في يوم ضحايا الإبادة الجماعية.. العراق يتنصل من التزاماته الدولية
شبكة البصرة
حظيت مسألة منع جرائم الإبادة الجماعية باهتمام الدول المنضوية تحت مظلة الأمم المتحدة بشكل استثنائي في وقت مبكر من تأسيس المنظمة الدولية. واتفقت هذه الأمم (وهي كل دول العالم المستقلة تقريباً) على إقرار يوم خاص بها واعتمدت اتفاقية “منع جريمة الإبادة الجماعية ومعاقبة مرتكبيها” في التاسع من كانون الأول، لتعود في أيلول من عام 2015 لاعتماد هذا التاريخ يوماً دولياً لإحياء وتكريم ضحايا جرائم الإبادة الجماعية بهدف “زيادة الوعي بالإتفاقية وللإحتفاء بدورها في مكافحة ومنع هذه الجريمة ولتكريم ضحاياها”.
وتؤكد المنظمة الدولية “إن النزاعات التي تنطوي على الإبادة الجماعية تتمحور حول الهوية، فعادة ما تحدث الإبادة الجماعية والفظائع المرتبطة بها في المجتمعات التي تضم جماعات قومية أو عنصرية أو عرقية أو دينية متنوعة تشتبك في نزاعات تتصل بالهوية” وأن ” هذه النزاعات يغذيها التمييز، وخطاب الكراهية الذي يحرض على العنف، وغير ذلك من انتهاكات حقوق الإنسان”
ماذا تتضمن الإتفاقية؟
تنص المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948 على أن أياً من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية هو جريمة إبادة جماعية:
· قتل أعضاء من الجماعة
· إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة؛
· إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً؛
· فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة؛
· نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.
ويفهم من هذه الفقرات أن الإبادة الجماعية لا تعني بالضرورة إبادة شاملة لأعضاء الجماعة القومية أو الاثنية أو الدينية بل أن التدمير الجزئي لها هو أيضاً جريمة إبادة جماعية، فيما تعرف الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية بأنها ”الأفعال المحظورة والمحددة في نظام روما الذي اعتمده مؤتمر الأمم المتحدة 1998″ متى ما ارتكبت في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين، وتتضمن مثل هذه الأَفعال القتل العمد، والإبادة ” وغيرها. ويشمل مفهوما “الإبادة الجماعية” و”الجرائم ضد الإنسانية” ممارسات تقع ضمن هجوم واسع النطاق أو ممنهج لكن جرائم الإبادة الجماعية تختلف عن الجرائم ضد الانسانية بالصفة الإنتقائية للجريمة، إذ أنها توجه ضد جماعة تنتمي إلى قومية أو اثنية أو دين محدد.
وبإسقاط هذه التعاريف على ما يحدث في العراق منذ احتلاله عام 2003 حتى اليوم وجد باحثون أن كل هذه الجرائم ارتكبت فيه بشكل أو بآخر، من قبل قوات حكومية أو بواسطة ميليشيات تغض السلطات الطرف عنها، مما حمل كثيراً من الأطراف الدولية على توجيه أصابع الإتهام لشخصيات وأحزاب وجهات رسمية بارتكاب فظائع يحاسب عليها المجتمع الدولي.
إتهام للمالكي من البرلمان الأوربي
وشهد العراق منذ احتلاله عام 2003 وانتشار الميليشيات المسلحة حملات إبادة جماعية منظمة ولم تمر عليه سنة إلا ونفذت فيه العديد من هذه الحملات، لكن حقبة الثماني سنوات التي تولى فيها نوري المالكي رئاسة الوزراء كانت من أشدها. وقال موقع بروكنكس في تقرير له إن المالكي اعتمد خطاباً طائفياً حاداً في أكثر من مناسبة وأنه كان يشير إلى حركة الإحتجاج التي اندلعت في العديد من المحافظات أثناء توليه الحكم “على أنّها مرتبطة بطبيعتها بتنظيم القاعدة، في ظل غياب أدلة موضوعية لدعم هذه الأقوال”. ووفق هذا الإدعاء أمر نوري المالكي قواته بالهجوم على الفلوجة و الرمادي، لكن الهدف من وراء هذا الهجوم كان القضاء على المعارضين له و للنفوذ الايراني قبل انتخابات 2014، هذا الهجوم جعل عضو البرلمان الأوربي ورئيس بعثة العلاقات مع العراق فيه “ستراون ستيفنسن” يتهمه بإرتکاب جريمة الإبادة الجماعية. وقال ستراون وهو يتحدث أمام البرلمان الأوربي في بروكسل إن الحکومة “نفذت هجوماً عنيفاً لاهوادة فيه” في إشارة إلى المحافظات التي انتفضت ضد ممارساته آنذاك، وقال إنهم نظموا “إعتصامات ومظاهرات سلمية في مدن مثل الفلوجة و الرمادي، ورداً على ذلك أمر المالکي بشن هجمات عسکرية واسعة النطاق على هذه المدن” ووصف ستيفنس إدعاءات المالكي بارتباط تلك الإحتجاجات بتنظيم الدولة “داعش” وبالقاعدة بأنه “محض هراء”
إطلاق يد الميليشيات
وشهدت السنوات التي أعقبت تلك الحرب إطلاق يد الميليشيات الطائفية خاصة في المناطق التي شهدت نزاعات وتعرض السكان المدنيون لمضايقات يومية كما شهدت تلك المناطق عمليات خطف وقتل وتغييب جماعي غير مسبوقة. وصدر في أعقاب تلك الأحداث تقرير لفريق تحقيق تابع لمجلس حقوق الإنسان جاء فيه أن سكان تلك المناطق تعرضوا لانتهاكات فظيعة “إرتكبتها قوات الأمن العراقية والميليشيات التابعة لها” مضيفة أن تلك القوات “كانت تتصرف وكأنها محمية من أية مساءلة تاركة وراءها حيثما حلت آثار الموت والدمار” وجاء في التقرير أيضاً أن هذه القوات عقب هزيمتها أمام تنظيم الدولة “داعش” قامت “بإحراق سجن سلسيل في محافظة ديالى وبداخله 43 معتقلاً من أبناء تلك المناطق، وإعدام عدد مقارب من المعتقلين في مركز شرطة الوحدة في نفس المحافظة، إضافة إلى إعتقال وتعذيب العشرات منهم في قاعدة البكر الجوية بمحافظة صلاح الدين، كما رصد التقرير العديد من عمليات التهجير التي تعرضت لها العوائل تحت تهديد السلاح.
ومازالت هذه العمليات جارية على قدم وساق في هذه المحافظة أو تلك وهي بحصيلتها خليط من الجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية التي يحيي المجتمع الدولي يومها في التاسع من هذا الشهر من كل عام.
تقول الأمم المتحدة في إعلانها أنها أينما وجدت الناس يواجهون التمييز المنهجي أو يصبحون أهدافاً للعنف بسبب هويتهم، “يجب علينا التحرك – للدفاع في آن معا عن أولئك الذين هم عرضة لخطر داهم وأولئك الذين يمكن أن يكونوا عرضة للخطر مستقبلاً”
في ذلك الإجتماع اتفقت 193 دولة من بينها العراق العضو المؤسس للمنظمة الدولية على “ان تأخذ كل دولة على عاتقها حماية سكانها من الإبادة الجماعية، ومنع مثل هذه الجريمة ومنع التحريض عليها.”
فهل أخذ العراق، على عاتقه حماية سكانه وهل التزم بهذه الإتفاقية التي تعتبر واحدة من أهم الإتفاقيات التي تحمي السكان من الإبادة الجماعية، أم ساهمت حكوماته بشكل أو بآخر بهذه الجرائم أو بالتستر عليها منذ الإحتلال 2003 وحتى الآن؟ وهل سيتحرك المجتمع الدولي وفق ما جاء في الإعلان للدفاع عن الذين يواجهون التمييز المنهجي وصاروا هدفاً يومياً للعنف؟
وكالة يقين
شبكة البصرة
الاربعاء 24 ربيع الثاني 1442 / 9 كانون الاول 2020
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


