العرَاقِيُّونَ والأحزَابِ الغَوغَائِيَّة* الحَاكِمَة
شبكة البصرة
د. محمد رحيم
بعد اعادةِ نَشر مقال (العراقيّون وغُراب البَين) بِجُزأيه، ورَدتنا ملحوظةٌ من الأخوة القرَّاء الكِرام بعد تفاعلهم الصادق مع ما ورد فيه، مَفادُها: أنَّنا اهتَمَمنا بقضية المتهالك المعتوه الصدر وتيَّاره المُنفلت، وأهمَلنا بقية الأحزاب العميلة المشاركة في تقتيل أبناء شعبنا العراقي وتجويعه وهضم حقوقه، ونهب ممتلكاته العامة والخاصة. ونود أن نبيِّن للقاريء العزيز أنّ المنبر الثقافي الأغرّ ارتأى اعادة نشر مقال العراقيّون وغراب البَين لأهميَّته في الحديث عن واقعة بعينها، جرت أمام مجلس نوابهم الهُزء في المنطقة الصفراء، وما أفتى به من أنَّ قتلى تيَّاره وقتلى خصومه الذين اختلف معهم في تقاسم السلطة والسرقات والنهب لثروات العراقيين، مصيرهم نار جهنَّم وكأنَّه نبيٌّ مُرسَل!، حاشا لله.
واستجابةً لملحوظة الأخوة الأعزَّاء المُهتَّمين والمُتابعينَ، ونزولاً عند رغبتهم نُقدِّم اليوم مقالنا هذا عن بقية الأحزاب الولائية التي شاركت وتشارك تيَّار الصدر في العملية السياسية المُسخ منذ بدايتها وحتى اليوم، واخترنا عنوان المقال ليكون متواصلاً مع عنوان المقال السابق.
ابتداءً فالكثيرُ من المؤرِّخينَ كتبوا عن الحركات والأحزاب الإسلامويَّة التي صُنِعَت وأُنتِجَت في دولة الفرس منذ بداية القرن الرابع الهجري وحتى يومنا هذا، لكنَّهم أهملوا الرَّبط بينها تاريخياً، ويبدو أنَّهم لم ينتبهوا الى تواصل الحلقات بين هذه المُكوَّنات الطائفية والأحزاب الهُلامية التي تدَّعي الإسلام والتبعية لآل بيت النبوة الأطهار رضوان الله عليهم جميعاً، وأنَّ المركز الذي تُدار من خلاله هذه الحركات الهدَّامة والمُدَّمِرة هي دولة الفرس في ايران، التي تنبعث منها كلّ الأفكار الضَّالة والخبيثة والرياح المسمومة مُحَمَّلة بالفتن والأحقاد وروح الانتقام الأسود عبر تاريخ ممتَد. وللأسف فقد سَجَّل المؤرخونَ كل هذه المواقف والأحداث لدولة فارس وما يُدار في عاصمتها من مؤامرات خبيثة ومخططات اجرامية وأثبتوها على أنَّها وقائع وأحداث فردية في أهدافها ونواياها خلال المراحل الزمنية المتفرقة. وغفلوا تماماً عن ربط بعضها ببعض، فلم يُسلّطوا الضوء ويغوصوا في حلقاتها التاريخية المتصلة والمتسلسلة، ولم يُشيروا الى بذورها الأولى في العراق خلال العصور الإسلامية المتقدمة، ووحدة الهدف فيها مع اختلاف الأساليب والطرق التي تَبنَّتها هذه الحركات الهدَّامة والأحزاب الإسلاموية والتي تستمد ايحاءاتها وخططها المرسومة من بلاد فارس، بدءاً من الأفكار الضَّالة والحركات الشعوبية في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع للهجرة، مروراً بالبويهيِّين ثم القرامطة فالصفويِّين، وتواصلاً بالأفكار والتوجهات الخمينية الخبيثة في العصر الحالي والتي تعشق الدم والموت والخراب، تتبعها الحركات والأحزاب الصفوية المتفرسة التي ظهرت في العراق، والتي رفضها الشعب العراقي، بُعيد الأحتلال الأمريكي الغاشم وما تلاه من أحزاب وحركات وتكتلات وتيارات ما أنزل الله بها من سلطان. وفي مقدمة هذه الأحزاب القذرة، حزب الدعوة اللااسلامي والمجلس الأعلى، الذي تفرَّخ عنه حركة بدر الارهابية، وتيَّار الحكمة الوضيع، وتيار الصدر متفرّخاً عنه ما يُسمَّى بعصائب أهل الحق الاجرامي، وحزب الفضيلة وحزب الله في العراق، والحزب الإسلامي (الإسلاموي) وغيرها كثير. وحقيقة الأمر أنَّ كل هذه الحركات والتجمعات والأحزاب والتيَّارات هي عناوين ومُسَمَّيات مختلفة لأصلٍ ومنبعٍ خبيثٍ واحد، وهي حركات متعددة الأسماء والصفات عبر مراحل زمنية مختلفة لكنَّ هدفها واحد هو ضرب الاسلام من الداخل وتدمير العراق والنيل من عروبته وجعله تابعاً لدولة فارس في ايران. وقراءة مُتمَّعنة للتاريخ تُظهر لنا حقيقة الأسباب التي دعَت الفرس لصناعة هذه الأحزاب والكتَل والمجاميع المُدَّمرة، منها أنَّ دولة ايران الصفوية مُهيَّأة سياسياً وعقائدياً وسلوكياً للقيام بهذا الدور الخبيث والشرِّير، فهي الصانع والمُنشيء والمُغذي لكل هذه الأحزاب والمكوّنات القذرة التي تعمل اليوم على أرض الرافدين وبين شعبنا في العراق. وأهمّ هذه الأسباب التي تدفعها للقيام بهذا الدور الخبيث هو أنَّها البيئة الوحيدة في العالم الإسلامي التي عجزت من أن تهضم الإسلام وتستفيد من قيمه وتقاليده الرائعة وأخلاقة السمحة الراقية، فالعقلية الفارسية كانت ولا تزال تلفّها الخرافات والانحرافات وتُكَبّلها التقاليد التي استقتها من الزرادشتية والمجوسية، وتالياً فهي لم تستطع أن تهضم فكر الإسلام وعقيدته وشريعته والتزاماته الاخلاقية والسلوكية وقيَمه ومبادئه، ولكون العقلية الفارسية لم تغادر المذاهب الثنوية والمانوية والزرادشتية الفتَّاكة التي أشرنا اليها، لذلك راحت تُعادي الإسلام وتصارعه، وتعمل فيه الفتن من داخله دون هوادة، لأنَّها كانت تشعر به كالشوكة تخترق الجمجمة الفارسية، وكالسلَّاء في أفواههم، وكالنار في أفئدتهم، فالمجوسية والزرادشتية لم ينقطعا عن الجريان في الدم الفارسي الى يومنا هذا. نعم فالعقدة الفارسية وهي (العودة الى الماضي) أي الى زمن الامبراطورية الفارسية القديمة في عهد الساسانيين ومَن تلاهم والتي يحلمون باحيائها من جديد، لا تفارقهم الى اليوم، وهو هدف يستحيل تحقيقه على أرض الواقع. والفرس لم ولن ينسوا مهما طال الزمن أنَّ العرب وفي مقدمتهم العراقيون قد قضوا على سلطانهم وأطفأوا نار مجوسيتهم، وهذا ما عَزَّ عليهم، فراحوا يمكرون ويدبّرون المكائد ممزوجة بحقدهم الأسود على العراقيين منذ فجر التاريخ، منذ أن كان العراق مهد الحضارات في الدنيا كلها، من هنا اندفع هؤلاء الأشرار بعد أن يئسوا من امكانية تحقيق حلمهم الامبراطوري، للقيام بتأسيس واحتضان الحركات والأحزاب التي يمكنهم من خلالها التأثير على العراق ومحاولة ايقاع الأذى والضرر بشعبه الأبيّ، بعد أن تنتحل هذه الأحزاب صفة الاسلام وتلتحف بالعباءة الطائفية، للتغطية على أهدافها الشريرة ونواياها الخبيثة.
هناك خلط كبير قد يقع فيه البعض من المهتمين بالشأن العراقي اليوم، ذلك هو عدم التميِّيز بين شيعة آل بيت النبوة رضي الله عنهم وأرضاهم من العراقيين العرب، وبين مَن يَدَّعون زوراً وبهتاناً أنَّهم أتباع آل البيت من المنتسبين للعراق من أصولٍ فارسيةٍ، فاتِّباع آل البيت لا تنحصر في طائفة بعينها، فكلّ المسلمين على مختلف مذاهبهم يدينون بالحب والوفاء والتقدير لهم ولنهجهم الإيماني السَويّ وسلوكهم القويم النبيل. أمَّا هؤلاء الذين يدَّعون التمذهب لآل البيت من جماعات وحركات هدَّامة معادية للإسلام وهم الخوارج الجدد، يسيرون على النهجح الفارسي الصفوي، بعد أن أدخلوا الضلالات والأكاذيب والأفكار الظلامية على سيرة ومنهج وأقوال آل البيت وهم منهم براء. فاختلقوا الروايات المُفتراة والباطلة وزوَّروا فصولاً وصفحاتً من التاريخ ليصلوا الى أهدافهم الخبيثة لعنهم الله وأخزاهم، وفسَّروا آيات القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وفقاً لأهوائهم وأغراضهم الدنيئة، هؤلاء (دُعاة) التَّمذهب دفعوا بأفكارهم الضلالية المنحرفة في المحيط المجتمعي العراقي، مروراً الى بعض المجتمعات العربية في سورية ولبنان واليمن وعدد من أقطار الخليج العربي، لإثارة الأحقاد والكراهية العمياء والفتنة الطائفية، وخلقوا الظروف المناسبة للاحتراب والفرقة في هذه المجتمعات. هؤلاء الأوغاد يمارسون الكذب والخداع والتضليل منذ سنوات في محاولة لاستمالة البعض من شعبنا العراقي، غير مدركين لحقيقة مهمة وهي أنَّ أتباع آل البيت من شعبنا العراقي الأصيل هم أشَّد ايماناً بعروبتهم، لأنَّ قوميتهم العربية سبقت ديانتهم أو طائفتهم، فالعراقُ يضمُّ أجناساً ومللاً ونحلاً متعددة ما يعطيه تنوعاً وتفرّداً عن سواه من الدول والشعوب، هذا التنوع ساهم مساهمة كبيرة في تفرده الحضاري والانساني، وفي التقاء الألسن وحوارها، حتى أصبح البوابة الشرقية الحصينة والمنيعة للأمة العربية، وجيشه الوطني الباسل حارساً أميناً لحدود الأمة، ولن تستطيع هذه الحثالات من أحزاب السوء والرذيلة من النيل من شعبه العظيم وتاريخه المجيد.
وهنا سوف نعرض لقضيَّتين عمدَت هذه الأحزاب في سلطة الاحتلال الباغية للقيام بها، وكانت سبباً مباشراً في تعاسة وشقاء العراقيين، القضية الأولى هي ما نسميه رأس المال الانساني أو الاجتماعي، وهو ليس رأس المال (المادي) أو المالي، ويتمثَّل بالعلاقات الأسرية والاجتماعية والذي يُعبّر عنها خير تعبير التكافل والتضامن والتآلف الاجتماعي بين أبناء المجتمع العراقي الواحد، والذي يُعتَبر أقوى وأكبر تأثيراً في سعادة ورفاهية وأمن المجتمع، كما كان ذلك في عهد النظام الوطني، ورغم الحصار الاقتصادي الجائر الذي كان مفروضاً على شعبنا العظيم، غير أنَّ هذا الشعب كان يشعر بالسعادة والرفاهية والاطمئنان رغم الضيق المادي الذي تسبَّب به الحصار الشامل، وذلك يعود لتوفر أركان السعادة التي قدَّمناها وهي التضامن والتكافل والتآلف الاجتماعي والمحبة التي كان يعيشها العراقيون، والتي يكون تأثيرها أقوى بكثير من الثراء المالي، اضافة الى الاستقرار السياسي والسلام المجتمعي الذي كان سائداً في المجتمع العراقي. أمَّا اليوم حيث الفساد والفوضى والنزاعات والقلائل وغياب الرعاية المجتمعية من صحية واجتماعية وتعليمية وأمنية، كلّ ذلك بالتأكيد تُشعر الناس بالتعاسة، والشقاء والقهر، فالشعب العراقي كان قد تعوَّد على عيشة الاستقرار والوئام والألفة وسريان القانون على الجميع، ورسوخ قيَم المواطنة الحقَّة اضافةً الى ماتقدَّم من الخصائص التي ذكرناها. وبعد ذلك فقد تدرَّب العراقيون في ترويض النفس و(تعويدها) على تَقبُّل انخفاض مستوى المعيشة، وأنَّه أي المواطن العراقي يشعر بالأمن والأمان والاطمئنان على حياته وأسرته، وبالتالي فهو لا يساوره أدنى قلق من حيث معيشته وكرامته وأمنه. فالعراقي قبل الغزو الغاشم كان يتمتع وينعم بصحة جيدة لقيام الدولة بتوفير مستلزمات العناية والضمان الصحي لكل المواطنين وبالمجان وكذلك هو حال التعليم، ولشيوع التعاطف والتسامح والتوادد بين الناس، أمَّا هؤلاء دُعاة الطائفية من أرباب الخيانة والغدر والفساد فليرونا ماذا قدَّموا للعراقيين ليحققوا لهم السعادة؟!
والقضية الثانية في الأهمية هي قضية العمل، فالعمل يُشعر الانسان بالسعادة والاستقرار النفسي، والثقة بالنفس، لأنَّه يُفضي الى الاحساس بقيمة الفرد في المجتمع والدولة، وتالياً يشعر المواطن بأهميَّته في المجتمع، وأنَّه ليس عاجزاً عن أداء واجبه تجاه أسرته ووطنه. بينما على العكس من ذلك فالبِطالة هي أحد أسباب التعاسة والشقاء والانحراف، والشعور بالغُبن والاهمال، فينتاب العاطل حالة من اليأس والضعف والهوان، فهل وفَّرت هذه الأحزاب والحركات الهدَّامة فرصاً لعمل الشباب؟! هذا اذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ الشقاء والتعاسة والقهر التي تلازم العاطلين عن العمل تَمتَدّ الى كلّ المحيطين بهم من أسرهم وأقاربهم وأصدقائهم وجيرانهم.
وهنا سوف نأخذ حزب الدعوة العميل كنموذج سيّء للأحزاب الإسلامويَّة المدَّمِرة والهدَّامة التي تأسَّست استكمالاً للمشروع الفارسي الصفوي في تدمير العراق، وتشتيت شعبه، وتفكيك بنيته الاجتماعية، ومن حق أي مواطن عراقي أصيل أن يتساءل باستغراب: ما هو الإسلامي في حزب الدعوة الإسلامي؟!
وللإجابة على هذا التساؤل نقول، لقد تحوّل الاسلام دين الله القيِّم، دين العدل والحقّ والمساواة، الذي اختصر الدين كلّه بالمعاملة، لدى هؤلاء الى هوية وشعار لأهداف سياسية وطائفية مقيتة، من أجل النفوذ والسيطرة بغية الوصول الى السلطة، وتالياً تنفتح لهم خزائن العراق وثرواته، وبعد مرور كل هذه الأعوام على نشأة هذا الحزب العميل للأجنبي، وما يقرب من عشرين عاماً على تسلطهم على رقاب العراقيين، فإنَّنا نجد أنفسنا أمام مجموعة من المعايير الكبرى في الإسلام والتي نستطيع من خلالها القياس والمقارنة فيما اذا كان هؤلاء في حزب الدعوة من الإسلام في شيء أو من عدمه، وهذه المعايير هي:
أولاً: حفظ النفس البشرية وحقن الدماء أو حفظها، حيث أنَّ أعظم الجرائم عند الله تعالى قتل النفس البشرية وازهاق الأرواح دون حقّ، فقد كرَّم الله الإنسان وجعله خليفته في الأرض ليعمِّرها، قال تعالى: (واذْ قالَ رَبُّكَ للمَلائِكةِ إنِّي جاعلٌ في الأرضِ خليفةً) البقرة 30. وقال سبحانه: (من أجلِ ذلكَ كتبنا على بني اسرائيلَ أنَّه مَن قتلَ نفساً بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرضِ فكأنَّما قتلَ الناسَ جميعاً ومَن أحيَاها فكأنَّما أحيَا الناسَ جميعا) المائدة الآية 32. وفي آيةٍ أخرى يقول الحقّ سبحانه وتعالى: (وما كانَ لمؤمنٍ أن يقتلَ مؤمناً الّا خطأً) النساء 92، وأمَّا مَن يتعمَّد القتل فقد توَّعده الله بأشَّد العذاب، حيث يقول تبارك وتعالى: (ومَن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنَّم خالداً فيها وغضبَ اللهُ عليهِ ولعنهُ وأعدَّ له عذاباً عظيما) النساء 93، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يحلُّ دمَ إمريءٍ مسلمٍ يشهدُ أنْ لا اله الّا الله، وإنِّي رسول الله الّا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه مسلم، ونتساءل هنا هل أسهم هؤلاء (دُعاة) التأسلم في حفظ النفوس والأرواح؟ وهل كانوا كما يدَّعون مثالاً لتطبيق مقاصد الشريعة الإسلامية، وسلكوا سلوك آل بيت النبوة؟ والإجابة ليست بحاجة الى اقامة الدليل أو استنباط الحقائق، فأفعال هذا الحزب العميل محفورة في ذاكرة العراقيين من جرائم وحشية بحق الأبرياء منذ سبعينيات القرن الماضي، وازدادت وحشية هذا الحزب ودمويته بعد الاحتلال الغاشم وتسلطه على العراقيين لسنوات طويلة وحتى يومنا هذا، فقد ارتكب عناصر هذا الحزب الإجرامي من المذابح الوحشية التي يندى لها جبين الحرّ، طالت الوطنيين الشرفاء من رجال وماجدات العراق وأبناء القوات المسلحة البواسل والأجهزة الأمنية الأبطال، والعلماء والطيارين وكل العراقيين الأصلاء الذين يعارضون بشدة وجود هذا الحزب العميل غير الشرعي في حكم البلاد والعباد، وكان من جرائمه بحق أبناء الشعب العراقي الأبيّ حملات التشريد والتهجير التي طالت الملايين من أبناء شعبنا الأُباة.
ثانياً: اقامة العدل، وهو من القيم الإسلامية العليا حيث يقول الحقّ سبحانه وتعالى: (انَّ اللهَ يأمركم أنْ تؤدوا الأمانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناسِ أنْ تحكموا بالعدل) النساء 58، وفي آية أخرى يقول رب العِزَّة والجلالة: (اعدِلوا هوَ أقربُ للتَّقوى واتَّقوا اللهَ إنَّ اللهَ خبيرٌ بما تَعملون) المائدة 8، وقوله سبحانه: (ولا يَجرمَّنكم شنآن قومٍ على الّا تعدلوا، اعدِلوا هو أقربُ للتَقوى) المائدة 8، فهل هؤلاء (الأدعياء) نشروا للعدل بعد أن تسلَّطوا على العراقيين؟! فالوقائع التي يعرفها العراقيون، أنَّ هذا الحزب المجرم لم يكن يكترث اطلاقاً بكل معاني العدل والحقّ، وانَّما سار مع مصالحه السلطوية، والانحيازات الطائفية، والرغبات الدنيئة، ومع مصلحة أسياده الفرس.
فقد اعتمدوا سياسة تفضيل مَن ينتمون لهذا الحزب العميل ومَن هُم من أصولٍ فارسيةٍ على حساب الشعب العراقي الذي يَتعرَّض لكل صنوف التجويع والتهميش والتهجير والقتل، من هنا فالعدل يغيب بشكلٍ تامٍّ عن منهج وسلوك هؤلاء الدُعاةِ الأفَّاقين المُخادعين، ويبرز الظلم في كل سلوكياتهم، فهؤلاء ليس لهم شيء في حقوق الناس وحرياتهم وكرامتهم، فهم كانوا يدَّعون الانحياز للشعب العراقي قبل الاحتلال وما إنْ حكموا البلاد حتى بانت سوآتهم، وانكشفت حقائقهم، وزالت أقنعتهم، فالحزب الذي يدَّعي الدين والتديّن عليه أن ينحاز للوطن والشعب، ويحمل ثقافة المجتمع الأصيلة، وأن يحرص على ترسيخ استقرار وأمن ورقيّ المجتمع، والالتزام بمبدأ الحرية وتوظيفها في البناء وليس الهدم والتخريب كما يعمد هذا الحزب العميل، وعليه إن كان فيه ذرة من الدين، أن ينبري لبناء طاقات الأمل والثقة بين الناس وليس تكريس مشاعر اليأس وخيبة الأمل والاحباط في المجتمع. انَّ المعنى الحقيقي للحرية واقامة العدل يَتجسَّد في الاقتراب الحقيقي من واقع المجتمع وهمومه ومشكلاته بما يسهم في دفع الناس للتعامل بروح الانتماء الخالص للعراق، والتعامل بروح الوطنية على أصولها في قضايا الشعب والبلاد الحقيقية، وليس بالولاء لأحفاد كسرى والوقوف معهم والاستعانة بهم ضِدَّ أبناء الشعب العراقي، فهل يفهم هؤلاء الأدعياء معنى الحرية التي صدَّعوا رؤوس الناس بها قبل أن يولِّيهم المحتل السلطة وحكم العراقيين؟!
ثالثاً: البناء والعمران الذي هو جوهر الوجود الإنساني على الأرض والذي جعله الله سبباً لخلق الانسان وهو اعمار الأرض، لقوله تعالى: (هوَ أنشأكم مِن الأرضِ واستعمرَكُم فيها) هود 61، فقد حَثَّ الله على العمل الصالح من أجل عمارة الأرض، وهذه العمارة تشمل كل ما فيه نفع وفائدة للفرد والمجتمع، والمسلم الحقيقي الصالح هو كالغيث أينما حلَّ نفع، أمَّا هؤلاء دُعاة الكذب والفتنة والخراب قد استوى عندهم العمار والخراب والاصلاح بالافساد!، وعمارة الأرض تشمل صوراً عدَّة، فهي تشمل الزراعة والصناعة وكذلك اعمال العقل في كل ما يفيد المجتمع، وورد في الحديث الشريف للرسول صلى الله عليه وسلم ما يؤكد هذا المعنى: (ما مِن مسلمٍ يغرسُ غرساً أو يزرعُ زرعاً، فيأكل منه طيرٌ أو انسانٌ أو بهيمةٌ الّا كان له به صدَقة) رواه البخاري ومسلم، فما هو نموذج حزب الدعوة العميل لتحقيق هذا الهدف الإسلامي؟، وهذا الحديث الشريف يعني بلغة العصر تحقيق التنمية الشاملة، فالشعب العراقي اليوم، ازداد فقراً وجوعاً وحاجة بعد أن أصبح هؤلاء الأدعياء من حزب الدعوة العميل والحركات والأحزاب المجرمة الهدَّامة في السلطة والحكم، وأصبح العراقيون في غالبهم اليوم يعانون نقصاً حاداً في مستلزمات الحياة الضرورية، هذه مجرد نماذج للقيم المهمة في الإسلام التي لم تُقدِّم فيها جماعات التأسلم ودُعاة الطائفية منذ أكثر من تسعة عشر عاماً شيئاً، بل عملت على نقيض هذه القيم الإسلامية الراقية، هذا اذا ما أضفنا اليها ما يمكن أن يقوم به أي حزب يدَّعي الاسلام، وهي الحفاظ على قيم المجتمع وأخلاقه وسلوكياته الرصينة، وجولة في الشوارع الرئيسية والمهمة في العاصمة بغداد الرشيد في أوقات متأخرة من الليل لنكتشف حجم الفساد الذي تحاول هذه الجماعات المجرمة أن تنشره في المجتمع العراقي من خلال دور الملاهي ونوادي الرقص المفتوحة حتى الصباح والتي تعود الى زعامات هذه الأحزاب الفاسدة، أو في هذا الهَوَس الذي أصاب شرائح كثيرة من المواطنين وخصوصاً فئة الشباب منهم في تعاطي المخدرات والادمان عليها والتي استشرت كظاهرة خطيرة تتطلب العلاج السريع، بعد أن أصبحت ظاهرة مُدمِّرة في المجتمع، حيث لم يكن لهذه الظاهرة وجود يذكر قبل أن يتسلَّط هؤلاء الحثالات الشُذاذ بعد الاحتلال الغاشم، انَّما كانت هناك حالات فردية لا تتعدى أن يكون فيها الأشخاص ليس أكثر من وسطاء أو ناقلين لهذه المخدرات عبر الحدود في بعض المحافظات المحاذية لجارة السوء ايران.
وبالعودة لسؤال ما هو الإسلامي في حزب الدعوة الإسلامي؟! نقول، انَّ الإسلام في أهدافهم هو شعارات زائفة يتم بواسطتها تخدير العقول وإلهاب المشاعر بالكذب والخداع والتضليل، هي شعارات جوفاء ضلالية فارغة المضمون والمحتوى، يوظفونها لخدمة مصالحهم الخبيثة وأغراضهم الطائفية والسياسية الشريرة ومصالح أسيادهم في بلاد فارس، غير أنَّ سلوكهم ونهجهم الإجرامي أصبح مفضوحاً ومُعلناً يعرفه القاصي والداني، فقد تبيَّن للشعب العراقي الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
انَّ هذا الحزب اللاإسلامي، والذي لا يدعو للدين والتقوى والهداية، انَّما يدعو للفتنة والقتل والخراب، هؤلاء الأدعياء من الخائنين والمُرتدِّين يريدون بالعراق أن يكون جزءاً من امبراطورية الفرس المزعومة، بل يريدون خاسئين النيل من الأمة العربية، واضعافها، وتحقيق المشروع الفارسي الصفوي الذي يقوم على تفتيت العرب، واضعافهم، والحيلولة دون أن ينهضوا ليلحقوا بركب الشعوب والأمم المتقدمة. في ظل هذا الحزب العميل والحركات والتيارات الصفوية الأخرى، يحتفل الجهل والتخلف والأمية بانتصارهم على العلم والمعرفة والعقل، تلك التي أفنى رجال وماجدات العهد الوطني عمرهم في محاربتها وقد قضوا عليها، لكنَّها تعود اليوم وبقوة بعد أن تسلَّطت أحزاب الخيانة والغدر وميليشياتها المنفلتة على العراق وشعبه الماجد. وفي ظل هذه الحركات الهدَّامة يُذبح الانسان العراقي في الساحات والميادين، والانسان العراقي الشريف والحرّ تُغلق في وجهه الأبواب أينما اتجه، ويُساق الى المعتقلات السريَّة تحت الأرض، والقائمة تطول ولا تنتهي.
انَّ المعركة التي تجري اليوم على أرض الرافدين وسوريا واليمن، هي امتداد لذات المعركة التي خاضها العراقيون ضد الحركات والأحزاب الفارسية والصفوية منذ القرن الرابع الهجري وحتى يومنا هذا، ذات العدو والأدوات، ذات الحلفاء، أمَّا الأصدقاء فقد تواروا للأسف عن المشهد. وانْ توسعت ساحة المعركة كما أسلفنا لتشمل سوريا واليمن ولبنان، فالمطلوب أن يتم استنفار كل القوى الشريفة الحيَّة المناهضة للمشروع الفارسي الصفوي، هذا المشروع الضلالي الطائفي الشرِّير، وأمام هذه التحديات الجسيمة التي يمر بها العراق والأمة العربية يتطلب التمسك بالثوابت الوطنية والقومية، ومنها المشروع العربي النهضوي النبيل، الذي تَبنَّاه العراق وعمل عليه لسنوات، وهو المشروع الذي أفزع الصهاينة والفرس ودفعهم للتآمر على العراق وقيادته الوطنية والقومية والقيام بغزوه واحتلاله.
ومع أنَّ الحديث عن الأحزاب الولائية الحاكمة اليوم، لا يمكن اختصاره بصفحات عديدة، لكنّنا سنكتفي بهذا القدر لعدم الاطالة على القاريء الكريم، وله أن يتأمَّل المزيد من الحقائق في وسائل التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية التي تفضح انتهاكات وجرائم أحزاب حكومة الاحتلال الباغية بحق شعبنا العراقي المهضوم، الذي لن يطول صبره وانتظاره، فالثورة الشعبية الكبرى قادمة لا محالة بعون الله تعالى.
* الغوغاء: سَفَلة القوم وحُثالتهم
الكرامة
شبكة البصرة
الاربعاء 11 صفر 1444 / 7 أيلول 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب


