يوم الأيام.. دروس وعبر
يوم الأيام.. دروس وعبر
الفريق الركن محمد صالح علوان
ونحن في الذكرى السابعة والثلاثين لـ(يوم الأيام)
ذكرى الانتصار التاريخي للعراق على إيران في حرب القادسية المجيدة، لابد لنا من استذكار أهم الدروس والعبر التي يمكن تأشيرها من تلك الملحمة الطويلة وفي الجوانب المختلفة ….
ففي الجانب السياسي بإمكاننا تأشير بعض العبر والدروس ومنها:
لقد اثبتت التجربة والأيام ان خيار العراق السياسي في التصدي للعدوان الإيراني ومنعه من تصدير ثورته المنحرفة الى العراق ودول الجوار كان سليما جداً وأن تجربة الاعوام التي أعقبت الغزو والاحتلال الامريكي لبلادنا في سنة 2003 أثبتت صحة الموقف العراقي في العام 1980 حيث تم حشد القدرات العراقية ضد العدوان الايراني والذي امتلأ بالحقد والحسد وكان راغبا وبقوة في تدمير التجربة العراقية الحديثة.
وأن المراقب السياسي الدقيق يلاحظ ان هنالك اخفاق سياسي واضح وللأسف من حصد نتائج الانتصار العسكري العراقي على إيران، حيث كانت مطالب العراق في العام 1980 عند انطلاق الحرب كثيره ومتنوعة ولكنها في نهاية الحرب ورغم الانتصار العسكري الحاسم والواضح لم تكن واضحة بشكل كافي كما تم اعلانها في بداية الحرب، وذلك بسبب التعنت الإيراني وروح المطاولة الإيرانية المعروفة في التفاوض والاحداث اللاحقة التي عصفت بالعراق.
لقد أظهرت الحرب الإيرانية – العراقية القدرات القيادية المتميزة للرئيس الراحل صدام حسين في الادارة والتخطيط والقدرة على توحيد الشعب ورفع قدراته لمواجهة التحديات التي واجهها العراق ، وقد كانت تلك الحرب ميدانه الأبرز في تطبيق أفكاره وابراز طاقاته وتحقيق النصر العراقي على إيران في واحدة من أطول الحروب الإقليمية الدامية في العصر الحديث حتى برز كواحد من أهم قادة العالم والمنطقة قدرة ومكانه ، كان الرئيس صدام حسين رحمه الله يتميز بالتواضع وعدم الغرور وهو القائل في السنة الاولى من تلك الحرب: ( لن تغرينا القوة ولن يركبنا طيش النصر) ، كما انه تمكن وبقدراته الخلاقة من الانسجام التام مع القيادة العسكرية للجيش والقوات المسلحة الى حد كبير.
بات العراق بعد تلك الحرب مثار اهتمام دول العالم ونال احترام وتقدير العرب والمسلمين وبالتالي راح الجميع يحسب للعراق حسابا وتقديرا مختلفا عن الأيام التي سبقت تلك الحرب.
وعلى المستوى السياسي الداخلي كذلك فقد انتهت الحرب والعراق على أعلى مستويات التماسك السياسي والاجتماعي وقد نالت قيادة العراق الثقة المطلقة من شعب العراق وغاب تأثير أي دور لما يسمى (المعارضة العراقية) والتي أخطأ الكثير من قواها واحزابها وساد التشويش مواقفها، بل قد أساء الكثير منها الى نفسها ومشاريعها عندما اصطفت مع العدو الإيراني ضد شعب العراق خلال الحرب.
وفي الجانب الاقتصادي، يعرف الجميع أن الحرب هي محرقة للأموال وتخريب غير متعمد للاقتصاد.. وأنها تترك انعكاسات خطيره على حياة الشعوب وتؤثر على رفاهيتها، وما لم تتحسب الحكومات وتحسب الاوضاع الاقتصادية بدقه فأن تحقيق النصر الحاسم سيكون نصرا منقوصا بكل الاحوال، وقد برزت خلال الحرب وما بعدها بعض الدروس والعبر ومنها:
لقد بدأت الحرب والعراق غني ويمتلك احتياطات نقديه كبيره (يقال ان العراق كان يمتلك مبلغ يقدر ب (35) مليار دولار فائضه عن حاجته، كما أنه وخلال السنوات التي سبقت الحرب يقود حملة تنميه انفجارية هائلة في كل الميادين وان البنية التحتية في البلاد كانت في طور الاعمار بعد ان أنجز الكثير من مفرداتها الأساسية.
وخلال السنوات الأولى للحرب لم يتأثر الاقتصاد العراقي كثيرا بفعل التخطيط الجيد لتأميم النفط وأساليب تصديره من خلال تنوع منافذ التصدير سواء من البصرة والخليج العربي او تركيا او من خلال سوريا الى البحر الابيض المتوسط أو من خلال الصهاريج عن طريق الاردن، أضافه الى انبوب النفط باتجاه ميناء ينبع السعودي الذي افتتح لاحقا وغيرها، كما لعب أنبوب خط النفط الاستراتيجي الذي أفتتح في نهاية السبعينات دورا هاما في المناورة بمنافذ تصدير النفط.
ورغم الحرب ومصاريفها والحاجة الماسة لتأمين متطلباتها الملحة واعتبارها من الاسبقيات المتقدمة في الصرف، لم تتوقف عجلة البناء والانتاج والتطوير ويرى المراقب انه ورغم ظروف الحرب فقد تمكن العراق من انشاء العديد من الجسور وطرق النقل السريعة والمستشفيات والجامعات وقنوات الري والسدود الكبيرة والمصانع وتطوير الزراعة بشكل لافت.
لقد كلفت الحرب الطويلة المفروضة على العراق ومن خلال تعنت إيران ودعمها من قبل الكيان الصهيوني خسائر هائلة ودفع من امواله وخزائنه الكثير لإدامة القدرات الحربية وهذه هي النتائج الفعلية للحرب على اقتصاد البلاد.. وهذا ما ينعكس بكل تأكيد على دخل الفرد في ذلك الوقت.
وفي الجانب العسكري لقد شهد الجانب العسكري تغيرات هائلة خلال الحرب الطويلة حيث افرزت نتائج وعبر سيكون لها تأثير وانعكاسات كبيره لاحقا على مستقبل العراق والمنطقة وعلى من شارك فيها ويمكننا تأشير بعضها:
لقد كان حجم الجيش العراقي صغيرا ولكنه مدربا ويمتلك سياقات عمل وتقاليد جيده أضافة الى تمتعه بمعنويات عالية وقيادات تم اعدادها وتدريبها بشكل جيد.. لقد كان للاستقرار وعدم الاشتراك بحرب او معارك خلال السنوات الخمسة التي سبقت الحرب الإيرانية – العراقية ونعني بها منذ توقيع العراق على اتفاقية الجزائر في العام 1975 اثراً مهما في ذلك الإعداد والتدريب أضافة الى الوضوح السياسي والدعم الكبير والذي تبلور في العراق منذ مطلع السبعينات في إعداد وتطوير القوات المسلحة العراقية وتحديثها بما يساهم في حماية التجربة العراقية الحديثة في البناء والتطوير.
بدأ الجيش العراقي الحرب وهو بقوة لا تزيد عن 11 فرقة وعند انتهاء الحرب كانت قوته ما يقارب 55 فرقه وكان جيشا قويا يمتلك من الخبرات في المعارك الدفاعية والهجومية الشيء الكثير ولديه كم كبير من القادة الأكفاء والشجعان الذين يعتدون بأنفسهم وبقدراتهم وقد زينت صدورهم الأوسمة والنياشين والسيوف بعد ان كسروا الغرور ولعنجهية الإيرانية.. كما امتلك هذا الجيش سمعة لا تضاهى وعدد كبير من الطائرات والدبابات والمدافع والأسلحة المتنوعة الأخرى مما جعل الجميع يحسب له ألف حساب، وكان ذلك كله دافعا للتآمر عليه داخليا وخارجيا للأسف الشديد.
ساعدت الحرب الطويلة الجيش العراقي على اكتساب خبره كبيره في أساليب الحرب وفنونها مما جعله من أهم الجيوش في منطقة الشرق الأوسط وأثار اهتمام الجميع وشكل حالة من الخوف والتوجس لدى الكيان الصهيوني الذي كان يستذكر دوما ضربات هذا الجيش في الحروب العربية الإسرائيلية السابقة.
وفي الجانب الاجتماعي والاعلامي، وتبرز هنا العديد من العبر والدروس ومنها:
على الرغم من أن الحرب الطويلة قد اظهرت قوة وتماسك المجتمع العراقي بكل مكوناته والتصاقه بقيادته إلا ان للحروب ضريبة اجتماعية كبيرة ومعروفة وقد ترتد الى سلوك اجتماعي ضار وسيء، وكان من أوائل تلك المشاكل الاجتماعية هو القصور في رعاية الأبناء والقرب منهم حيث يعلم الجميع أن الحرب تشغل الآباء طويلا عن عوائلهم، لكنه كان الدور المتميز للماجدة العراقية في تغطية ذلك، فان هنالك قصورا أصبح واضحا في جمع شمل العائلة خلال الحرب الطويلة التي استوجبتها ظروف الدفاع عن الوطن.
لقد تطور الاعلام العراقي خلال الحرب وواكب المعارك منذ أيامها الأولى وكانت الصحافة اليومية التي توثق مجريات الحرب والحياة في العراق تصل الى المقاتلين يوميا حتى وهم في داخل الخنادق الأمامية وفي العمق الإيراني. كما كان الدور المهم الذي لعبه التلفزيون العراقي ودائرة التوجيه السياسي في الجيش هي من وثق المئات من الافلام الوثائقية لتاريخ الحرب والمعارك والتي كان ينتظرها العراقيون والعالم أجمع. وقد تطور عمل وسائل الاعلام المختلفة (المرئية والمسموعة والمكتوبة) بشكل واسع خلال سنوات الحرب. وقد تكون محاولات تدوين تاريخ تلك الحرب على شكل قصص وروايات قاصراً ولكن وسائل الاعلام المختلفة حاولت من تدوين بعضها. واشترك الكتاب العراقيون في ذلك على نطاق واسع وعلى اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم السياسية.
لقد كانت مهرجانات قصائد الشعر، والشعر الشعبي والشعر الحر والأغنية الوطنية عنوانا مهما لتلك المرحلة من تأريخ العراق وكانت الأغنية الثورية والحماسية والاهازيج الشعبية رديفا للمقاتلين وتتردد على ألسنتهم يرددونها دوما وتدفعهم للعطاء بشكل أكبر.. وقد تخلد الكثير منها ولم تغب عن الذاكرة العراقية رغم مرور السنوات لأنها عبرت عن ضميرهم ووجدانهم والتصاقهم بآمالهم وأحلامهم وأحاسيسهم.
وفي الجانب الأمني يمكننا أن نؤشر واحداً من أهم دروس الحرب الإيرانية- العراقية في هذا المجال هو ابراز أهمية العراق كبلد مهم ومؤثر لا يمكن أن يغيب عن دائرة الأحداث المهمة في الشرق الأوسط وبالتالي قاد إلى زيادة الخطر والتهديد وتنوع العدو وقد تأثر العراق لاحقا بهذا العمل كثيراً حيث كان لديه قدرات اقتصاديه محدودة ومتطلبات أمنيه واسعه وعلى الرغم من تمكن العراق من خلال أبناء شعبه ومؤسساته الأمنيه الكفوءة من التصدي للكثير من التحديات ، إلا ان تنوع التهديدات والتحديات واتساعها بسبب الانتصار الكبير في الحرب قد شكل تهديدات خطيره للأمن الوطني العراقي في سنوات لاحقه وكما هو معلوم حالياً وقادت الى أحداث لازال العراق يعاني من تبعاتها.
وفي الختام فإننا نقول ان الحرب الطويلة مع إيران وتبعاتها وتحدياتها المتنوعة قد انتجت كماً هائلا من الدروس والعبر لا يمكن تدوينها في هذا المقال القصير وإنها تحتاج الى كتب ومجلدات سيدونها الباحثون والمؤرخون حتما، ومن الله العون والتوفيق.


