الخيط الرفيع بين العدالة والإبتزاز وبين الصّدق والنّفاق
شبكة البصرة
د. علي بيان
تتوالى حلقات مسلسل “الديموقراطيّة وحقوق الإنسان” من إنتاج وإخراج الإدارات الأميركيّة المتعاقبة. تضمّنت الحلقة التي تمّ تظهيرها وعرضها مؤخّراً من إعداد إدارة الرئيس الحالي بايدن مسألتين بارزتين:
1- رفع الحوثيّين في اليمن عن قائمة المنظمات الإرهابيّة بحجّة تأمين الحاجات الإنسانيّة لليمنيّين في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، رغم أن ذلك مؤمّن كما في المناطق التي تدار من قبل الحكومة الشرعيّة، خاصّةً بعد اتفاق استوكهولم (13 كانون الأول، 2018) الذي لم ينفّذ منه سوى فتح موانئ الحديدة التي استغلها الحوثيّون للتزوّد بالإسلحة بغض نظر إن لم يكن بتواطؤ دولي، رغم تضمين الإتفاق بنداً يحظر ذلك. وقد استغلّ الحوثيّون هذا الإجراء لتصعيد الهجمات بالصواريخ الباليستيّة والطائرات المسيّرة على مأرب والمدن السعوديّة منذ أيام، إضافة إلى الأعمال العسكريّة الميدانيّة على مشارف مأرب. والهدف هو تحسين شروط إيران، التي بإيعازوتوجيهٍ منها انقلب الحوثيّون على الإتفاق السياسي في أيلول 2014 ألمستند إلى مخرجات الحوار اليمني والمبادرة الخليجيّة والقرار الأممي 2216، في المفاوضات المستقبليّة مع أميركا، وكذلك تحسين شروط الحوثيّين في أيّ حلّ سياسيّ جديد يحصلون فيه على مكتسبات فئويّة أكبر من حجمهم التمثيلي ديموغرافيّاً وجغرافياّ وثقلاً سياسيّاً.
2- تفعيل ملفّ مقتل جمال الخاشقجي وهي جريمة مدانة بكل المقاييس والمطلوب محاسبة المتورطين لأنّ الرأي والموقف يواجهان بالرأي والموقف وليس بالتعذيب الجسدي والقتل، واتخاذ قرارت ذات علاقة بتوريد الأسلحة إلى السعوديّة، علماً أن تلك الأسلحة هي مدفوعة الثمن وتستطيع السعوديّة الحصول على مثيلاتها من مصادر أخرى، إضافةً إلى إعادة دراسة نمط العلاقات معها.
إنّ الدفاع عن حقوق الإنسان على الصعيدين الوطني والأممي واجب إنسانيّ وأخلاقيّ، والعمل على تطبيق الديموقراطيّة في النّظم السياسيّة يعمّق ويفعّل مسارات الإلتزام بتلك الحقوق. لكن سؤالاً أساسيّاً يبقى ماثلاً في الأذهان: هل تتوافق الدعوة المحقّة والمطلوبة إلى الديموقراطيّة وإحترام حقوق الإنسان مع الإستنسابيّة والإنتقائيّة التي تتميّز بها الإدارات الأميركيّة في مقاربة ملفّات متشابهة مع إختلافاتٍ شكليّة بين إدارةٍ وأخرى، ولم تخرج عن سياقاتها الإدارة الحاليّة؟ وفي هذا المجال نورد الأمثلة التالية:
1- لماذا لا تفتح الإدارة الأميركيّة الجديدة ملفّ التعذيب والإنتهاكات في سجني غوانتنامو(كوبا) وأبو غريب (ألعراق) ومعاقبة من ارتكبوا الفظائع هناك وهي موثّقة في الأرشيف الأميركي وغيره.
2- لماذا لا يفتح ملفّ استهداف ملجأ العامريّة في العراق (13 شباط 1991)، واستخدام أميركا الأسلحة المحرّمة دولياً (الفوسفور الأبيض واليورانيوم المنضّب) في حربها اللاّشرعيّة واللاّقانونيّة ضدّ العراق عام 2003، التي شنّت بحجّة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، ويتعاون مع القاعدة، حيث أعلن المسئولون الأميركيّون أنفسهم بطلان تلك الإتّهامات.
3- لماذا لا تفتح الإدارة الأميركيّة ملفّ السجون النظاميّة العراقيّة خاصّةً “سجن الحوت” في الناصريّة حيث يُنفّذ التعذيب والإعدامات بعد محاكمات صوريّة تفتقر إلى أبسط المعايير المتعارف عليها في العالم، والسجون السريّة التي تشرف عليها ميليشيات الحشد الشعبي التابعة لإيران وتمارس فيها كل أنماط الإنتهاكات، وأبرزها في منطقة جرف الصّخر بين بغداد وبابل والتي يمنع الدخول إليها حتّى من قبل جهات رسميّة عراقيّة وأمميّة وشعبيّة اعتباريّة، والإغتيالات التي طالت أكثر من 600 ناشطاً في العراق منذ تشرين الأول
بأي حق واستناداً إلى أي قانون دولي أو بند في شرعة حقوق الإنسان يصادق مجلس الشيوخ الأميركي في الرابع من شباط 2021على قرار نقل السفارة الأميركيّة من تلّ أبيب إلى القدس رغم تصويت الأمم المتحدّة في كانون الأول 1917 بأغلبيّة 128 صوتاً مقابل تسعة أصوات فقط مؤيّدة وامتناع 35 دولةعن التصويت ضدّ قرار الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمة ل”إسرائيل” ونقل السفارة الأميركيّة من تلّ أبيب إلى القدس وذلك بهدف تكريس الإحتلال وبما يتناقض مع ما صدر عن وزير الخارجيّة أنتوني بلينكن أنّ إدارته تعتبر “أنّ حلّ الدولتين هو الأفضل لا بل هو الحلّ الأوحد”. أليس ذلك انتهاكاً لحقوق الإنسان ليس بإطاره الفردي وإنّما بإطاره الجمعي وخروجاً على الشرعيّة الدوليّة، وانّ ذلك هو اعتداء على شعب بأكمله تعرف الإدارة الأميركيّة الحاليّة وما سبقها أنّه تعرّض للظلم والإضطهاد منذ أكثر من مئة سنة. لماذا لا يصدر قرار واضح من الإدارة الأميركية عبر وزارة الخارجيّة بالإلتزام الكامل بقرارت الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضيّة الفلسطينيّة والأراضي العربيّة المحتلّة إذا كانت الولايات المتحدة الأميركيّة تقدّم نفسها حريصةً على الديموقراطيّة واحترام حقوق الإنسان؟
5- لماذا لا يتمّ فتح ملفّ أعمال القتل على أساس الشبهة للموطنين الفلسطينيّين، والإستمرار في هدم منازلهم وتشريع وتنفيذ الإستيطان الذي ينقضه قرارمجلس الأمن الدولي رقم 2334 (23 كانون الأول 2016)؟ وهل ألإدارة الميركيّة تلتزم بتطبيق قرارت الأمم المتحدة الموقٍّعة عليها؟ أم أنّها تستخدمها بانتقائيّة واستنسابيّة بما يخدم المصالح الأميركيّة وإملاءات اللوبي الصهيوني، وليس بما ينطبق مع معايير الديموقراطيّة وحقوق الإنسان والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدّة ومجالسها المتخصّصة؟
ألخلاصة: إنّ الإستنسابيّة والحصريّة، وكذلك التوقيت في ما صدر عن الإدارة الأميركية بما يتعلّق بالحوثيّين والعلاقات مع السعوديّة تشير بما لا يقبل الجدل بأنّه استهداف جديد للعرب عبر السعوديّة، ورسالة غير مباشرة لإيران بما يخدم التحضيرات للفاوضات القادمة التي يستخدم فيها كلّ طرف أوراق القوّة والإغراءات لديه لتحسين شروطه والحصول على أعلى المكتسبات، والعمل على تكريسها، وهذا ما يجب أن يؤخذ بالحسبان من قبل العرب وفي المقدّمة الأنظمة التي حان الوقت لكي تخرج من قوقعة أحاديّة التحالفات الدوليّة، والإعتماد على الأمن المستعار بدل الإستناد إلى قدرات الشعب غير المحدودة وبناء القدرات العربيّة الذاتيّة التضامنيّة والتكامليّة والتكافليّة على كافّة الصعد العسكريّة والإقتصادية وغيرها لتحقيق الخطط والأجندات العربيّة على الأقل في الوطن العربي بدل أن تفرض عليها أجندات إقليميّة ودوليّة، وتخضع للإبتزاز ممّن تعتبرهم حلفاء قبل أن يكون ذلك ممّن تعتبرهم أعداء.
طليعة لبنان
شبكة البصرة
الاحد 16 رجب 1442 / 28 شباط 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


