جريمة المغيبين في العراق.. والأطراف المتواطئة في تسويف قضيتهم
شبكة البصرة
أ.د. مؤيد المحمودي
المغيبون تعتبر من حالات الاختفاء القسري التي يعرّفها القانون الدولي بأنها “توقيف شخص ما على يد مسؤولين في الدولة أو وكلاء للدولة، أو على يد أشخاص أو مجموعات تعمل بإذن من السلطات أو دعمها أو قبولها غير المعلن، وعدم الاعتراف بالتوقيف أو الإفصاح عن مكان الشخص أو حالته”.
وفي العراق ظهرت قضية المغيّبين كمشكلة حقيقية نتيجة لسلسلة الأزمات السياسية والطائفية التي عصفت بهذا البلد بعد العام 2003. وكانت بداية انتشار هذه الظاهرة قد حصلت ابان الاستغلال السيئ لمادة 4 ارهاب وقانون الاجتثاث ضمن حملة الحكومات الانتقامية لتصفية البعثيين والوطنيين الأحرار من أبناء الحكم الوطني السابق. فتلك الحكومات الفاسدة وجدت في هذا السلوك التعسفي وسيلة لإزاحة كل من يعترض سياستها، وتصفية منتقديها وإخفاءهم من الساحة العراقية.ثم تعاظمت مشكلة المغيبين أثناء الحرب الطائفية المفتعلة من قبل ايران عام 2005 بعد قيامها بالتفجير المتعمد لمرقد الامام العسكري والتي شهدت اختفاء الأشخاص على الهوية. بعدها ظهرت حركة داعش عام 2014 التي استباحت بعض المدن العراقية، وما صاحبها من تعاظم لدور المليشيات الايرانية تحت ذريعة ما يسمى حروب التحرير لطرد هذه الحركة الارهابية في عام 2017 والتي تداخلت معها تصفيات طائفية لمناطق معينة. وفي المدة الأخيرة ترافق انطلاق حركة تظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 ضد سياسة النظام الحكومي الفاسد مع تغييب أكثر من 75 من ثوار هذه الحركة ولم بعرف مصيرهم لحد الان.
واليوم يمتلك العراق العدد الأكبر من المغيبين في العالم حسب تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش المستقلة، وهذه الحقيقة أكدتها أيضا اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهناك تفاوت في الأرقام الذي ترصدها المنظمات الدولية والمحلية عن اعداد المغيبين في العراق، الا أنها تبقى مرعبة في ضخامتها. إذ تقدّر اللجنة الدولية للمفقودين هذا العدد بأكثر من 250 ألفاً وهي تتفق أيضا مع التقديرات التي وضعتها منظمة هيومن رايتس ووتش. أما الخبير الأمني صبري الدليمي فيقدر المغيبين ب 28 ألف مفقود بينما يعتبر عمر الفرحان، مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب أن عدد المغيبين المسجلين لمدة عامين فقط هو 23 ألف.
يمثل ملف المغيبين في العراق حالة انسانية مأساوية مزقت اجتماعيا مناطق عديدة من مدنه كالأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى وشمال بابل وحزام بغداد وأدت الى تحول ديموغرافي شامل في القسم الاخر منه مثل جرف الصخر والصقلاوية. حتى مدينة كركوك هي الأخرى لم تسلم من هذه الظاهرة والتي شهدت احتجاز الأسايش ل350 شخصا من سكانها في عام 2014 ولم يتم العثور عليهم في سجون المدينة عندما دخلت القوات الاتحادية اليها في عام 2017. ويبقى مصير المغيبين يمثل المعضلة الكبرى التي تؤرق ذويهم وتترك حالة مبهمة على وضعهم القانوني وتستعمل كأداة يستغلها تجار الفساد من السياسيين لإطلاق الوعود الكذابة في مزايداتهم الانتخابية.
وتكرار حالات العثور على بعض المقابر الجماعية الحديثة التكوين لأشخاص مجهولي الهوية يدعو الى القلق ويثير بعض الشكوك لدى الأهالي عن مصير ابنائهم المفقودين..اذ يشير عمر الفرحان، مدير المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب في هذا الصدد بوجود تقارير حقوقية دولية تفيد بتصفية كثير من المفقودين ودفنهم سرّاً. وأن السلطات العراقية لم تستجب إلى الطلبات التي تتعلق بالإفصاح عن معلومات كاملة تخصهم، وبات مصير الكثير من المغيبين مجهولاً، فقد يكونون في السجون تحت التعذيب، أو في مقابر سرية من دون مستمسك يثبت هُويتهم. كما يؤكد الفرحان بالعثور على مقابر جماعية في منطقة صدر اليوسفية جنوبي بغداد تضم عدداً كبيراً من الجثث تعود لمدنيين. وهذه الجثث كانت متفسخة بالكامل والضحايا يرتدون ملابس مدنية، والأهالي يشيرون إلى عدم وجود داعش في تلك المنطقة بالذات. وفي ديسمبر/كانون الأول 2019، أعلنت السلطات العراقية اكتشاف أكثر من 500 جثة في مقبرة جماعية على تخوم الفلوجة. تكهّنت العائلات بأنها تعود لرفات قسم من رجال عشيرة المحامدة المختفين من مدينة الصقلاوية. كما عثر بالصدفة في شهر أغسطس/آب 2019 على مقبرة في كربلاء تضم رفات عشرات من مجهولي الهوية قامت جهة تطوعية بدفنهم.
ويقول أحد السكان الناجين من قضاء جرف الصخر أن هذا القضاء تعرَّض لإبادة جماعية على يد المليشيات التي احتجزت أكثر من ثلاثة آلاف عائلة في عدد من المدارس والمنازل بالقرى النائية بحجة تدقيق هوياتهم أثناء نزوحهم عن القضاء هربا من داعش، الا أنهم اختفوا منذ ذلك الحين. وما يجري اليوم من حملة شعواء تقوم بها المليشيات الذيلية لإفراغ الطارمية في حزام بغداد من سكانها يمثل محاولة أخرى لإعادة سيناريو التهجير الديموغرافي الذي حدث في مدينة جرف الصخر. هذا ويمكن تحديد الجهات المتورطة في تسويف ملف المغيبين بالعراق، على النحو التالي:
1. ايران وتوابعها من الذيول
يقول العضو السابق في البرلمان العراقي عبد الكريم عبطان في حديث صحفي أن ايران لها دور فاعل جدا في ملف المغيبين، وبالذات في منطقة جرف الصخر بمحافظة بابل. مشيراً إلى أن رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي وبعض القوى السياسية أكدت لهم أن قضية جرف الصخر مرتبطة بطهران. وقد وثق مرصد وفا المعني بقضايا حقوق الإنسان في العراق وجود آلاف المغيبين لدى الميليشيات المسلحة خلال السنوات الماضية، وورود معلومات تفيد بقيام تلك الميليشيات بتصفية بعض المختطفين. وفي السياق ذاته يقول النائب السابق عن محافظة الأنبار حامد المطلك إن المسؤول عن السيطرة الوحيدة في طريق مرور المدنيين الهاربين من تنظيم الدولة (داعش) في محافظة الأنبار هي قوة من الحشد الشعبي. كما اتهم الصحفي عثمان المختار مليشيات حزب الله والنجباء والعصائب وبدر والخراساني وعاشوراء، والمليشيات الأخرى التابعة لطهران، بتغييب الاف العراقيين. وتساءل ما السبب في رفض الإفصاح عن مصيرهم؟. ويقول ناجح الميزان من المستحيل أن يكون جميع المخطوفين لازالوا أحياء، خاصة وأن المليشيات هي التي خطفتهم، وبالتالي فمصيرهم بين متوفى من التعذيب أو المرض أو مقتول بعد خطفه بفتره قصيرة. ويؤكد الميزان أن الخاطفين هم من مليشيات كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وبدر، وباقي المليشيات، وأن ذوي المخطوفين يعرفون أن المليشيات هي التي خطفت أبناءهم. وجميع هذه المؤشرات تبين أن قضية المغيبين في العراق هي من تخطيط ايراني قامت بتنفيذه المليشيات الولائية التي عملت على خطفهم وتغييبهم الى مصير مجهول لأسباب كثيرة، منها: الانتقام، والتغيير الديموغرافي، والنزعة الطائفية، والابتزاز المالي.
ورغم الأدلة العديدة كالصور والفيديوهات وشهادة الأهالي وتوثيق المنظمات الدولية على وجود الألاف من حالات المغيبين والجهات المتورطة في قضيتهم. يصر أزلام الكتل السياسية أمثال حسن الكعبي نائب رئيس البرلمان وقيس الخزعلي رئيس عصائب أهل الحق على أن العراق خالي من المغيبين وما يذكر عن هذا الملف هو مجرد ادعاءات باطلة. لا شك أن هذه المحاولات البائسة هدفها طمس الحقائق وابعاد الشبهات عن العناصر التي ساهمت في هذه الجريمة النكراء.
2. الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003
يشير الصحفي أحمد المشهداني الى أن تغييب العراقيين لم يقتصر على جرائم المليشيات فقط، بل تم أيضا على أيدي أجهزة الدولة الرسمية. وخير مثال على ذلك قضية إخوته الأربعة الذين اعتقلوا في 27/3/2014 بمدينة الفلوجة من قبل قوة عسكرية رسمية وبقي مصيرهم مجهولاً إلى الآن. مؤكداً أنه في فترة حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي تم اعتقال العديد من أهالي بغداد وضواحيها والمحافظات ذات الأغلبية (السنية)، وكذلك تم اعتقال المئات من الشباب والناشطين خلال الحراك الجماهيري الذي سبق عام 2014. ولا يعرف مصيرهم لحد الان. وقد جاءت حملة “وينهم” في مواقع التواصل الاجتماعي كرد فعل ً على التسويف الحكومي فيما يتعلق بملف المختطفين، و تهرب السلطة من التعامل معه بجدية بسبب اختراق الدولة من قبل المليشيات وسيطرتها على القضاء العراقي. وحسب حقوقيين في هذا المجال، لا يمكن اعتبار ملف المختطفين قسراً في العراق مجرّد ملف قضائي. بل هو قضية سياسية بامتياز تقف وراءها قوى ضاغطة على السلطة بهدف حماية شخصيات وفصائل مسلّحة وعدم إخضاعها للمحاسبة والعقاب. وفي هذا الصدد يقول المتحدث باسم مرصد وفا لحقوق الإنسان في العراق، إن ملف المغيبين من أهم الملفات التي تحاول الأحزاب الحاكمة والسلطات التستر عليها وعدم الحديث بها، مبينا أنه أصبح من أكثر الملفات تعقيدا بسبب عدم التزام الحكومة بالوعود التي تطلقها بهذا الشأن.
ففي هذا السياق سبق للعبادي أن تعهد بمتابعة ملف المخطوفين وعمل على تكوين لجان لهذا الغرض لكنها لم تأتي بأية نتيجة جدية في هذا المجال. وتعهد الكاظمي هو الاخر أمام ذوي المخطوفين بأنه “سوف ينصف حقوقهم ويتحرى عن مصير المخطوفين مؤكدا مشاركته للعوائل أحزانها وآلامها على فقد أبنائها ووعد بـمتابعة ملف المفقودين قسراً بكل جدّية، انطلاقاً من مبدأ قانوني ودستوري، فضلاً عن كونه مبدأ أخلاقياً”. لكن تبين فيما بعد أن تلك الوعود الكاظمية كانت مجرد كلام للاستهلاك الاعلامي ولم تأتي بنتيجة مثمرة لحد الأن. بل الأدهى من ذلك أن نفاق الكاظمي أدى به الى غلق الباب حول هذا الموضوع نهائيا عندما سأله أحد أقطاب العملية السياسية المحسوبين على السنة عن مصير المغيبين، فرد عليه الكاظمي قائلا “لا تسألوني بعد الأن عن المغيبين فقد أكلهم السمك”.
هذا وقد صرّح رئيس مركز بغداد لحقوق الإنسان ان ما يعيق العمل الحقوقي حول المغيبين هو بطش نفوذ المليشيات وعدم إفصاح الحكومة عن مواقع السجون السرية وكشف الحقائق أمام المجتمع المحلي والدولي. والدليل على عدم جدية السلطة للتعامل مع هذا الملف هو أن الحكومة العراقية لم ترد منذ عام 2014 على تسعة مراسلات من أصل 15 تلقتها عن الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة حول الاحتجاز التعسفي وفشلت في تنفيذ أي من القرارات السبعة الصادرة عن فريق الأمم المتحدة في هذا الموضوع. لذا فان موقف المتفرج من قبل السلطة الفاسدة على جريمة التغييب القسري أو التباطؤ في ملاحقة المسؤولين عنها لأسباب سياسية معينة يعد بحد ذاته شبهة تقع على عاتق هذه الحكومات او على ركن من اركانها.
3. الشريك الأمريكي الأخرس
أمريكا التي غزت العراق عام 2003 وسلمت مقدراته الى ايران ومهدت لمجيئ الزبالة الحالية من السياسيين ثم قامت بعد ذلك بتسليم المناضلين في سجونها الى هؤلاء الحثالة من السياسيين مع علمها المسبق بالمصير المجهول الذي ينتظرهم. كل هذه الحقائق تجعل الجانب الأمريكي أمام مسؤولية اخلاقية وسياسية للكشف عن مصبر المغيبين مهما حاول أن يتظاهر بالصمت واللامبالاة في هذه القضية لأن أمريكا حتما تمتلك معلومات دامغة يمكن أن تعري المسؤولين عن ملف المغيبين الشائك.
4. التقاعس الأممي
على الرغم من أن العراق يحتل المركز الأول عالميا في عدد المغيبين ووجود مؤشرات واضحة على عجز للسلطات العراقية و تخليها عن متابعة مصيرهم لدى الميليشيات الولائية، الا أن المجتمع الدولي لا زال للأسف يتجاهل هذه القضية ولا يعطيها الاهتمام الكافي. علما أن قضية المغيبين تعد من القضايا المهمة والخطيرة في نظر القانون الدولي العام وحقوق الإنسان.
ناهيك عن أن “الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006” تمنح الامم المتحدة صلاحيات تحميل الحكومات المسؤولية المباشرة عن مصائر اولئك الذين اختطفوا وغيبوا، وكذلك تضع تلك الحكومات تحت طائلة الحساب والمساءلة في حال اهملت هذه المسؤولية او عجزت عن ملاحقة المجرمين.
بالإضافة الى ذلك توجد معاهدات اخرى تتيح للمنظمة الدولية مهمة التحقيق والتجريم بدلا عن الحكومات في حالات لا تستطيع الحكومات القيام بمثل هذه المهمة. وقد حصلت في مناسبات معينة أن اضطرت فيها الحكومات الى الاستقالة عندما لم تتمكن من اقناع الرأي العام بجدية البحث عن المختفين قسريا، وخير مثال على هذه الحالة هو ما حدث من استقالة لحكومة تشيلي بأمريكا اللاتينية بسبب فشلها في التعامل مع قضية المغيبين.
ونظرا لتخلي الجامعة العربية والامم المتحدة ممثلة في مجلس الامن الدولي عن متابعة مصير المغيبين في العراق بصورة جدية فان هذه القضية باتت بأمس الحاجة الى عملية التدويل، والتي من خلالها يتم تشكيل لجان دولية مستقلة ذات صلاحيات استثنائية تعمل على كشف مصير المغيبين وملاحقة الجهات المتورطة.
27/8/2021
شبكة البصرة
السبت 20 محرم 1443 / 28 آب 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


