انتفاضة القدس والحقائق الجديدة
شبكة البصرة
كتب محرر الطليعة السياسي
الانتفاضة التي انطلقت من حي الشيخ جراح في القدس، رداً على محاولات الصهاينة اقتحام الحي لطرد سكانه، لم تلبث ان تحولت الى انتفاضة شاملة عمت كل أرض فلسطين، وهي تميزت عن انتفاضة الحجارة الأولى 1987. وانتفاضة الأقصى 2000، قد رافقها التهاب خطوط التماس مع غزة وتفاعل من الداخل المحتل عام 48، وهذا ما أضفى على المواجهة المفتوحة مع العدو الصهيوني بعد الكفاح الشعبي الشامل بكل أشكاله الشعبية والمسلحة. وإذا كانت الأنظار والعدسات الإعلامية انشدت الى المواجهة العسكرية على جبهة غزة، فهذا الانشداد سيتراجع وهجه الإعلامي بالتدرج مع ترتيبات الهدنة الأمنية التي تعمل الوساطات عليها. وهذا التراجع لوهج الإعلام الحربي الذي يتولى تغطية العمليات العسكرية لن يسحب نفسه على المواجهة الشعبية “لإسرائيل”، بما هي سلطة قائمة بالاحتلال.
هذه الانتفاضة بأيامها الحامية الوطيس والتي تعتبر في القياسات الزمنية أقصر من سابقاتها، وبعيداً عن التأويلات التي ربط البعض انطلاق الانتفاضة في القدس بخلفية الخروج من المأزق السياسي الذي خيم على المشهد السياسي الفلسطيني الداخلي وخاصة ذاك المرتبط بالانتخابات وإعادة تشكيل “السلطة”، أو البعض الآخر الذي ربط تصعيد المواجهة العسكرية على جبهة غزة بخلفية التوظيف السياسي للضغط على المفاوضات في فيينا، أفرزت بوقائعها جملة حقائق:
الحقيقة الأولى: ان القضية الفلسطينية ما كانت في يوم من الأيام بمعزل عن محاولات الاستثمار السياسي بها، وهذا الاستثمار سيبقى قائماً طالما بقي هذا الصراع مفتوحاً. لكن هذا الاستثمار ستضيق هوامشه مع انشداد الموقف الفلسطيني إلى ثوابته الوطنية، التي تؤكد على الحقوق الوطنية الثابتة والغير قابلة للتصرف أو التنازل أو التفريط بها، من حق التحرير لكل أرض فلسطين المحتلة وحق تقرير المصير إلى حق العودة وإسقاط كل النتائج التي أفرزها واقع الاحتلال. ولهذا فإن نتائج المواجهة مع العدو في جولة الانتفاضة الحالية يجب توظيفها في خدمة تصليب الموقف المقاوم، ولا سبيل لذلك إلا بوحدة وطنية فلسطينية على قاعدة برنامج مقاوم متوجه نحو التحرير وحتى توظف التضحيات في خدمة الموقف الوطني والقضية، وليس في خدمة الفئويات السياسية الداخلية أو التي تسعى لتوظيف تضحيات الشعب ومقاومته في تحسين المواقف التفاوضية للقوى الخارجية. لان شعب فلسطين أحق بتوظيف تضحياته خدمة للقضية، وهذا ما يجب التأكيد عليه في أية مقاربة لتوظيف التضحيات للجماهير المنتفضة والمقاومة.
الحقيقة الثانية: ان الانتفاضة الحالية تميزت عن سابقاتها بالتفاعل الذي لاقت به جماهير فلسطين في الأراضي التي احتلت عام 48، وهذا أعطى بُعداً وطنياً شاملاً لثورة فلسطين معبر عنه بأن الشعب الفلسطيني وإن شطره الاحتلال وحجره في ثلاث مناطق، ما سبق واحتل منها قبل ثلاثة وسبعين سنة، وما احتل منها قبل أربعة وخمسين عاماً، فإن هذا الشعب توحد على أرضية موقف واحد ضد الاحتلال وإن بتعبيرات متنوعة، إضراب شامل في مناطق 48 ومواجهات عسكرية على جبهة غزة، وانتفاضة ومواجهة شعبية في القدس والضفة مع المستوطنين وقوات الاحتلال. وهذا أكد أن “إسرائيل” هي دولة احتلال على كل ارض فلسطين التاريخية، وان مقاومة شعب فلسطين المشدود إلى وطنيته الجامعة قائمة على كل أرض فلسطين وهذه لم تحصل سابقاً.
الحقيقة الثالثة: ان المجتمع الصهيوني أصيب باهتزاز نفسي من جراء وقوعه ضمن مدى الصواريخ التي اطلقت من غزة وبات أفراده يبحثون عن ملاذات آمنة في ذات الوقت الذي كان فيه العرب الفلسطينيون في الداخل يتصدون للصهاينة الذي قاموا بالاعتداء على الفلسطينين وعلى ممتلكاتهم في العديد من المدن والقرى الفلسطينية. وهذه الحالة الغير مسبوقة أبرزت أن الوجود الفلسطيني في الداخل أصبح يشكل حالة ضاغطة على المجتمع الصهيوني الذي كان يعتقد أنه يعيش في بيئة آمنة ومستقرة، فإذ به يواجه بتحدي الوجود الشعبي الفلسطيني المنشد إلى وطنيته، وخيبة أمل هذا المجتمع من فشل ما يسمى القبة الحديدية في توفير مظلة أمن حياتي. وهذا تطور إيجابي في مسار الصراع المفتوح مع الاحتلال.
الحقيقة الرابعة: لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني، تشهد الحدود بين الأردن وفلسطين المحتلة تجمعات شعبية عربية لامست الحافات الأمامية من الحدود. وتكمن أهمية هذه الخطوة في رمزيتها، أن الجماهير لم تتظاهر في المدن وتطلق من ساحاتها المواقف، بل توجهت إلى الحدود، وهذا ما كانت رئيسة وزراء العدو السابقة غولدامائير تخشى منه ولم يحصل بعد حرق الأقصى عام 1969.
إن هذه الخطوة تعبر عن حقيقة الموقف الجماهيري العربي، وفيه رسالة دعم إلى الداخل الفلسطيني، كما رسالة إدانة للنظام الرسمي العربي الذي لم يحرك ساكناً ضد العدوان الصهيوني المتصاعد. وبهذا تعود مقولة أن فلسطين لن تحررها الحكومات وإنما الكفاح الشعبي والمسلح أرقاه لتحتل موقعها في تعبئة الرأي العام العربي.
الحقيقة الخامسة: إن الصمود الشعبي الفلسطيني وإطلاق الانتفاضة الشعبية الواحدة تلو الأخرى ومستوى وطبيعة العدوانية الصهيونية، بدأ يعطي مفاعيله الإيجابية على المستوى الدولي. فلفترة طويلة كان الرأي العام العالمي يقع تحت تأثير البروبغندا الصهيونية. هذه البروبغندا كانت تصور أن “إسرائيل”، هي دولة “معتدى” عليها، وان العرب سيقذفون اليهود إلى البحر وأنها الواحة الديموقراطية الوحيدة في هذا الشرق، وأنه لا يوجد شعب اسمه فلسطين، وهي تسعى إلى “السلام”، فيما الفلسطينيون لا يريدون ذلك ولا يوجد شريك فلسطيني يتم التفاوض معه. هذه البروبغندا التي أثرت بشكل كبير على الراي العام العالمي استفادت من الاحتضان الاستعماري بكل إمكاناته العسكرية والاقتصادية وماكيناته الإعلامية التي روجت لوجهة النظرالصهيونية.
هذه الحالة، بدأت تشهد تبدلاً في نظرة الرأي العام الدولي تجاه ممارسات “إسرائيل”، وتجاه الحقوق الوطنية الفلسطينية. ومن مظاهر هذا التبدل، قرار المحكمة الجنائية الدولية بصلاحيتها لمقاضاة “إسرائيل” عن الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، موقف صحيفة الغارديان البريطانية واعترافها بإنها أخطأت في تأييدها لوعد بلفور، التظاهرات التي عمت عواصم ومدن العالم التي انطلقت شاجبة العدوان الصهيوني ومعلنة تأييدها للحقوق الوطنية الفلسطينية. وأهم تلك التظاهرات بدلالاتها هي التي شهدتها المدن الأميركية.
ان يحصل تبدل في الراي العام الدولي تجاه القضية الفلسطينية يوازي بأهميته توحد الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات على أرضية موقف وطني واحد. وهذا ما كانت تفتقر إليه ثورة فلسطين منذ أطلقت رصاصتها الأولى وحتى الآن. وهذا ما كان ليتحقق لولا الصمود الفلسطيني وتتالي جولات الانتفاضة الشعبية بكل تعبيراتها.
من هذه الحقائق نخلص إلى أن انتفاضة القدس أعادت قضية فلسطين إلى دائرة الضوء، وحققت الوحدة النضالية للشعب الفلسطيني على مساحة كل أرض فلسطين، وأحدثت تحولاً إيجابياً في الرأي العام العالمي، وردت على عمليات الاختراق الصهيوني للفضاء العربي الرسمي عبر علاقات تطبيع مع بعض الأنظمة العربية، بإحداث اختراق في الفضاء الدولي الذي كان شديد التأييد “لإسرائيل”، والنتجية التي سيكون لها الأثر البالغ في إحداث التحويل النوعي في الرأي العام هو كشف الزيف الكبير في ديموقراطية دولة الاحتلال وهي من خلال ممارساتها إنما هي دولة فصل عنصري بامتياز أي دولة “ابارتايد”.
وحتى لا يفرط بهذه النتائج يجب الارتقاء بالعلاقات الوطنية الفلسطينية إلى مستوى الوحدة الفعلية على المستوى السياسي والنضالي، وعليها يؤسس ويبنى الصرح الوطني الذي لا بديل عنه للدخول في مرحلة قطف الثمار السياسية للنضال الوطني التحرري وتوظيفه لمصلحة قضية فلسطين بما هي قضية تحرير وإنهاء الاستلاب الوطني والقومي، وليس لمصلحة أي فريق آخر.
طليعة لبنان 21-05-2021
شبكة البصرة
الجمعة 9 شوال 1442 / 21 آيار 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


