كلمة الطليعة: لا … للتطبيع
شبكة البصرة
لثالث عشر من أيلول 2020، كان يوماً مشؤوماً في تاريخ العرب الحديث، وهو لا يقل وقعاً في سوئه عن الأيام التي أرخت لتوقيع اتفاقيات كمب دافيد ووادي عربه وأوسلو.
ففي هذه الأيام انتزعت “إسرائيل”، اعترافاً دبلوماسياً من خمسة كيانات سياسية رسمية عربية، الثلاثة الأول، عقد كل واحد منها اتفاقاً على انفراد، وأما الاثنين الأخيرين فجمعتهما منصة واحدة تحت قبة البيت الأبيض في واشنطن. وإذا كانت أربع اتفاقيات عقدت برعاية أميركا وحضور رئيسها، فإن الخامسة وإن لم تشهد التغطية الإعلامية كالتي رعتها الإدارة الأميركية، إلا أن الأخيرة كانت على مقربة من القاعة التي وقعت فيها اتفاقية أوسلو. وهكذا كانت أميركا هي عرابة كل الاتفاقيات التي وقعتها كيانات رسمية عربية مع الكيان الصهيوني. وفي كل مرة كان كيان عربي رسمي يوقع اتفاقية مع العدو، كان يقدم موقفه على أنه في “خدمة” قضية فلسطين. هذا الكلام سمع في كمب دافيد، كما سمع في وادي عربه وقبله في أوسلو وبعده في واشنطن. وإذا كان الأخير لم يتم وضعه موضع الاختبار الفعلي لأن حبره لم يجف بعد علماً أن “المكتوب يقرأ من عنوانه”، فإن الاتفاقيات التي سبقت، جف حبرها ومضت الأيام ولم يتبين أية آثار انعكست إيجابياً لمصلحة القضية الفلسطينية. ففي ظل نفاذ هذه الاتفاقيات توسع الاستيطان الصهيوني، وأعلنت “إسرائيل”، القدس عاصمة لدولتها، ثم تم فرض القوانين الإسرائيلية على الجولان المحتل، وأخيراً وليس آخر إعلان يهودية الدولة. وأما القضايا التي تعتبر جوهرية ومنها حدود الدولة والقدس وحق العودة، وإن بقيت قيد التداول في البيانات السياسية للكيانات التي وقعت اتفاقيات مع العدو، إلا أن الأخير أخرجها من التداول النظري بعد إسقاطها في الواقع العملي.
إن ما انطوت عليه الاتفاقيات من مضامين كانت في مصلحة “إسرائيل”، ولم تحصد الأطراف الموقعة سوى المظهر الاحتفالي. فلا هي حفظت حتى ماء الوجه تجاه الحقوق الوطنية لجماهير فلسطين، ولا هي بقيت متحصنة بالحق القومي في فلسطين، ولا هي حصدت ما منت النفس به من وعود عرقوبية بازدهار وإنماء اقتصاديين ورغد عيش، كانعكاس لتوقيع اتفاقية تسوية مع كيان مغتصب لفلسطين وأراض عربية أخرى. وهذا طبيعي أن يحصل لأن الذين ذهبوا إلى التفاوض وصولاً إلى التوقيع، ذهبوا وهم مجردون من كل عناصر المنعة والقوة. وقد بان ذلك من المسار الانحداري الذي انطوى عليه خطاب الأطراف الرسمية العربية التي استجابت لطروحات التسوية مع العدو. فسقف الخطاب الذي رفع بعد عدوان حزيران تحت عنوان “إزالة آثار العدوان” الذي شكلت لاءات الخرطوم رافعة سياسية له، تدرج نزولاً إلى شعار “الأرض مقابل السلام”، ووصل في نهاية المطاف إلى شعار “السلام مقابل السلام”. وأي سلام هذا الذي تمن به “إسرائيل” النظم التي اعترفت بها وهي لا تملك من صلاحية اتخاذ القرارات إلا الاستجابة للإملاءات الأميركية للاعتراف “بإسرائيل” التي لم تتجاوب مع ما سمي بالمبادرة العربية التي طرحت في قمة بيروت 2002، بل بقيت على موقفها بأنها ترفض المفاوضات مع الأنظمة العربية مجتمعة حتى ولو كانت هذه المفاوضات تهدف إلى توقيع ما سمي بالسلام الشامل.
إن هذا إن دل شيء فإنما يدل على أن “إسرائيل” ترفض التعامل مع النظام الرسمي العربي باعتباره مرجعية اعتبارية واحدة، وهذا ما جعلها تعتمد الحلول المنفردة.
وإذا ماجرت المفاوضات على هذا الأساس فإن المحصلة تكون لمصلحة العدو بالنظر إلى موازين القوى التي تحكم العلاقة بين الأطراف المتفاوضة. هذا ما حصل مع النظام المصري ومن بعده مع السلطة الفلسطينية والنظام الأردني وأخيراً مع نظامي الإمارات والبحرين.
لقد اتضح من خلال سياقات التفاوض، مقدمات ونتائج، أن الطرف العربي هو الذي يقدم التنازلات فيما يبقى الطرف الآخر متمترساً في مواقع لا يزيح قيد أنملة عما يريد الحصول عليه. ولذلك فإن كل المزاعم التي أطلقتها الأطراف الرسمية العربية التي وقعت مع العدو، بأنها حفظت لفلسطين حقوقها الوطنية، هي مجرد فقاقيع فارغة تساهم في رفع وتيرة التضليل الإعلامي الذي لم يعد ينطلي على أحدٍ بعدما سقطت ورقة التوت عن عورات النظام الرسمي العربي الذي يتهافت للتطبيع مع العدو، كما تهافت للانضواء تحت مظلة أميركا يوم شنت الحرب على العراق وفرضت الحصار عليه وانتهت باحتلاله، وتسابقت لحضور المؤتمرات التي تروج “لصفقة القرن” ونسج علاقات تطبيعية تحت الطاولة مع “إسرائيل” خرج بعضها إلى العلن وبعض آخر ينتظر في قاعة الانتظار تمهيداً لركوب قاطرة اللحاق بمن سبق وأقام علاقات كاملة مع كيان الاغتصاب.
إن الذين يظنون أن “إسرائيل” تريد “السلام“ حتى بمفاهيم المواثيق الدولية، إنما هم واهمون، لأن حركة صهيونية اغتصبت أرضاً بالعدوان، وأنشأت كياناً ارتكب كل أشكال جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ويمارس سياسة الابارتهايد، لا يمكن أن يكون ساعياً للسلام، لأن السلام يناقض طبيعته العدوانية والعنصرية، وحيث يرى أن الحياة لا تستقيم له إلا بإلغاء الآخر الذي يحمل المشروع النقيض لوجوده. وهذا الإلغاء يسعى العدو الصهيوني للوصول إليه عبر ثلاثة مسارات. مسار العدوان العسكري المباشر لتدمير القدرات العربية، ومسار التدمير البنيوي للمكونات الوطنية العربية وخاصة المواقع الأساسية في الأمة، والتي تملك مكامن قوة ذاتية، ومسار الاحتواء السياسي والاقتصادي. وهذا الذي حصل مؤخراً مع نظامي الإمارات والبحرين ومن يقف في قاعة الانتظار كما تبشر به أميركا، إنما يندرج ضمن معطى المسار الثالث، وهو يكمل بنتائجه المسار الأول والثاني. بالتالي هو شكل من أشكال العدوان الذي يندرج تحت عنوان الحرب الناعمة، التي تجنب العدو دفع خسائر بشرية واقتصادية، فيما الجانب العربي هو الذي يدفع الأثمان للنتائج التي تفرزها المسارات الثلاثة.
من هنا فإن الرابح الوحيد من مسار التطبيع هو العدو الصهيوني ومعه الراعي الدولي الذي تمثله أميركا حالياً باعتبارها الحاضنة للمشروع الصهيوني، وأما الخاسر فهي الأمة العربية بكلية الموقف السياسي والمبدأي، وفلسطين بخاصتها الذاتية التي أقامت الحركة الصهيونية كيانها الاستيطاني عليها مقدمة للانقضاض على مداها وعمقها القوميين مقدمة لإقامة دولة “إسرائيل” التوراتية التي تمتد بالجغرافيا بين الفرات والنيل وبالسياسة والاقتصاد بين المحيط الأطلسي والخليج العربي. وضمن سياق هذا المخطط يتم التركيز الصهيوني على المغرب كما على شبه الجزيرة العربية. وإذا ما قيض لهذا المشروع أن يقيم نقاط ارتكاز سياسية علنية كما في اتفاقيات التطبيع، وسرية كما في مكوك العلاقات بين كيان العدو وأكثر من نظام عربي، فإن الأطباق المعادي على الوطن العربي يكون قد استكمل إقامة مرتكزاته تمهيداً لولادة نظام إقليمي جديد تحت مسمى الشرق الأوسط الجديد التي تشكل “إسرائيل” وإيران وتركيا، أضلعه الأساسية وتلحق أثيوبيا به كواحدة من الدول التي تلعب دوراً محورياً في التحكم بالأمن المائي العربي. لهذا يشتد الضغط على السودان لدفعه إلى التطبيع لربطه بمحور الدول الأفريقية التي تقيم علاقات مع “إسرائيل”، عبر استغلال أوضاعه الاقتصادية الصعبة وإعادة تنشيط الحركات المسلحة التي تتسلح من دول معادية لتنفيذ أجندات أهداف تخدم “إسرائيل” بالدرجة الأولى ودول الجوار الإفريقي للسودان بالدرجة الثانية، والخاسر الوحيد هو السودان كما حصل مع مصر والأردن والقضية الفلسطينية وما سيحصل مع الإمارات والبحرين ومن هو على لائحة الانتظار.
من هنا، فإن التطبيع مع العدو الصهيوني وهو الذي يصعد من عدوانه، ويعمل على تهويد وفرض الصهينة على كل معالم الحياة في فلسطين، هو خنجر مسموم في الجسد العربي، وإذا لم ينتزع هذا الخنجر فإن السم سيقتل معالم الحياة في الأمة العربية.
وعليه، فإن التطبيع بكل عناوينه وتعبيراته وتطبيقاته، هو تمكين العدو من توسيع رقعة احتلاله للأرض بقدر ما هو احتلال للإرادة العربية الذي يتجسد بالاستلاب القومي الذي يثقل كاهل الأمة من أعدائها المتعددي والمشارب من داخل الوطن العربي ومداخله، ومن خلال الاستلاب الاجتماعي الذي يستمرأه من نُصبوا أمراء وحكاماً على هذه الأمة، والذين باتوا يشكلون حماة للتجزئة القومية التي يستفيد منها أعداء الأمة.
إذاً، التطبيع هو عدوان مستمر على فلسطين كقضية وطنية بقدر ماهي قضية قومية، وهو تثمير سياسي للاحتلال، وهذا ما يجعل من مواجهة التطبيع والمطبعين توازي بأهميتها وتأثيراتها مواجهة الاحتلال والمحتلين. فمقاومة الاحتلال بكل الأشكال المتاحة تحاصره في دائرة احتلاله وتجعل الأرض تميد تحت إقدامه، ومقاومة التطبيع تحاصر المطبعين وتحول دون ضخ تأثيراته إلى الوسط الجماهيري. وهنا يكتسب الرفض السياسي كما الشعبي لاتفاقيات التطبيع أهمية استثنائية باعتباره الموقف الذي يسقط تبريرات المطبعين وينزع عنهم أية تغطية وطنية فلسطينية. وهذا الموقف الفلسطيني الرافض للتطبيع يبقى محدود المفاعيل إن لم يلاقه موقف شعبي عربي يكون حاضناً له ورافضاً للتطبيع بقديمة وجديده. إن الرفض الشعبي العربي للتطبيع هو الأساس الذي يبنى عليه، وهو كما استطاع أن يحاصر اتفاقيات كمب دافيد ووادي عربه وأوسلو ويحول دون نفاذ تأثيراتها إلى الوسط الجماهيري بكل فعالياته، هو قادر اليوم أن يحاصر تداعيات اتفاق واشنطن. وموقف الفعاليات السياسية والثقافية في البحرين والإمارات التي أعلنت بوضوح إدانتها ورفضها لمقدماته ونتائجه، هو نقطة ارتكاز يؤسس عليها لإظهار أن النظم التي هرولت لإقامة علاقات مع العدو، هي نظم تفتقر إلى المشروعية السياسية ببعديها الوطني والقومي. وهذا ما يضع الحركة الشعبية أمام تحدٍ إضافي وهي تنخرط في حراك شعبي ضد نظم الاستبداد والقمع والتوريث والتأبيد السلطوي.
إن هذا التحدي المطروح أمام الحركة الشعبية العربية يعيد الاعتبار لشعار العلاقة الجدلية بين أهداف النضال التحرري ببعدها الاجتماعي وأهداف النضال التحرري ببعده القومي. وعندما تقول الجماهير العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي لا للتطبيع، فإنها تقول في نفس الوقت، لا للاحتلال، ونعم لمقاومته، ولا للتجزئة وقواها المغرقة في رجعيتها وتبعيتها، ونعم للوحدة وقواها الوحدوية التي لا ترى خلاصاً للامة من واقعها الراهن المثقل بالاحتلال والاستلاب، إلا بالكفاح الشعبي، ومقولة فلسطين لن تحررها الحكومات وإنما الكفاح الشعبي المسلح هي السبيل الوحيد الذي يجعل ميزان القوى يرجح لمصلحة الأمة، وهو الوسيلة الوحيدة التي بالاستناد إلى معطياتها تستعاد الحقوق، لأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، والسلام لا يكون سلاماً حقيقياً إلا اذا أزيل الاحتلال واستعادت جماهير فلسطين حقوقها الوطنية المغتصبة واستعادت الأمة حقها القومي في أرض كانت عربية وستبقى بهويتها وتراثها وكل منظومتها القيمية. فهذا الحق هو ثابت تاريخي وكل ما عدا ذلك هو ظرفي وطارئ ويفتقر إلى الشرعية والمشروعية. وعلى النظم العربية التي تهرول للتطبيع ظناً منها أن التطبيع سيحميها ويديمها في مواقع السلطة، أن تدرك أن السلطة متغير فيما الشعب هو الثابت، وكل متغير إلى زوال ولو دامت السلطة لمن سبق لما آلت لمن لحق.
إن من يتعامل مع المحتل هو خائن أياً كان شكل التعامل، والخيانة ليست وجهة نظر لتبرر، بل أن مرتكبيها يحاكمون بجرم الخيانة العظمى، وهذا جرم لا يسقط بالتقادم، لأنه يرتبط بحق الشعب على تعاقب أجياله.
شبكة البصرة
الاربعاء 12 صفر 1442 / 30 أيلول 2020
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


