مأزق الكيان الصهيوني الذي كشفت عورته الصواريخ الفلسطينية
شبكة البصرة
أ.د. مؤيد المحمودي
منذ اكثر من سبعين عاما ابتدعت الحركة الصهيونية العالمية اكذوبة محرقة الهولوكوست التي تعرض لها اليهود على يد هتلر لتعمل على تضخيمها وخلق مظلومية منها. ومن ثم تم استغلالها شر استغلال من أجل كسب عطف العالم الغربي ودفعه للوقوف الى جانبها في تحقيق هدفها الخبيث بتحويل فلسطين العربية الى ملجأ امن لليهود. وهكذا أصبح شعب فلسطين العربي تدريجيا خاضع الى احتلال الكيان الصهيوني الذي أخذ يسومه شتى أنواع الذل والاستخفاف والمهانة أملا في ازالة اسم فلسطين من الوجود على الخارطة العالمية. ومستغلا بذلك تعاطف الدوائر الغربية مع هذا الكيان المصطنع والدعم العسكري اللامحدود المقدم من قبلها بحيث أصبحت قوة اسرائيل العسكرية تفوق قوة مجموع القوة العسكرية لبعض الدول العربية مجتمعة.
وصار طمس القضية الفلسطينية جذريا أحد الأهداف الرئيسية لليمين الإسرائيلي وعلى رأسه نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي،الذي يفتخر دائما بأنه الوحيد القادر على تحقيق الأجندة المتطرفة لهذا اليمين والمتمثلة في تهويد القدس وضم أغلب أراضي الضفة الغربية المحتلة والقضاء نهائياً على حل الدولتين. بالإضافة الى العمل على تطبيع علاقات إسرائيل مع أكبر عدد من الدول العربية دون أن تضطر إلى إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية أو الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وذلك من خلال مشروع صفقة القرن الذي تبناه الأمريكي كوشنر.
وسعيا للوصول الى هذه الأهداف الخبيثة وتحقيق مكاسب انتخابية، لجأ نتنياهو مؤخرا الى اعطاء الضوء الأخضر للمستوطنين المتطرفين اليهود والرافعين لشعار “الموت للعرب” كحركة لاهافا اليمينية للقيام بتصعيد حملتهم في تهجير الفلسطينيين من القدس الشرقية. والتي ابتداؤها من حي الشيخ جراح وصولا الى باقي الأحياء المقدسية حتى ينتهي بهم الأمر الى اقتحام المسجد الأقصى وهدمه. ورغم المعارضة الشعبية التي أبداها سكان القدس الشرقية والمعتصمين في المسجد الأقصى لوقف محاولات التهجير القسرية لعرب القدس من قبل المتطرفين اليمينيين و السلطات الاسرائيلية المتواطئة معها الا أن تلك المقاومة السلمية لم تصمد أمام تعنت السلطات الاسرائيلية. مما اضطر حركة المقاومة الفلسطينية في غزة بتأريخ 10 مايو الى نصرة سكان القدس الشرقية عن طريق توجيه ضرباتهم الصاروخية باتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة والتي غطت مدياتها حوالي ثلثي تلك الاراضي
كان أعداد الصواريخ الفلسطينية المطلقة يزيد على 4000 صاروخ وهو أعلى معدل إطلاق صاروخي واجهته إسرائيل في تاريخها، مما أدى الى خلق وضعا حرجا للكيان الصهيوني نتيجة لإرغام الاف الإسرائيليين الى العيش تحت وطأة النيران. وبالرغم من القصف الاسرائيلي الشديد على غزة الذي شمل على 1800 غارة جوية خلال 11 يوم من المعركة وادعاء القيادة الاسرائيلية بتصفية العديد من القيادات الميدانية للمقاومة، الا أن زخم الصواريخ التي أطلقتها غزة لم يتوقف حتى اللحظات الأخيرة لإعلان وقف اطلاق النار. وهذا الزخم الصاروخي المستمر طوال تلك الفترة قد برهن على فشل الهجوم الجوي الاسرائيلي في كبح جماح المقاومة الفلسطينية واسكات قدراتها الصاروخية.
ومن الجدير بالذكر أن صواريخ المقاومة هي صناعة فلسطينية مستقلة وليس كما يشكك البعض من أنها موردة من ايران أو أن لإيران تأثير كبير في التحكم بإطلاقها. لاشك أن المقاومة الفلسطينية قد استفادت من خبرات متعددة حصلت عليها من إيران وسوريا وجهات أخرى عربية لتقديم الاستشارة في تكنولوجيا تصنيع الصواريخ،لكن يبقى انجاز هذه الصناعة قد تم بأيادي فلسطينية مئة في المئة. وهو ليس شيئا غريبا، فمن المعروف أن ايران نفسها قد طورت صناعتها الصاروخية بناء ا على مساعدات تكنولوجية قدمتها لها كوريا الشمالية في السابق. ناهيك عن أن الحصار الخانق الذي تفرضه اسرائيل على غزة في الخمسة عشرة سنة الأخيرة لا يسمح قطعيا بوصول أية شحنة عسكرية لها سواء كانت عن طريق البر أو البحر مما يجعل توريد نحو 30 ألف صاروخ وقذيفة من الخارج لتخزينها في غزة كما قدرت كميتها المخابرات الاسرائيلية، هو مجرد ضربا من الخيال.
اذن لم يكن لدى المقاومة الفلسطينية خيار الا الاعتماد على امكاناتها الذاتية لتطوير قدراتها بمجال الصناعة الصاروخية والتي كان تحقيقها أشبه بمعجزة على مدى العشرين سنة الأخيرة.اذ كانت البداية في عام 2001 عندما قامت بتصنيع صاروخ قسام 1 ومداه فقط 3 كيلو متر. لكن التطور الحقيقي في هذه الصناعة قد برز بشكل كبير عام 2014 حين تم تصنيع صواريخ مدياتها تصل الى 55، 75، 80، 120 و160 كم. على التوالي كما نجحت المقاومة في المدة الاخيرة بتصنيع صاروخ يصل مداه الى 250 كم. وفي هذا المجال اضطرت المقاومة الفلسطينية في اللجوء الى توفير مكونات تصنيع الصواريخ من مواد أولية متوفرة داخل قطاع غزة. والتي شملت على بقايا القذائف التي ضربتها اسرائيل على القطاع في الحروب السابقة ومواسير المياه الخاصة بالمستوطنات التي انسحبت منها اسرائيل في عام 2005 و مئات من القذائف التي نم العثور عليها داخل بقايا سفينتين حربيتين بريطانيتين غارقتين في عمق البحر المتوسط قبالة سواحل غزة. يضاف الى ذلك فان تكنولوجيا تصنيع السلاح في غزة لم تقتصر على الصواريخ فقط بل شملت أيضا على القذاف الحرارية ضد الدروع والطائرات المسيرة وغواصات صغيرة غير مأهولة قادرة على حمل متفجرات زنتها 50 كيلوغراماً..
في حرب غير متكافئة سماها الفلسطينيون ب”سيف القدس” من الصعب تقييم نسب الربح والخسارة. فيها اذ أن قطاع غزة الذي حولته اسرائيل الى سجن كبير كعقاب جماعي لسكانه بعد فشلها في اجتياحه، قد تعود للعيش على الهامش بسبب تعمد اسرائيل على حرمانه من أبسط وسائل العيش الكريمة وتوفير البنى التحتية الملائمة له. ومع الوقت تكيف سكانه على استيعاب الضربات الجوية الإسرائيلية التي يتعرصون لها بين الفينة والاخرى لذا فان تهديم ألاف البيوت في غزة واستشهاد 232 فلسطينيا نتيجة للغارات الاسرائيلية الأخيرة لم يترك أثرا كبيرا على قدرة سكان هذا القطاع الصابر على الصمود والتحدي.
ومهما كانت تضحيات الفلسطينيين البشرية والمادية كبيرة، يكفي أنها حققت في هذه المعركة العديد من الانجازات الايجابية للقضية الفلسطينية، يقف على رأسها:
1. تعهد الجهات التي أشرفت على وقف اطلاق النار بمنع تهجير سكان الشيخ جراح في القدس الشرقية، وهو من المطالب الرئيسية التي حاربت من أجلها المقاومة في سيف القدس.
2. أعادة الروابط التاريخية بين أبناء الشعب الفلسطيني في فلسطين الأم ولم يعد هناك فرق بين الضفة والقطاع والأراضي المحتلة سنة 1948 واللاجئين خارج فلسطين، وما انتفاضة عرب الداخل الفلسطيني من سكان 48 في اللد وحيفا ويافا وغيرها إلا دليلا قاطعا على وحدة الهوية الفلسطينية.
3. تصاعد الاحتجاجات والتظاهرات في العديد من العواصم الأوروبية المنددة بالعدوان الاسرائيلي على غزة وازدياد أعداد الضحايا المدنيين، قد أضعف موقف الدول الأوروبية وأمريكا المنحازة بدعمها لإسرائيل ووضع القضية الفلسطينية على الأجندة العالمية من جديد.
4. أثبتت المقاومة الفلسطينية عجز نظام القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ. وهو نظام دفاعي طالما تبجحت اسرائيل بقدراته العالية حتى كادت تسوقه لدول الخليج العربي.
5. طمس مشروع صفقة القرن الى الأبد الذي يدعو الى جعل القدس الموحدة العاصمة الأبدية للكيان الإسرائيلي.وأصبح مشروع الدولتين وعاصمتهما القدس الشرقية والغربية هو الحل الأمثل لحلحلة القضية الفلسطينية حتى بالنسبة لسياسة الحكومة الأمريكية الجديدة. وقد شجع على هذا التحول ما حصل من تضامن مع فلسطين شمل مشاهير العالم والمنظمات الغربية بشكل أوسع مما كان يحدث من قبل.
6. إظهار الوجه القبيح للمحتل كقاتل للأطفال عبر نجاح الكاميرا في الوصول لأماكن القصف التي يدعي أنها مواقع عسكرية بعدما تبين أنها مجرد بيوت مدنية ومؤسسات ثقافية. وهذه الانتهاكات دفعت العديد من المؤسسات الدولية الى تشخيص الممارسات الاسرائيلية على أنها جرائم ترتقي لنظام الفصل العنصري، وهو ما لم يكن ممكنا التصريح به قبل سنوات.
7. ظهور المقاومة بهذه القوة العسكرية الفعالة بعد أن ادعى العدو الاسرائيلي أنه قد فتك بها في حرب 2014، سوف يخلق معادلة جديدة في المراحل القادمة من الصراع العربي الاسرائيلي.
أما الجانب الاسرائيلي فقد كان هو الخاسر الاكبر من المعركة الأخيرة حسب اعتراف القادة الاسرائيليين أنفسهم، وقد شملت هذه الخسائر عدة مجالات على النحو التالي:
المجال الاقتصادي
ذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية عن مصدر مسؤول بوزارة المالية الإسرائيلية أن التقديرات الأولية للخسائر الاقتصادية التي تكبدتها إسرائيل نتيجة الحرب على غزة خلال 11 يوماً قد بلغت حوالي 2.14 مليار دولار. وهذه التقديرات يمكن أن تزيد بعد الانتهاء من وضع تقييم شامل للمنشئات والمباني الاسرائيلية التي أصابتها صواريخ غزة. ومن أهم هذه المنشئات الحيوية المتضررة هو خط أنابيب الغاز بين إيلات-عسقلان وصهاريج المشتقات النفطية الضخمة في ميناء عسقلان والتي ظلت النيران مشتعلة فيها لأكثر من يومين متواصلين، بالإضافة الى حقل غاز تمار البحري. كما تعرض قطاع الطيران المدني في إسرائيل ل الى أشبه بالشلل التام وتم تعليق رحلات غالبية شركات الطيران الأجنبية طوال أيام المعركة بعد أن وصلت صواريخ المقاومة إلى محيط مطار بن غوريون الدولي في تل أبيب.وأصيب قطاع السياحة في إسرائيل هو الاخر بالتوقف التام.. ويمكن للفاتورة الاقتصادية أن تطول عند اضافة خسائر الأضرار التي لحقت بحوالي 2500 مبنى وصرف رواتب لاستدعاء 7000 جندي من جيش الاحتياط و تكلفة صواريخ القبة الحديدية المعترضة التي بلغ عددها أكثر من 1000 صاروخ في الاسبوع الأول من المعركة، علما أن تكلفة الصاروخ الواحد تقدر بحوالي 1500 دولار.
المجال السياسي
لم يعُد يرى العالم الغربي في الكيان الإسرائيلي تلك الدولة الصغيرة التي يحيط بها أعداءٌ عرب من كل جانب وهي تحاول البقاء: خاصة بعد أن ظهرت على حقيقتها كدولة تتعمد قتل الأبرياء من سكان غزة العزل. وكان من أبرز نتائج هذه الخسارة السياسية لإسرائيل هو التحول الواضح في الموقف الأمريكي تجاه الصراع في الأراضي الفلسطينية، و الذي عبر عنه بوضوح التحليل المنشور مؤخرا في صحيفة الواشنطن بوست تحت عنوان “الحوار الأمريكي بشأن إسرائيل قد تغير بغض النظر عن رد الفعل الوديع لبايدن.”، حيث أكدت الصحيفة أن الدعم لفجيعة الفلسطينيين يزداد زخما في الشارع و الكونغرس الأمريكي. وفي هذا الصدد تساءل مجموعة من أعضاء الكونجرس في الجزب الديمقراطي لأول مرة عن جدوى الاصطفاف الأمريكي الاعمى مع الكيان الصهيوني بعد المجازر التي ارتكبت بحق المدنيين الفلسطينيين.كما كتب السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز مقالة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز ألقى فيها الضوء على معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر وما يتعرضون له من قصف إسرائيلي مكثف باستمرار.وأدان البرلماني البريطاني جوناثان أشوورث في بيان له، التحركات العدوانية للسلطات الإسرائيلية لطرد السكان الفلسطينيين من حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية.
المجال الأمني
لقد بني الصهاينة أمنهم القومي على وهم تجميع السكان اليهود من شتى أنحاء العالم في أرض فلسطين، سعيا للتمدد فيها على حساب السكان العرب الأصليين الذين استخفوا بهم واعتبروهم شعب بلا وطن. الا أن الصواريخ الفلسطينية الأخيرة قد بددت هذا المفهوم الواهن عن الأمن القومي بعد أن صارت معظم المواقع الإسرائيلية تحت رحمة هذه الصواريخ ولم تعد أي بقعة جغرافية آمنة داخل حدود فلسطين المحتلة. ولهذا السبب نزح سكان غلاف غزة، وهي المستوطنات الإسرائيلية المحيطة بغزة في عمق 20 كيلومتراً، بشكل جماعي خلال الأيام الثلاثة للصراع العسكري الأخير. أما المستوطنات التي بنتها اسرائيل بالضفة الغربية خلال العشرين سنة الأخيرة فلن يكون مستقبلها أفضل من مستوطنات غلاف غزة طالما أنها تقع في مديات الصواريخ الفلسطينية.
وهذا الوضع الجديد الذي فرضته قدرات الصواريخ الفلسطينية أـدى الى ضرب مفهوم الأمن القومي لدولة الاحتلال في الصميم، وترك بعض الإسرائيليين يثيرون الشكوك حول أزمة وجود ربما يعاني منها الكيان الصهيوني فعلياً.
ففي مقالة نشرت مؤخرا في صحيفة هآرتس العبرية يقول الكاتب الإسرائيلي آري شبيت أننا وصلنا مرحلة اللا عودة و لم يعد بإمكان اسرائيل إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وتحقيق السلام، ويبدو أنه لم يعد بالإمكان إعادة إصلاح الصهيونية. بل يدرك الإسرائيليون أن لا مستقبل لهم في فلسطين، فهي ليست أرضاً بلا شعب كما كذبوا علينا.. بينما يعترف كاتب إسرائيلي اخر هو جدعون ليفي بتفوق الشعب الفلسطيني على الإسرائيليين واعتبره أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال. أما رئيس الكنيست الإسرائيلي السابق إبراهام بورغ فهو يعتبر إسرائيل دولة فاسدة وتنبأ بزوالها.
23/5/2021
شبكة البصرة
الاحد 11 شوال 1442 / 23 آيار 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


