هل فشل مشروع الفوضى واسقاط النظم؟ (2)
“أحصنة طروادة” الأمريكية.. أدوات الخراب
شبكة البصرة
بقلم: السيد زهره
* العملاء والخونة لأوطانهم رأس الحربة في مشروع الخراب والدمار الأمريكي
* هذه هي المؤسسات والمنظمات التي تقود تنفيذ المشروع بدلا من المخابرات
* أمريكا انفقت 9 مليار دولار في 20 عاما لتنفيذ الأجندة في 100 دولة
* استراتيجية ثابتة دائمة تنفذها كل الإدارات الجمهورية والديمقراطية
في المقال السابق عرضت لآراء عدة لمحللين وباحثين يعتبرون فيها ان مشروع امريكا باسقاط نظم الحكم في العالم بما يرتبط بذلك من فوضى ودمار قد فشل.
هل فشل هذا المشروع حقا؟ هل نفترض ان أمريكا لم تعد مهتمة بالمشروع استنادا الى فشله؟.. هل لنا ان نركن الى هذا ونطمئن اليه؟
الإجابة على السؤال امر مهم لنا في الوطن العربي على اعتبار ان دولنا هي المستهدف الأول بهذا المشروع، وخصوصا مع وجود إدارة بايدن بتوجهاتها المعروفة في هذا الخصوص.
وكي نعرف الإجابة عن السؤال بشكل موضوعي نطمئن اليه، علينا ان نتابع كيف تطورت استراتيجية أمريكا لاسقاط النظم عبر العقود والمراحل المختلفة التي مرت بها، وما الذي حكمها في كل مرحلة؟ وما هي النتائج التي يمكن ان نصل اليها بناء على ذلك؟.
***
تطور استراتيجية اسقاط النظم
يعتقد البعض ان استراتيجية أمريكا باسقاط النظم استراتيجية حديثة لم تتبلور نظريا وعمليا الا في العقود القليلة الماضية.
وهذا ليس صحيحا. الحقيقة ان هذه الاستراتيجية قديمة جدا اقدم مما يتصور الكثيرون.
يمكن القول ان هذه الاستراتيجية تعود الى أواخر القرن التاسع عشر.
يمكن ان نتوقف هنا عند مقولة شهير للرئيس الأمريكي ودرو ويلسون في عام 1898. قال: “علموهم ان ينتخبوا أناسا جيدين”.
بهذه المقولة ارسى ويلسون مبدأين في الاستراتيجة الأمريكية هما الركيزة الاساسية التي تقوم عليها استراتيجية اسقاط النظم:
الأول: مبدأ تفوق النموذج المريكي في الحكم والاتقاد بأن موقعها هو موقع الأستاذ الذي من حقه ان يعلم دول العالم ما يجب ان تفعله او لا تفعله، وان القيم الأمريكية هي التي يجب ان تسود.
والثاني: ان من حق أمريكا التدخل في شئون الدول الأخرى بمختلف الأساليب لفرض ما تريد ولإجبار دول العالم على ان تقعل ما يريده الأمريكان.
ولم تكن مقولة ويلسون مجرد مقولة انشائية بل تحولت الى ممارسة عملية وسياسات اتبعتها امريكا عبر العقود التالية.
فقد اطلقت أمريكا حملات لتغيير النظم و وتدخلت بشكل سافر لهذا الغرض في دول كثيرة مثل كوبا والمكسيك وهايتي وجمهورية الدومينيكان ونيكاراجوا وهندوراس وبنما وكوستا ريكا، وغيرها.
المرحلة الثانية في استراتيجية اسقاط النظم بدأت مع انشاء وكالة المخابرات الأمريكية سي آي ايه في عام 1947.
انشاء السي آي ايه كان تدشينا لمرحلة جديدة من العمليات السرية التي قادتها الوكالة ونفذتها طوال فترة الحرب الباردة لتغيير النظم في اوروبا الشرقية والشرق الأوسط وافريقيا وامريكا اللايتينية.
السعي لاسقاط النظم في تلك الفترة كان يتم تحت شعار أساسي هو ضرورة محاربة النظم الموالية للمعسكر الاشتراكي.
العمليات السرية الأمريكية لاسقاط النظم طوال فترة الحرب الباردة اتخذت اشكالا كثيرة.. التدخلات العسكرية المباشرة لاسقاط حكومات.. مساعدة الانقلابات العسكرية.. التدخل في الانتخابات.. مساعدة المنشقين وجماعات المعارضة على الاطاحة بالحكومات.. وهكذا.
الأمر المهم انه طوال فترة الحرب الباردة انه بدلا من النظر الى اسقاط النظم باعتباره الخيار الأخير، اصبح ينظر اليه على اعتبار انه خيار سهل لمواجهة النفوذ السوفيتي في العالم.
***
مرحلة “احصنة طروادة”
بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه ونهاية الحرب الباردة بدأت المرحلة الثالثة من استراتيجية أمريكا لاسقاط النظم، وهي المرحلة التي نعيشها حتى اليوم وأخطر المراحل على الاطلاق، وهي مرحلة يمكن ان نطلق عليها مرحلة ” أحصنة طروادة”.
هذه المرحلة تقوم على ثلاثة ركائز أساسية:
1- تغيرت الشعارات التي يتم من منطلقها تبرير استراتيجية اسقاط النظم. أصبحت الاستراتيجية تتم وفق شعارات “نشر الديمقراطية ” والمساعدات الإنسانية، ودعم المجتمع المدني، والدفاع عن الحريات وحقوق الانسان.. وهكذا.
هذه الشعارات اصبح يتم التعامل معها على اعتبار انها بمثابة “احصنة طروادة” التي يتم من خلالها تنفيذ استراتيحية تغيير واسقاط النظم.
2- تغيرت أدوات تنفيذ الاستراتيجية.
بدلا من المخابرات الأمريكية السي آي ايه التي كانت تقود مباشرة عمليات اسقاط النظم عبر عملياتها السرية،، فان مؤسسات جديدة أصبحت هي التي تقوم بهذه المهمة.. مؤسسات مثل وكالة المعونة الأمريكية وعديد من شركائها مثل، الوقف الوطني الديمقراطي ان أي دي، والمعهد الديمقراطي الأمريكي والمعهد الجمهوري الأمريكي، والمركز الأمريكي الدولي للعمل، والمركز الدولي للمؤسسات الخاصة وفريدوم هاوس وعديد من المؤسسات والمنظمات الأخرى تحمل أسماء الدمقراطية وحقوق الانسان والمجتمع المدني وما شابه ذلك.
الهدف ظل واحدا في كل الأوقات، لكن بدلا من ان تقوم المخابارت الأمريكية بالمهمة أصبحت تقوم بها هذه الشبكة من المؤسسات والمنظمات.
في عام 1991 قال آلان وينتين وهو احد المؤسسين للوقف الديمقراطي الأمريكي لصحيفة واشنطن بوست” الأمريكية: “اغلب ما نقوم به اليوم كانت تقوم به سرا السي آي ايه قبل 25 عاما”.
وهذه المنظمات والمعاهد كلها تتلقى التمويل من الكونجرس الأمريكي.
ايفا جولنجر باحثة أمريكية تخصصت في مسألة محاولات ما يسمى نشر الديمقراطية وخصوصا في فنزويلا كتبت تقول: “عشرات الملاين من الدولارات من أموال دافعي الضرائب في امركيا تذهب كل عام لتمويل منظمات سياسية وحملات في عديد من دول العالم بهدف الترويج للأجندة الأمريكية. والاغلبية الساحقة من المواطنين الأمريكيين لا يعلمون بحقيقة ان هذه هي الطريقة الي يتم بها انفاق أموالهم.. لا يعلمون انها تنفق في التدخل السافر في الشئون الداخلية للدول الأخرى”.
وكالة المعونة الامريكية انفقت خلال العقدين الماضيين 9 مليار دولار على برامج نشر الديمقراطية في العالم.
وكالة المعونة الأمريكية طبقت ما يسمى مبادرات نشر الديمقراطية في اكثر من 100 بلد في العالم في خلال ال25 عاما الماضية.
3- انه بدلا من التدخل الأمريكي السافر المباشر لاسقاط النظم سواء عبر التدخل العسكري او العمليات السرية للمخابرات، اصبح يتم الاعتماد أساسا على القوى العميلة الخائنة في الدول المستهدفة.
بمعنى ان هذه المؤسسات والمنظمات الأمريكية أصبحت تركز على اختيار قوى وجماعات من داخل الدولة تكون على استعداد لخيانة اوطانها والعمالة لأمريكا والانخراط في تنفيذ مخططات أمريكا لاسقاط النظم وتقوم بتمويلها وتدريبها واحتضانها سياسيا واعلاميا كي تقوم هي بالمهمة بالدعم الأمريكي.
باحث امريكي كتب يقول: “مفهوم نشر الديمقراطية لاسقاط النظم بسيط للغاية. ما عليك سوى ان تقوم بتمويل، وتدريب جماعات المعارضة التي تناويئ النظم وتعتبر موالية لأمريكا، وتقدم لها الدعم السياسي والإعلامي، وستقوم هي بالمهمة تحت اشرافك وتوجيهك”.
طبعا نعلم جميعا ان استراتيجية “احصنة طروادة” لاسقاط النظم بأبعادها التي تحدثنا عنها تم تنفيذها على نطاق واسع في دولنا العربية، من البحرين، الى مصر، الى عديد من الدول العربية الأخرى.
***
استراتيجية مؤسسية ثابتة
هذا العرض الذي قدمناه لتطور استراتيجية أمريكا باسقاط نظم الحكم في العالم بمراحلها المختلفة، ينتهي بنا الى نتيجة أساسية هي انها استراتيجية مؤسسية ثابتة دائمة مع كل الإدارات الأمريكية سواء كانت جمهورية او ديمقراطية.
جاكوب هورنبيرجر رئيس مؤسسة “مستقبل الحرية” قال بهذا الصدد: ان استراتيجية نشر الديمقراطية لم تكن قصرا على إدارة اوباما او بوش بل هي استراتيجية مؤسسية تحكم السياسة الخارجية الأمريكية منذ زمن طويل جدا. وقال: السياسة الخارجية الأمريكية تقوم على هذا منذ عقود طويلة.. انهم يضخون الأموال للتأثير على الانتخابات، ويقومون بعمليات غزو عسكري، ويدبرون انقلابات، وينفذون عمليات تغيير للنظم. هذا ما تقوم عليه السياسة الخارجية منذ زمن طويل.
احد الساسة الذين عملوا في إدارة أوباما دلل أيضا على ان هذه استراتيجية أمريكية ثابتة ودائمة باوباما نفسه وتحولات مواقفه.
قال انه حين دخل أوباما البيت الأبيض لم يكن من المتحمسين لتغيير النظم. ليس هذا فحسب، بل انه فاز في انتخابات الرئاسة عام 2008 وكانت احد أوراقه القوية الكبرى معارضته لاسقاط وتغيير النظم عبر حرب غزو العراق التي اسقطت النظام على العكس من موقف منافسته في الانتخابات التمهيدية هيلاري كلينتون ومنافسه الرئيسي في الانتخابات العامة جون ماكين. ورغم هذا انتهى ابه الأمر الى ان اصبح واحدا من اكبر قادة امريكا تأييدا لاسقاط النظم، وعمل فعليا الى اسقاط نظم الحكم في مصر وليبيا ومصر والبحرين والخليج.
***
خلاصات اساسية
ما الذي يمكن ان نصل اليه بعد ما عرضناه في المقال السابق ومقال اليوم عن تطور استراتيجية الفوضى واسقاط النظم الأمريكية وعن الجدل الدائر حول فشل هذه الاستراتيجية؟.
هناك أربعة نتائج كبرى يمكن ان نصل اليها، ويجب ان تكون ماثلة في أذهاننا في الدول العربية هي على النحو التالي:
الحقيقة الأولى: ان مشروع الفوضى واسقاط النظم لم يفشل في التطبيق العملي على نحو ما يرى محللون عرضنا لآرائهم.
القضية المهمة هنا التي يتغافل عنها المحللون الأمريكيون الذين يتحدثون عن فشل الاستراتيجية وينصحون بالتخلي عنها ان ما يعتبرونه فشلا هو قمة النجاح من وجهة نظر العقول الاستراتيجية الأمريكية التي لطالما وقفت وراء هذا المشروع عقدا بعد عقد.
هاذ المشروع الأمريكي نجح فعلا عبر العقود الطويلة في اسقاط نظم حكم وطنية وازاحة قادة وطنيين واثارة فوضى وصراعات دموية وتفحير حروب أهلية في عديد من الدول.
هذه الفوضى والدمار والحروب الأهلية هي اهداف مقصودة بحد ذاتها وهي جوهر المشروع أصلا.
وحين يرفعون في المرحلة الحالية شعارات الديمقراطية والحريات وحقوق الانسان، هم يعلمون جيدا ان كل هذا لن يتحقق باسقاط النظم واثارة الفوضى. هم يريدونها كما ذكرنا مجرد غطاء لتبرير مشروعهم الاجرامي.
الحقيقة الثانية: انه كما راينا، فان هذا المشروع يتم تنفيذه منذ عقود طويلة جدا وفي كل عصور الإدارات الأمريكية سواء كانت جمهورية او ديمقراطية. ويعني هذا كما ذكرنا انها استراتيجية أمريكية مؤسسية ثابتة ودائمة في التفكير الاستراتيجي الأمريكي.
كل ما في الأمر ان الأهداف الرئيسية والشعارات المرتبطة بها تتغير مرحلة بعد مرحلة، والأساليب تتغير، لكن يبقى جوهر المشروع واحدا وهو تدمير وخراب دول والقضاء على حكومات وطنية.
في فترة الحرب الباردة، كان الهدف الجوهري هو استهداف الدول المنتمية للمعسكر الاشتراكي او التي ترتبط به باي شكل. وبعد الحرب الباردة أصبحت حجة نشر الديمقراطية هي الأساس.
في الماضي كان التدخل العسكري والعمليات السرية هي الأساليب المعتمدة. وفي الفترة الحالية اصبح العملاء والخونة لأوطانهم هم رأس الحربة في تنفيذ المشروع.
بعبارة اخرى، ليس هناك ما يشير اطلاقا الى ان هذا المشروع اختفى او تراجع في أي وقت في التاريخ الأمريكي الحديث والمعاصر.
الحقيقة الثالثة: انه بالنسبة لنا في الوطن العربي يجب الا يغيب عن بالنا ان أمريكا سعت الى تنفيذ هذا المشروع مرحلة بعد مرحلة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا.
في الخمسينيات والستينيات سعت أمريكا بكل السبل الى اسقاط نظام الزعيم جمال عبدالناصر لاعتبارهم انه حليف للاتحاد السوفيتي ويهدد المصالح الغربية.
وحين استخدمت الدول العربية سلاح النفط في حرب أكتوبر فكروا جديا ووضعوا الخط بالفعل لاحتلال منابع النفط واسقاط نظم الحكم في السعودية والامارات والكويت وهددوا العاهل السعودي الملك فيصل صراحة.
وفي اعقاب الحرب الباردة صاغوا ملامح استراتيجية كبرى لتدمير الدول العربية وتقسيمها وفق خطط مرسومة لاسقاط النظم وتدمير الدول ومؤسساتها. وكما نعلم وصل هذا المشروع الى ذروته في احداث 2011.
الحقيقة الرابعة: ان ما يمكن ان نطلق عليه البنية التحتية للمشروع قائمة وفي كامل قوتها. نعني بذلك المؤسسات والمنظمات الأمريكية التي تقود تنفيذ المشروع والتي اشرنا ليها والتي تتلقى تمويلات كبيرة جدا من الكونجرس الأمريكي. هذه المؤسسات والمنظمات جاهزة ولديها الخطط المعدة سلفا للشروع في أي وقت في استهداف اي دولة.
***
كما نرى، النتيجة النهائية التي نصل اليها انه ليس هناك أي سبب يدعو الدول العربية الى الاعتقاد بأن مشروع التدمير والخراب الأمريكي لدولنا قد فشل او انه تم التراجع عنه، وان علينا ان نتوقع موجة جديدة من هذا المشروع في أي وقت.
السؤال الذي يطرح نفسه بداهة هنا هو: ماذا علينا اذن ان نتوقع من إدارة بايدن بهذا الخصوص؟
هذا موضوع سنناقشه تفصيلا في مقالات قادمة باذن الله.
شبكة البصرة
الاربعاء 9 رمضان 1442 / 21 نيسان 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


