عدوى تجريف البساتين تطال كربلاء والمتنفذون لا يخضعون للمساءلة
شبكة البصرة
تقلصت مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في العراق من 32 مليون دونم قبل الاحتلال عام 2003 إلى 18 مليون دونم بعده، وفق تصريح لوزير الزراعة السابق “محمد الخفاجي”. أما الغابات بنوعيها الاصطناعي والطبيعي، فقد أكد الجهاز المركزي للإحصاء إن ما تبقى منها حتى عام 2020 لا يتجاوز 1.6% من مجمل مساحة البلاد، وإن المساحات الزراعية تقلصت بشكل عام بما يصل إلى 69%.
وتعتبر العوامل الطبيعية مثل التصحر والجفاف من الأسباب الرئيسية لتراجع المساحات الزراعية، لكن يمكن للإنسان أن يتدخل فيها، فأسباب قلة الخزين المائي معروفة ولا تقتصر على انحسار الأمطار فقط، وإنما تتعلق أيضا بكميات المياه القادمة من دول المنبع، التي تقلصت من مصادرها بإقامة السدود وتغيير مجاري الأنهار.
وفي هذا الجانب عزا متخصصون استمرار الأزمة، إلى ضعف المفاوض العراقي وقبوله بالأمر الواقع المفروض عليه من الخارج، وهو ما يتطابق مع مصالح متنفذين لا يريدون حل المشكلة واستعادة المساحات الخضراء، لأن الجفاف أصبح يمثل لهم “باب رزق” جديد يدر عليهم ذهباً، غير آبهين بالخراب الذي حل بالبلاد واقتصادها وزراعتها، وبمصالح آلاف المزارعين البسطاء الذين اضطروا للهجرة مع عوائلهم، بعيداً عن الأرض التي ولدوا ونشأوا فيها.
التجريف أسهل الحلول
وأمام هذا الواقع، تحولت البساتين الخضراء في بغداد وعدد من المحافظات إلى مساحات جرداء، استغلها المتنفذون الباحثون عن منافذ لغسيل أموالهم، حيث اشتروها وجرفوها وحولوها إلى قطع أراض سكنية وتجارية. وتحدث العديد من المسؤولين عن عمليات التجريف التي تحولت إلى ظاهرة، منهم وزير الموارد المائية “عون ذياب”، الذي وصفها بأنها “جريمة بيئية يحاسب عليها القانون”، دون أن يوضح أين كان هذا القانون عندما تحول جنسها في مديريات التسجيل العقاري، من أراض زراعية إلى تجارية وسكنية.
من ناحيته قال رئيس الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية التعاونية “حسن التميمي” في حديث صحفي، إن هذه الظاهرة “أثرت سلباً على البلاد، وانعكاساتها خطيرة وكبيرة في المراحل التالية، خصوصاً أنها أصبحت تنتشر بشكل واسع في عموم المحافظات العراقية”، مبدياً استغرابه من “وجود تناقض كبير وواضح في تصرفات الحكومة، التي رصدت خمسة مليارات دينار (3.5 ملايين دولار) لإنشاء أحزمة خضراء حول المدن، في وقت يجري تجريف البساتين والمناطق الزراعية لأغراض عقارية”.
ويبقى السبب الأبرز للصمت الرسمي أمام هذه الجرائم، أن أغلبها نفذ بعمليات عسكرية او من قبل مليشيات طائفية لأغراض تتعلق بالتغيير الديموغرافي، وفق ما يراه الباحث السياسي “عبد القادر النايل”.
وتركزت هذه العمليات بشكل واضح في محافظتي صلاح الدين وديالى وشمال بابل، ثم في مناطق الطارمية واللطيفية والدورة في بغداد.
التجريف بين الذرائع والمنافع
ولا تقتصر ذرائع التجريف على الجفاف والتصحر، إنما على التغيير الديموغرافي وغسيل الاموال، وهي دوافع لم يستطع المسؤولون الحكوميون إنكارها، بل أن فتح الأسواق العراقية للمنتج الزراعي الأجنبي، وخاصة الإيراني الذي غزا الأسواق العراقية، دون إجراءات حكومية تحمي المنتج الوطني، كان واحداً من الأسباب المهمة التي أجبرت المُزارع العراقي على ترك مهنته والبحث عن عمل آخر، لتؤول الأراضي في نهاية الأمر إلى متنفذين قاموا بتجريفها. وقال مزارعون من محافظة ديالى، إن من المفارقات المؤلمة أن تكون المحاصيل الزراعية المستوردة من إيران قد رويت بحصة العراق من المياه، بعد أن غيرت إيران مجاري الأنهار إلى الداخل الايراني، وأنشأت مزارع في المناطق الحدودية خصيصاً لتصديرها إلى العراق.
وبيعت بعض المنتجات الأجنبية بسعر يقل أحياناً حتى عن كلفة إنتاجها، وهي خطة وصفها المهندس الزراعي “جهاد عبد” بالمعروفة والخبيثة، يتقبل فيها المُصَدِّر خسارة مؤقتة، لكنها على المدى البعيد وبالتواطؤ مع مسؤولين محليين تمنحه السيطرة المطلقة على السوق، عندها يستطيع رفع أسعاره وتعويض خسارته.
واعترف عضو اتحاد الجمعيات الفلاحية في محافظة بغداد، “جعفر الموسوي”، بأن السوق العراقية باتت تعتمد على المستورد بشكل أساسي، حيث أن المنتج المحلي لا يسد حاجة السوق، وأرجع سبب ذلك إلى خطة وزارة الزراعة بتحديد المساحات الزراعية، التي انخفضت بشكل كبير.
نموذج كربلاء
وإذا كانت بساتين صلاح الدين وديالى وحزام بغداد وغيرها، قد جرفت بالدرجة الأولى لأسباب تتعلق بالتغيير الديموغرافي، فإن مُزارعي كربلاء أيضاً وقعوا تحت وطأة المتنفذين في محافظتهم وخسروا بساتينهم. ووصف أحد المواطنين ما يحدث في المحافظة التي اشتهرت ببساتين الحمضيات والنخيل بأنه “مؤامرة يقودها متنفذون، لتجريف الأراضي الزراعية وتحويلها لمشاريع استثمارية، وأن هناك عمليات إعدام جماعي للنخيل”، فيما ذكر آخر “إن هنالك أموالاً تدفع للسكوت على التجريف”، مؤكداً أن أحد المسؤولين كلف ابنه المحامي لتمرير عمليات تحويل جنس الأراضي، لصالح شركة تتولى تجريفها وبيعها.
ولم يتوصل فريق تلفزيوني أعد تقريراً عن الموضوع من الخروج بنتيجة، حيث تبادلت قائممقامية المحافظة الاتهامات مع مسؤولين حول تزوير سندات أراض والاستيلاء عليها، منها ماهو مملوك للدولة، ومنها مسجل بصفة عقود زراعية.
ولا يكاد يمر وقت طويل حتى تنكشف صفحة جديدة من صفحات الفساد الكبرى في كربلاء، فهذه الأحداث تجري ولم تكتمل 5 أشهر على قيام حشد المرجعية بإغلاق مصنع تعليب كربلاء، أحد أهم رموز الصناعة الوطنية لعقود خلت، قامت بعده العتبة العباسية بالاستيلاء على أراض باهظة الثمن تابعة للمصنع، وتعويضها بقطعة أرض في منطقة نائية خارج الحدود البلدية للمحافظة.
وكالة يقين
شبكة البصرة
الاثنين 20 محرم 1445 / 7 آب 2023
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط
مقاولات هدم البصرة.. من جامع السراجي إلى منازل أم قصر
شبكة البصرة
بعد أقل من إسبوعين على عملية هدم جامع السراجي التاريخي في البصرة، بموافقة وإشراف المحافظ “أسعد العيداني”، يدور الحديث في المحافظة العراقية الجنوبية، عن عملية هدم خطيرة أخرى، جعلت مواطناً بصرياً يصرخ في التظاهرة التي انطلقت في المحافظة مطلع آب الجاري: “نريد محافظاً لا مقاول تفليش”!
ومقاولة “التفليش” التي يدور الحديث عنها هذه الأيام، تتعلق بهدم منازل كانت تؤوي بصريين في ناحية ام قصر المحاذية للكويت والتنازل عن أراضيها للجانب الكويتي، إضافة للتنازل عن حقل الرميلة الجنوبي “الرتقة”، مقابل فتح ملحقية تجارية كويتة في البصرة، والسماح للصيادين العراقيين بممارسة نشاطهم ضمن المياه الإقليمية.
ووجهت حكومة السوداني بتخلية منازل تعود لمواطنين في الناحية، وإسكان أصحابها في مجمع سكني بعيد عن الحدود، الأمر الذي أجج احتجاجات شعبية في المحافظة.
ولاذ العيداني ومسؤولون في حكومة رئيس الوزراء “محمد السوداني” بالصمت، بعد تصريح وزير الخارجية الكويتي “سالم عبدالله الجابر الصباح”، الذي زار العراق في الثلاثين من آب، أثنى فيه على تعهد العيداني لحكومته بإزالة منازل عراقيين في أم قصر وتسليم أراضيها للكويت”، مما دفع أهالي البصرة للتظاهر يوم الثلاثاء الأول من آب/اغسطس، بعد يومين من تصريحات الصباح، احتجاجاً على “بيع محافظتهم” للكويت.
جمع تواقيع “بعد خراب البصرة”
وتحت تأثير الضغط الشعبي، تنصل العيداني عن مسؤوليته بقوله: “إن العراق والكويت اتفقا في 2013 على بناء منازل خاصة للعوائل العراقية الساكنة على الحدود”، وأن “الكويت شيدت 99 منزلاً، ستوزع لهذه العوائل”، لكن مصادر صحفية ذكرت إن العدد الحقيقي للمنازل يعادل ضعف ما ذكره العيداني.
ولم يوضح العيداني دوافع الكويت لبناء مساكن لعراقيين داخل بلدهم، لكنه دفع بالكرة إلى معلب السوداني بقوله، إن “رئيس الوزراء كلفني وفق القانون بتوزيع المساكن عليهم”.
وكانت حكومة نوري المالكي الثانية قد وقعت بالفعل عام 2013 اتفاقية تنازلت بموجبها عن خور عبد الله لصالح الكويت.
وفي السياق تحدث النائب عن محافظة البصرة “عامر عبد الجبار”، عن “وثائق رسمية تؤكد وجود تنازل عن الحقوق العراقية لصالح الكويت ومنها أم قصر،” مؤكداً على “جمع تواقيع نواب من كتل مختلفة، بهدف إصدار قرار برلماني ملزم يصوت عليه البرلمان، يمنع أي تنازل عن الحقوق العراقية لصالح الكويت”.
إعدام ميناء الفاو الكبير
وبينما حذر مراقبون من استغلال القضية لأغراض سياسية، قال العيداني إن هناك من يحاول إقصاءه عن الانتخابات، بتجيير القضية للدعاية الانتخابية. وفي هذا الصدد أشار عضو الميثاق الوطني العراقي “عبد القادر النايل”، إلى أن “أطرافاً سياسية عراقية سواء أكانت مناوئة للحكومة أو انسحبت، ستمارس التصعيد لإثبات نفسها أمام الجماهير العراقية، بأنها حريصة على مصالح العراق، مما يؤكد أن الأزمة مستمرة ولا حلول لها”.
وعن مغزى زيارة وزير الخارجية الكويتي إلى بغداد قال النايل، إنها تهدف “إلى إقناع بعض الأطراف السياسية المدعومة كويتياً، سواء أكان الدعم ماليا أو لوجستياً”، مضيفاً في حديث صحفي أن “بعض الفاعلين السياسيين في الإطار التنسيقي يحظون بدعم كبير من الكويت، فضلاً عن أطراف أخرى، وهؤلاء مارسوا ضغوطات لإنجاح مهمة الوزير الكويتي التي جاء من أجلها، والتي تتركز على ترسيم الحدود وإيقاف العراق عن الشكوى لدى الأمم المتحدة بشأن أزمة ميناء مبارك، لأن تقدم العراق بشكوى لدى مجلس الأمن يدفع الأمم المتحدة لاتخاذ قرار بوقف عملية إعدام ميناء الفاو الكبير حسب قانون ترسيم الحدود الأممي”. وأكد النايل على “ضرورة تفعيل الطرف الضامن في قرار ترسيم الحدود وهو الأمم المتحدة، وهذا ما يدعونا إلى القول إن زيارة وزير الخارجية الكويتي لن تحقق أهدافها، وستبقى ضمن الزيارات الشكلية”.
اتفاقات خلف الأبواب المغلقة
إلى ذلك، قال النائب عدنان الجابري إن المفاوضات وكل ما يتعلق بالحدود مع الكويت “يجب أن يجري علناً، مع إشراك مختصين فنيين مهنيين لتقديم المشورة قبل حسم أي اتفاقات”.
واتهم الجابري الكويت بـ “التمدد على أرض العراق، واستغلال سنوات الأوضاع الصعبة دون أي مواجهة ودفاع من قبل السلطات العراقية”، بحسب ما نقلته عنه مصادر صحفية، مضيفاً نأها استغلت قرارات أممية مجحفة قبل 2003 وبعدها للاستيلاء على مزارع شاسعة. ودعا الجابري للجوء إلى “المحاكم الدولية لاستعادة الحقوق، وترسيم الحدود وفق الوثائق التاريخية”، محذراً من “الخضوع للاتفاقات الجديدة التي تخنق العراق بحرياً.
من ناحيته لفت عضو نقابة البحريين العراقيين “علي العقابي”، إلى أنّ “اتفاق ترسيم الحدود مع الكويت يحمل الكثير من الغبن للعراق الذي يعيش أوضاعاً صعبة، أمام ما تنفقه الكويت من مليارات على هذا الملف، بعضها ذهب إلى مسؤولين عراقيين”.
ووصف العقابي حديث محافظ البصرة حول حسم الترسيم للحدود البرية بأنه “غير واقعي”، مؤكداً أن القاعدة البحرية القديمة بقيت حتى عام 2003 ضمن حدود أم قصر، حيث رست السفن البحرية والزوارق فيها للصيانة وغيرها، متسائلاً عن آلية ووقت “ترسيم الحدود لتصبح القاعدة جزءاً من الأراضي الكويتية”، وعن مصير الأراضي الصحراوية المحايدة، التي كانت تحت سلطة الأمم المتحدة، والتي تبدأ من خارج أم قصر.
وكالة يقين
شبكة البصرة
الاثنين 20 محرم 1445 / 7 آب 2023
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


