الليبرالية الغربية بضاعة فاسدة كاسدة
مثلما كان صعود الليبرالية في التسعينات مذهلاً، كانت سرعة انحدارها مذهلة
شبكة البصرة
عبد الواحد الجصاني
الوقائع
الليبرالية الغربية بشقيها الاقتصادي (الرأسمالية وحرية التجارة) والسياسي (الديمقراطية الغربية) هي النموذج السياسي والاقتصادي الذي يسعى الغرب لتثبيته كمحرك أساسي للنظام الدولي ويعتبره معيار قبول بلد ما واحترامه من قبل المجتمع الدولي.
وقد عانت الدول العربية منذ فترة الاستقلال، مثلها مثل دول كثيرة في العالم، من محاولات الغرب فرض الليبرالية الغربية عليها بالترغيب والترهيب، رغم ان هذه النظرية السياسية والاقتصادية غربيّة الطبيعة والمضمون أفرزتها التغييرات التي حصلت في أوروبا في عصر النهضة والثورة الصناعية والاستعمار الكولونيالي، وإنها مثل أي نظرية وضعيّة لا تصلح لكل زمان ومكان، هذا إضافة الى أن النخب الغربية الحاكمة أساءت استخدام الليبرالية في داخل مجتمعاتها وفي علاقاتها مع الدول الأخرى.
وعندما ظهرت الليبرالية كحركة سياسية- اقتصادية في أوروبا خـلال فترة عصـر النهضـة حظيت بشعبية كبيرة كونها قدمت بديلاً مقبولاً للملكية المطلقة المتحالفة بين الاقطاعيين ورجال الدين. ويرى مفكرو الغرب ان الليبرالية الديمقراطية كانت المنتج الرئيسي للتقدم التكنولوجي والرأسمالية القائمة على مبادئ الملكية الخاصة والمبادرة الفردية وحرية العمل والتنقل والمنافسة والعلمانية والبراغماتية التي تعتبر المصلحة مقياس كل شيء. وحصلت اكثر الممارسات الليبرالية نضوجا في بريطانيا في الفترة 1815-1914 وتمثل جانبها السياسي بمبدأ تداول السلطة، وتمثّل جانبها الاقتصادي بنمو النظام الرأسمالي نتيجة الثورة الصناعية وتراكم الثروات من المستعمرات البريطانية.
أدى سقوط الشيوعية وما رافق ذلك من حملات ترويج لليبرالية الغربية الى مسايرة دول كثيرة من العالمين الثاني والثالث للنموذج الليبرالي، وعملت دول كثيرة على تغيير بعض قوانينها وتشريعاتها لتتناغم مع الليبرالية الغربية ولدفع التهمة عن نفسها بعدم احترام القيم الليبرالية.
وشهدت الليبرالية الغربية صعوداً مذهلاً خلال تسعينات القرن الماضي وشطراً من العقد الأول من هذا القرن، فقد أدى سقوط الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي الى إعلان الغرب انتصار الليبرالية بشقيها السياسي والاقتصادي على الشيوعية، واعلن بوش الأب ولادة “النظام العالمي الجديد” بقيادة أميركا، وترافق ذلك مع حملة فكرية وسياسية وإعلامية غربية تعتبر الليبرالية الديمقراطية هي النظام الوحيد الصالح لجميع دول العالم من لحظة سقوط الشيوعية وحتى نهاية التاريخ، وإنه لن ينازعها أي تيار ايديولوجي أو سياسي أو عسكري آخر.
لقد أدى سقوط الشيوعية وما رافق ذلك من حملات ترويج لليبرالية الغربية الى مسايرة دول كثيرة من العالمين الثاني والثالث للنموذج الليبرالي، وعملت دول كثيرة على تغيير بعض قوانينها وتشريعاتها لتتناغم مع الليبرالية الغربية ولدفع التهمة عن نفسها بعدم احترام القيم الليبرالية والديمقراطية والحرية وحقوق الانسان. وجرى ذلك على حساب السياق التاريخي لتطور هذه البلدان سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا.
ومثلما كان صعود الليبرالية في تسعينات القرن الماضي مذهلاً، كانت سرعة انحدارها مذهلة أيضا، ففي داخل المجتمعات الغربية زاد تغوّل الرأسمالية الجشعة وزاد استفراد النخب الحاكمة بالقرار السياسي خلافا لمبادئ الديمقراطية، وجرى تغييب الجماهير من عملية اتخاذ القرارات السياسية الحاسمة وخاصة في مسائل الحرب والسلام.
أمّا في علاقتها مع الشعوب الأخرى، فقد مارست الليبرالية الغربية سياسات غطرسة القوة الغاشمة والاحتلال ووسائل القسر والحصار والتجويع، وسقطت نظرية فرانسيس فوكوياما التي اعتبر فيها انتصار الليبرالية نهاية للتاريخ، فكانت أقصر النظريات السياسية عمراً وأكثرها شططا.
ثم جاءت الحرب الروسية- الأوكرانية لتكشف المزيد من مثالب الليبرالية الغربية. ورأى بعض المفكرين الغربيين إن الحرب الأوكرانية سرّعت سياق انحدار الليبرالية، والحضارة الغربية نفسها، فالركود الاقتصادي الذي سبّبته عقوبات الغرب على روسيا ونقص الطاقة واختلاف دول الغرب حول تقاسم كلفة حرب اوكرانيا، وتصاعد احتمال حصول حرب نووية شاملة تدمّر الحياة على الأرض، إضافة الى زيادة الوعي لدى شعوب الغرب بمخاطر السياسات العدوانية المتغطرسة لنخبهم ولحزب الناتو، كلها أمور قادت الى ظهور بوادر ثورة اجتماعية في الغرب ضد السياسيين المنافقين الذين استخدموا الليبرالية غطاء لتمرير مصالحهم.
ورأى مفكرون في الغرب ان الليبرالية والحضارة الغربية تتدهور لأنها فقدت المصداقية في الداخل والخارج، وإن المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية في الغرب وفي العالم أفقدت الليبرالية صلاحيتها ولم تعد تستجيب لتطلعات شعوب الغرب نفسها، وإن الحضارة الغربية ستفنى اذا لم يكن هناك اجراء يصحح المسار.
لماذا علينا، كعرب، رفض محاولات فرض الليبرالية الغربية على نظمنا السياسية والاقتصادية؟
من قواعد القانون الدولي الراسخة أن يقوم التعاون الدولي على مبادئ احترام السيادة الوطنية والاستقلال والمساواة وعدم فرض الشروط وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمنفعة المتبادلة والحق المتكافئ لجميع الشعوب في العيش الكريم وفي اختيار نظمها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. كما لا يجيز العرف الدولي فرض قيم مجموعة عرقية أو ثقافية على سائر اعضاء المجتمع الدولي.
الليبرالية الغربية تتضمن عناصر وتشريعات تتعارض مع ثقافتنا العربية- الإسلامية، فهي تُحيّد الدين والقيم الدينية، وتحارب المظاهر الدينية، وخاصة الإسلامية، وفرضها على الآخرين عمل مناقض للقانون الدولي.
وبناء عليه فإن محاولات الدول الغربية فرض نموذجها الليبرالي السياسي أو الاقتصادي على الآخرين هو عمل مناقض للقانون الدولي، والعرب أمة كانت مهد الحضارات الإنسانية وأعزها الله بالإسلام وهي غنية بتراثها وتعتز بقيمها ولا يجب أن تقبل أن يعاملها الغرب كتابع له أو حقل تجارب لليبراليته.
وعندما فرض الاحتلال الأميركي نظاماً (ديمقراطياً) على العراق، كان ذلك النظام، ولا يزال، وصفة للفوضى المدمرة وتهديم لقيم المجتمع ونسيجه الاجتماعي وعنصر عدم استقرار للمنطقة والعالم.
إن الليبرالية الغربية تتضمن عناصر وتشريعات تتعارض مع ثقافتنا العربية- الإسلامية. فالعلمانية الغربية، التي هي جزء من الليبرالية، تُحيّد الدين والقيم الدينية، وتحارب المظاهر الدينية، وخاصة الإسلامية كالحجاب.
كما أن الليبرالية الغربية تعطي الأولوية للحرية الفردية غير المحدودة، وهذه (الحرية) المقرونة مع العلمانية وغياب الوازع الديني أدّت الى انهيار منظومة القيم ومزّقت نسيج المجتمعات الغربية، وكان أبرز مظاهر ذلك تفكك الأسرة في الغرب وانتشار الشذوذ الجنسي وما نتج عن ذلك من ضمور ديموغرافي، وتشير الاحصائيات الى أن العنصر الأبيض في الولايات المتحدة ستقل نسبته عن 50% من عدد السكان خلال السنين الخمس القادمة أي أن البيض سيتحولون إلى أقلّية، ونفس المصير ينتظرهم في أوروبا خلال العقود القادمة، بل أن بعض المفكرين الغربيين تنبأوا بموت الغرب ويقولون إن “المرض داخلي وخطير ويتعاظم وهو من صنع أيدينا وأفكارنا وليس بسبب خارجي”.
والليبرالية نظام مفتوح النهايات وعرضة للتفسيرات المتناقضة، فباسم الليبرالية و (تحرير الشعوب) استعمر الغرب العالم وتاجر بالعبيد، وباسم الليبرالية تغوّلت الرأسمالية وزاد الأغنياء غنىً والفقراء فقراً ومورس التمييز العنصري ضد السود والمهاجرين من غير “ذوي العيون الزرقاء”، وباسمها أعيقت التنمية في بلدان العالم الثالث وفرضت عليها شروط مالية مجحفة من خلال المؤسسات المالية الدولية.
ويقرّ أغلب المفكرين المنصفين الغربيين اليوم بحقيقة أن تاريخ الغرب الحديث مليء بالعنف المفرط والنفاق والمعايير المزدوجة، وإن النخب في الغرب استخدمت الليبرالية غطاء لهيمنتها، وأن مبادئ الثورة الأميركية (جميع البشر خلقوا متساوين، وحقوقهم غير قابلة للتصرف) ومبادئ الثورة الفرنسية (الحرية والاخاء والمساواة) لم تكن سوى شعارات براقة خادعة. ويخلص بعضهم الى القول إن “الليبرالية لم تكن إنسانية يوما، ولن تكون عالمية، وهي ليست حتماً تاريخيا”.
كما أن الليبرالية الاقتصادية المتمثلة بالرأسمالية المتوحشة وسيطرة المادّة على الحياة لم تخلق أجواء سلام وتنمية ورفاه، بل كانت ولا زالت تؤجج الصراعات والحروب بين الليبراليين أنفسهم وبين بلدانهم والشعوب الأخرى. فتاريخ أوروبا منذ عصر النهضة هو عبارة عن حروب دائمة، أكبرها الحربان العالميتان الأولى والثانية، وآخرها، وليس أخيرها، حرب اوكرانيا.
كما أن هذه الرأسمالية المتوحشة لم تشجّع السلم الاجتماعي داخل الدول، بل أوجدت طبقات متصارعة، وحتى الشيوعية التي يتفاخر الليبراليون بإسقاطها هي رد فعل من داخل أوروبا على الطبقية التي خلقتها الرأسمالية الليبرالية (ماركس ألماني وأنجلز ألماني).
والليبرالية السياسية المتمثلة بالديمقراطية الغربية تعاني من أزمتين وجوديتين، الأولى داخلية وتتمثل بتغليب إرادة النخبة على الإرادة الشعبية، فارتباط الديمقراطية الليبرالية بالرأسمالية وجماعات المصالح والبنوك وشركات صنع السلاح وأباطرة الإعلام جعل الديمقراطية خاضعة لمصالحهم ولذا تحولت أغلب الديمقراطيات الليبرالية في الغرب إلى نظم شبه ديمقراطية أو حتى إلى نظم حكم الأقلية (أوليغاركية)، فعلى سبيل المثال خرج ملايين الأميركان في جميع المدن الأميركية رافضين الحرب على العراق لكن جورج بوش الابن أخذ برأي المحافظين الجدد وشن حربه العدوانية واحتل العراق وتحملت الولايات المتحدة من التبعات العسكرية والبشرية والقانونية والأخلاقية ما تحملت لإن الليبرالية الأميركية زورت الحقيقة.
الليبرالية الغربية تعطي الأولوية للحرية الفردية غير المحدودة، وهذه (الحرية) المقرونة مع العلمانية وغياب الوازع الديني أدّت الى انهيار منظومة القيم ومزّقت نسيج المجتمعات الغربية، وكان أبرز مظاهر ذلك تفكك الأسرة في الغرب وانتشار الشذوذ الجنسي وما نتج عن ذلك من ضمور ديموغرافي.
والرأسمالية الجشعة جعلت حق المواطن في اختيار ممثليه في السلطتين التشريعية والتنفيذية محدود، بل محدد سلفاً، لإنها تملك المال والإعلام ولا تسمح بصعود من لا يمثلها. ونموذج الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، وهما وجهان لعملة واحدة، دليل على هذه الحقيقة، وأصبح الخيار أمام المواطن الأميركي هو “إن أردت ارنباً فخذ أرنباً، وإن أردت غزالاً فخذ أرنباً” كما يقول المثل الشعبي.
ولذا فإن هذه الديمقراطيات الغربية تشهد حالياً أزمة حقيقية تهدد استقرار نظمها السياسية. وتمثلت أهم مظاهر هذه الأزمة في نمو الروح القومية والاعتزاز بالهويات المحلية، فبريطانيا انفصلت عن الاتحاد الأوروبي وهي ذاتها تشهد محاولات انفصال اسكتلندا وايرلندا الشمالية، وفي بلجيكا الفلمنغ والواليين يريدون الانفصال عن بعضهما، والكتالونيون يريدون الانفصال عن اسبانيا، وكويبك تريد الانفصال عن كندا، وفي الولايات المتحدة يحصل استقطاب كبير بين السكان على أسس عرقية: بيض ولاتين وسود وأميركان اصليين وآسيويين، إضافة الى الاستقطاب الطبقي.
أما الأزمة الخارجية للديمقراطية الغربية فتتمثل في نفاقها الفضوح، فهي تدعو الى احترام حقوق الانسان مجرداً من أي اعتبار خاص بالجنس أو بالعرق أو بالدين أو الطبقة، لكنها في التطبيق تنتهك حقوق الشعوب (من تجارة العبيد الى أبو غريب وغوانتانامو مرورا بإبادة الهنود الحمر) وتستخدم التهديد والتعسف لفرض قيمها على العالم وعلى الاتفاقيات الدولية والقانون الدولي، واستطاع الغرب فعلا تمرير الكثير من المفاهيم الثقافية والاجتماعية للّيبرالية في الوثائق الدولية مثل اتفاقيات حقوق الانسان ووثيقة بكين لعام 1995 الخاصة بالمرأة، واتفاقية حقوق الطفل.
ولننظر الى لا عقلانية الغرب الليبرالي وشعوره بالعلوية والتميز عن الشعوب الأخرى، فهو يطلب من الآخرين اعتبار الممارسة الجنسية خارج الزواج حقاً مشروعاً بينما تعدد الزوجات جريمة يعاقب عليها القانون، ويعتبر الشذوذ الجنسي حق أصيل من حقوق الإنسان، وعندما تتصدى له الدول الإسلامية ودول أخرى رافضة تضمين الوثائق الدولية إشارات الى حقوق (المثليين) ينتفض ممثلوه ويتهمون الدول الإسلامية باحتقار (حقوق الانسان)!
الخلاصة
إن الحضارة الغربية، بكل الإنجازات العلمية والتكنولوجية والصناعية التي حققتها، تسير الآن نحو الانحسار، وأخذت تفقد تدريجيا مقوِّمات حيويتها ونشاطها وقدرتها على المنافسة والإبداع اللازم لاستمرارها، ولا تعترف النخب الليبرالية الغربية بغير إنجازاتها، ولا ترى مستقبلا للإنسانية غير مشروعها الحضاري وغير الليبرالية الغربية. والوقائع تشير الى نقيض ذلك. فهذه الصين نجحت نجاحاً منقطع النظير باعتمادها استراتيجية نابعة من تاريخها وظروفها، واعتمدت (اقتصاد السوق الاشتراكي) لتنمية اقتصادها و (نظام التشاور السياسي لتعاون مختلف الأحزاب تحت قيادة الحزب الشيوعي الصيني) لإدارة شؤونها السياسية.
الانتقال الذي نراه اليوم نحو عالم متعدد الاقطاب تعبير عن حيوية الحضارة الإنسانية وفشل الليبرالية الغربية.
وما نراه في الصين يتكرر، بدرجة أو بأخرى، في بلدان كثيرة خارج المجموعة الغربية كالهند وماليزيا وجنوب افريقيا والبرازيل والارجنتين. وإن الانتقال الذي نراه اليوم نحو عالم متعدد الاقطاب هو تعبير عن حيوية الحضارة الإنسانية وفشل الليبرالية الغربية.
ويتوجّب علينا كعرب أن ننظر بعمق الى المتغيرات المتسارعة في الساحة الدولية وأن نعيد تقييم النظام الدولي الحالي وأسسه الفكرية والسياسية من أجل تحفيز اسباب نهضتنا اعتماداً على عمقنا التاريخي وثرائنا الفكري وثقافتنا ومميزاتنا الجيوسياسية التي تجعل دورنا أساسيا في فترات التغيير الحاسمة لتشكيل نظام عالمي جديد، ومشاركة بقية الشعوب في انتاج البديل الحضاري الذي ينقذ البشرية مما آلت اليه أوضاع العالم في ظل وصاية وهيمنة الليبرالية الغربية.
والله المستعان
وجهات نظر
شبكة البصرة
الجمعة 23 ذي الحجة 1443 / 22 تموز 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فق


