الناتو بين (النظام) التركي و(الدولة) التركية.. إلى أين؟
شبكة البصرة
د. أبا الحكم
تركيا كجغرافيا- ستراتيجية، تقع في اطار منظمة حلف شمال الاطلسي، وتركيا كنظام سياسي تقع في دائرة الأتحاد الأوربي. وهناك خيط رفيع ومتشابك بين (الناتو) و (الأتحاد).. وكلا الجانبين متداخلان، إلا أن حلف شمال الاطلسي يدرك ارضيته الجيو- ستراتيجية، ولكن الاتحاد الأوربي لا يجهل ارضيته السياسية في التعامل مع (النظام) التركي، واحياناً يقترب في مقارباته الملحة من تجاهل الارضية الجيو- ستراتيجية، التي يؤمن بها حلف شمال الاطلسي ممثلة بموقع تركيا الاستراتيجي المتقدم في دائرة الصراع، الدائرة رحاها بين الغرب الرأسمالي والشرق ممثل بروسيا الاتحادية التي ضيعت هويتها الايديولوجية، ولم تعد قادرة على الاحتفاض بكيان مستقر بعد انفراط عقد الاتحاد السوفياتي نهاية عام 1998 وإنهيار جدار برلين وتفكك عناصر القوة في حلف وارشو.
تركيا تدرك ذلك، وتدرك أهميتها الجيو- ستراتيجية بإعتبارها رأس الرمح في استراتيجية حلف شمال الاطلسي (الناتو)، والمصد الآول في استراتيجية الدفاع الاطلسية، على الرغم من مناكفات السياسة التي تبديها الولايات المتحدة مع تركيا وسياسة الضغط والابتزاز والاهمال الامريكي المتعمد لما تريده تركيا. والمشكل في ذلك ان لدى تركيا طموح كبير غير مقبول يتبناه نظام سياسي في انقرة يعمل على ما يسميه (العمق الأستراتيجي). وهذا الطموح يصطدم مع الرؤية الاوربية التي تتوجس من إنسياح أو تمدد تركي عسكري نحو القارة الاوربية ومناطق نفوذها، وتعلن انها تحارب أو تعارض أي إتجاه تركي يعمل على إعادة عجلة التاريخ من جديد، وتكريس اركان الامبراطورية العثمانية، التي سقطت في الحرب العالمية الثانية وباتت املاكها مقسمة بين الحلفاء المنتصرون في الحرب، ولم يتبق من تركيا بفضل – مصطفى كمال اتاتورك- سوى (الجمهورية) المؤطرة باتفاقية لوزان الثانية لعام 1923.
الاتحاد الاوربي لن يسمح لتركيا في ان يعيد عجلة تاريخ الامبراطورية العثمانية مرة ثانية الى الواقع الجيو- ستراتيجي وبأي صيغة. وكلما رأى الاتحاد الاوربي سلوكاً او تصرفاً تركياً مريباً وضع امام انقرة شروط تكاد ان تكون تعجيزية على قبول تركيا في الاتحاد الاوربي، إدراكاً منه بأن تركيا (تخطط) إذا ما اكتسبت عضوية الاتحاد بدعوى التعاون وتصفير المشكلات الداخلية والخارجية، الى إحياء نهج (العثمنة)، ريثما تصل الى العمق الاستراتيجي.
إلا ان الملاحظ: في السلوك السياسي التركي ان المشكلات الداخلية لمْ تُصَفَرَ بل زادت والمشكلات الخارجية لمْ تُصَفَرْ بل كثرت وتفاقمت الريب الى درجة باتت تُفرِحُ روسيا، لأن هدف روسيا الاتحادية هو العمل على (تصدع) حلف شمال الاطلسي وتفكك هذا الحلف، بطريقة التصادم المسلح بين اعضائه كالصراع التركي- اليونانية حول بحر إيجه وجزيرة قبرص وموارد البحر المتوسط من النفط والغاز، وبطريقة الانفراط عن طريق التمرد التركي، الذي قد يفضي الى الخروج الرسمي من حلف شمال الاطلسي، الأمر الذي يؤدي الى تصدع الحلف في ميثاقه وإلتزاماته وتفاقم مشكلاته والتعرض لأستراتيجيته الجغرافية الثابتة، وهي حماية القارة الأوربية، وعن طريق خلق اكثر من قائد في في كيانه مثل فرنسا وقدرتها على تعزيز ما يسمى جيش حلف شمال الاطلسي ونواته القوة الفرنسية، وهي نزعة فرنسية استقلالية قديمه ترفض التسلط الامريكي الذي يريد ان يستحوذ على نسبة تحديث الجيوش الاوربية وتطويرها 2% من ناتجها القومي الاجمالي (G.N.P) ويحملها كلف حمايتها بما يسمى (المظلة النووية الأمريكية للقارة الاوربية) وبصورة إبتزاز واضح.
وهدف (التصدع)، يعتبر هدف مركزي روسي موروث عن الاتحاد السوفياتي، إزاء حلف شمال الاطلسي تعمل عليه موسكو سياسياً واستخبارتياً وعسكرياً لدرئ ما يسمى الخطر الاوربي الكتلوي بتفكيكه.. وما نراه من سياسة روسية بشأن الصراع التركي- اليوناني من جهة، والصراع حول جزيرة قبرص والصراع في سوريا وليبيا دليل قوي على التوجه والتغلغل الروسي في المنطقة العربية، التي تعاني من التدخل الامريكي والتدخل الايراني منذ عقود.
والهدف الروسي هذا يُعَدُ الاساس في استراتيجية الدولة الروسية كما هو حال هدف الوصول الى (المياه الدافئة) واهمية الوصول إليها منذ ما قبل عهد بطرس الاكبر ثم عهد لينين وستالين حتى بوتين.
وكما يدرك (الناتو) الهدف الروسي، تدرك روسيا هدف (الناتو) النابع من اهمية الجغرافيا – الاستراتيجية التركية، على خلاف ادراك الاتحاد الاوربي لهذه الأهمية. فيما تدرك تركيا اهمية موقعها ومكانتها والاهتمام الروسي وحلف شمال الاطلسي بها استراتيجياً.
وعلى هذا الاساس من الفهم وفي بعض اوجهه رسمت تركيا استراتيجيتها كدولة يحركها (نظام) سياسي يجمع ظاهرياً بين (العلمانية) و (الايديولوجيا الاخوانية).. العلمانية لكيان الدولة التركية وتيسير حداثتها، والايديولوجيا الاخوانية لسياسة تصريف الشؤون الخارجية من جهة والتوسع العسكري لتكريس مواقع النفوذ في شمال العراق وشمال سوريا وليبيا وقطر والصومال من جهة اخرى.
الدولة التركية والنظام السياسي الذي يقودها يعززان سلوك التوسع الخارجي، كما هو حاصل آيديولوجياً في السلوك السياسي الخارجي الايراني. ايران (توظف) قدرات الدولة الايرانية في التوسع العسكري والانتشار الايديولوجي، وتركيا (توظف) قدرات الدولة التركية في التوسع العسكري، وهما: ايران وتركيا، وجهان للظاهرة الاخوانية التي تمارس امكاناتها وقدراتها للتوسع الجغرافي- الاستراتيجي من جهة، والانتشار الايديولوجي عابر للقارات وعابر للترابط الموضوعي بين الوطني والقومي والأممي- الانساني.!!
والمتتبع لمجريات الصراع يجد خلف خطوط الحركة التركية والايرانية على وجه التحديد مصالح (النفط والغاز والمياه) في العراق وفي سوريا وفي ليبيا وفي شرق البحر المتوسط.. المصالح حول هذه الموارد نراها مغلفة بالايديولوجيا الفارسية، والايديولوجيا التركية (الآخوانية).
تركيا تدرك ان (الناتو) لا يفرط بها كوجود جيو- ستراتيجي، وتدرك ايضاً حدود الاتحاد الاوربي إزاء تصرفاتها خاصة في البحر المتوسك من جهة، وفي ليبيا (السراج) وتونس (الغنوشي) والجزائر وشمال سوريا وشمال العراق من جهة ثانية. أما تصرفات ايران التوسعية السافرة سياسيا وايديولوجيا فلن تستقيم مع التحالف الروسي والتحالف الصيني، لأن هاذين التحالفين ليسا تحالفا استراتيجيا وليسا تحالفا ايديولوجيا، إنما تحالفان سياسيان براغماتيان نفعيان ومؤقتان ومشروطان بملفات تعرفها موسكو وتعرفها بكين كما تعرفها واشنطن وتل ابيب.!!
19/06/2020
شبكة البصرة
الثلاثاء 2 ذو القعدة 1441 / 23 حزيران 2020
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


