تعلمنا الدرس.. لا داعي للفزع
شبكة البصرة
بقلم: السيد زهره
* نحن في موقع قوة وقادرون على هزيمة أي مؤامرة جديدة
* بايدن يعجز عن اطلاق موجة ثانية من مؤامرة الفوضى والخراب
* الشعب الأمريكي يرفض بأغلبية ساحقة مخطط ” نشر الديمقراطية”
* رغم المفاجأة وجرائم الخونة.. البحرين افشلت مؤامرة كبرى
* أي تنازل للقوى المتآمرة تحت ضغط أمريكا ستكون عواقبه كارثية مدمرة
* خطابنا السياسي والإعلامي الخارجي ضعيف وقاصر ومهتز
تحدثت في مقالات سابقة عن مشروع أمريكا لإثارة الفوضى واسقاط النظم وهل فشل ام لا واستعرضت مختلف الآراء والتوجهات بهذا الخصوص. كما عرضت أفكار ورؤى الرئيس الأمريكي بايدن ونواياه وابعاد الصراع داخل أمريكا حول، هل يجب الاستمرار في سياسة” نشر الديمقراطية ” والتدخل بهذه الذريعة في شئون الدول ام لا.
السؤال المهم بعد كل هذا هو: ماذا نتوقع ان تفعل إدارة بايدن بالضبط بخصوص هذا الملف بشكل عام وفيما يخص الدول العربية بشكل خاص؟ الى أي حد يمكن ان تذهب؟
هل نحن مقبلون مثلا على موجة ثانية من مخطط الفوضى واسقاط النظم على غرار الموجة الأولى التي قاد تنفيذها أوباما؟
ما هي العوامل والاعتبارات التي تحكم مواقف وسياسات إدارة بايدن بهذا الخصوص، سواء في ذلك العوامل المواتية التي تشجع الإدارة على المضي قدما في هذا المخطط، ام غير المواتية التي تضع قيودا عليها؟.
ماذا علينا ان توقع؟ وماذا علينا ان نفعل؟
***
عوامل مواتية
بداية يمكن القول ان ادارة بايدن حين تقرر اي سياسة سوف تتبعها وتنفذها عمليا بخصوص مخطط “نشر الديمقراطية” فانها محكومة بعدد من العوامل المواتية التي تشجعها على المضي قدما في هذا المخطط، وعوامل أخرى غير مواتية تقيدها وتردعها.
اما عن العوامل المواتية، فقد سبق ان تطرقنا اليها بشكل عام، لكن سنلخصها فيما يلي:
1- ان التدخل في شئون الدول والسعي لاثارة الفوضى وحتى اسقاط نظم الحكم حسب ما تقتضي المصلحة الأمريكية هي استراتيجية أمريكية ثابتة منذ عقود طويلة بالنسبة للإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، وكل ما في الأمر ان الأهداف المعلنة وطريقة التنفيذ تتغير حسب طبيعة كل حقبة تاريخية.
ويعني هذا انه في كل الأحوال ليس لنا ان نتوقع لا في عهد بايدن او غيره ان يتم التخلي نهائيا عن هذه الاستراتيجية.
2- ان الرئيس بايدن شخصيا كما سبق وشرحت تفصيلا من اشد المتحمسين لمشروع الفوضى واسقاط النظم تحت ذريعة الديمقراطية وحقوق الانسان، وهو في نفس الوقت يكن مشاعر عدائية سافرة للدول العربية وقادتها.
ويعني هذا انه لو كان الأمر بيده ولو كان بمقدوره ان يفعل ما يشاء فانه لن يتردد في محاولة إعادة مخطط الفوضى واسقاط النظم كما كان في أوجه في عهد اوباما.
3- ان الكثيرين في إدارة بايدن والمسئولين عن هذا الملف هم من الذين سبق ان عملوا في إدارة أوباما، ومن الضالعين بالتالي في هذا المخطط. وبالتالي لنا ان نتوقع انهم متحمسون لإكمال المخطط مع بايدن.
4- ان المؤسسات والمنظمات الأمريكية الت ترسم ملامح هذا المخطط وتلعب الدور الأساسي المباشر ي تنفيذه قائمة وقوية ومخططاتها جاهزة ولديها الأموال الكافية لتمويل هذه المخططات.
معاهد مثل المهد الجمهوري الأمريكي والمعهد الديمقراطي، ومنظمات مشبوهة مثل هيومان رايس او فريدوم هاوس وغيرها تعتبر ان تنفيذ هذا المخطط هو مجال عملها الأساسي وهي بالطبع تستعد لأن تعاود نشاطها بقوة بعد ان حجمها الرئيس ترامب في فترة رئاستة.
5- ان قوى وجماعات الفوضى والتخريب المتآمرة في دولنا العربية التي شاركت من قبل في مخطط اسقاط النظم العربية جاهزة لعرض خدماتها على أمريكا ودعوتها ال تصعيد حملتها وتدخلاتها.
ومنذ ان أتت إدارة بايدن الى الحكم سارعت هذه القوى والجماعات بالفعل الى امطار الإدارة بالراسئل والبيانات التي ترحب فيها بموقف بايدن وتوجهاته وتدعوه الى تكثيف التدخل في شئون دولنا وتنفيذ مخططها.
هذه باختصار شديد اهم العوامل المواتية التي من شأنها تشجيع إدارة بايدن على المضي قدما في تنفيذ المخطط.
***
عوامل غير مواتية
في مقابل العوامل السابقة هناك عوامل كثيرة أخرى غير مواتية ومن شأنها تقييد حركة إدارة بايدن في تعاملها مع ملف التدخل غي شئون الدول تحت زعم “نشر الديمقراطية”.
ويمكن تلخيص هذه العوامل على النحو التالي:
1- الأزمات الداخلية المتفجرة في أمريكا.
الحادث هنا كما نعلم ان التطورات التي شهدتها أمريكا في الأشهر القليلة الماضية وخصوصا مع انتخابات الرئاسة واعمال العنف التي شهدتها وبلغت ذروتها في واقعة اقتحام الكونجرس، اغرقت البلاد في أزمات داخلية حادة.
أمريكا تشهد انقساما داخليا حادا على كل المستويات السياسية والمجتمعية، وصراعات بين قوى مختلفة تهدد بانفجار صراع اهلي في أي وقت.
كما تشهد أمريكا ازمة حكم وعدم ثقة في الديمقراطية الأمريكية عبر عنها الكتاب والساسة والمواطنون على نطاق واسع.
هذا بالإضافة بالطبع الى ازمة كورونا المتفجرة في العالم كله.
هذه الأزمات الداخلية تحتل اولوية مطلقة على قائمة اهتمامات إدارة بايدن، وهو ما دفع الرئيس الى ان يؤكد باستمرار الى ان استعادة وحدة البلاد هي قضيته الأولى.
ويعني هذا ان إدارة بايدن ستكون بشكل عام منشغلة بهذه الأزمات الداخلية اكثر من انشغالها بالقضايا الخارجية ومن بينها القضية التي نناقشها.
2- ان فكرة “النموذج الأمريكي” في الحكم والديمقراطية والقيم الديمقراطية الأمريكية التي تعتبر الفكرة الجوهرية التي يبررون بها التدخل في شئون الدول و”نشر الديمقراطية” تلقت ضربة في الصميم.
لا احد في العالم تقريبا اصبح مستعدا لتقبل الدعاوى الأمريكية بهذا الخصوص بعد ما شهدته أمريكا وانكشاف ازمة ديمقراطيتها. حتى الأمريكيون انفسهم يسخرون من فكرة تصدير الديمقراطية بعد كل ما جرى.
3- انه في هذا الإطار، فان التيار الرافض لتدخل أمريكا في شئون الدول في أوساط الساسة والمحللين والكتاب أصبح تيارا قويا ومؤثرا ولا يمكن تجاهل مطالباته. واول ما يطالب به هو الاهتمام بالداخل الأمريكي وحل الأزمات الداخلية ووقف سياسة ” نشر الديمقراطية”.
4- ان الأوضاع في المنطقة والعالم تغيرت كثيرا منذ 2011 وحتى اليوم. هذه الأوضاع ببساطة لم تعد مواتية لأمريكا لأن تستمر في فرض ارادتها علينا وعلى العالم وتنفيذ مشروع الفوضى واسقاط النظم.
يمكن ان نشير هنا الى بعض من التغيرات الأسااسية.
من اهم وأكبر هذه التغيرات ان الدول العربية أصبحت اكثر قوة في مواجهة المؤامرات ضدها سواء من أمريكا او ايران او غيرهما. أصبحت اكثر وعيا وادراكا بهذه المؤامرات واكثر استعدادا لمواجهتا واحباطها.
والتغيرات العالمية فرضت على أمريكا نفسها اولويات جديدة في استراتيجيتها العالمية.
الأولوية الأكبر لأمريكا على الصعيد العالمي اصبحت مواجهة روسيا والصين ونفوذهما المتصاعد الذي يهدد مكانة امريكا العالمية. هذه الأولوية يجمع عليها الإدارة الأمريكية وأيضا المحللون الأمريكيون والطبقة السياسية.
ويعني هذا انه على الرغم من كل احاديث بايدن عن أفكاره وخططه حول ” نشر الديمقراطية ” وحقوق الانسان والتدخل في شئون الدول تحت هذه الذريعة ان القضية عمليا لن تكون لها أولوية على قائمة اهتمامات ادارته في سنوات حكمه.
***
الشعب الأمريكي يرفض
ومن اهم العوامل غير المواتية ان الشعب الأمريكي نفسه وبأغلبية ساحقة يرفض سياسة نشر الديمقراطية هذه ولا تمثل أي أولوية على قائمة اهتماماته. هذا ما اثبتته نتائج استطلاعات الراي العام التي أجريت في الفترة الماضية.
من اهم هذه الاستطلاعات استطلاع للرأي اجراه معهد بيو للأبحاث أظهر ان الأمريكيين في اغلبيتهم الساحقة يرفضون تماما مسألة التدخل في شئون الدول الأخرى لنشر الديمقراطية، وان هذه المسألة تحتل آخر اهتماماتهم واولوياتهم.
الاستطلاع اجري في شهر فبراير الماضي ووضع 20 قضية كأولويات للسياسة الخارجية الأمريكية وطلب من الذين استطلع آرءهم ترتيب هذه الأولويات وجاءت مسألة نشر الديمقراطية في آخر سلم الأولويات
أولويات الأمريكيين جاءت على النحو التتالي:
حماية وظائف العمل للأمريكيين (75%)- تقليل انتشار الأمراض الوبائية (71%) -اتخاذ إجراءات لحماية أمريكا من الهجمات الإرهابية (71%)- منع انتشار أسلحة الدمار الشامل (64%) تطوير العلاقات مع الحلفاء (55%).. وهكذا
وفي آخر القائمة أي في المرتبة العشرين جاءت مسألة “نشر الديمقراطية في الدول الأخرى” بنسبة 20% فقط.
***
ماذا نتوقع؟
على ضوء هذا العرض الذي قدمناه للعوامل المواتية وغير المواتية لمشروع التدخل في شئون دولنا العربية وسعي أمريكا لاثارة الفوضى واسقاط النظم، ما الذي يمكن ان نخلص اليه؟ ماذا علينا ان نتوقع بالضبط من إدارة بايدن؟.
النتيجة الأساسية التي نخلص اليها ان الرئيس الأمريكي بايدن ليس مطلق السراح كي يفعل ما يشاء ويريد في هذا الملف.
بايدن ليس في موقع يتيح له مثلا ان يعيد المؤامرة الأمريكية لاثارة الفوضى والسعي لاسقاط النظم العربية في موجة ثانية على غرار ما حدث ابان حكم أوباما ومثلما فعل.
لكن هذا لا يعني ابدا ان إدارة بايدن لن تفعل شيئا او لن تحاول تحريك هذا الملف.
بالعكس، بعد كل الوعود التي اطلقها والتعهدات التي قطعها على نفسه، سيجد بايدن نفسه مضطرا لأن يفعل شيئا بخصوص “نشر الديمقراطية” وخصوصا على الساحة لعربية.
لكن ماذا نتوقع من ادارته ان تفعل؟
علينا ان نتوقع ما يلي:
1- سوف تحتضن إدارة بايدن القوى والجماعات المتآمرة العميلة في دولنا العربية وتحاول ان تعطيها قوة دفع جديدة في سعيها لاثارة الفوضى وتقويض امن واستقرار دولنا.
سوف تقدم إدارة بايدن دعما سياسا واعلاميا لهذه القوى والجماعات، وتمنحها منصات اعلامية وسياسية للترويج لأفكارها ومشاريعها التخريبية.
وسوف تحاول ادارة بايدن، كما وعد هو شخصيا ان يفعل عبر مؤتمر قمة الديمقراطية الذي وعد بعقده ان يشكل تحالفا بين هذه القوى المتآمرة على الصعيد العربي العام.
وبالطبع، ستمنح إدارة بايدن وعبر المؤسسات الأمريمكية المعنية دعما ماليا لهذه القوى والجماعات.
2- سوف تطلق ادارة بايدن حملة سياسية وإعلامية لتشويه أوضاع الدول العربية عبر التقارير والبيانات التي تصدرها مؤسسات ومنظمات التخريب، والمنظمات التي تحمل أسماء حقوق الانسان والحريات والديمقراطية وما شابه ذلك.
بعبارة أخرى، سوف تعيد الحياة الى نفس حملة النشوية والتضليل التي شهدنها في 2011 والسنوات التالية.
3- سوف تمارس إدارة بايدن وتحت ذريعة هذا الملف، ملف الديمقراطية وحقوق الانسان، ضغوطا على الحكومات العربية لمحاولة اجبارها على الاقدام على خطوات معينة تخدم في نهاية المطاف مشروع الفوضى والتخريب، وسوف تستخدم هذا الملف كأداة ابتزاز للحكومات العربية بما يخدم ما تريده أمريكا منها.
تحرك إدارة بايدن على هذه المحاور الثلاثة بدأ فعلا في الفترة الماضية، فقد لاحظنا عودة حملات التشويه السياسي والإعلامي لأوضاع دولنا، وعودة مؤسسات التخريب والفوضى الى نشاطها المعهود، وعودة احتضان جماعات وقوى التآمر في الدول العربية. لكن علنيا ان نتوقع تصاعد هذه الحملة في الفترة القادمة.
***
نحن في موقع قوة
اذن، على ضوء كل ما ذكرناه، السؤال المهم هو: ماذا على الدول العربية ان تفعل؟
قبل كل شيء، علينا ان ندرك اننا في موقع قوة، وليس هناك ما يدعونا للفزع من مخططات بايدن او غيره.
نحن في موقع قوة لثلاثة أسباب أساسية:
السبب الأول: اننا تعلمنا الدرس مما حدث في 2011 وراكمنا الخبرات الكفيلة بالتصدي لأي مؤامرة.
الذي حدث في 2011 اننا فوجئنا، على المستوى الرسمي وغير الرسمي، الى حد الصدمة مما جرى. لم نكن نتوقعه ولا مستعدين للتعامل مع ما جرى.
في البحرين ومصر ودول عربية أخرى، لم نكن نتوقع ابدا ان تكون المؤامرة علينا بهذا الحجم وبهذه الضراوة. ولم نكن نتوقع ابدا ان تكون قوى وجماعات في دولنا خائنة لأوطانها وعميلة ومستعدة للضلوع في التآمر الى هذا الحد.
في البحرين مثلا، لم نتوقع ابدا ان تذهب القوى والجماعات الطائفية الى هذا الحد في التآمر والخيانة وان تعمل على اسقاط النظام وتدمير الهوية الوطنية والمجتمع، ومستعدة لممارسة الإرهاب في سبيل ذلك على نحو ما شهدناه.
لهذا، لم تكن دولنا مستعدة في البداية للتعامل مع مؤامرة بهذا الحجم.
لكننا تعلمنا الدروس مما حدث، واكتشفنا مصادر القوة التي مكنتنا من هزيمة المؤامرة، وتمكننا من هزيمة أي مؤامرة أخرى على أي مستوى.
السبب الثاني: ان المؤامرة انفضحت، والدعاوى والمبررات التي لجأت اليها القوى المتآمرة، الأجنبية والمحلية، في 2011 لم تعد تنطلي على احد.
لم يعد الادعاء بالمعارضة والتغيير والاصلاح والديمقراطية وما شابه ذلك من ادعاءات اتخذوها غطاء للمؤامرة تنطلي على الشعوب لا في منطقتنا ولا في العالم.
السبب الثالث: ان الدول الأساسية المتآمرة على دولنا العربية هي اليوم في ازمة طاحنة أصلا تسعى الى الخروج منها.
نعني تحديدا هنا أمريكا وايران اكبر دولتين تآمرتا علينا.
الدولتان تعيشان أزمات داخلية طاحنة وليستا في موقع يتيح لهما العودة للضلوع في مؤامرة جديدة شبيهة بما حدث في 2011.
لهذه الأسباب الثلاثة نحن كما قلت في موقع قوة.
***
لكن هذا لا يعني بداهة ان نستخف او نستهين بما تخطط له إدارة بايدن.
بالعكس، يجب ان نأخذ هذه المخططات بمنتهى الجدية، وان نستعد لمواجهتها والتعامل معها كما يجب.
علينا ان نخطط بشكل مدروس لمواجهة الحملة الإعلامية والسياسية ضد دولنا التي سوف تتصاعد.
علينا ان ندرك هنا ان خطابنا السياسي والإعلامي الموجه للخارج ضعيف وقاصر ومهتز، وعلينا ان نبحث كيف نطوره ونجعله اكثر فاعلية وتأثيرا.
وعلي الحكومات العربية ان تدرك ان أي تنازل تقدمه للقوى المتآمرة العميلة تحت أي ضغط امريكي سوف تكون له نتائج كارثية ومدمرة.
وقبل هذا وبعده، علينا ان ندرك، وقد اكدت هذا مرارا، ان مهمتنا الأولى والأكبر التي يجب الا تتقدمها أي أولوية هي تقوية الدولة ومؤسساتها وقدراتها على كل المستويات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
هذه هي الركيزة الأساسية التي تمكننا من افشال أي نخطط او مؤامرة.
شبكة البصرة
السبت 26 رمضان 1442 / 8 آيار 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


