ثأر أمينه رزق.. ثأرنا
بداية نهاية النظام العالمي القديم الأحادي القطب…
شبكة البصرة
السيد زهره
قبل يومين، شاهدت على احد القنوات الفضائية فيلم “ناصر 56”. لا اعرف عدد المرات التي شاهدت فيها الفيلم، ربما عشرين او اكثر. الفيلم لمن لا يعلم يروي قصة ملحمة من الملاحم الوطنية المصرية العربية.. ملحمة تأميم قناة السويس.
في أي فيلم، هناك عادة مشاهد يطلق عليه “ماستر سينز”، أي مشاهد رئيسية تلخص فلسفته وفكرته ورسالته التي يريد ايصالها.
فيلم ناصر 66 به عديد من هذه المشاهد. منها بالطبع مشهد اللحظة التي وقف فيها عبد الناصر في خطابه بمدينة الأسكندرية في 26 يوليو 1956، واعلن: “تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية”. ومنها مثلا مشهد استيلاء المصريين على القناة ونجاحهم في تسيير حركة الملاحة فيها. ومنها مشهد وقوف عبد الناصر على منبر الجامع الأزهر وصيحته: “سنحارب” بعد العدوان الثلاثي على مصر.
غير ان أعظم مشاهد الفيلم على الاطلاق هو مشهد أدته الفنانة الكبيرة امينة رزق بأداء عبقري مذهل. هو في الحقيقة من أعظم المشاهد في تاريخ السينما المصرية.
بعد ان أعلن عبد الناصر تأميم القناة، سيدة مصرية صعيدية، تؤدي دورها امينة رزق، ذهبت الى كل مكان عرفت انه موجود فيه. الى الاسماعلية، والإسكندرية، والقاهرة، مصرة إصرارا شديدا على ان تقابله. بعد ان يئس المسئولون من منعها ابلغوا عبد الناصر فأمرهم بالسماح لها بمقابلته، ثم كان هذا المشهد.
دخلت امينة رزق في هيئة مهيبة حاملة ثوبا قديما رثا وضعته على مكتب عبد الناصر. و قالت: انا صعيدية زيك وهتفهمني. الحكاية بدأت من مئة سنة او اقل. جدي الكبير اخدوه في السخرة (أي للعمل بدون أي مقابل). عرفنا بعد كده انهم اخدوه في حفر القنال واخدوا الاف من شباب البلد. واحد منهم رجع ورجع لنا توب جدي (أي ملابسه التي كان يرتديها). جدي مات في حفر القنال.. مات قتيل. لكن تاره (أي ثأره) مع مين؟ (أي من الذي سيأخذ بثأره؟) لا حكومة تنفع ولا قانون ينفع. استنينا التار سنة ورا سنة وولد(أي ابن) بعد أب. لما سمعتك في الراديو (حين اعلن قرار التأميم) قلت اللي عمله جمال اخد التار ليكي ولكل اللي جدودهم ماتوا في الحفر ودمهم جري في القنال قبل ما تجري الميه. حبيت ابرد قلبي وقلبك واعطيك توب جدي. انت احق واحد بيه.
وينتهي المشهد بعبد الناصر يقف ويصافح السيدة قائلا: البقية في حياتك لترد: حياتك الباقية
أخيرا اخذت بثأر جدها وتقبلت العزاء فيه.
(ملحوظة: حفر قناة السويس بدا في 25 ابريل 1859 واستغرق عشر سنوات، وشارك في عملية الحفر نحو مليون عامل مصري، واستشهد منهم أكثر من 120 ألفاً في أثناء الحفر).
هذا ليس مشهدا تاريخيا وحسب. لا يوثق واقعة تاريخية وحسب. هو مشهد يلخص حكمة التاريخ ويلخص حالنا اليوم.
مهما طال الزمن، الحقوق لا تضيع ودماء الشهداء لا تذهب هدرا.
نحن أبناء الأمة العربية لن ننسى شهداءنا الذي ضحوا بأرواحم دفاعا عن الأرض وعن الأوطان وعنا.. لن ننسى ارضنا التي اغتصبت. لن ننسى ثأرا لنا لا بد ان نأخذه. لن نتقبل عزاء في شهدائنا ولا في ارضنا قبل ان نأخذ الثأر.
سنحفظ ذكرى شهدائنا وارضنا وحقوقنا في ذاكرتنا ووعينا، وسنورث حكاياتهم لأبنائنا واحفادنا جيلا بعد جيل.
لن يغير من هذا شيء أيا كان. مهما حدث لن نيأس ولن نغفر ولن نسلم بالأمر المهين الواقع.
أمينة رزق اخذ عبد الناصر بثأر جدها بعد مائة عام، وتقبلت العزاء فيه.
طال الزمان او قصر سيقيض الله لهذه الأمة من يأخذ بثأر شهدائها وارضها وحقوقها السليبة.
ساعتها سنقف مرفوعي الرأس وسنتقبل العزاء فيمن رحلوا واستشهدوا وضخوا بدمائهم الطاهرة.
شبكة البصرة
الثلاثاء 6 ذي الحجة 1443 / 5 تموز 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


