أي “ديمقراطية” يحتفل بها العالم؟!؛
شبكة البصرة
السيد زهره
قبل أيام (في 15 سبتمبر) احتفل العالم باليوم العالمي للديمقراطية الذي حددته الأمم المتحدة. ليست هناك قضية في العالم كانت موضعا للتشويه واساءة الاستغلال والمفاهيم المغلوطة المضللة التي يتم الترويج لها مثل قضية الديمقراطية.
لهذا، حين يحتفل العالم بيوم الديمقراطية، من المشروع التساؤل: أي ديمقراطية بالضبط يحتفل بها العالم؟
بمناسبة هذا ايلوم العالمي هناك عدد من الحقائق من المهم توضيحها والتذكير بها حول قضية الديمقراطية. توضيح هذه الحقائق أمر مهم على ضوء الكثير جدا من التضليل للرأي العام في دولنا ومجتمعاتنا، وعلى ضوء ان كثيرا من هذه الحقائق غائبة فعلا عن الوعي العام.
أول هذه الحقائق ان الديمقراطية ليست غاية في حد ذاتها، وانما هي أداة لتحقيق أهداف وغايات عليا ابعد وأكبر.
المفروض ان تكون الديمقراطية طريقا وأداة لتحقيق التنمية المستدامة بما يضمن في النهاية الحياة الكريمة للمواطنين، وأداة لضمان حقوق الانسان، والمشاركة العامة في صنع السياسات، ولمحاربة الفساد وضمان الرشد في استغلال الثروة الوطنية.. وهكذا
ثاني هذه الحقائق أنه لا توجد بداهة صيغة واحدة للديمقراطية في العالم تصلح للتطبيق في كل الدول والمجتمعات.
هذا أمر بديهي لأن كل دولة لها تاريخها الخاص وأوضاعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الخاصة ومرحلة من التطور، ولكل مجتمع تقاليده وقيمه وثقافته الخاصة.
من العبث المطلق محاولة فرض أي صيغة معينة للديمقراطية على أي دولة او مجتمع.
ثم ان المهم في النهاية ليس صيغة اليمقراطية في حد ذاتها، وانما تحقيقها للقيم والمباديء الديمقراطية العامة المتعارف عليها، ومدى نجاحها في تحقيق الغايات والأهداف المنشودة.
وثالث هذه الحقائق انه لم يحدث في التاريخ ان كانت هناك صيغة او تجربة ديمقراطية في أي بلد تم تطبيقها فورا بكل ابعادها وأركانها.
كل التجارب الديمقراطية تمر حتما بمراحل طويلة من التطور والتدرج. والتجارب في الدول الغربية مثلا احتاجت لعقود طويلة جدا حتى تصل الى ما وصلت اليه. احتاجت مثلا الى عقود طويلة قبل ان تعطي المرأة حق التصويت. وأمريكا مثلا لم تقنن مكافحة العنصرية والحقوق المدنية الا في وقت متأخر جدا.
لكل هذا، من اكبر الجرائم في حق دول وشعوب العالم، وفي حق الديمقراطية نفسها خلال العقود الماضية تصوير أمريكا والدول الغربية للنموذج الغربي للديمقراطية على اعتبار أنه هو وحده النموذج المثالي والصيغة النموذجية ومطالبة كل دول العالم ان تأخذ بهذه الصيغة والنموذج.
هذا الزعم ينطوي على احتقار شديد لتاريخ وثقافة وتقاليد مختلف المجتمعات والحضارات والثقافات.
من المفهوم بالطبع ان الغرب حين يقدم نموذجه باعتباره النموذج الأمثل للديمقراطية فانه لا يفعل هذا من منطلق أي حرص على الديمقراطية والحقوق والحريات، وانما يدفعه السعي الى تحقيق اهداف استعمارية غربية ولخدمة مصالحه في العالم.
الأمر العجيب انه في الوقت الذي تصر فيه أمريكا والدول الغربية على هذا الزعم، فان التجربة الغربية موضع نقد شديد في الغرب نفسه من جانب فلاسفة ومحللين وباحثين وساسة.
السبب في ذلك أوجه فشل كثيرة جدا للتجربة الديمقراطية الغربية في نظر هؤلاء. الديمقراطية الغربية مثلا فشلت في حماية الدول والمجتمعات من التطرف والعنصرية وخطر الإرهاب. بالعكس تفاقم كل هذا في العقود الماضية. والتجربة الغربية مثلا فشلت في ضمان رشد السياسات العامة في الدول الغربية سواء تعلق الأمر بالقضايا الخارجية او الداخلية. كما فشلت هذه التجربة في تحقيق العدل الاجتماعي، وهو بعد غائب أصلا عن التجربة اللبرالية الغربية.
ليس هناك اذن أي شيء يدعو اللى دعوة دول العالم لأخذ التجربة الغربية وتطبيقها، فهي ليست قدوة أصلا.
هناك جوانب وحقائق مهمة أخرى تتعلق بالديمقراطية لا بد ان نتوقف عندها.
وهذا حديث آخر بإذن الله.
شبكة البصرة
السبت 21 صفر 1444 / 17 أيلول 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس


