أمريكا خرجت ولم تعد
شبكة البصرة
السيد زهره
مؤخرا القى الرئيس الأمريكي بايدن خطاب حالة الاتحاد، وهو أهم خطاب للرؤساء الأمريكيين اذ يحددون فيه عادة الملامح العامة للسياسات الداخلية والخارجية ويقدمون انجازاتهم.
خطاب بايدن هذا العام مهم ليس بسبب ما قاله فيه وانما بسبب ما لم يقله.
كما لا حظ الكل، الخطاب تركز كله تقريبا على القضايا والأوضاع الداخلية في أمريكا، وتجاهل تجاهلا شبه كامل للسياسات والقضايا الخارجية باستثناء تطرق عابر الى موضوع حرب أوكرانيا والصين في تكرار للمواقف الأمريكية التي باتت محفوظة بخصوص القضيتين.
وربما لأول مرة في تاريخ خطابات الاتحاد لرؤساء أمريكا لم يتطرق بايدن لقضايا الشرق الأوسط وأوضاع المنطقة على الاطلاق. حتى كارثة مثل الزلزال لم يأت عليها بذكر.
بايدن فعل هذا على الرغم من ان هناك قضايا متفجرة في المنطقة على صلة مباشرة بأمريكا ومواقفها وسياساتها. يكفي ان نشير مثلا الى قضايا الأوضاع الخطيرة في فلسطين، والأوضاع في الخليج العربي وعلاقات دوله بأمريكا،، وقضية الخطر الإيراني.. وهكذا.
كيف يمكن قراءة خطاب بايدن على ضوء هذا؟ كيف نفسر هذا التجاهل شبه التام للقضايا الخارجية في العالم؟
ثلاثة جوانب كبرى يمكن اثارتها في الإجابة عن مثل هذه التساؤلات:
الجانب الأول: ان ما فعله بايدن في خطابه يجسد عمق الأزمات الداخلية التي تغرق فيها أمريكا وبحيث انه وجد ان هذا الجانب يستحق في الوقت الحاضر كل الاهتمام والتركيز.
أي متابع لما يكتبه المحللون الأمريكيون من تحليلات وتقارير عن الأوضاع الداخلية يدرك مدى عمق وتشعب وفداحة الأزمات الداخلية.
هناك بالطبع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المعروفة.
وهناك أزمة الانقسام السياسي والاجتماعي العميق الذي يشق أمريكا.
والكل في امريكا يعتبر ان الديمقراطية في خطر، وان هناك خوف من ان تنزلق البلاد الى دوامة من العنف. الرئيس بايدن نفسه وهو يستشعر هذا الخطر يحرص على ان يؤكد باستمرار انه لا خوف على الديمقراطية وانها تنتصر.. الى آخر هذه التصريحات التي تعكس مدى تفاقم الأزمة.
على ضوء هذا قد يبدو من منطقيا ان يعطي بايدن كل الاهتمام للأوضاع الداخلية.
الجانب الثاني: لا شك ان خطاب بايدن يعكس في جانب منه تراجع مكانة أمريكا العالمية.
لا يتسع المجال هنا الى الحديث تفصيلا عن هذا التراجع الذي أصبح على أي حال واضحا للجميع في العالم. لكن القضية المهمة هنا ان بايدن الذي يتحدث بين الحين والآخر عن القيادة الأمريكية في العالم يقر عمليا بخطابه بهذا التراجع.
الدولة العظمى الت تؤمن حقا بأنها تقود العالم، لا يمكن ان تتجاهل قضايا وأزمات العالم وتحجم عن شرح سياساتها على النحو الذي فعله بايدن.
الجانب الثالث: وهو الأكثر أهمية بالنسبة لنا.
تجاهل بايدن التام لقضايا المنطقة ولعلاقات أمريكا مع الدول العربية امر يجب أن نتوقف عنده مطولا.
هذا التجاهل يعني بالتأكيد في جانب أساسي منه ان المنطقة وكل أوضاعها وقضاياها لم تعد تحتل أولوية استراتيجية بالنسبة لأمريكا. في الحقيقة هذا التجاهل يؤكد ان مسألة الانسحاب الأمريكي من المنطقة وإعطاء الاهتمام الإستراتيجي لمناطق أخرى وهي المسألة المطروحة منذ سنين طويلة أصبحت قناعة استراتيجية بالنسبة للقادة الأمريكيين.
بغض النظر عما ااذ كان هذا في مصلحة أمريكا ام لا، المهم ان الدولالعربية يجب ان ترتب أوضاعها الاستراتيجية على هذا الأساس، وهو ما بدأت فيه فعلا.
حين تولى بايدن السلطة رفع شعار: “لقد عادت أمريكا” وكرره في مناسبات كثيرة. وكان يقصد ان امركيا عادت الى قيادة العالم والى الوفاء بالتزاماتها الدولية. لكن بهذا الخطاب يتأكد ان أمريكا خرجت ولم تعد. أمريكا لم تعد هي التي تقود العالم وسيتأكد هذا أكثر فأكثر في السنوات القادمة.
شبكة البصرة
الثلاثاء 1 شعبان 1444 / 21 شباط 2023
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


