بِ
القضية العراقية في شبكة العلاقات الدولية
كما لعقد التحالفات ظروف وشروط، فلفضّها
أيضاً ظروف وشروط، مهما استطال الزمن وتعمّقت العلاقة
شبكة البصرة
ضرغام الدباغ
يتداخل الموضوع العراقي في جداول عمل دول كبرى وغير كبرى، وتكاد القوى الكبرى تتفق أن العراق بما يمثله من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري، يعتبر بيضة القبان في توازنات الشرق الأوسط، ولدينا الأدلة المادية الكثيرة والشواهد التي تؤكد هذه النظرية. وهذه الحقيقة إذا وافقنا عليها، فهذا يعني أن العراق سيمثل الفقرة الرئيسة في جدول مناقشات وخطط الشرق الأوسط الحالية والمستقبلية.
ولدينا من المؤشرات الكثيرة التي تؤكد أن الغرب ينظر للعراق نظرة ارتياب وشك، حتى في العهد الملكي، وحتى بعد قام حلف بغداد في العاصمة العراقية، وبعد أكثر من 20 سنة على الاحتلال الثلاثي (الأميركي الاسرائيلي الإيراني) اتضحت خيوط كثيرة، ومن تلك أن الولايات المتحدة رغم متانة صلاتها بالكيان الصهيوني، إلا أنها لم تبلغ لدرجة أن تقاتل معها بقواتها المسلحة، بل فعلت ذلك من أجل إيران، وأهدت الإيرانيين ثمار (النصر) على طبق من ذهب.
سمعت مرة من الملك الراحل حسين بن طلال أنه حاول ويحاول مع الإدارة الأميركية أن يقنعهم بجدوى الصداقة مع العرب والمسلمين بلا جدوى، فالأمر (الكراهية العميقة لحد العداء) متجذر عندهم لدرجة ميؤوس التعامل معها.
والآن دعونا من العراق وأحداثه.
سمعت مرة من وزير تركي يكلم وزيراً إماراتياً أن الأميركيين (خاصة) يفقدون موضوعيتهم حيال أي قضية اسلامية، وعليك أن تحذر منهم لدرجة أن تخشى أن يسرقوا منك نعالك هذا الذي ترتديه!
هذا مع العلم أن الجيش التركي قاتل في كوريا وفيثنام، في حروب لا ناقة فيها ولا جمل، فالناقة والجمل هنا في تعقيدات بحر إيجة وفي ممر ناختشيفان، والسعوديون ساروا مع الأميركيين والغرب حتى تعبوا، ولكنهم كانوا يتآمرون عليها حتى في قضايا ثانوية الأهمية، حسني مبارك يقول “اللي يتغطى بالأميركان عريان” ومحمد ضياء الحق يقول “المتعامل مع أميركا يسوّد وجهه كبائع الفحم”، وهؤلاء من أشد حلفاء الولايات المتحدة.
الغرب، والأميركان خاصة، لا صداقات عندهم ولاتحالف ولا ائتلافات دائمية، هو يفهم شيئاً واحداً الاستسلام دون قيد أو شرط، وللتأكد يقوم بإهانة حليفه يومياً ليتأكد من حسن الانقياد. ومن يرتاب بهذه النتيجة ننصحه بمراجعة العلاقات الأوربية الأميركية، والعلاقات ضمن الناتو. ولدى صناع القرار الأميركي مستويات مختلفة للدول لا ينبغي مطلقا تجاوزها (بريطانيا غير فرنسا، وفرنسا غير ألمانيا، وألمانيا غير إسبانيا.. وهكذا) وخط المستوى المرسوم لنا بالغ السوء والانحطاط، يبقينا في حالة الضعف لدرجة الانقياد، لا إمكانية لقرار مستقل لدينا، ولا تفكير في قضايا الأمن القومي، ولا تطوراً اقتصادياً بدرجة يخرجنا من حالة التبعية.
في منطقتنا الموبؤة (ولا يحمد على مكروه سواه) نحن مبتلون بشتى أنواع الألغام البالغة السوء والتأثير، كيانان ملتحمان ديالكتيكياً بالغرب وبالولايات المتحدة خصوصاً. إيران الكيان الذي تأسس سنة 1935، وإسرائيل التي تأسست سنة 1948، بمعنى أن الكيانان مصطنعان غير موجودان في التاريخ القريب أو البعيد، حتى أن الغرب اجتهد في إيجاد تسمية لهما، فالكيانان مصطنعان والوظيفة الأساسية لهما مناكفة العرب والمسلمين، وعدم السماح لهم بالتنمية والتطور ليصبحا شيئاً له وزنه في العلاقات الدولية، ناهيك عن التقارب بين البلدان العربية والاسلامية، لذا دقّوا أسفينين يتمتعان بالقوة والدعم الخارجي ليقوما بهذه المهمة على أكمل وجه.
تكرست هذه العلاقة في بلاد شرق زاغروس في العهد الصفوي واكتسبت خصائصها المميزة، فالصفويون شيّعوا البلاد الممتدة حوالي بحر قزوين لكي لا ينضموا تحت جناح دولة الخلافة الإسلامية العثمانية (1501)، وقد لاقى هذا التوجه الانشقاقي الدعم والتأكيد من جميع القوى ذات المصلحة في المنطقة والعالم، من الروس الذين يفضّلون منطقة هشّة تسهل السيطرة عليها، ومن الإنكليز الذين وجدوا في تعميق الانشقاق في العالم الإسلامي ما يفيد مآربها. ولكن الحال تطور في عهد الدولة القاجارية (1796) إلى علاقات تحالفٍ له أسسه السياسية، ولهذا السبب دعيت فارس لحضور مؤتمر برلين وأدلت بدلو دسائسها مع المتكالبين على الدولة العثمانية، ونالت حصة صغيرة في مؤتمر برلين 1878 وذلك بضمّها لقضاء كوتور شرقي مدينة وان (من الدولة العثمانية).
وجدت بلاد فارس استقرارها المستند لوظيفتها منذ سنة 1925 حين أزاح البهلويون النظام القاجاري وأسّسوا نظاماً جديداً تحت الرعاية البريطانية/الأميركية تحت اسم جديد (إيران) الذي اخترعه الإنكليز ويعني في تفسير مقاطعه (بلاد الآريين) وهو نظام دام حتى سنة 979، حين انبثق النظام الكهنوتي.
أما إسرائيل، فقد وجدوا لفظة تعبر عن كون هذه الأرض هي بلاد بني إسرائيل، أما اليهود الذين كانوا قوماً غير مرغوب بهم في أوروبا ولقوا الويلات في معظم الاقطار الأوربية المركزية (روسيا، فرنسا، ألمانيا، بريطانيا، إسبانيا) فكانت المجر (هنغاريا) مرشحة لتكون وطناً قومياً لهم، ثم طرحت الارجنتين، ثم أوغندا، وأخيرا طرحت مدغشقر بقوة ودارت مفاوضات طويلة وتفصيلية، ولم يمنع تحققها إلا لأنها كانت مستعمرة فرنسية، وفرنسا كانت محتلة آنذاك من الألمان (1939 ـ 1944) وبعد الحرب طرحت بريطانيا فلسطين كوطن محتمل، وبذلك تضرب عدة أهداف بحجر واحد، منها:
* التخلص من اليهود ومتاعبهم في أوروبا كمكبّ نفايات
* تشتيت الجهد العربي وتأثيراته السياسية والاقتصادية والثقافية
* زرع جرثومة في الأمن القومي العربي
* خلق قاعدة آمنة في قلب الشرق الأوسط.
تحالفت هذه القوى الثلاث: إيران، إسرائيل مع الولايات المتحدة كعنصر خارجي، والتحالف والائتلاف في صيغته يدلّنا أنه قد يستغرق وقتاً غير محدد، ولكن كما لعقده ظروف وشروط، فلفضّه أيضاً ظروف وشروط، مهما استطال الزمن وتعمّقت العلاقة، والسياسة هي ممارسة للممكن، وما هو ممكن اليوم ليس بالضرورة أن يبقى ممكناً أبد الدهر، والأميركان حين قرروا اقتلاع نظام الشاه، وكان حليفهم لكنهم وجدوا فيه رؤية أن يكوّن لنفسه مكانة عالمية ويتحالف مع الهند في حركة قرعت لديهم جرس الإنذار، فقرروا اقتلاعه تحت السيطرة (under control) ولكن دون إسقاط نظام الدولة الإيرانية ودون تغيير في وظيفته الأساسية. وهذه تجربة تاريخية يمكن أن تتكرر.
النظام الإيراني أقل بكثير من لعب دور الدولة الكبيرة التي تتوسع على حساب الغير، فهي بالكاد قادرة، وباستخدامٍ مفرطٍ لأساليب القمع السياسي والثقافي، على فرض السيطرة على حركات شعبية واعدة تنذر بمستقبل غامض للدولة الإيرانية. وقد حدث مرتان أن انفصلت شعوب إيرانية خلال أقل من قرن، جمهورية مهاباد الكردية وجمهورية أذربيجان الشعبية.
النظام الإيراني فشل في تنفيذ مهمته، والنجاحات التي حقّقها لم تبلغ النهاية الناجحة التامة خلال 45 عاماً خلت، رغم أنها أشعلت أوار حروب شاملة (ثمان سنوات مع العراق) وحروب أهلية (اليمن ولبنان والعراق وسوريا) ومحاولة فاشلة في البحرين. ومحاولات تغلغل عقائدية في أقطار أخرى أنفقت فيها الأموال الطائلة ومغريات كثيرة، وتهريب سلاح ومخدرات، مارست فيها دور صانع المشكلات (trouble maker) أكثر مما هي دولة عقائدية لديها برنامج سياسي/اقتصادي/اجتماعي مقنع وصالح للتعميم، والآن يحقّ لمشغليها/حلفاؤها أن يطالبوها بجرد حساب.
تمرّ العلاقات الدولية الحالية بمرحلة انعطاف وتمفصل، فالحرب الأوكرانية وإن لم تضع أوزارها بعد إلا أن ملامح النهاية ونتائجها تلوح واضحة تقريباً، وهي باختصار:
لا عودة إلى الوضع الدولي قبل شباط/فبراير 2022.
روسيا والصين وكتلة (دول بريكس) التي لا يستهان بها، يمثلون فريقاً مهماً على مسرح السياسة الدولية والأوربية خصوصا.
السلام العالمي، التعاون الدولي شعارات لا يمكن تحقيقها إلا وفق سياقات وضمن نظام سياسي دولي واقتصادي جديد.
ضعف متواصل قد يفضي إلى نهاية نظام الأمم المتحدة، ونهاية لنظام برتون وودز (1945) (الدولار كعملة وحيدة قابلة للتبديل بالذهب) المنتهي مفعوله عملياً منذ عام 1971 (Nixon shock) حين ألغى إمكانية تبديل الدولار بالذهب.
هذه المعطيات الهامة وتفاعلها في الحياة السياسية/الاقتصادية العالمية تفرز تدريجياً واقعاً جديداً تفترض فيه اصطفافات جديدة، تؤدي فيه المصالح الوطنية والاقتصادية دوراً مهماً، وستفرض الكتلة العربية بحجم (500 مليون نسمة) واقتصادات عملاقة، وعدد من الدول (الجزائر، مصر، السعودية، المغرب، دول مجلس التعاون الخليجي) والبلدان الاسلامية الكبيرة (تركيا، أندونيسيا، ماليزيا، باكستان، بنغلادش) دورا ريادياً، وستنكفئ إلى الخلف مكانة الولايات المتحدة، وحروب التدخل والوكالة والعقوبات، فنظام العلاقات الجديد يعتبر هذه الصفحات من عهود الاستعمار والإمبريالية والعولمة، وهي عهود انطوت صفحتها. ودول أوربا المركزية (ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا) تنتهج سياسة النأي بنفسها عن الصراعات التناحرية.
الواقع الدولي الجديد سيفرز معطيات جديدة كقواعد عمل، وأرجّح أن على الدول استخدام أقصى قدراتها وتعبئتها لطيّ الصفحة، وهذه المعطيات الجديدة يحق لنا اعتبارها كمحفّزات لتطور في المجتمع العراقي، والمجتمعات العربية وفي عموم المنطقة.
الأمر يبدأ هكذا، أن ضرورة ماسة تطرح نفسها لتطور جوهري في نظم الحكم، وفي المقدمة ننوه إلى صراعات اجتماعية/ثقافية مهمة تتواصل في في الكيان الصهيوني، تطرح في خطوطها وثناياها الحاجة الملحة التي قد لا تقبل التأجيل في تطور النظام إلى ما هو أكثر من خرافات دينية لاهوتية وإغراق في الغيبيات التي لا تسمن وتغني من جوع، هل يجوز في هذا العصر أن تعتمد دولة ما الحلول بالدبابات والقنبلة الذرية فيما يلمس الشعب مادياً فشل الدولة في حل الإشكالات؟!
والأمر نفسه بهذه الصورة أو تلك يتكرر في إيران، فنظام ولاية الفقيه لم يلمس منه الشعب غير محاولات التوسع الفاشلة المعتمدة على الحركات الانشقاقية والميليشيات المسلحة والمؤامرات الدولية، النظام غير مقنع وسخط الناس يتصاعد والرد هو تصاعد القمع، المعصوميات سقطت والرموز المعممة أهينت علناً والازمات تراوح في مكانها والنظام يحكم رصّ الحلقات المستفيدة من انتهازيين ومنتفعين، وسذّج يمكن اللعب على عقولهم، يسبّون الشيطان الأكبر والأصغر وفي الواقع يتحالفون معهما، الهدف هو واحد: إحكام السيطرة على البلاد والعباد.
العالم الخارجي وشبكة العلاقات الدولية تدرك أن السيطرة على الشرق الأوسط إنما تتحقق عن طريق دعم الكيان الصهيوني والنظام الإيراني، هذا هو السبيل بإبقاء هذه الأفران موقدة لتلتهم خيرات هذه البلدان وهي ليست كثيرة. وليبق صوتها منخفضاً ناعماً لا يطرح الحلول الحاسمة والجدية، لا توجد مشاريع طويلة الأمد، لأن لا أحد يضمن الغد وتطوراته.
الشعوب تريد أفقاً لمشكلاتها السياسية وهي كثيرة، وحلول لمشكلات ثقافية وهي أكثر، وحلول للمشكلات الاقتصادية وهي الأكبر، والمشكلات لا تحلّ بالتهجير والاجتثاث والتجريف، ولا بالسجون السرية والتصفيات، وستبرز مشكلات طابعها اقتصادي اجتماعي ثقافي وهذه لا تحلّها البلدوزرات.
العالم يتغير، وحاجات الناس تتطور، ويكمن النجاح في فهم كنه التطورات الدولية وبروز قوى عالمية جديدة، وهناك علاقات دولية جديدة هي مطلب الشعوب. نعم هناك مقاومة ضارية من الغرب والولايات المتحدة، ولكن ما بدأ سوف لن ينتهي بل ستواصل، وما أستحق الأفول سيأفل، ومن هنا أركّز على أن حجم التدخل الأجنبي في وطننا العراقي والعربي سوف تحكم نهاياته بفعل حكم الحركة المادية للتاريخ، وهذه ليست دعوة للاسترخاء بل للانتباه بدقة شديدة، فالصفوف الأولى هي للمتفوقين الذين يتوصلون للحلول الناجحة، ويتمتعون بدقة التحليل القائم على أسس علمية.
وجهات نظر
شبكة البصرة
الثلاثاء 20 صفر 1445 / 5 أيلول 2023
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


