حرائق العراق لا تنطفئ.. مع استمرار الحكومة وأحزابها وميليشياتها
شبكة البصرة
بينما تتفاخر دول العالم بعدم انقطاع التيار الكهربائي عن مواطنيها لعقود، وبالسيطرة أو الخروج من أي كارثة تمر بها بوقت قياسي وبتخطيط مسبق، سواء كان حريقًا أو فيضانًا أو حتى أعاصير، إلا العراق، فهو يُفجع كل يوم بحادث مأساوي، يذهب ضحيته المواطنون الأبرياء، فيفقدوا أرواحهم أو أموالهم أو أرضهم، أو ما موجود من دوائر لخدمتهم.
فمع دخول فصل الصيف تزداد حوادث الحرائق في العراق – رغم وجودها طيلة أشهر السنة – لكنها في الصيف تأتي على الأخضر واليابس، وتحرق البشر والشجر، من أقصى شمال العراق إلى جنوبه، ومن أرضه ومزارعه، إلى دوائره ومستشفياته ووزاراته، كل شبر داخل حدوده معرض للحرق، إلا المنطقة الخضراء، فهي الوحيدة التي تحظى بحماية وتحصين، إلى أن يشاء الله ويأتي اليوم الذي يطرد الشعب من متحصن فيها.
وفي فاجعة جديدة، فقد لقي أكثر من (90) مواطنًا عراقيًا مصرعه حرقًا، مساء يوم أمس الاثنين جراء حريق أتى على (20) كرفانًا بمركز “العزل” بمستشفى (الإمام الحسين) التعليمي المخصص لعلاج مرضى كورونا وسط مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار جنوبي العراق، وأكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان ومقرّه جنيف في بيان صحفي نشره اليوم الثلاثاء بأن حادثة حريق مستشفى (الحسين) جاءت نتيجة حتمية لتجاهل الحكومة في العراق إجراء إصلاحات جذرية للنظام الصحي في البلاد.
ولفت المرصد إلى أنّ الحادثة تأتي بعد أقل من ثلاثة أشهر على حادثة مشابهة في مستشفى (ابن الخطيب) في بغداد، والتي راح ضحيتها (82) عراقيًا، ما يدلل على فداحة الإهمال الحكومي، وغياب الجدية في اتخاذ إجراءات حاسمة تحمي أرواح المواطنين وتمنع حدوث فواجع مشابهة، كما اتهم الكاتب الصحفي (أحمد الأدهمي) الميليشيات الموالية لإيران في العراق، بالمسؤولية عن حريق المستشفى في مدينة الناصرية مستندًا لشهادات شهود العيان الذين أكدوا أن الحريق مفتعل.
في ذات السياق، اندلع حريق يوم أمس الاثنين في عدد من طوابق مبنى وزارة الصحة وسط بغداد، بزعم وقوع تماس كهربائي أدى إلى حريق وانتشار دخان كثيف في ثمانية طوابق من الوزارة، لكن مراقبين للشأن العراقي رأوا أن حريق وزارة الصحة جاء بعد تصريح (مقتدى الصدر) زعيم التيار الصدري، بأنه لا توجد أي علاقة بين تياره ووزارة الصحة، ثم جاء الحريق ليتلف أي دليل يدحض ادعاءات (الصدر)؛ لأن جميع العراقيين يعلمون أن الوزارة ووزيرها تابعة للتيار (الصدري).
وبعيدًا عن دوائر الحكومة والمستشفيات، فهناك حرائق من نوع آخر طالت أبراجًا لنقل التيار الكهربائي في عموم محافظات العراق؛ باستهدافها بالعبوات الناسفة والتفجيرات المتزامنة لتسبب انقطاعا تاما للتيار الكهربائي في بعض المحافظات؛ إذ حسب آخر الإحصاءات المنشورة تم تخريب وتدمير (165) برجًا لنقل الطاقة الكهربائية في غضون أسبوعين فقط، واعترفت مصادر أمنية بأن المنفذين تقاضوا مبلغ خمسة آلاف دولار نقدًا عن تدمير كل برج، بينما تدفع وزارة الكهرباء مبلغ (45) مليون دينار لمقاولين عن تصليح كل برج طاقة في تسعيرة ثابتة، وما يتبقى من أموال التصليح يتقاسمها المقاول والمتواطئون معه من الفاسدين.
أما حرائق المراكز التجارية والمحلات ففي شهر واحد، التهمت النيران مجمع “أربيل مول” التجاري في كردستان العراق، وأسفر عن أضرار مادية جسيمة قُدرت بمليوني دولار، فضلًا عن حريق “تاج مول” في محافظة ذي قار الذي جاء بعد أيام من حريق أربيل، وتسبب بخسارة مادية كبيرة، وغيرها من حرائق الأسواق والمحلات التجارية في بغداد وباقي المحافظات التي يعدها المراقبون تصفية حسابات وتصارع على النفوذ بين الميليشيات ورؤوس الفساد، أو طرق ميليشياوية لمعاقبة من لا يدفع الإتاوات للميليشيات المسلحة.
من جانب آخر فقد اندلعت في كافة أنحاء العراق سلسلة حرائق استهدفت في معظمها القطاع الاقتصادي، ووجهت الاتهامات إلى “ارتفاع درجات الحرارة والتماس الكهربائي وتنظيم الدولة” كما في كل حادثة تقع، وكأن الحكومة وأجهزتها ووزاراتها غير مسؤولة عما وصل إليه العراق، فضلًا عن مئات الدونمات من المزارع والحقول الزراعية والبساتين التي تتعرض للحرق المتعمّد، وخسارة كميات كبيرة من المحاصيل الزراعية والغذاء في محافظات ديالى وصلاح الدين والتأميم ونينوى والديوانية وغيرها من المحافظات.
والعراقيون أصبحوا يتندرون على خطوات الحكومة وطرق معالجتها لملف الحرائق؛ إذ لا تتعدى المعالجة تشكيل اللجان التحقيقية وإقالة أو قبول استقالة مسؤول دائرة وتعيين آخر ليأخذ دوره في إهمال وفساد المؤسسة التي تعيّن فيها، وتبقى جميع الحرائق التي طالت منشآت ومخازن ومستودعات حكومية وصناعية وزراعية، وتسببت بخسائر بالمليارات؛ تنتظر نتائج اللجان التحقيقية، والمتسبب معروف لكن لا تجرؤ الحكومة على محاسبته أو الإعلان عنه لسطوته ونفوذه، بل وصل الفساد للقضاء الذي لا يجرؤ على تقديم فاسد أو مُخرّب واحد للمحاكمة.
بينما يؤكد مختصون بأن معظم الحرائق في العراق متعمدة لخدمة مصالح أحزاب وميليشيات ودول معينة، ويقر عميد كلية الإعلام الأسبق في جامعة بغداد (عبد الرزاق الدليمي) بأن الحرائق هي إحدى الأدوات التي تستخدمها الأطراف الخارجية لممارسة الإرهاب العسكري والسياسي والاقتصادي، ويرى آخرون أن هذا المسلسل التخريبي التدميري لن ينتهي، طالما هناك فاسدون منتفعون، وما دامت هناك ميليشيات مسلحة تفتك بكل من يحاول أن يفتح ملفات الفساد، وكل ذلك يصب في خلق الجو الذي تريده القوى السياسية لمرحلة ما قبل الانتخابات، لتحقيق أهدافها كما يرى الأكاديمي الدكتور (ماجد الخطيب).
وفاجعة الحرائق في العراق لن تكون الأخيرة، فهي واحدة من سلسلة لا تنتهي من عجز وفشل وتواطؤ حكومة لا تتقن إلا الفساد والتغطية عليه، بلجان تتشكل ولا تنتهي إلى أي نتائج، وتسعى لإبقاء العراقيين في دوامة فوضى الأمن والتفجيرات في مرحلة ما، وبأزمة الكهرباء وتفجير أبراج نقل التيار الكهربائي في مرحلة أخرى، وحوادث الحرائق التي تأكل المستشفيات والدوائر الحكومية والأراضي الزراعية، والعراقيون هم المتضرر الوحيد وسط هذه الدوامة، والموت يداهمهم من كل جانب في ظل هذه الحكومات التي جعلت العراق بلدًا فقيرًا رغم ثرواته، وخرابًا رغم حضارته وتأريخه، ومنهوبًا من قبل المتسلطين عليه.
الهيئة نت + وكالات
شبكة البصرة
الثلاثاء 3 ذو الحجة 1442 / 13 تموز 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


