بِ
ما قاله وما لم يقله خدام في مذكراته
شبكة البصرة
المحامي حسن بيان
نشرت جريدة “الشرق الأوسط”، فصولاً من مذكرات عبد الحليم خدام الذي شغل لفترة طويلة موقع وزير خارجية سوريا الى ان عينه حافظ الأسد نائباً لرئيس الجمهورية للشؤون السياسية في منتصف الثمانينيات، واستمر مع الوريث السياسي الأسد الابن لعدة سنوات.
المواضيع التي تناولها خدام في الحلقات الاحدى عشرة تمحورت بشكل خاص حول الدور السوري في لبنان والعلاقة مع النظام الإيراني كما بعض العلاقات العربية وخاصة العلاقات السورية -الفلسطينية، والعلاقات السورية – العراقية.
في الحلقة الحادية عشرة تناول بايجاز حرب حزيران والازمة التنظيمية التي عصفت بحزب البعث وادت الى انقلاب 23 شباط 1966 وبعدها الصراع بين مراكز القوى التي امسكت بالسلطة والتي انتهت بحصول ماسمي بالحركة التصحيحية التي ادارها ونفذها حافظ الأسد ضد “رفاق” الامس. وبالاستناد الى نتائجها امسك بناصية القرار الفعلي في السلطة، الذي اطفى عليه “شرعية دستورية”، بعد الانتخابات الرئاسية عام 1972 واستمر قابضاً على السلطة حتى وفاته عام 2000، التي انتقلت بالوراثة المغلفة بإخراج “دستوري” شكلي لابنه بشار.
ان عبد الحليم خدام الذي كان طلية فترة رئاسة حافظ الأسد، واحداً من عناصر الإدارة السياسية للحكم سواء اثناء توليه منصب وزارة الخارجية اوتوليه نيابة الرئاسة التي كانت في ظل الصلاحيات المطلقة للاسد الاب مجرد منصب فخري، لم تطل فترة اقامته في مركز القرار السلطوي طويلاً بعد بدء مرحلة حكم الأسد الابن.
ولو كان كاتب المذكرات مازال على قيد الحياة، لكان المجال مفتوحاً اخذاً ورداً حول ماورد فيها من وقائع مروية وفقاً لوجهة نظره، لان امكانية دفاع الكاتب عن مذكراته ومحاججة الاخرين -وهذا حقه- تصبح معدومة بسبب وفاة صاحب المذكرات كتابة او توثيق. ولذلك سيقتصر الامر على استعراض ثلات حالات فقط وردت في متن المذكرات. وهذه الحالات المعروفة جداً بعناوينها الأساسية، هي العلاقات التسليحية بين النظامين الإيراني والسوري خلال فترة الحرب بين ايران والعراق، والاتصالات السورية الإيرانية قبل غزو العراق 2003، والانقلاب على الشرعية الحزبية في 23 شباط 1966.
اولاً: العلاقة التسليحية بين النظامين الإيراني والسوري
منذ حصل التغيير في ايران عام 1979 لم ينفِ النظام السوري علاقته السياسية المميزة مع النظام الإيراني، لكن العلاقة التسليحية بين الطرفين وخاصة ابان الحرب مع العراق لم ُتسلط الأضواء عليها كفاية، وبقيت مشوبة ببعض الغموض، ولم تكفِ المشاهدات الحية للأسرى العرب في المعتقلات الإيرانية لتشكيل دليل اثبات رسمي وموثق على مد النظام السوري للنظام الإيراني بالسلاح، وهم الذين كانوا يقومون واثناء اعمال السخرة بنقل صناديق الذخيرة والسلاح الممهمورة بعبارة ” انتاج المصانع الحربية للجيش العربي السوري “. هذه المسألة التي بقيت ملتبسة فترة طويلة جاءت مذكرات خدام لتقطع الشك باليقين حول صفقات السلاح السوري لإيران.
يقول خدام في الحلقة العاشرة. “في المجال العسكري ساعدت الحكومة السورية ايران باقناع الاتحاد السوفياتي بالايعاز الى دول أوروبا الشرقية ببيع أسلحة لإيران. وبالفعل تم ذلك عبر سوري، فكانت العقود توقع باسم سوريا وتدفع ايران قيمة الأسلحة التي تورد الى مرفأ اللاذقية ومنه تنقل بالطائرات الى طهران. ويضيف على الرغم من ان ايران كانت بحالة حرب مع العراق، كانت ثقتنا كبيرة بأن ايران تشكل حليفاً قوياً وفي هذا التحالف مصلحة وطنية. ” انتهى الاقتباس.
اما قول خدام بان دمشق لم تقدم لطهران سلاحاً من أسلحة الجيش السوري، فالقضية تنطوي على احتمالين، اما انه لم يعرف بها واما انه يعرفها وعمد الى تجاهله، وفي كلتا الحالتين لايغير من امر النفي شيئ، لان مشاهدات الاسرى هي اصدق من كل كلام دبلوماسي وسياسي، وثانياً لان الجسر الجوي السوري لنقل السلاح عبر الجسر الجوي السوري الى ايران تجعل نفي خدام ليس ذا قيمة فعلية.
هذا ما قاله خدام عن الدعم السوري الرسمي للقدرات العسكرية الإيرانية في الحرب ضد ايران.
اما مالم يقله، هو اقدام النظام السوري على اقفال خط انابيب النفط الذي ينقل النفط العراقي الى مصفاتي حمص وطرابلس، من اجل الضغط على العراق واضعاف قدراته وهو يواجه ايران في حرب ضروس استمرت ثماني سنوات.
وما لم يقله خدام، ان مبادرة النظام السوري بتوفير مصادر تسليح لإيران في بداية الحرب من المصادر الشرقية تحولت بعد عدة سنوات من الحرب الى فتح قنواتها على مصادر التسليح الغربية وفضيحة “ايران غيت”، التي كشفت دور “إسرائيل” في توريد السلاح لإيران بعدما بدأت الكفة العسكرية ترجح لصالح العراق هي الاثبات على ذلك. يتستنتج من كل ذلك ان النظام السوري كان طرفاً مسانداً لإيران في حربها ضد العراق وبهذا يتحمل مسؤولية في إطالة امد هذه الحرب، بسسب موقفه السياسي الذي شكل اختراقاً خطيراً للموقف العربي من جهة، وتعزيز قدرات ايران العسكرية من جانب اخر.
ثانيا: الاتصالات السورية الإيرانية قبل غزو العراق
يقول خدام في مذكراته ان اتصالات مباشرة حصلت بين القيادتين السورية والإيرانية قبل بدء اميركا وحلفائها الحرب على العراق. وانه لاجل هذه الغاية نقل رسائل للقيادة الإيرانية كما رافق الأسد في زيارته لإيران للتباحت حول تطورات الوضع واحتمالاته المستقبلية. ويشير الى ان الأسد كان متخوف، نظراً للضغوط التي ستتعرض لها سوريا فيما لو سقط العراق وقامت اميركا باحتلاله بحيث تصبح على حدود سوريا مباشرة.
ان تقديم الموقف السوري بهذه الخلفية كان صحيحاً بنسبة كبيرة، وسبق للرئيس السوري ان افصح عن عناوينه في القمة العربية التي سبقت الغزو. ويقول خدام عن اللقاء مع خامئني وخاتمي يوم كان الاخير رئيساً للجمهورية الإيرانية، ان تقديرالمسؤولين الإيرانيين:” اذا طالت الحرب فإن اميركا ستخسر الحرب، ويكفي ان يعود الى اميركا جثث الجنود الاميركيين، حتى ينقلب الرأي العام الأميركي ضد الرئيس بوش وسياسته، وينقل عن لسان خاتمي، انه لايعتقد ان اميركا ستتمكن من انهاء الحرب ويختم نقلاً عن خاتمي قوله كل المعارضة العراقية تقف ضد اميركا “. انتهى الاقتباس حول هذه المسألة.
ماقاله خدام، ان الاتصالات كانت نشطة بين ايران وسوريا قبل ان تقع الحرب واستمرت اقوى بعد اندلاع الحرب.
لكن مالم يقله خدام ونعتقد انه يعرفه جيد، ان المسؤولين الإيرانيين من خامئني وخاتمي ونزول، لم يكشفوا عن حقيقة موقفهم تجاه الحرب بمقدماتها والتحضيرات لها وما يمكن ان يترتب عليها من نتائج.
لم يقل خدام ان الإيرانيين مارسوا أسلوب التقية. فخاتمي قال ان كل المعارضة تقف ضد اميرك، فيما الحقيقة ان ايران وأميركا كانتا توجهان وتديران تلك المعارضة التي عقدت مؤتمراً لها في طهران باشراف المخابرات الإيرانية واخرَ في أربيل باشراف السي أي أي وقبل ذلك في لندن باشراف نفس الرعاة له، حيث رسم لها دور في اطار الجانب الميداني من العمليات العسكرية. وهذه المعارضة التي يقول عنها خاتمي تقف كلها ضد اميرك، دخلت الى العراق من المداخل الإيرانية على الدبابات الأميركية وهذه موثقة بالصوت والصورة.
وما لم يقله خدام، ان رفسنجابي وخاتمي اعلنا اكثر من مرة، بانه لولا مساعدة ايران لما استطاعت اميركا احتلال العراق وافغانستان. وما لم يقله خدام هو تجاهله ماسبق واعلنه خاتمي، ان رئيس وزراء بريطانيا طوني بلير زار طهران في أيام الحرب الأولى وطلب منه السماح للقوات البريطانية النزول في الأراضي الإيرانية في الاحواز كي يتسنى لها محاصرة القوات العراقية الموجودة في البصرة وعلى طول شط العرب من الخلف بعد تعثر الهجوم البري الأميركي من جبهة الكويت بفعل المقاومة العراقية التي واجهت القوات الغازية في ام القصر. وهذا ماحصل بالفعل اذ ان القوات العراقية في الجبهة الجنوبية أصبحت بعد الانزال البريطاني في المحمرة وعبادان بين فكي كماشة.
ان خدام لم يقل ان المسؤولين الإيرانيين كذبوا علينا في ماكان يضمروه من موقف حيال سياقات الحرب. فهل تكون الرغبة الإيرانية باطالة امد الحرب عبر توفير كل التسهيلات الميدانية واللوجستية للقوات الغازية؟ ولماذا لم يتطرق اليها ولو من باب الاستغراب او التساؤل!.
ان الجواب على ذلك، هو ان خدام الذي كان جزءاً من آلية اتخاذ القرار السياسي للعلاقات السورية الإيرانية، أراد عدم كشف عن كل الحقائق التي تشكل ادانة للنظام السوري في اصطفافه في تحالف استراتيجي مع إيران، وفيها ادانة ذاتية له وهو الذي سمع مباشرة من المسؤولين الإيرانيين عداءهم للعروبة وللبعث فكراً وتنظيماً وهو يعتبر نفسه من قيادة “البعث”في سوري، الذي يروي ظروف الانقلاب على الحزب في الحلقة الحادية العشرة والأخيرة.
ثالثاً: الانقلاب على الشرعية الحزبية في 23 شباط 1966
يروي خدام في الحلقة الأخيرة:” بعد حسم القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم صراعها مع القيادة القومية في 23 شباط عام 1966، احكمت السيطرة على البلاد ونهجت نهجاً ستالينياً متطرفاً وتخلت عن مبادئ الحزب الأساسية التي تدعو الى الحرية والديموقراطية، وانعكس هذا النهج بعداء من غالبية السوريين للحزب ونظامه وتراجع الاقتصاد الوطني، فاستخدم النظام القمع والاعتقال للسيطرة على البلاد. انتهى الاقتباس.
في هذه المقاربة يعترف خدام ان القيادة القطرية السورية كانت في حالة صراع مع القيادة القومية، وان القيادة القطرية التي امسكت بالسلطة تخلت عن مبادئ الحزب الأساسية، وبنتيجة ذلك حل القمع والاعتقال محل الحرية والديموقراطية.
ماذا يعني كل ذلك؟ هذا يعني انه بعد خمسة وخمسين عاماً على 23 شباط جاء من يقول وهو من كنف النظام ان القيادة القطرية كانت في حالة صراع مع القيادة القومية، وان ماحصل كان خروجا عن مبادئ الحزب الأساسية. والقيادة القطرية كانت تحت هيمنة التنظيم العسكري الذي سرعان مادخل اطرافه في صراع حاد ودموي حُسم بالنهاية لمصلحة حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني 1970.
الذي قاله عبد الحليم خدام ولو بطريقة التفافية، هو اعتراف متأخر بأن ماحصل في 23 شباط كان انقلاباً على الحزب وعلى شرعيته التي تتجسد بمرجعية القيادة القومية. وعندما وصفت الشرعية الحزبية يومذاك أن ماحصل كان ردة عن اهداف ومبادئ الحزب الأساسية، فذاك التوصيف كان تشخيصاً حقيقياً للابعاد الفعلية الكامنة وراء تلك الحركة والتي جاءت الاحداث اللاحقة لتثبت ان النظام في سوريا لم يكن بعثياً وفق ماتنطوي عليه الحزب من قيم وتقاليد واعراف نضالية، بل كان منتحلاً لصفة لاجل التشويش على الحزب وأهدافه ومبادئه. وان يقدم النظام السوري بعد خمسين عاماًعلى الغاء ماكان يسميه قيادة قومية، فهذا كان نتيجة طبيعية لانتهاء مفاعيل انتحال الصفة التي غلف نفسه بها لخمسة عقود.
ماقاله خدام في مذكراته وما لم يقله وهو معروف من خلال الوقائع اكد المؤكد، وهو ان الحكم في سوريا اقام تحالفاً استرتيجياً مع الحكم الإيراني، بدأ مع الخميني والأسد الاب، واستمر مع خامئني والأسد الابن، وماحصل في سوريا وعلى مستوى الإقليم تنفيذاً لاستراتيجية هذا التحالف لم يخرج حتى اللحظة عن ضوابطه. كما ان النظام الإيراني نسج تحالفات تحت الطاولة مع اميركا قبل غزو العراق واستمرت بعده ورغم كل ادعاء معاكس، وان النظام السوري حكم تحت مظلة “البعث” فيما “البعث” براء من ذلك. وان يأتي الاعتراف والاقرار متأخرين من بطانة النظام افضل من لا يأتيا ابد.
طليعة لبنان
شبكة البصرة
الثلاثاء 6 شوال 1442 / 18 آيار 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


