتفاضات عام 1920 وعام 1933، والشيخ عزالدين القسام عام 1935 كما أسلفنا. ولقد كانت العاطفة الدينية والعقيدة الجهادية بارزة عند غالبية قادة الثورة ورؤسائها الذين كان شعارهم في معاركهم مع الإنجليز (إما نصر، أو استشهاد) متأثرين بموقف شيخهم القسام في أحراج يعبد.

وتنعكس الأناشيد الثورية على لسان الشيوخ في المساجد والكتاتيب، ففي أعوام 1936ــ 1939، كان الشيخ أحمد القاضي من قرية ديراستيا ـ طولكرم ينشد لطلابه في مدرسة كتاب كفرثلث، النشيد الآتي:

وقف الهجرة طلبنا *** حفظ الأرض مأربنا

حكومة منا عزمنا *** ومن مبدأنا لنعود

عزمنا عزم شديد *** للمعالي كالحديد

المستعمر العنيد *** نخذله مع اليهود

قابلونا بفظاعة *** بطيارة و دراعة

أين العصبة والعصابة *** وتلك النفوس الوثابة

اسمع لهذه الخطابة *** تحيي جيش وتقول

الطيارة والدبابة *** موش أقوى من العصابة

أين عصبة الأمم *** المبنية على الوهم

الإنجليز فيها الحكم *** والحق فيها مفقود(23).

كان الصراع ولا زال عميق الصلة في علاقته بين الشرق العربي، والغرب الأوروبي لدرجة أن المسيحي العربي الشرقي صاحب المذهب الرومي الأرثوذكسي يرى تناقضاً مع الغربي البروتسانتي المتصهين، ولا يرى في أخيه العربي المسلم أي تناقض باعتبارهم جميعاً أبناء وطن وقومية وأمة عربية واحدة، وقد تجلى هذا الموقف عند الأستاذ أكرم زعيتر أحد قادة حزب الاستقلال القومي العربي أثناء زيارة الوفد العراقي إلى نابلس يوم 12/3/1936، والذي عبر فيه عن ترحيبه بأخوته من الوفد العراقي الذين زاروا البلاد مبرهنين على أهمية الرابطة القومية العربية، وتخندقهم مع الفلسطينيين في خندق النضال القومي العربي، ودفاعهم معهم أمام الوجود الصهيوني الذي يهدد وجوده، ووحدته، بما يشكلهمن خطورة اقتصادية وسياسية وعسكرية(24).

خامسا: تأثير الثورتين السورية والمصرية في فلسطين:

لقد تأثرت أحوال البلاد بمجريات الثورات العربية، وحصولها على استقلال نسبي في كل من سوريا، ومصر، والعراق بفعل المعاهدات المعقودة معها، فقد أذكت ثورة الشعب السوري وإضرابه لمدة شهر، ونجاحهم فيه مبادرة الفلسطينيين إلى الإضراب الشامل والطويل معبرين عن تضامنهم مع المنكوبين في القطرين الشقيقين سوريا وفلسطين.

ويتجلى الارتباط القومي في المؤتمر الشعبي الكبير المنعقد في نابلس يوم 26 كانون ثاني/يناير 1936، وكان ممثلاً للجمعيات والأطياف الحزبية، وبرز فيه دور رجال حزب الاستقلال القومي العربي، وعلى رأسهم أكرم زعيتر، وكان المؤتمر فرصة للالتقاء، والتواصل بين الوطنيين، والقوميين في فلسطين، وبلاد الشام، وخرج أعضاء الوفود إلى الشوارع، وهم ينشدون الأناشيد القومية منادين بسقوط الاستعمارين الفرنسي، والبريطاني، واتفقوا على جمع التبرعات لمنكوبي سوريا والإبراق لعصبة الأمم محتجين على حوادثها الدامية معلنين تضامنهم مع الكتلة الوطنية، وعصبة العمل القومي، ومظهرين سخطهم على التجزئة التي صنعها الاستعمار، وطافوا في تظاهرة ليلية طافت شوارع نابلس معلنين تضامنهم مع الشعب العربي السوري محتجين على موقف دول العصبة من قضيتهم(25).

سادسا: دور الأقلية الموجهة* في التحريض والتعبئة ومساندة الثوار:

نشأت في جبل نابلس طبقة من الملاكين الكبار، والتجار، وأصحاب الصنائع الذين احتلوا موقعاًمهماً في البلاد، وقد تميزت قرى جبل نابلسبعلاقة شبه تكامليةبينها وبين مدينة نابلسفي دورها التسويقي والتجاري، أو استقلاليتها النسبية منذ أوائل العهد العثماني. وقد أمكن لأبناء هذه الطبقة التي عاشت في نابلس تلقي العلوم في إسطنبول، ولندن، وباريس، وبيروت، والقاهرة؛ لهذا كانت لهم القيادة السياسية والحزبية والتعبوية المؤثرة فيقيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، وأسهمت الأقلام والصحف في التحريض و تبني مواقف الثورة واستعار لهيبها. وقد بدأت أعمالها في الصحافة والأندية الثقافية، ثم حشد القوة المادية والمعنوية، وعمقوا الفهم الوطني ونشروا الوعي كل في موقعه، وشكلوا مجموعات تنتظر ساعة الصفر؛ لتشارك في مسيرة الجهاد، وهي مؤمنة بأهمية حمل البندقية والسير بالنضال نحو أرقى أشكاله وهو الكفاح المسلح.

لقد تبرع رجال المدينة والقرى الأغنياء ببعض أموالهم لقادة الثورة، وثوار الميدان، ومدوا يدهم ليساعدوهم على شراء السلاح والملابس. وأسهمت الصحافة الفلسطينية في نشر الوعي بمخاطر

الصهيونية الحاضرة والمستقبلية، وتابعت أخبار الثورة المسلحة وتفجيراتها ومعاركها بالتفصيل، حتى إنها استفزت الإنجليز فأغلقوهاعدة مرات، وامتهنوا حرية الصحافة، ومنها: فلسطين، والدفاع، والكرمل، والجامعة الإسلامية، وحظرت السلطات دخول صحيفة الشورى الفلسطينية الصادرة في مصر التي حررها محمد علي الطاهر من نابلس.

لقد دفعت مؤتمرات الشباب الفلسطيني ودعوتها إلى تبني أشكال جديدة من النضال، وعلى رأسها الكفاح المسلح، إلى بلورة مجموعات عديدة في مدن نابلس، وطولكرم، وقلقيلية، ويافا، والقدس مؤمنة بنهج الكفاح المسلح، منتظرة اليوم الذي تتفجر فيه الثورة المسلحة.

لعب أيضاً رجال العصابات بخروجهم وتحديهم لسلطة المحتل بين عامي 1920ـ 1935 دوراً مهماً في تشجيع روح التحدي عند الشباب العربي، وإن كانت أسباب خروجهم جنائية، واشتهر منهم: أبو سليقة (عقربا)، وأبو كباري (بيتا)، وأبو جلدة(طمون).

ومع أن بريطانيا عرفت برعايتها للمشروع القومي الصهيوني إلا أن تقريرها الذي صدر عام 1937باسم “تقرير لجنة بيل الملكية ” يميل في تحليله لأسباب الثورة في فلسطين للموضوعية والإنصاف، فقد عزى الأسباب إلى رغبة العرب لنيل استقلالهم وكرههم للمشروع الصهيوني في إنشاء وطن قومي وتخوفهم منه، وانتشار الروح القومية العربية خارج فلسطين، وازدياد الهجرة منذ عام 1933 وشعور العرب بسيطرة اليهود، وتأثيرهم على الرأي العام البريطاني، والحكومة الإنجليزية المنتدبة في فلسطينمتحيزة لليهود مع استمرار اليهود في شراء الأراضي، وعدم إمكانية اللقاء أو التمازج بين الثقافتين اليهودية والعربية، وفشل الحديث عن رفاهية الفلسطينيين بعد دخول رؤوسالأموال اليهودية إلى فلسطين. كما أن المعاهدات المعقودة بين بريطانيا، ومصر، وفرنسا، وسوريا لها دور في إذكاء الروح القومية العربية(26).

وهكذا اجتمعت عوامل كثيرة بعضها داخلي وأخرى خارجي نحو تبني شكل جديد من النضال الوطني والقومي غير الذي تعودت عليه الحركة الوطنية الفلسطينية، وقد كان صراعاً دامياً بين العرب واليهود، واتخذ طابعاً قوميا، وشمولياً، وتناحرياً، وقد أسهمت فيه مختلف الطبقات الشعبية هذه المرة وجاءت ثورته معنونة عند الكثيرين باسم “الثورة العربية الفلسطينية الكبرى 1936ـ 1939”.

وكانت الجماهير الشعبية مؤمنة أن قوة الحق لا تنتصر بالاستجداء والترجي، أوالتعاون مع حكومة الانتداب، بل بقوة الإرادة في الجهاد والفداء والتضحية. وليس ثمة شك أن الطبقات الفقيرة من الفلاحين، والعمال، والمثقفين الثوريين كانوا أكثر استعداداً لحمل البندقية، وخوض المعارك في جبال فلسطين، أما باقي الطبقات، فقد أدركت المخاطر التي أصابتها من هذا الاحتلال، وتولدت لديها جميعاً القناعة بأن السيف أقوى من القلم. ورأى الفلاحون في ثورتهم على عدوهم وأعمالهم البطولية ما يعزز هيبتهم ووجودهم، وقد مارسوا سلطتهم بعد أن ظهر فيهم عدد كبير من القادة والرؤساء، وقد رفعت تضحياتهم وبطولاتهم منزلتهم.

إن ثورة عام 1936 هي انتفاضة شعب غضب لكرامته، قصتها قصة البطولة التي لا تُوزن، ولا تُحسب، وجمالها هو جمال التضحية النقية الصافية. فقد أقدم عليها الصبي والصبية، والرجل والمرأة، متجاهلين جميعاً كل الفوارق الطائفية، والطبقية الاجتماعية، ولم يعرفوا إلا عروبة فلسطين، ولم يهتفوا إلا بحرية العرب ووحدتهم واستقلالهم. ثمانية عشر عاماً والعرب يعانون أفعال السلطات البريطانية التي صممت على تهويد فلسطين، فهاجت خلالها خواطرهم وهم يرون أن حكومة الانتداب قد بخلت عليهم حتى بمجلس تشريعي عقيم، ومن حولهم شجعت حركات الاستقلال العربي في مصر، والعراق، والشام، فزادت نفوسهم تطلعاً إلى تغيير الأسلوب بعد تعذر إقناع حكومة الانتداب بالعدالة والحق العربيين (27).

انطلاق شرارة الثورة في حادثة بلعا:

في سياق النتائج والتوترات كان لا بد من شرارة كي تلتهب الثورة وتشتعل أحداثها المختلفة.. ويرى الشهيد والمفكر القومي العربي “عبدالوهاب الكيالي” أن الأحداث تأزمت، وبدأت حينما تشكلت حاميات عربية عمالية في مدينة يافا في شهر شباط من عام 1936؛بسبب خلاف حول منع العمال العرب من العمل في بناء مدرسة عربية، وهنا تألفت الحامية العربية، وطوقت الموقع ومنعت اليهود من الوصول إليها(28).

وتوالتالأحداث وكان لحادثة أخرى تدعى حادثة بلعا أكبر الأثر في تأجيج الموقف بين العرب واليهود. وقد وقعتحادثة قرية بلعا قرب المكان المعروف حتى اليوم باسم ” لية بلعا” على طريق نابلس ـ دير شرف. لقد بدأت الحادثة بمرابطة ثلاثة رجال يلبسون لباساً فلاحياً. يوم الأربعاء 15 نيسان عام 1936 عند الساعة الثامنة والنصف مساء، وقد أوقفوا السيارات المارة في المكان وسألوا سائقي السيارات عن الركاب، ومن معهم، وصادف أن أحد اليهود كان يقود سيارة شحن محملة بالدجاج، وعند حاجز مكون من عشرة براميل من الزفتة التي تستعمله دائرة الأشغال، حيث اختبؤوا بين المزروعات على جانب الطريق، وعند وصول السيارات الإنجليزية برزوا وأشهروا سلاحهم. فقام أولهم بحراسة الطريق ومراقبتها، وصّوب ثانيهم بندقيته إلى الصدور، وتولى ثالثهم جمع المال من الراكبين. ثم راحوا يسألون الركاب هل بينكم يهود؟ هل بينكم إنجليز؟حتى وصلوا إلى سيارة كبيرة محملة بالدجاج، وبعد تعرفهم إلى هوية السائق والتاجر الذي يجلس بجانبه عرفوا أنهما يهوديان فقتلوهما وهما: إسرائيل أبرهام من يهود يافا، وقازان زلفي من يهود تل أبيب، وجرح يهودي ثالث، وكانوا يقولون للركاب العرب: “إننا بحاجة لدراهم لنشتري بها خرطوشاً، وقنابل وبنادق للجهاد، ولنثأر لشيخنا عزالدين القسام وإخوانه”(29).

اختلفت الآراء حول تقييم هذا الحادث حيث اعتبره عزة دروزة “حادث تشليح عادي.. كان ضحاياه من العرب واليهود”، ونظر إليه أكرم زعيتر كعمل ثوري قسامي، وعدَّه فيصل عبدالرازق عملاً تقوم به عصابة سلب ونهب. فقد كتب ” سطا مسلحون على الطريق بين مدينة طولكرم وبين نابلس عند منعطف قرية بلعا. وكانت نتيجة الاعتداء مقتل يهودي، وجرح اثنين ونهبت أموالهم. لقد كان هذا العمل بعيداً كل البعد عن العمل الوطني، فالعاملون بالحركة الوطنية لا يسيرون بهذا الأسلوب”(30).

انتشر بين الناس أن مجموعة بلعا من القساميين على رأسهم فرحان السعدي، واعتبره صبحي ياسين القسامي أنه جاء تتمة وتطوراً لحالة الغضب، والإعداد للثورة التي بدأها الشيخ القسام، وتصاعدت حدتهافي سلسلة من الحوادث التي أسهمت في تفجير (الثورة العربية الفلسطينية الكبرى عام 1936ـ 1939)، وهو الاسم الذي أطلق عليها في عدة مؤلفات.

والحقيقة أن زعيتر كان أقرب لفهم الحدث؛ والسبب أنه في اليوم التالي للحادث جاء فلاح ملثم، فطرق باب بيته، وذكر له أن هذا العمل جاء انتقاماً لرفيقهم القسام، وأنهم بحاجة لشراء السلاح، وقد فسر زعيتر الأحداث في رسالة بعثها للمندوب السامي البريطاني، ووضح فيه أن الأحزاب لا تمثل روح الأمة الساخطة والناقمة، وأن حادثة بلعا هي اليأس العربي والتذمر وشعور العربي، وإحساسه أن فلسطين تنقرض بسرعة، ويحل محلها شعب أجنبي مغتصب، ولأن الصرخات لم تجد نفعاً، ولا الشكاوى، والاحتجاجات، والمظاهرات، والاجتماعات، والمذكرات، والوفود، والخطابات في دفع الكارثة عنه، وأن العربي الذي لا يخفي إحساسه بكراهية المحتل، أن بواجبه من واجبه الجهاد في سبيل الدفاع عن كرامته(31).

اتفقت الروايات على أن قائد المجموعة هو الشيخ فرحان السعدي أحد رفاق القسام، واختلفوا حول من كان معه فبعضهم ذكر محمود داود الديراوي (دير أبو ضعيف)، ومحمود سالم المخزومي أبو أحمد القسام (زرعين)، ويشرك البعض الثائر المطارد خميس مصطفى قنبر(عقربا)(32).

كان فرحان السعدي أحد القساميين الذين انتظموا في عصبة القسام الثورية شأنه شأن عدد من رجال جبل نابلس وشبابها، وهم الذين أطلق عليهم الكتاب اسم:” الفصائل القسامية “، ومع أن عددهم قدر بـ 85 قائداً ورئيساً لفصيل عند “بيان الحوت”، إلا أن إسهامهم في الثورة يفوق عددهم، وأن سيرتهم كانت أفضل من غيرهم(33).

مظاهرة يافا وتأثيرها في الأحداث:

تبع ذلك ردود فعل متبادلة بين اليهود والعرب ومنها: قتل عاملين مصريين كانا يبيتان شمال مستعمرة ملبس قرب الجسر الواقع على نهر العوجا الذي يوصل ملبس مع كفرسابا، ويعملان في حراسة بيارة يهودية حيث قتلا في الثامن عشر من نيسان 1936 بعد أن اعتدى عليهما أفرادالعصابات الصهيونية ليلاً وقتلوهما. وانتقلت الأحداث إلى يافا، وتطورت الأحداث إلى عصبية قومية، فتجمهر اليهود واعتدوا على حوانيت الخضار العربية، وحاولوا أن يتجهوا نحو يافا، ورد العرب بمظاهرات، وقد بلغ عدد القتلى من اليهود والعرب تسعة، والجرحى نحو أربعين، وأحرق نحو أربعين بيتاً جلها عربية وتألفت لجنة من مختلف الأحزاب وسرى الخبر في جميع البلاد، وعقد العاملون في نابلس اجتماعا قرروا فيه الإضراب الطويل، وسموها” اللجنة القومية “وطالبوا المدن الأخرى أن تحذوا حذوهم(34).

مبادرة رجال نابلس بتأسيس اللجنة القومية والدعوة للإضراب:

بادرت مجموعة من القيادات المؤثرة، والمثقفة، ومن الحزبين الرئيسين المختلفين في فلسطين إلى عقد اجتماع في مدينة نابلس، وكان على رأس المبادرين لعقده الأستاذ “أكرم زعيتر” العضو القيادي، والنشط في حزب الاستقلال العربي في مدينة نابلس الذي اهتم بجمع القوى وتأسيس لجنة قومية تدير الأحداث حيث اجتمعوا في صبّانة أحمد الشكعة يوم 19/4/1936، وضم الاجتماع عدداً من رجال الأحزاب، ومنهم: رئيس البلدية سليمان طوقان، الأستاذ المحامي عادل زعيتر، الدكتور المحامي عبداللطيف صلاح، الأستاذ فريد العنبتاوي، الدكتور مصطفى بشناق، السيد أحمد الشكعة، طاهر المصري والشباب: واصف كمال، ممدوح السخن، حكمة المصري، أكرم زعيتر، واتفق المؤتمرون على مجموعة أسس مهمة وهي:

ـ أن تولى نابلس قيادة الحركة الوطنية على أسس قومية وليست حزبية، وإبعادها عن خلاف الأحزاب.

ـ اعتبار الإنكليز العدو رقم واحد، وهم أصل البلاء، والمسؤولون عما أصاب القضية.

ـ تتولى نابلس مهمة الاتصال بالبلدان الأخرى دون انتظار لدور الأحزاب.

ـ الهدف العاجل وقف الهجرة اليهودية؛ لأن استمرارها يجعل عرب فلسطين في خطر دائم.

ـ يجب أن لا تهدأ الأحداث مع ضرورة الاستفادة والاعتبار من وعود الانجليز الكاذبة.

ـ الحركة تعتمد التنظيم وأولى مبادراتها تأليف لجنة قومية تتولى قيادة الأحداث في نابلس ولوائها.

ـ تنظيم جهد الحركة المالي والجباية والإنفاق والاتصال بين الفلاح والمدني، والحرص على اشتراكهم الفعلي في الإضراب(35).

تم إعلان الإضراب الكبير في البلاد في العشرين من نيسان1936. بعد دعوة اللجنة القومية في نابلس التي نشرتها الصحف، وتبعها إضراب سلمي تجاري، ثم توالت الأحداث صعوداً في عدة أسابيع نحو المظاهرات والصدامات مع قوات البوليس الانجليزي، وأمام حالة التصعيد هذه أصدرت حكومة الاستعمار الإنجليزي قوانين جديدة عبر جريدتها الرسمية أسمتها:”قوانين الطوارئ” 1936، التي أباحت للمندوب السامي مطلق اليد بفرض مجموعة قيود شملت:وضع اليد على العقارات والمباني، والمنشآت، والمصادرات، واستخدام المركبات، والوقود، وزيت السيارات، والمطبوعات وحق الضباط في اقتحام البيوت، واستعمال القوة متى دعت الحاجة، ومنع التجول في مكان عام، والحق في إبعاد الأشخاصحيث يحق له بموجب المادة 75 إبعاد أي شخص من فلسطين، وتنص المادة 19 على أنه يجوز لأي مأمور بوليس، ولأي مختار أن يلقي القبض دون مذكرة على أي شخص مشتبه!(36).

ردت جماهير نابلس وقراها بالتحدي لقرارات الحكم العسكري وقوانين الطوارئ، وسارت في مظاهرات يوم الجمعة الموافق 22 نيسان من مساجد المدينة، واجتمعت تحت لواء المجلس البلدي، وخطب فيهم سليمان بك طوقان رداً على الأدون ديزنكوف رئيس بلدية تل أبيب الذي اتهم فيه العرب بالهمجية، واتفقوا على الإضراب الطويل، واستهزأ بتهجمه على العرب، وافتخر طوقان بأن شعب فلسطين محاط برعاية إخوانه في البلاد العربية(37).

كان دور الأستاذ “أكرم زعيتر” في الأحداث الجارية في المدينة وقراها بمثابة الروح المحركة و الدينمو للشعب الثائر، عن ذلك كتب المعلم عبدالله حجاز ممن شهدوا تلك المرحلة:” أنه ينبغي أن لا ننسى أعمال أكرم زعيتر المبرورة في العمل الوطني منذ تذوق طعم شرف الحرية من خلال ما درس من كتب تاريخية، وتكَون له بحران بحر الثقافة، والمعاهد العلمية متشعبة الأطراف، ومعه الحماسة المتنورة طاف المدن والقرى قبيل الثورة يحمس على التمسك بمطلب تضمن الحرية، وعند هبوب عاصفتها زادت حماسته، ودلت الأحداث على وطنية عالية”(38).

عَم الإضراب مدن فلسطين وقراها، ولم تثن هذه البيانات الشعب العربي الفلسطيني عن الاستمرار في ثورته بل كانت وقوداً جديداً يضاف إلى حالة السخط، واندفعت البلاد، وهي ترنو ببصيرتها إلى اتفاق رجال الأحزاب الفلسطينية على رأسهم رجال الحزبين الرئيسين الكبيرين المتنافسين، وهما: حزب الدفاع، والحزب العربي(39).

ـ تأسيس اللجنة العربية العليا:

كان من تأثير اجتماع رجال الأحزاب في نابلس، وقرار لجنتهم القومية الاستمرار في الإضراب الطويل أن شجعوا الأحزاب السياسية في مدينة القدس على الاجتماع في الخامس والعشرين من نيسان 1936، واتفقوا على تشكيل اللجنة العربية العليا، كقيادة تدير الأحداث في البلاد، وقررت الاستمرار فيه بناء على طلب الشعب وخوفاً من غضبه، وقررت التجوال في بلدان فلسطين وزيارتها لغرض شرح الاتفاق، والتفاهم، ومواصلة الإضراب، وتقديم العون للمحتاجين(40).

يعود الفضل في تشكيل الهيئة العربية واستبدالها باللجنة التنفيذية القديمة إلى رجال حزب الاستقلال العربي الذين أرسلوا وفداً من مدينة حيفا ضم: محمد علي التميمي، ورشيد الحاج إبراهيم، ومعين الماضي، وعقدوا عدة اجتماعات مع ممثلي الأحزاب المختلفة، ورأوا أن الغاية الوطنية لا تتحقق إلا بتحقيق الوحدة الوطنية بين الأحزاب وقياداتها، وعلى رأسهم الحاج “أمين الحسيني”بمركزه المرموق، وقد أظهر رجال الحزبين الرئيسين تردداً في الظهور العلني في بداية الأحداث، ولكنهم أمام تطلعات الشعب، ومطالبته لهماضطروا لمجاراته، فتألفت اللجنة العربية العليا برئاسة الحاج “أمين الحسيني”، واختير أحمد عبدالباقي أميناً للمالية، وعوني عبدالهادي سكرتيراً لها، وأعلن تأسيسها في اجتماع حافل، وجاءت بميثاق ينادي باستمرار الإضراب الذي لن يتوقف حتى تغير الحكومة البريطانية سياستها، ونادت بتطبيق مطالب عرب فلسطين، وهي: وقف بيع الأراضي لليهود، ووقف الهجرة اليهودية، ومنعها منعاً باتاً، والدعوة لقيام حكومة وطنية نيابية، واعتبرت اللجنة العليا مركزاً ترتبط به اللجان القومية، وناطقاً باسم الأمة في مرحلتها الكفاحية الجديدة(41).

كان تشكيل اللجنة العربية العليا فرصة للشعب العربي كي يتجاوز حالة الانقسام، وهي فرصة لعودة زعامة الحزبين الرئيسين بعد أن بدت متخلفة، ومترددة في السير في مسار الجماهير الذي يدفع باتجاه مواقف أكثر ثورية وجذرية.

وأمام حالة النهوض الثوري عمت المظاهرات والاجتماعات الدورية داخل المدن وخارجها ونشط دور جميع فئات الشعب ذكوراً، ونساء، شيباً، وشبانا، رجالًا، وأطفالاً، وانتشرت حالة العصيان المدني تحت شعار “لا ضرائب بلا تمثيل” وعقدت المؤتمرات القروية في عدة بلدات، وقرى منها: قلقيلية، وبديا، وعصيرة الشمالية، ودبت روح النخوة والحمية عند الفلاحين في قراهم، وتشكلت فيها اللجان القومية معلنين استعدادهم للتضحية فداء للوطن(42).

وحول دور واحدة من القرى في الإضراب. كتب أحد المعلمين من قرية بلعا: نظراً للأحوال السياسية والاقتصادية السيئة السائدة في فلسطين سنة 1936 تحت الانتداب البريطاني “تداعى الفلسطينيون وقرروا عصياناً مدنياً وإضراباً مفتوحاً دام ستة أشهر في مدن فلسطين وقراها، ففي بلعا أعلن المعلمون والطلاب إضرابًا مفتوحاً وانضموا إلى أهل القرية الذين كانوا محتشدين في وسط البلدة قرب الجامع، وألقى الخطباء خطبهم شارحين الأوضاع السائدة التي أدت للعصيان المدني والإضراب العام المفتوح، وكانت الجماهير تهتف مرحى! مرحى! لأنه لم يكن بهم ملك أو رئيس يفدونه بالروح والدم، وكان يقود الهتافين ويقدم الشراب للجماهير رجل يدعى محمد عبدالرحمن شحادة”(43).

وفي ظل حالة العصيان التي أعلنها الشعب في نابلس وسائر مدن فلسطين في 15أيار وأمام انتظار الشعب للخطوة اللاحقة [صبت الحكومة الزيت على النار]، حيث أعلنت الحكومة في الجريدة الرسمية قبولها منح 4500 رخصة هجرة لجدولة العمل اليهودي خلال ستة شهور، ولهذا أدرك الشعب أن من الحماقة وقف الإضراب، وتحمس أبناء المدينة وريفها للقيام بمظاهرة ضخمة، وزاد الأمر روعة إعلان عدد من العاملين العرب في البوليس الإضافي البريطاني عن نيتهم ترك عملهم، وخلت المدينة من الجنود البريطانيين رغم أنهم كانوا في معسكرهم، في حين حلقت الطائرات في سماء المدينة، وقامت الدبابات بمناورات عسكرية(44).

تبع إضراب الشعب الفلسطيني حالة من الهيجان الشعبي، ثم اضطرابات عمت فلسطين ومنها: نسف، وتخريب للجسور، وقطع أعمدة الكهرباء، والهاتف، وإلقاء قنابل ومفرقعات، وقطع أشجار، وتخريب سكك الحديد، ثم أخذت تظهر التجمعات الغفيرة من أبناء القرى الذين دخلوا نابلس من مشارقها ومغاربهاحاملين الرايات والأعلام العربية، وساروا في مظاهرة قدرت جماهيرها بثلاثة آلاف شخص، وحمل بعضهم البنادق، وأطلقوا النار في الهواء، واشترك فيها الفلاح، والمدني، والمسلم، والمسيحي، وتعانق الهلال والصليب، حتى وصلوا نادي الاتحاد الرياضي، وفي هذه الأثناء خلت شوارع المدينة من الجند، وبقيت الطائرات تحوم في سماء المدينة، وتوافدت أعداد كبيرة من الدبابات والمدرعات إلى ثكنة الجيش خارج نابلس، وأطلق الجمهور المتحمس العيارات النارية على سرايا الحاكم، وردت السلطات البريطانية على لسان المستر (بيلي) بمنشور يمنع التجوال بحسب قانون الطوارئ اعتباراً من يوم 22/أيار 1936 من الساعة السابعة مساء وحتى الخامسة في اليوم التالي(45).

لقد ضربت مدن جبل نابلس (جبل النار) نابلس، وجنين، وطولكرم المثل الأعلى في النضال ودبت فيها روحاً ثورية منذ بداية الأحداث، ففي 19/4/1936 حطم الشعب في طولكرم 6 سيارات يهودية، ومنعوا غيرها من المرور، وفي جنين قامت مظاهرة كبرى، وعندما مرت أربع سيارات يهودية، محملة بالبضائع والمواشي يحرسها البوليسالانجليزي، فقام الشعب الثائر بالهجوم عليها، وقتل ستة من اليهود، في حين استشهد عربي، وجرح آخر، وفي 28 نيسان ظهرت عصابة محمد الصالح” أبو خالد” وابتدأت أعمالها الثورية بالهجوم على دورية بريطانية، وقتلت عدداً من أفرادها، وهاجم الشعب في قلقيلية مستعمرة مجاورة في 30/4/1936، وقتل عدداً منهم، وفي نابلس دارت معركة بين الشعب والبوليس سقط خلالها مجاهدان عربيان، هما: محمد ياسين، وبليبوس، وقتل أربعة من الإنجليز، وفي 16/5/1936 نسفت إحدى الجسور، وقتل سجين عربي في سجن نور شمس؛ بسبب رفضه العمل في السجن احتجاجاً على المستعمر(46).

رواد النضال في جبل نابلس يشعلون الثورة المسلحة:

لقد اختلفت المصادر والمراجع العربية، والصهيونية، والأجنبية عمن أشعل الثورة المسلحة أولاً، ولمن كانت الأسبقية في تفجير أحداثها.

وكان السؤال هل هي من عمل فئة الأفندية أم فئة الفلاحين؟!

عدت هذه الثورة عند الكتاب الصهاينة أمثال: عزرا دنين، وبار زوهر، وآخرون بأنها أحداث شغب ثم فوضىتحولت فيما بعد إلى “تمرد” عم البلاد، وتجاهلواوصفها بأنها ثورة وقالوا: إن الذين أشعلوها هم “طبقة الأفندية” في مدينة القدس مستغلين شغب الفلاحين، وأنهم قطفوا ثمارها وأن قادتها الميدانيين “متخلفون” ومن مستويات منحطة حضارياً، وأنهم أصحاب سوابق جنائية عملوا في اللصوصية، وقطع الطرق، وشككوا في سلوك عدد من قادة فصائل الثورة ورؤسائها باعتبارهم بدؤوا أشقياء، أو سماسرة أرض لحساب الصهاينة، وأنهم تظاهروا بالوطنية، وأنهم “صديقون”، أمثال: القائد عارف عبدالرازق.

كانت مصادرهم مستقاة من النظرة الصهيونيةمدعومة برؤية رجال المعارضة الفلسطينية، وعلى رأسهم فخري النشاشيبي رئيس حزب الدفاع المعارض العميل للحكومة البريطانية الذي أصدر كتابه: (صوت من قبور فلسطين) بعد خروج حزبه من اللجنة العربية العليا عام 1937، وعبر عن استعداده للتفاوض مع الإنجليز في وقت شن فيه الإنجليز هجومهم على مفتي فلسطين، وكان عزرا دنين أول من كتب عن الثورة، وأصدر كتابه بعنوان:”شخصيات ووثائق”، وبث سمومه، فمعظم الذين كتبوا من بعده عن الثورة تلقفوا الاتهامات الباطلة، وحشوها بما يلزم كي تصبح الثورة ثورة مجرمين، وقتلة، ولصوص، ولأن قادتها هكذا، وأن الشعب العربي الفلسطيني متأخر حضارياً، وليس أهلاً للحرية والاستقلال (47).

ويذهب الغوري أحد الشخصيات المقربة من المفتي أنه كان على علم بما تخطط له جميع التنظيمات الفلسطينيةالتي شكل الشيخ عز الدين الفسام بعضها في الشمال، وأخرى في الجنوب من قبل عبدالقادر الحسيني، لكن المجاهد القسامي: صبحي ياسين، وصاحب الميول الناصرية يذهب إلى أن القساميين هم من أشعل الثورة وفجرها.

لقد جاءت رواية الغوري بعد مرور ستين عاماً في سياق الرد على النقد الموجه للحاج أمين الحسيني المتهم بالتقاعس عن تلبية طلب الشيخ عزالدين القسام بإشعال ثورة في الجنوب في الوقت الذي يشعلها القسام في شمال البلاد. يصح القول: إن رواية الغوري مشكوك في صحتها خاصة، وأنه المصدر الوحيد الذي يذكر فيها أن عبدالقادر الحسيني أعد تنظيماً باسم تنظيم الجهاد المقدس، وأنه اجتمع في عام 1934 في أريحا؛لغرض بناء التنظيم وتأسيسه، ويدعي أن الحاج أمين كان على اطلاع على هذه التنظيمات التي شكلها القسام وعبدالقادر الحسيني، ويقول:إن عبدالقادر هو مفجر الثورة الفلسطينية الكبرى، ومطلق رصاصتها الأولى في جبال القدس في فجر يوم 17 أيار 1936 بالقرب من قرية بيت سوريك شمالي غربي القدس، حيث انقضالمجاهدون على ثكنة للجيش البريطاني، وأن هذا العمل دفع باقي الفرق لمهاجمة ثكنات الجيش ومراكز الشرطة، لتعمالثورة وتتسع في باقي البلاد(48).

ومع أننا لا نقلل من دور المجاهد عبدالقادر الحسيني الوطني والثوري، ولكن معظم المصادر التي بين يدينا، أو من قابلناهم من الرواد الأوائل تؤكد أن صيحة الثورة، وانفجارها بدأت في خروج القسام إلى أحراج يعبد، واستمرت في حادثة بلعا، ثمانفجرت بقوة يوم 23 أيار 1936 بخروج عدة مجموعات من الشباب في مدينة نابلس، ومدينة طولكرم، ومن هؤلاء المؤرخين:إحسان النمر، وعبدالوهاب الكيالي، وأمين سعيد، وفيصل عارف عبدالرازق، وسميح حمودة، ومحمد عبدالله حجاز، ويرى مؤلف هذا الكتاب أن البداية الحقيقية للانفجار الثوري حصلت يوم 23 أيار 1936.

لقد وضعت خطوة الإضراب العام، ومنذ شهوره الأولى الناس في هاجس الحديث عن السلاح، وصار الحديث دائباً وموصولاً بين أفراد الشعب عن السلاح، والذخيرة، والعتاد، وكيفية الحصول عليه وتهريبه، حيث قام عدد من المهربين في قرى مشاريق نابلس، عقربا، وطمون الذين عبروا المخاضات* في نهر الأردن بنقل السلاح الى الثوار، وبدأ لشباب يتدربون عليهبفضل الضباط والجنود القدماء، أمثال السادة: الحاج راغب بدران، ورامز خريم، والحاج خورشيد الشخشير، وأحمد كلبونة، وحمد الزواتي(49).

شهدت الأحداث في جبل نابلس سرعة انتقال الجماهير من خطوة لأخرى. فكتب إحسان النمر أنها بدأت بالإضراب الشعبي، ثم انتقلت للمظاهرات، والاضطرابات العنيفة، والعصيان المدني، ورفض التعامل مع السلطة، وامتنع الناس عن دفع الضرائب في 7 أيار 1936، وقد انتشرت حالة العصيان بين التجار العرب حتى إن تجاراً سوريين، ومصريين قاطعوا التجار اليهود في فلسطين، وصارت اللجان المختلفة تتولى مهمة تنظيم الإضراب، وتلاه هجوم على المستعمرات، وتقطيع الأشجار، ومع بداية أيار أخذت الأصوات تنادي باستخدام السلاح، فقامت مجموعة الحاج رامز خريم بتصنع الديناميت والقنابل، وألقتها على سرايا الحاكم البريطاني في نابلس، وعلى دار المستر فيتزر جيرالد الذي أهان القسام يوم استشهاده في حادثة يعبد(50).

وعن دور المجموعات المسلحة كتب النمر:”العصبة الأولى تطلق الرصاصة الأولى”، وتناول فيها أول مجموعة من شباب المدينة التي رابطت على الطريق العام في الجهة الشماليةالذين أطلقوا رصاصات على الجيش داعين الخالق -عَز وجل- أن يكسر جيش بريطانيا، وهم:صادق زكريا، وفوز الجلاد، وراشد الصروان، ووائل عكوبة، وعبد الفتاح شبارو بما لديهم من بنادق بعضها قديم الصنع، وأخرى بريطانية وفرنسية، واجتمع الخمسة بعد عصر يوم 23 أيار في “حي القريون” في نابلس يتلقون التعليمات، والإرشادات من الحاج خورشيد الشخشير الذي كان عريفاً في الجيش العثماني، وقد خرجوا في استعراض أمام الناس الذين حّيوهم وفوجئت نابلس بهذا الاستعراض والعمل الثوري حيث أطلقوا النار على قافلة سيارات يهودية يحرسها الجند والبوليس، وقد بلغت نحو تسعة عشر سيارة فأصلوها ناراً حامية(51).

وتبعها تعاون مجموعات من شباب المدينة والقرى الذين رابطوا في عدة مواقع، وهاجموا أماكن الجند(52).

رد الإنجليز بفرض منع التجوال على نابلس، أما الثوار فقد آثروا الانسحاب من أماكنهم وأخفاء سلاحهم؛ ليشاركوا قومهم في أعمالهم العادية، وأخذت دوريات الإنجليز بقيادة الضابط (فيتزر جيرالد) تُهاجم الجالسين في المقاهي، وتستفز الناس؛ فأطلق شاب من مسدسه النار على الجنود؛ فوجه الجند سلاحهم على الجالسين بالمقاهي ؛ فاستشهد وسجن عدد منهم في منتصف الليل، واعتقل أكرم زعيتر، وفي الصباح شاع الخبر بين القرى أن نابلس تتعرض للذبح، والقتل، فتقلد القرويون سلاحهم، وجاؤوها من رؤوس الجبال وهاجموا الجند البريطاني، وتبادلوا معهم إطلاق النار عدة ساعات(53).

تبع نشاط ثوار المدينة نشاطاً موازياً في ريف جبل نابلس، وتشكلت المجموعات والفصائل المختلفة في قضاء طولكرم، وجنينمستفيدين من خبرات الجنود والضباط الذين عملوا في الجيش التركي والثورة العربية الكبرى، وفي الثورة السورية عامي 1920 و1925.

لقد انتشرت الثورة في مشاريق نابلس، وفي غربها في وادي الشعير، وفي منطقة جنين وبيسان، ونشط رجال الثورة ومفجروها الأوائل في تهريب السلاح، والمتاجرة به، وكان إبراهيم الحاج نصار من بلدة (عنبتا) أحد العاملين فيه، فقد أحضر السلاح من قرية قيساريا، واستعان ببعض التجار الذين هربوه بنقله مع البضاعة المحمولة على الجمال، وذات مرة استوقفت دورية إنجليزية شخصاً يدعى عبدالله بكر، وسألوه عن حمولة الجمل، وطلبوا إليه أن ينيخ الجمل؛ لتفتيش الحمولة، ورأى الرجل أنه قد أحيط به، وأن عليه أن يحتال للخلاص من هذه الورطة بإهاجة الجمل ففعلها: ولكز عبدالله بكر الجمل في خصيتيه فهاج هياجا ًعظيماً، وجعل عبدالله يصيح معولاً خوفاً على ماله وبضاعته، وحلت بالإنجليز دهشة تراءت في عيونهم بين جمل هائج، ورجل يباريه في هياجه فأخذتهم به الشفقة، وجعلوا يعملون على تهدئته، ثم خلوا سبيله(54).

الدور التحريضي للسيد سليم عبدالرحمن في الثورة الشعبية:

قالت العرب “المحرض يساوي ألف مقاتل”، هكذا كان دور سليم عبدالرحمن في منطقة طولكرم رغم أن بعض الذين قابلناهم قالوا: إن أعماله مسرحيات وأعمال بهلوانية لا تغطي الدور الذي سبق وقام فيه ببيع الأراضي، ومعه والده رئيس البلدية، واخوه سلامة، وأصهاره حسن، وعلي القاسم، وقد عده المفتي عميلاً للإنجليز، وطلب من هتلر سجنه فسجنه ستة أشهر في برلين، وألف سليم كتاباً حول اعتقاله.

ففي يوم الجمعة الثاني والعشرين من شهر أيار 1936 جرت مظاهرة مسائية صاخبة في حديقة البلدية (المنشية) في مدينة طولكرم شاركت فيها جموع غفيرة من فلاحي القضاء، وخطب فيهم سليم عبدالرحمن، وغيره من الشباب داعين للسير في نهج الكفاح المسلح، و ترك طرق الاحتجاج السلمية، وبعيداً عن الخطابات كان القائد عارف عبدالرازق، وعدد من رفاقه يستعدون لتفجير الثورة، ومع حلول الظلام قاموا بإطلاق النار على معسكر للجيش الإنجليزي في مدرسة الخضوري ورد الإنجليز من رشاشاتهم، وسهرت المدينة على أزيز الرصاص، وهيأ عارف فرقاً مختلفة لتقوم بسلسلة عمليات ثورية شملت إلقاء قنابل على مركز السلطة في المدينة، ووضعت أحد الفرق المتفجرات تحت جسور سكة الحديد القريبة(55).

وقد كتب عنه المعلم، المثقف، والمطلع محمد حجازفي كتابه المخطوطواصفاً إياه بـ”زمبرك الحركة الشريفة التي رفعت رأس العرب عالياً، وذلك هو السيد سليم بك المذكور الخطيب المتحمس المفادي، والمضحي، وأعماله الشخصية للقيام بالواجب الوطني، فخطا خطوة خطيرة في بلاد لم تتعود الثورات الداخلية بصورة منظمة وواسعة… فور ذلك اعتقلت السلطة سليم بك ظناً منها أن ذلك يمنع سريان حماس الثورة في القرى، وكان عملهم كمن صب الزيت على النار”(56).

وحول أسباب الثورة العربية الفلسطينية الكبرى، فقد وضحها سليم في اجتماع جماهيري حاشد قدره المعلم محمد حجاز بثلاثين ألفاً، فقال:” إن أحلامنا قطعت ألسنتها لكثرة ما كتبناه من الاحتجاجات، وما سطَرناه من شكاوى لهذه الحكومة على ما لحقنا من الظلم السياسي والاقتصادي والطبيعي، حتى والديني فلم نحصل على نتيجة، فكسروا الأقلام، ومزقوا الأوراق، وعقلوا الألسنة، وسنوا الأسنة، وأنطقوا السيف والبارود يجبكم بخير”(57).

ويتوقع سليم أن تبادر الحكومة لاعتقاله، فيحذر من تثبيط الهمم، ويقول: “يجب أن لا يكون ذلك مثبطاً لهممكم؛ لأني لا أعتبر نفسي زعيم أناس هم دوني في الكفاءة، وفي الدفاع عن البلاد والغيرة عليها من أن تمس بسوء، فكلكم سليم لا وحدي، وكلكم أشاوس وليوث، إن تبرعتم بدمكم ثمناً للحرية”(58).

ولكن، ماذا كان رد الجماهير عليه؟وكيف أجابوه؟

لقد سرت فيهم نبضات كهربائية، ورعشات قوية كما تسري الكهرباء في الأسلاك الحديدية، وردد آلاف المتظاهرين المحتشدين:”لبيك وطني لبيك. لا شريك لنا فيك لبيك”(59).

وفي صباح اليوم التالي 23 أيار/مايو 1936 بلغ أهالي قرى طولكرم أن الحكومة اعتقلت عشرات الشباب، وعلى رأسهم المعتقل الزعيم سليم عبدالرحمن، وأنه نفي إلى طوباس تمهيداً لمحاكمته، فثاروا وتقلدوا سلاحهم متجهين إلى مدينة طولكرم، وعند لية بلعا شرق طولكرم التقوا بقافلة من الجيش فاشتبكوا معهم، واستمر تبادل إطلاق النار حتى المساء(60).

وعن بداية الأحداث كتب المؤرخ أمين سعيد:”إن الثورة جاءت بعد أن بلغ عدد المعتقلين العرب في معتقل عوجا الحفير وصرفند 400 معتقل، وبدأت صباح يوم السبت 23 مايو/أيار في قضاء طولكرم حيث تجمهر الناس بعد أن بلغهم خبر اعتقال سليم عبدالرحمن رئيس اللجنة القومية في طولكرم، فتنادوا لإنقاذه، وذهبوا مسلحين لإخراجه من معتقله، وبلغوا عطفة(لية) بلعا، ووقع الصدام الأول بين العرب والانجليز، وفي اليوم نفسه دارت رحى معركة في نابلس بين الشعب، وقوات الحكومة سقط فيها أربعة من أبناء نابلس، وجرح ثلاثة، فهب أبناء القرى المجاورة لتقديم المساعدة، مع ثوار الدول العربية الوافدين إليها؛ ليخوضوا عدة معارك في جميع البلاد(61).

ويذكر الثائر عبدالرحمن زيدان في رسالة أرسلها للقائد أحمد أبو بكر أنه خاض معركة صعبة وشرسة بين نور شمس، وطولكرم ليلة اعتقال سليم الحاج إبراهيم في يوم 23 أيار 1936، ناهيك عن تفجير جسر قرب قاقون، وقطع أسلاك، وأعمدة كهرباء، وقتل أربعة من الجنود(62).

ويظهر من خلال الأوراق التي كتبها المعلم صبحي جميل أبو دبسة من مواليد 23/5/1925 في قرية بلعا بقضاء طولكرم أن الرجال في قريته أخذوا ينشطون في شراء السلاح ومنه القديم كالبارود العسملي (العثماني)، والكندي، والفرنسي، والبريطاني. ويوم أن جاءهم خبر اعتقال سليم الحاج إبراهيم كانوا على بيادرهم في موسم الحصاد فتركوا دوابهم مربوطةً عليها، وهجموا على مركز الشرطة في طولكرم، وحدثت المواجهات بين أبناء القرى وبين الإنجليز، وقد حمل الفلاحون شواعيبهم، ومذاريهم، وعصيهم مطالبين بإطلاق سراحه، وقد تناولتها أيضاً إحدى الصحف المحلية التي ذكرت أن السلطة اعتقلت حافظ أبو غالية عند لية بلعا، ومعه رشاش تركي(63).

ويذكر محمد أمين عن والده إبراهيم نصار من قرية عنبتا أنه توجه، ومعه مجموعة من الثوار القادمين من سيله الظهر إلى طولكرم، وفي الطريق لقوا دورية تمنع الناس من الوصول إلى المدينة، فقاموا بإطلاق النار عليها، وعلى سجن نور شمس(64).

لقد بلغ من تأثير اعتقال سليم والعشرات من مدينتهأن هب الجميع في القضاء سواءً أكانوا مؤيديين للحاج أمين أم معارضين له، فقد هبالمعارض حافظ الحمدالله من عنبتا إلى طولكرم، وهو حاسر الرأس حافي القدمين، وعلى أثرها قامت السلطة بنفيه إلى قرية سلفيت من قرى نابلس. أما سليم فقد فر من معتقله في قرية طوباس كفرار نابليون من جزيرة ألبا قاطعاً المسافات مشياً من فلسطين إلى العراق، ولأنه كان أدرى الناس بمجريات الأحداث الفلسطينية، فقد نجح بإقناع السيد سعيد بك ثابت ورفاقه بدعم قضية فلسطين، واستفادت فلسطين بقدوم القائد الكبير فوزي القاوقجي(65).

اشتعال الثورة الشعبية وتوهجها في جبل نابلس وفلسطين:

قام إبراهيم نصار من عنبتا ـ طولكرم ومعه عدد من الثوار بنسف جسري السكة في سهل الزيتون (عنبتا)، وفي وادي رامين، ويبدو أن أحد الشخصيات المعارضة اجتمع بأعضاء المجلس البلدي في عنبتا، وربما كان بطلب من الحاكم الإنجليزي، وهذا ما دأب عليه الإنجليز من تحميل البلديات والمخاتير تبعة أعمال التخريب، وتداول أعضاء المجلس البلدي هذا الأمر وأشارت أصابعهم باتهام اثنين أحدهما كان إبراهيم الحاج نصار، وفي شبه إجماع رأوا أنه وحده كان وراء عملية نسف الجسرين مظهرين أن اهتمامهم يأتي للحفاظ على الأمن، وعلم إبراهيم نصار بخبر اجتماعهم هذا واتهامهم إياه فأسرع إلى هناك وأسمعهم أغلظ القول مقرعا ومتوعدا أن يدسوا أنوفهم في أمر هومن اختصاص الثورة وحدها(66).

وعن أسباب ثورة القائد عبدالرحيم الحاج محمدأحد الرواد الأوائل في الثورة ـ يتحدث إحسان النمرـ المقرب من حزب المعارضةـ أن عبدالرحيم مر في ظروف اقتصادية صعبة ووصلت به حد الإفلاس، وهو ما دعاه للتوقيع على صك لبيع قطعة أرض تقع في السهل الساحلي إلى بعض اليهود، ولكن الصفقة لم تتم بعد اعتراض أخته، ولم يقم به، فطاردته الحكومة فصار يهاجم بيارات اليهود، ومعه بعض العبيد والحراثين المنتسبين لحمولته فيحرقون أماكن اليهود، ويفجرون دوابهم، فاقتفت الحكومة أثره، وهدمت داره فظل ثائراً فكان أول من ثار (67).

ويضيف النمر أنعبدالرحيم رابط على الطرقات واتصل بالسيدين عبد الحميد المرداوي، وإبراهيم النصار من رجال الوادي “فقاموا بأعمال مشتركة، وتولى أمر التنظيم السيد إبراهيم نصار (عنبتا)، وكان من رجال الجيش العثماني فالثورة العربية”، وأنهم خاضوا عدة معارك في لية بلعا، والمنطار، ورأس العين، وادي عزون، كفر صور، ثم قاموا بمعارك منظمة أهمها معركة نور شمس المشهورةالتي قام بتنظيمها إبراهيم النصار عندما بلغه خبر مرور قافلة من الجند البريطاني قادمة من حيفا إلى نابلس، وقد وردت كمية من الفشك وبطاقة من السيد سليمان طوقان أحد زعماء المعارضة ـ ويذكر فيها أن فرقة من البحارة الإنجليز في طريقها إلى نابلس، ومنها إلى حيفا، فرابط لها إبراهيم، ومعه عشرة أشخاص الساعة الواحدة ظهراً، وتوالت عليه النجدات، وأقام الثوار عدة سدود من الحجارة إلى مسافة عشرة كيلومترات، واشتركت فيها الطائرات ودامت المعركة تسع ساعات أسقط إحداها وخسر الإنجليز عدداً كبيراً من جنودهم، واستشهد مجاهدان، وجرح بضعة ثوار(68).

وقد أشاد المعلم عبدالله حجاز بابن بلده وعدد من قادة الثورة في أبيات من الإلياذة الفلسطينية:

من بينهم صعب وفخر بلادنا *** وكذا بهاء الدين والفرحان

وادي الشعير أداره إبراهيم *** وزميله عبد الرحيم الثاني

أما السيد إبراهيم فخدم العلم وخدم السيف فبعد الاحتلال البريطاني عمل معلماً في مدرسة حطين، وعين ماهل، والخالصة، وكأن هواء حطين وتربتها ومياهها قد أعادته إلى ذكرياته، والمعارك الإسلامية الأيوبية بطريق الإيحاء النفسي فترك المدرسة أو تركته، والتحق بالجمعيات الوطنية، ولما هبت عاصفة الثورة برز في طلائع المجاهدين، ولم يقل عن زميله عبد الرحيم الحاج محمد من ذنابه في هذه المعارك فكان السيد إبراهيم شرق الوادي وعبد الرحيم غربيه، ولما حضر القائد الأعظم فوزي القاوقجي انضما إلى جنده وانضويا تحت رايته”(69).

ويذكر المؤرخ زياد عودة من قرية ذنابة ـ طولكرم: إن أول معركة جرت في شهر أيار سنة 1936 عندما قامت مجموعة من إخوان القسام بالهجوم على مستعمرة يهودية قربوادي الملح بين حيفا، وجنين قتلوا على أثرها عدداً من الحراس اليهود، وخمسة أشخاص من المستعمرة نفسها، وحضرت نجدات بريطانية، وتمكن الثوار من الاختفاء بعد نجاح العملية وإصابة أحد المجاهدين بجروح(70).

القائد عبدالرحيم الحاج محمد على خطى القسام:

بينما كان يقوم شيخ المجاهدين عز الدين القسام في جامع الاستقلال بمدينة حيفا على توعية الناس ونشر عقيدة الجهاد؛ لمجابهة الخطر الصهيونيكان عبدالرحيم”أبو كمال” يقوم بدعوة مماثلة في منطقة طولكرم، وقد لقيت دعوته نجاحاً بين صفوف الفلاحين، وسكان المدن الذين أحبوه فأخذ يجمع التبرعات لشراء السلاح، ويقوم بتدريبات سرية لبعضهم في المناطق الشرقية من قرية ذنابة مستغلاً خبراته العسكرية السابقة إبان خدمته في الجيش التركي. ولقد أعد عبد الرحيم هذه المجموعة للقيام بأعمال اغتيال ضد جنود العدو وضباطه، وهدفه ضرب المستعمرات اليهودية القريبة من طولكرم، وجنين، ونشط في إتلاف محاصيلهم الزراعية وبياراتهم، وقد أطلق على هذه المنطقة اسم “مثلث الرعب”، وذلك بسبب انتشار حالة الذعر والخوف بين الجنود البريطانيين واليهود في تلك المنطقة(71).

ويستدل من مذكرات الدكتور داود الحسيني، أن عبدالرحيم، وعارف عبدالرازق كانا يعدان العدة للإعداد للثورة الشعبية المسلحة، وحرب العصابات، وهذه قصة تدل على اهتمام عبدالرحيم ودوره الطليعي.

اجتمع داود الحسيني مع أصحابه في مقهى المغربي في مدينة يافا أوائل أيار 1936، وراح يتجاذب أطراف الحديث معهم، وبينما هم كذلك دخل إليهم رجل مديد القامة، ومهيب، الجناب، و يلبس الكوفية، والعقال، والقنباز، وقدمه أحدهم على أنه عبدالرحيم الحاج محمد”أبو كمال” من قرية ذنابة بجوار مدينة طولكرم، وأحد تجارها المعروفين، فرحبوا به، وجلس معهم يستعرض الحالة في البلاد معرباً عن استعداده لتأليف فرق من الشباب النشيط؛ لمهاجمة كل ما هو بريطاني بالسلاح فحبذ الأغلبية فكرته، وانسحب البعض من الجلسة، وانتهت الجلسة باتفاق أن يعود عبدالرحيم لتشكيل الفرق وإشعالالنار، في حين يقوم داود الحسيني ومعه آخرون بجمع المال وشراء السلاح والعتاد، حيث جمع داود المال من التجار، وزادت عن مئتين وخمسين جنيهاً، وتمكن من شحن السلاح والعتاد في غضون أيام، وبعد خمسة أيام أرسلت لعبدالرحيم، ثم اتصلوا بعد شهر بأبي فيصل عارف عبدالرازق، واتفقوا أن يمدوه بما يستطيعون(72).

إن القصة السابقة تبرهن على استعداد القائد عبد الرحيم لتجنيد الشباب؛ بدليل مبادرته وعرضه تسليح الفرق لهذا الهدف السامي، وبفضله احتل عبدالرحيم دوراًمركزياً في الثورة نال احترام الجميع، وأخذ يلتف حوله كل من عبدالرحمن زيدان، وسعيد بيت إيبا، وعبدالحميد مرداوي، وقاموا بعد هجمات على القوافل والسيارات اليهودية، والقوات البريطانية بعد أن توفرت لديهم كميات من البنادق والذخائر المختلفة التي كانوا يشترونها من سورية، ولبنان مقابل أسعار خيالية.

لقد كانت قرية ذنابة مسرحاًلأول عملية ثورية قادها البطل عبد الرحيم الحاج محمد، فقد انطلقت أول طلقة من “جبل السيد” في ذنابة مع أوائل صيف عام 1936، ويطل هذا الجبل على الطريق الواصل بين طولكرم. نابلس الذي تعبر بجانبه القوافل البريطانية واليهودية نهاراً وليلاً، كما نشط الثوار بغاراتهم المتكررة على سجن نور شمس بجوار طولكرم حيث وضعت قوات الاحتلال الإنجليزي الشباب العربي رهن الاعتقال، وقد ساعد عبد الرحيم في القيادة والتنفيذ كل من:كامل الحطاب، و سليمان أبو خليفة، وإبراهيم العموري، وعبد اللطيف أبوجاموس وغيرهم(73).

ومن الرواد الأوائل الذين سطرتهم كتب التاريخ:الشيخ المجاهد فرحان السعدي ودوره في معركة الفندقومية بتاريخ 3/6/1936، وفيها رابط الثوار وقائدهم لقافلة إنجليزية قرب قرية الفندقومية الواقعة على طريق نابلس ـ جنين، بعد أن انقضوا عليها، وهم حوالي مئة ثائر، وتمكنوا من إيقاع الخسائر في هذه القافلة التي كادت أن تستسلم إلا أن حضور النجدات الإنجليزية أنقذهم من الثوار، في حين جاءت النجدات الشعبية العربية، واستمر القتال أكثر من ست ساعات، وقد خسر الإنجليز ثلاثين قتيلاً، وتعطلت مدرعة بعد تفجيرها، واستشهد ثلاثة ثوار، وانسحب الثوار الباقون لمعاقلهم ريثما يستعدون لمعركة جديدة(74).

ـ معركة نور شمس ـ بلعا يوم 21/6/1936:

جرت هذه المعركة بين نور شمس، وبلعا، وقد اختلفت المصادر حول من كان قائدها فبينما ينقل إحسان النمر في كتابه قضية فلسطين في دورها البلدي صفحة 210 عن إبراهيم نصار من بلدة عنبتا أنه من قاد هذه المعركة بعشرة من المجاهدين ليصبحوا بالمئات بعد وصول المدد، حيث نظمها أفضل تنظيم، معترضاً قوافل الجيش، وقد مكثت المعركة 9 ساعات، على مسافة 10 كيلو مترات، واشتركت فيها الطائرات، وأسقطت منها واحدة، وسقط فيها شهيدان.

ويتحدث مصدر آخر عن هذه المعركة أنه بدأها القائد عبدالرحيم باستطلاعه المكثف لمسرح العملية التي سيقوم بها، وحدد هدفه بتدمير قافلة سيارات يهودية، وقوة محمولة بريطانية كانت تواكبها مارة من طريق طولكرم ـ نابلس عند معسكر نورشمس، ثم لية (عطفة) بلعا مقابل جبل المنطار حتى وقعت المعركة بين الفريقين الساعة العاشرة صباحاً. و قدر عدد القوة التي تم تكليفها للقيام بهذه المهمة بخمسين ثائراً عداالمتطوعين عادة للقتال من القرى المجاورة عند الاشتباك. وقد تراوح تسليح القوة بين البنادق الحربية القديمة المتنوعة الصنع، وبعض القنابل اليدوية. أما القوة المعادية فكانت تتألف من ست سيارات ركاب يحرسها فصيل مشاه بريطاني معزز بمصفحتين، وقد بلغ عدد قافلة اليهود والجند المرافقين حوالي 170 فرداً، وشاركت ثلاث طائرات حربية في المعركة بناء على طلب النجدة من قبل القائد البريطاني، واستخدمت للمرة الأولى في مواجهة مباشرة ضد الثوار، وجاءت نجدة أخرى من القوات المتمركزة في نابلس، وقدرت بفصيلين محمولين، وقد تمكن الثوار من إشغال هذه النجدة، ومنعها من الوصول إلى أرض المعركة بنصب كمين لها قرب دير شرف، وقد استشهد من الثوار العرب ثلاثة، وقتل ما يقارب الخمسين جندياً بريطانياً، وأسقطت طائرة حربية واحدة للعدو، ودمرت ثلاث سيارات، ودامت المعركة حتى المساء واستغرقت 7 ساعات(75).

يرجح الباحث أنها من تخطيط القائد إبراهيم نصار وأن تعاوناً جرى مع عبدالرحيم وغيره من الثوار حيث شاركوا كعادتهم في الهبات الثورية بعد أن جاءت نجدات إنجليزية.

لقد شكل هذا كله بداية طيبة لسمعة الثورة تلا هذه المعركة البطولية قيام القائد عبد الرحيم الحاج محمد، ورفاقه بسلسلة كمائن، وهجمات نصبت على الطريق العام بين نابلس، وجنين باتباع أسلوب الكر والفر في حرب العصابات.

– معركة لية بلعا الثانية: 10/8/1936:

رابط الثوار في موقعة ” المنطار ” من جبال بلعا القريبة على طريق طولكرم ـ عنبتا ـ دير شرف ـ نابلس، واحتلوا جميع الاستحكامات والخنادق الواقعة فيهما، وما إن حضرت القوات البريطانية من تلك المنطقة حتى انهال عليها رصاص الثوار المرابطين، فتعطلت السيارات، وتوقفت عن السير، فنزل الإنجليز واختبؤوا بين الصخور على مقربة من الطريق، لكن رصاص الثوار كان أسرع من أن يمكنهم من الاحتماء طويلاً، فقتل الكثير منهم واتصلوا بمراكزهم، وجاءتهم النجدات المكونة من خمس وعشرين سيارة عسكرية، وخمس مدرعات، وغطاء جوي مكون من خمس طائرات، ولم يرهب الثوار الذين ناضلوا بعزم وإيمان حتى غروب الشمس، وانسحب الإنجليز تاركين وراءهم ستين قتيلاً، كما وضع الثوار الألغام في طريق القوات الإنجليزية، فانفجر أحدها تحت سيارة إنجليزية فقتل ضابط وأربعة جنود.

أما الثوار فقد استشهد أربعة منهم، وهم: الشهيد عبد اللطيف أبو جاموس ابن عم الشهيد عبد الرحيم من قرية (ذبابة)، والشهيد أمين حسين علارية من قرية اكتابه، والشهيد الثالث من قرية كفر اللبد، أما الشهيد الرابع فمجهول الهوية، وقد نكل الجند البريطاني بجثث الشهداء التي ربطوها بمؤخرة إحدى الدبابات وجروها من قرية بلعا لغاية مدينة طولكرم، وهو أسلوب همجي درجت عليه بريطانيا بعد كل معركة!(76).

وتحتفظ الذاكرة الشعبية بالخسائر. حدثنا الراوي: “كانت خسائر العرب أربعة شهداء وبعض الجرحى، وقد قامت السلطات بجر الشهداء وراء السيارات حتى طولكرم، وقامت برميهم أمام الجامع هناك. وعند تفتيش أحدهم وجد في جيبه كسرة خبز وقرن خروب، فقام أحدهم بتعليقها على باب الجامع، وكتب فوقها لافتة تقول: “هذا هو طعام الثوار يا أهالي طولكرم”(77).

ألهب هذا الوادي نار الثورة فيما جاوره من جبال نابلس إلى جبال الخليل، وجنين وجميع جهات فلسطين، ولم يبق جزء صغير إلا واشترك في الثورة، وفي مفاخرها الحربية الاستقلالية(78).

تعددت معارك وادي عنبتا، واشترك أهلها وجوارها من قضاء بني صعب وغيره من جبل نابلس في معاركها، وكانت الطائرات تصب ميتراليوزاتها(رشاشاتها) بطلقات متتابعة كالمطر الغزير، وعلى أي بقعة وجد فيها شخص اشتبه به، لكن الثوار تمترسوا وراء صخورها ومنعطفاتها، أما طائرات العدو فكانت تقصف حممها على المواقعالتي يتم تعيينها بإشارات من الجند القابعين في دباباتهم ومصفحاتهم التي كانت تزحف صاعدة إلى طريق بلعا، وطريق كفر اللبد المشرفين على سهل زيتون عنبتا، وتكرر هبوط الطائرات، وصعودها، ولكنها لم تفت من عضد الثوار الذين خاضوا عدة معارك في نفس المنطقة منها: معركة بتاريخ 21/6/1936 ومعركة بتاريخ 28/7/1936، ومعركة بلعا الثانية بقيادة القائد الكبير فوزي القاوقجي في 3/أيلول 1936)(79).

– معارك رأس عامر والجبيلات:

تعاون شباب قرى بني صعب يقودهم عارف عبدالرازق في المرابطة بين قلقيلية، والطيبة في موقع رأس عام، وفي موقع الجبيلات شمال الطيبة، وقاموا بعمل حواجز حجرية وكانوا كلما مرت سيارات ودوريات الإنجليز يطلقون عليها النار، ويشتبكون معها، وفي يوم 4/7/1936 مرت قوات إنجليزية فوجدت الطريق مسدودة، ومن ثم وصلت النقطة التي يرابط فيها الثوار من فصيل فارس العزوني، وكانوا خمسة وعشرين شخصاً، ووقفت القافلة فعاجلها الثوار بأسلحتهم فعطلوا سيارة، وقتلوا ستة من الإنجليز، وانسحبوا دون إصابات، وكرر هذا العمل فصيل صقر توبة من قرية كفرجمال. بتاريخ 1/8/1936 حيث تمكن من قتل ثمانية من جنود الإنجليز(80).

لقد تطورت أعمال الفصائل الثورية وزاد عددها، وانتشرت في جميع البلاد، ففي تقريرللقائد الإنجليزي بيرس يقول: “إن العصابات الثورية زادت وانتشرت في الجبال، فبعد أن كان عدد أفراد هذه العصابات في البداية يتراوح بين 15ـ 20 شخصاً. زادت وأصبح عددها بين 50ـ 70 رجلاً، وهي عصابات أو فصائل غرضها المقاومة والثورة الشريفة، وليست للنهب، وتدافع عن بلادها أمام الظلم والسيطرة اليهودية”(81).

تبين للباحث من خلال عدة مصادر أن عدداً من رؤساء الفصائل كانوا يشاركون في المعركة الواحدة عام 1936. ففي معركة بلعا الأولى والثانية شاركت عدة عصابات من قرى جبل نابلس و كان الجميع متعاوناً في المعركة.

كانت حصيلة هذه المعارك والعمليات التي جرت سواءً بالاشتباك مع الجند البريطاني، أو الهجوم على المستعمرات في السهل الساحلي، أو عمليات قلب القطار، وتخريب سكة الحديد ونزع قضبانها، وتقطيع شجر المستعمرات، أو نسف أنبوب النفط العراقي أنها أوقعت خسائر وأضرار جسيمة بالعدو مما دفع القيادة البريطانية للقيام بإجراءات قاسية وفضيعة من عمليات التفتيش الواسعة، والتمشيط الكبيرة، من قبل قوة تقدر بأربعة آلاف جندي التي جرت يوم 5 تموز عام 1936 في منطقة واسعة بين طولكرم، واللد، والرملة، وطريق نابلس ـ القدس.

تجمع الجنود قبل الغسق، ولما ظهر القمر احتلوا أماكنهم على طول خط السكة الحديدية بين قلقيلية ورأس العين مواجهين تلالاً تبعد نحو ميل من الشرق، وقد كان الطقس حاراً فنام الجنود دون أغطية، وفي الصباح بدأت حركة التقدم الزاحفة عند الساعة الرابعة صباحاً، وأخذت الطائرات تحوم ثم تنخفض هنا وهناك للتحقق من هوية العرب، وتقدمت المصفحات تثير وراءها سحباً من الضباب، وبعد وصولها للتلال أصبحت حركتها عسيرة، وكانت الطيارات تراقب المشاة، وتتبع تعليمات اللاسلكي، وأخيراً تقابلت الجنود الزاحفة من جميع المناطق ودون فائدة، ولو افترضنا أن هناك ثواراًفما كان من السهل عليهم الاختفاء، وإخفاء بنادقهم وأن يتذرعوا بالعمل في حصاد الأرض، ودرس الغلال ومن الصعوبة بمكان تمييزهم عن باقي الفلاحين(82).

وكثيراً ما أخذت هذه المعارك شكل معارك حربية واسعة اشتركت فيها الطائرات والمصفحات والمدافع، واستمر بعضها عدة ساعات، ويأتي الصحفي الفلسطيني عيسى السفري على ذكر أهم المعارك التي حدثت في الشهر السادس من العام 1936 منها: معركة عين حارود، نور شمس ومعركة وادي عزون بتاريخ 26/6/1936.

حدثت معركة عزون بعد أن حلقت ثلاث طائرات نهاراً في جبال عزون، واكتشفت ثواراً في الجبال، ثم عادت الطائرات ليبلغ طياروها قيادة الجيش بمواقع الثوار، فتحركوا بقوة قوامها 300 جندي تحرسها 3 طائرات، وتتقدمها 3 مصفحات، وعندما اقتربت قوة الجيش من موقع الثوار. كان الثوار قد أقاموا حاجزاً حجرياً وانتشروا على جانبي الوادي، وما إن حاول الجند رفع الحجارة حتى قام الثوار بإطلاق نيرانهم واشتبكوا معهم في معركة استغرقت خمس ساعات عادت بعدها قوات الجيش إلى مواقعها، وقد أصابت الطائرات أربعة من المزارعين العرب، ونقل الجرحى إلى مشفى نابلس(82).

في الوقت الذي جرت المعركة فيه أطلقت الطائرات الإنجليزية نيرانها على أي هدف فسقط خلالها كل من: أحمد عبدالله قدومي، ومحمد مصطفى عنايا(أبو حمدة)، والعبد الهمشري عدوان، وفاطمة خليل غزال والدة الثائر محمود سويدان، ومصطفى سويدان التي استشهدت في طريقها لإرسال الماء والزاد للثوار(83).

دفع اشتداد الثورة في جبال نابلس الى ارسال لواء إنجليزي إضافي إلى فلسطين بتاريخ 19/7/1936 حيث تمركز هذا اللواء في مدينة طولكرم (المدرسة الزراعية خضوري)، ولكن هذا اللواء لم يخف الثوار، فقد مرت ثلاثة أيام، ووقع هجوم مسلح على إحدى الدوريات العسكرية ليلاً بالقرب من طولكرم قتل فيه ضابط وجندي، وأصيب أربعة جنودبجراح، وفي 28 تموز سنة 1936 دارت رحى معارك حامية امتدت من نور شمس حتى مشارف نابلس تناولتها صحيفتا: فلسطين، والدفاع، ووصفها راديو لندن بأنها من أقوى المعارك حتى ذلك الحين(84).

ومن المعارك المشهورة في صيف عام 1936 معركة وادي عارة الكبرى، أو معركة السمنطار الكبرى:وهي معركة جرت يوم الخميس الموافق للعشرين من آب 1936 على المرتفعات الواقعة جنوب طريق وادي عارة بقيادة المجاهد القسامي الشيخ “عطية أحمد عوض” الذي كان قائداً للثورة في منطقة وادي عارة، وقرى الروحا. وقد بدأت المعركة عند مرور دورية صباح يوم 20 آب 1936 مؤلفة من ثلاث سيارات كبيرة مملوءة بالجند، وكاد الثوار أن ينتصروا؛ لولا وصول النجدات للعدو،، واستغرقت المعركة اثنتا عشرة ساعة. خسر الثوار اثنتين وثلاثين إصابة بين شهيد وجريح، واعترف الإنجليز بإصابة جاويش بجراح فقط. وكاد الجنود الإنجليز أن يسيطروا على المعركة؛ لولا استبسال الثوار ووصول النجدات من القرى المجاورة، وفي هذه المعركة هبَّ رجال عرعرة لنجدة الثوار، والنساء يلهبن مشاعر الثوار بالزغاريد(85).

وفيها قيلت الأهازيج، ومنها ما أورده د. محمد عقل:

بنو عارة بموقعة الخميس *** دعوا ولبوا طائعينا

تجندوا بالبنادق والصفوف *** وأسقوا كاسات المنونا

سجل عندك يا تاريخ

واشهد زحل والمريخ

يوم الجند ولت إفريخ

من باب واد السمنطار

ووقعت معركة ثانية أطلق عليها أبناء قرية أم الفحم اسم معركة “خلة الحمارة”، وقد استبسل فيها الثوار وأظهروا براعة فائقة في الخطط الحربية، وينقل عن أكرم زعيتر أن 2000 مواطن من أم الفحم اضطروا للهجرة منها بعد هذه المعركة نتيجة للتفتيش الوحشيالذي قام به الإنجليز إلا أننا لم نحصل على تأكيد لهذا الرقم، ولم نتحقق إلا من بعض الوجهاء والمخاتير الذين ارتحلوا وعائلاتهم، وقد جرت في هذه المنطقة من فلسطين معارك وعمليات عديدة (86).

ـ معارك عقبة زعترة:

تقع عقبة زعترة على طريق نابلس ـ القدس، وكانت مسرحاً مهماً للعديد من المعارك البطولية التي خاضها الثوار طوال سنوات الثورة، وأولى المعارك حصلت في هذه المنطقة في بداية الثورة عام 1936 بعد ذهاب الثوار إلى الموقع، وأغلاقهم الطريق الرئيس بالحجارة، بعد أن بلغهم خروج دوريات الإنكليز من نابلس.

توزع الثوار على جانبي الجبل بانتظار وصول سيارات العدو. وعندما تقدمت سيارات الإنكليز باتجاه الجهة المغلقة من الطريق قام الثوار بإغلاق الشارع من الجهة الثانية، فأصبحت الدوريات بوضع لا يمكنها التقدم، أو التراجع إلا بنزول الجنود لإزاحة الحجارة عن الشارع. وعندما نزل الجنود لإزاحة الحجارة انصبت نيران الثوار وطلقاتهم عليهم من كل الجهات. واستمر القتال عدة ساعات. وقد تدخلت النجدات العسكرية الإنجليزية من نابلس، ولما شاهد الثوار اقتراب هذه النجدات انسحبوا بسلام تاركين خلفهم صراخ الجنود الإنكليز وعويلهم(87).

ـ معركة واد البلاط 1936:

يقع وادي البلاط على الطريق الواصل بين القدس ـ نابلس ـ جنين ـ حيفا، وهي طريق اعتادت أن تمر منها سيارات اليهود وتحرسها قوافل الجيش البريطاني، وقد حدثت المعركة في الأشهر الأولى من زمن الثورة عام 1936 حين رابطت مجموعة من قادة فصائل مشاريق نابلس وشبابهاوعلى رأسهم القائدان”خميس العقرباوي، “وعبدالله البيروتي”، وبدؤوا بإغلاق الشارع العام بالحجارة، ثم رابطوا هناك منتظرين مرور دوريات العدو، وبعد مجيء سياراتهم وقع اشتباك وتبادل إطلاق النار بين الثوار، وقوات الاحتلال. وبعد ساعة من الاشتباك انسحب الثوار دون أن تقع بينهم أية إصابات.

لقد جرت عدة معارك في هذا الوادي، حيث كان يتم إغلاق الطريق بالحجارة، وبعد قدوم الجيش، ثم نزول الجنود وقيام الضباط برفع الحجارة، يبدأ الثوار المرابطون بإطلاق النار والاشتباك معهم، ونظراً لصعوبة المسالك كان يصعب على الجنود اللحاق بهم، فيضطر الثوار للانسحاب بعد قدوم النجدات الإنجليزية من مدن نابلس، ورام الله، والقدس. في حين كانت نجدات الفزيعة العرب أسرع في الوصول من القرى العربية بمجرد أن يسمعوا أزيز الرصاص واشتباك الطرفين، وكانوا عوناً للثوار كي ينسحبوا أو يختفوا في هذه القرى(88).

وقد تنبه الاحتلال لخطورة هذه المواقع وصعوبة السيطرة عليها، وأدرك أنه بات من الصعب إيقاف عمليات إطلاق النار من قبل الثوار؛ لهذا لجأ إلى اعتقال الفلاحين والمزارعين من الرجال، والنساء، والأطفال، ووضعهم في العربات لحين مرورهم من الكمائن، واتخذهم دروعاً بشرية، ووضعوهم في مقدمة العربات الكاشفة، كي يكونوا هدفاً للثوار، لكن الفلاحين أنشدوا منبهين الثوار كي لا يطلقوا النار على الدبابة في مقدمتها:

عَلَى دَلْعْــونَـا وعَلَى دَلْعْــونَـا

واحـنا الأوالا ولا تضـربونا

وانتبه الإنجليز لأناشيدهم فوضعوهم في مؤخرة السيارات العسكرية فأنشد العرب:

عَلَى دَلْعْونَا وعَلَى دَلْعْونَا

وإحنا التيالا ولا تضـربونا(89).

لم تقتصر المعارك على جبل نابلس بل عمت معظم البلدان الفلسطينية، ومنها:معركة وادي الطواحين في اللواء الشمالي غربي صفد بجوار قرية عين الزيتونة، وكانت معركة حامية الوطيس فكان من نتائجها سقوط مائة جندي ما بين قتيل وجريح(90).

زينت الصحف الفلسطينية والعربية عناوين صفحاتها بأخبار المعارك، ومنها: جريدة الدفاع، فلسطين، الجامعة الأسلامية، الجامعة العربية، والجرائد المصرية:الأهرام، الشورى، الشباب، وقد أسهمت هذه الصحف بدور مهم في فضح السياسات البريطانية التعسفية، وبيان أعمال الثوار بفضل وجود عديد الصحفيين وملاحقتهم للخبر في منطقة طولكرم وغيرها، وقد تعرضت الجرائد الفلسطينية للإغلاق لعدة أيام وشهور، ولكنها لم تثن عزيمة محرريها، ومنعت جريدة الشورى التي يحررها محمد علي الطاهر النابلسي المقيم في مصر من الوصول إلى فلسطين، ولكنه احتال بتوصيلها من خلال البريد وبعدة أساليب، وأصدر جريدة الشباب أيضاً كأسلوب تغطية، ولدى اطلاعنا وجدنا تغطية لكل منطقة وأحداثها التي جرت باليوم والأمس ناهيك عن نشر أخبار عشرات الحوادث، فقد وصفت هذه الصحف حال البلاد بأنها ساحة حرب، وتم إحضار 8 أورطات عسكرية بريطانية للسيطرة على الثورة، وكان من بينها أورطة السي فورث التي عملت في منطقة طولكرم، ونابلس، وجنين(91).

إذن كانت الثورة الشعبية الكبرى في فلسطين حصيلة وعي مجموع طبقات الشعب وفئاته، وهي حصيلة إعداد نخبة متعلمة ومثقفة وتحريضهماحيث التقت مع حماسة الفلاحين وتوثبهم نحو الثورةالشعبية المسلحة ضد عدوهم، وهم الذين انتظروا انطلاق الشرارة فانفجرت ثورتهم عنيفة، وكان الجميع يتسابق نحو التضحية والفداء دون انتظار لمصالح نفعية، وهم يشكلون عصابات، وفصائل، ويشترون البنادق مضحينبحلي نسائهم وبما اكتنزوه لعاديات الزمن، وأحياناً حصلوا على تبرعات من التجار والأغنياء الذين جادوا بمالهم لمن يسترخص روحه في سبيل الوطن، أو اشتروا البنادق على حساب العائلات والقرى بسعر يتراوح بين 15 ـ 80 جنيهاً فلسطينياً.

وهكذا عمت الثورة جميع فئات الشعب وأصبحت كالغيمة الكبرى، وتجلت روعتها في انتقالها لجميع البلاد بعد أيام من انفجارها في جبل نابلس، وقد فاقت جميع الانتفاضات والثورات، وتسابق الجميع في حملالبندقية في وجه المدفع، والطائرة، والقلم في وجه الظلم والطغيان، وكانت أقوى الحركات في منطقة جبل نابلس. وهو ما سيجعل هذه المنطقة تلعب دوراً مؤثراًفي قيادة فصائل الثورة في البلاد، وأمام اندفاع الشعب وهياجه وغضبه من نمو المشروع الصهيوني، وعلى حساب الشعب العربي الفلسطيني خضعت القيادة الحسينية وقيادة النشاشيبي لتوجهات الشعب، وسارت موحدة في الثورة الأولى حتى مجيء لجنة (بيل) الملكية وصدور تقريرها.

يتبع……

شبكة البصرة

الاحد 9 صفر 1442 / 27 أيلول 2020

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط

الموقع رأي حر الموقع لا يتحمل ما يكتبه الكتاب
كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب