ثورة تشرين وتعرية الرموز السياسية المزيفة
شبكة البصرة
أ.د. مؤيد المحمودي
هناك نوعان من الرموز السياسية التي ابتلى بها العراق بعد عام 2003، أحدها واضح في توجهاته الطائفية وأطماعه في النهب غير المشروع ودعمه المطلق للأجندات الايرانية في العراق. ويقف على رأس هذه المجموعة من الطغمة السياسية: المالكي والعامري والحكيم وعادل عبد المهدي والجعفري والزبيدي والخزعلي وقادة الحشد الشعبي. وقد سبق لثورة تشرين أن حددت موقفها الصريح من هذه الزمرة السياسية الفاسدة، التي لم يتردد كل واحد من أفرادها في التبرع ب5 الى 15 مليون دولار من أموال الشعب المسروقة ليمولوا حملة بايدن الانتخابية، بالرغم من الوضع المالي الحرج الذي يمر به العراق والذي أدى الى صعوبة توفير الرواتب الشهرية للموظفين. اما النوع الثاني من هذه الرموز السياسية فيتميز بعدم وضوح الرؤى والتخفي وراء شعارات رنانة مثل الوطنية والكرامة العراقية والتقى الدينية والنزاهة ومحاربة الفساد والاصلاح من أجل الوصول الى غاياته الدنيئة. وهذا التلون والتذبذب في المواقف قد ولد أحيانا بعض التردد لدى ثورة تشرين في اتخاذ قرار حازم اتجاه هذه المجموعة من السياسيين.
أحد رموز هذه الزمرة السياسية هو الكاظمي الذي بدأ مشواره في منصب رئاسة الوزراء بمسرحية ساذجة قال فيها “أخي عماد غير مسموح لك التدخل في شؤون الحكومة” ضنا منه أن هذه الحيلة في ادعاء النزاهة سوف تنطلي على العراقيين. ثم قام الكاظمي باتباع حيلة اخرى وهي محاولة اظهار مشاعر جبر الخواطر الخداعة لامتصاص غضب الشارع المنتفض حيث اتبع اسلوب القيام بزيارة عوائل شهداء انتفاضة تشرين واغداق الوعود الكذابة لهم جزافا بالقصاص من قتلة المتظاهرين. وامتدت الشكوك في ألاعيب الكاظمي الى عملية بناء ميناء الفاو الاستراتيجي اثر تضييعه فرصة اكمال هذا المشروع الحيوي والصاق تهمة التلكؤ بالشركة الكورية المنفذة، رغم استمرار هذه الشركة في الاشراف على خمسة مشاريع أخرى في نفس المنطقة. ومما زاد في تخبط حكومة الكاظمي لجوئها مؤخرا الى الاقتراض المالي لحل مشكلة رواتب الموظفين الذي سوف يعقد الأزمة الاقتصادية في العراق ويحولها من سيء الى أسوء. وكان الأجدر بالكاظمي استخدام حلول جذرية لمعالجة هذه المشكلة عن طريق استرجاع موارد الدولة من الفاسدين في الداخل والخارج وايقاف المبالغ المهدورة على الرواتب العالية والفضائية و النفقات الأخرى الغير ضرورية. ومن الافتراءات الأخرى التي ادعاها الكاظمي هو تصريحه للإعلام مؤخرا بأن المنتفضين قد وافقوا طوعيا على انهاء اعتصامهم، وذلك من أجل استخدام هذا الخدعة كوسيلة للبطش بهم وازالة خيمهم والتضييق عليهم ومنعهم من التظاهر ارضاءا لرغبات الذيول الايرانية التي باتت تتحكم كليا في منهجه بالسلطة. وكانت هذه الخطوة الهوجاء للكاظمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير رغم ظهور بعض الأصوات في السابق التي تدعو الى منحه فرصة الاستمرار في الحكم للتأكد من مدى مصداقيته. الا أن جماهير الشارع العراقي قررت في النهاية انهاء وجوده شعبيا واضافة اسمه الى قائمة الفاسدين, ووضعه في مكانه المناسب عندما هتفت مؤخرا: يالكاظمي يازبالة… ياقائد النشالة
ومقتدى الصدر هو الشخصية الجدلية الأخرى التي تضمها هذه الفئة من المشعوذين السياسيين والذي برز في الساحة العراقية بعد عام 2003 مستغلا أسوء استغلال الارث الديني الذي استلمه من والده محمد الصدر. ولقد تلقفته الأيادي الايرانية منذ بداية فترة الاحتلال وقامت بتدريبه في دوائر مخابراتها الخاصة لتجعل منه لاحقا واحدا من أهم الرموز المؤثرة في نظام الحكم بالعراق. اذ أوكلت اليه هذه الدوائر مهمة التدخل غير المباشر والتحكم عن بعد في القرارات المركزية الصادرة من الحكومة العراقية. فهو لم يترك أية حكومة فاسدة الا وزادها فشلا بأشراك وزرائه من التيار الصدري فيها، ابتداء من حكومة الجعفري الى الأن ومع ذلك فانه يدعي أمام الاعلام بانتمائه الى خط المعارضة الذي ينتقد باستمرار إنجاز الحكومات المتعاقبة ويحملها مسؤولية التردي في العملية السياسية. و قد خانته محدودية تحصيله الدراسي والديني وقلة خبرته السياسية في تحقيق كامل طموحاته بتقلد شخصية القائد الشعبي المؤثر بقوة في حركة الجماهير العراقية وتوجهاتها. بل على العكس من ذلك فان تخبطه وتقلبات مواقفه المزاجية من الأحداث الجارية في البلاد قد جعلت منه محط استهزاء وسخرية لدى معظم العراقيين. لكن هذه المعوقات لم تمنعه من حشر نفسه في كل مجريات العملية السياسية العراقية، ومن سخرية القدر أضحى مقتدى بمرور الزمن ذا شأن سياسي مهم يأخذ برأيه حتى في عملية اختيار رئيس الوزراء. ومن المعلوم أن مقتدى لم يرث من والده سوى سيارة ميتسوبيشي قديمة، لكنه يمتلك اليوم طائرة خاصة وعشرات السيارات المصفحة ومزارع وأرصدة في بنوك طهران وبيروت ودمشق ولم يتوانى في التبرع بخمسة ملايين دولار لحملة بايدن الانتخابية.الا أن هذا الثراء الفاحش على حساب الغالبية المعدمة من طبقات الشعب لم تمنعه من الادعاء الكاذب بأنه رجل الاصلاح ومحاربة الفساد في العراق.
لقد حاول الصدر بشتى الطرق أن يحتوي ثورة تشرين ويوجها الى المسار الذي يرتئيه أسياده الايرانيين وقد حقق في البداية بعض النجاحات بهذا المجال نتيجة لا سلوب المراوغة والخداع التي كان يتبعها مع البسطاء من الناس. الا أن عملية جر الاذن التي أقدم عليها رجال التيار الصدري في كربلاء والتي أدت الى استشهاد عدد من المتظاهرين بالإضافة الى قيام هذا التيار بتحريض الكاظمي على انهاء وجود الانتفاضة ومشاركه عصابات من التيار مع القوات الأمنية الأخرى في قمع وتهجير المنتفضين من ساحة التحرير، لم تترك أي مجال للشك في حقيقة وقوف هذا التيار إلى جانب كفة الفاسدين. ان مجمل هذه المواقف العدوانية لمقتدى الصدر اتجاه ثورة تشرين قد دفعت بالمنتفضين مؤخرا الى اتخاذ قرار نهائي بقطع أية صلة تربطه بالانتفاضة المباركة، والتي عبروا عنها من خلال هتافهم: لا مقتدى ولا هادي… حرة تظل بلادي.
أما المجموعة الثالثة من هذه الرموز التي أكل عليها الدهر وشرب فهي متعلقة بما يدعى المرجعية الدينية في النجف, والتي تذكرنا بقصة نبي الله ابراهيم عليه السلام الذي قام وهو فتى لا يتجاوز ال16 عاما بتحطيم جميع الأصنام في محفل العبادة بأور،الا كبيرهم الذي ترك الفأس في رقبته.
وعنما وقف ابراهيم لمحاكمته أمام النمرود قال له هذا الملك:
أخبِرْنا عن الذي فَعَل هذا بآلهتِنا. هل أنتَ فَعَلتَ هذا بآلهتِنا يا إبراهيم؟
قالَ إبراهيمُ بهدوء: بَلْ فَعَلَهُ كبيرُهم، فاسألُوهم إن كانُوا يَنطِقونَ.
وعلى ضوء هذه القصة البليغة، نحن اليوم نتساءل لماذا مرجعيتنا مبرمجة بطريقة ما بحيث تبقى خرساء لا تنطق بشيء عندما يتعلق الأمر بقتل المتظاهرين السلميين وانفلات المليشيات في سيطرتها على مقدرات الدولة العميقة ونهب ثروات البلاد واستشراء الفساد في الحكم وتلكؤ صرف الرواتب للموظفين والاختفاء القسري للمواطنين ومنع عودة المهجرين الى ديارهم. ولكن في نفس الوقت تتنشط هذه المرجعية من جديد و تتحول الى ناطقة اذا ارتأت أن تصدر فتوى بإنشاء قوة الحشد الشعبي أو استنكار مقتل قاسم سليماني أو تبني عملية ارسال التبرعات الى ايران أو استقبال ضيوف سياسية ذا وزن عالي مثل رئيس وزراء ايران أو ممثلة الأمم المتحدة بلاخاراست. ان الزمن كفيل بكشف حقيقة هذه المرجعية الزائفة لتأخذ نصيبها من الاسقاط كما فعلت ثورة تشرين بالرموز الفاسدة الاخرى.
يتوهم البعض بأن ثورة تشرين قد انحسر توهجها وباتت غير قادرة على اعادة انطلاقتها من جديد، متناسين أن هذه الثورة تعيش في وجدان جميع العراقيين.ولعل ما نشر عنها من أدبيات تعكس حالة التفاؤل التي يعيشها شبابها بالتطلع الى مستقبل أفضل، عندما كتبوا:
الثورة هي التاريخ والتاريخ لا ينمحي بل يتجدد… وانشاء لله راجعين اقوى بحيل الله
الثورة ليست خيمة وعمود… الثورة فكرة وغدا الفكرة تعود
14/11/2020
شبكة البصرة
السبت 28 ربيع الاول 1442 / 14 تشرين الثاني 2020
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


