العرب والعالم وقمة بايدن الديمقراطية (2) العرب وأوهام بايدن التخريبية
شبكة البصرة
بقلم: السيد زهره
* بايدن يكره العرب لكنه عاجز عن اعادة تاريخ أوباما الأسود
* هكذا يجب ان يتعامل العرب مع القمة بلا تهوين ولا تهويل
* دعم القوى المتآمرة سوف يفضحها اكثر ويعمق عزلتها
* ضغوط أمريكية متوقعة على حكوماتنا للحوار مع القوى الطائفية التخريبية
* لهذه الأسباب يتوقع اغلب المحللين فشلا ذريعا للقمة
ناقشت في المقال السابق القضايا المرتبطة بمؤتمر القمة العالمية للديمقراطية الذي سوف ينظمه الرئيس الأمريكي بايدن افتراضيا يومي 9 و10 ديسمبر الحالي. وعرضت ما سوف يناقشه المؤتمر وما سوف يقرره، كماعرضت لمختلف المواقف المتحمسة للقمة والرافضة لها او المتحفظة عليها.
بالطبع السؤال الأساسي الذي يهمنا هو: اين موقع الدول العربية في هذه القمة؟ هل هناك ما يجب ان نخشاه منها وما يمكن ان ينتج عنها؟ وكيف يجب ان تتعامل الدول العربية عموما مع القمة ا في الفترة القادمة؟
هذا ما سنحاول الإجابة عنه.
لكن قبل هذا يجب ان نناقش فرص نجاح هذه القمة أو أصلا او فشلها بشكل عام.
***
نجاح ام فشل؟
بداية وقبل كل شيء من المفهوم انه أيا كانت القرارات التي من المخطط ان تصدر عن القمة، وايا كانت المبادرات او الخطوات العملية التي تقررها، هذا شيء والتطبيق العملي شيء آخر.
بعبارة أخرى، معيار نجاح او فشل القمة لا يتمثل في عقدها في حد ذاته ولا فيما يمكن ان يصدر عنها، ولكن فيما سيحدث في الواقع العملي بعدها وكيف ستنظر اليها مختلف دول العالم وتتعامل معها.
الملاحظ بداية ان كثيرا من المحللين في العالم، ان لم يكن اغلبهم، يتوقعون فشل القمة على الأقل على النحو الذي تتصوره إدارة بايدن وتوقعاتها لما يمكن ان يصدر عنها ولتأثيراتها.
وهذا تقدير صحيح الى حد كبير مبدئيا. واسباب ذلك كثيرة نستطيع ان نلخص أهمها في الجوانب والعوامل التالية:
أولا: ان الخطوة الأساسية التي من المفروض ان تصدر عن القمة كما تخطط إدارة بايدن، وهي تشكيل تحالف دولي من الدول الديمقراطية القائدة كما يقولون، وحتى لو اقرتها القمة بالفعل، فانها في التطبيق العملي لا يمكن ان تتحقق ولا يمكن ان يكون لها قيمة او تأثيير كبيرين.
السبب الرئيسي لذلك ان الدول التي من المفترض ان تشكل هذا التحالف، وفي مقدمتها الدول الغربية الحليفة لأمريكا كالدول الأوروبية مثلا، ومهما قدمت من تعهدات في القمة، فانها في نهاية المطاف سوف تحكم رؤاها هي ومصالحها الخاصة في تعاملها مع مختلف دول العالم.
الدول الأوروبية مثلا ليست على استعداد لأن تدخل في حرب باردة جديدة مع روسيا والصين باسم الديمقراطية الأمريكية وارضاء لرغبة إدارة بايدن في نشر الديمقراطية على طريقتها.
والدول الأوربية مثلا ليست على استعداد لأن ترفع راية العداء السافر للحكومات والدول العربية تنفيذا لأجندة أمريكية باثارة الفوضى والدمار تحت زعم محاربة الاستبداد ونشر الديمقراطية.
بعبارة ثانية، فانه حتى لو تشكل التحالف الذي تريده أمريكا نظريا، فانه سيبقى على الأرجح مجرد حبر على ورق.
ثانيا: ان دول وشعوب العالم التي تستهدفها إدارة بايدن بالمؤتمر وبمشروعها التخريبي تحت دعوى الديمقراطية، وبالأخص الدول والشعوب العربية تعلمت دروسا صعبة مريرة مما فعلته إدارة اوباما بهذا الخصوص.
لسنا بحاجة الى ان نعيد الحديث عما جرى لدولنا العربية في عام 2011 وكيف واجهت مؤامرة اوباما لتمزيق وتخريب الدول العربية واغراقها في الفوضى وتعاملت معها.
المهم هنا ان ادارة بايدن من المفروض ان تفهم انها مهما عقدت من مؤتمرات ومهما قررت ومهما فعلت، فانها لا يمكن ان تعيد تاريخ أوباما من التخريب والتدمير والفوضى في دولنا العربية. ويعيش بايدن وهما كبيرا جدا ان هو تصور ان بمقدوره ان يفعل هذا.
المسألة هنا ان الدول والشعوب العربية تعلمت الدرس وراكمت الخبرات في مواجهة المؤامرات الأمريكية وأصبحت تعرف جيدا كيف تتعامل معها وكيف تحبطها.
بعبارة ادق، اصبح لدينا نوع من الحصانة ضد هذه المؤامرات. ويعني هذا انها مهما قرر مؤتمر بايدن او فعل، لن يغير هذا من الواقع كثيرا.
ثالثا: انه اذا كان من اكبر اهداف قمة بايدن الديمقراطية والمدنية بث الروح من جديد في القوى التخريبية المتآمرة على دولها ومنظماتها التي تزعم السعي للديمقراطية، فقد فات على أمريكا امر حاسم هو ان هذه القوى والجماعات والمنظمات انفضحت وسقطت كل دعاواها ولم يعد لها أي قبول من الشعوب.
في احداث عام 2011 بالذات اكتشفت الشعوب العربية حقيقة هذه القوى والجماعات وحقيقة خيانتها لأوطانها بتآمرها مع دول وقوى اجنبية لتنفيذ اجندات تخريبية لا علاقة لها بديمقراطية او اصلاح.
لهذا حين تريد إدارة بايدن اليوم ان تضاعف الدعم المادي والسياسي والإعلامي لهذه القوى والجماعات التخريبية في الدول العربية والعالم عموما فانها في حقيقة الأمر تفضحها اكثر وأكثر لأنها تكرس القناعة التي ترسخت بالفعل عنها كقوى تخريبية عميلة لا علاقة لها بالتغيير او أي دعاوى ديمقراطية، وبالتالي لن يكون من شأن هذا الدعم سوى ان يعمق عزلتها ويجعلها منبوذة أكثر.
رابعا: ان العالم يتغير. موازين القوى في العالم تتغير لغير صالح أمريكا.
الحادث هنا ان موقع أمريكا كقوة عالمية يتراجع، ولم يعد حتى حلفاؤها يثقون في قيادتها العالمية ولا للمعسكر الغربي نفسه.
بالطبع حدث هذا نتيجة تخبط أمريكا وسياساتها العالمية التي يعتبرها كثيرون كارثية مثلما فعلت في افغانستان مؤخرا.
وفي القلب من هذا التراجع حقيقة ان أمريكا فقدت مصداقيتها تماما كمدافع عن الديمقراطية في العالم، ولم يعد حتى حلفاؤها يثقون في حديثها عن الديمقراطية.
أيضا ساهم في هذا حقيقة الأزمة الداخلية في أمريكا والتي كشفت ضعف وهشاشة الديمقراطية الأمريكية الأمر الذي لا يجعل منها نموذجا يحتذى في هذا المجال كما تزعم باستمرار.
نتيجة كل هذا ان أمريكا لم تعد في نفس موقع قوتها السابق الذي يتيح لها ان تفرض ما تشاء على العالم لا في مجال نشر الديمقراطية ولا في المجالات الأخرى. ومهما قررت او ارادت ان تفعل عبر قمة الديمقراطية، فان قدراتها تبقى محدودة ومقيدة.
على ضوء كل هذه العوامل التي ذكرناها يتضح ان نتائج قمة بايدن الديمقراطية ستكون بالضرورة محدودة والأهم من هذا انه في التطبيق العملي لن يكون لهذه النتائج تاثير كبير.
والحقيقة ان كثيرا من المحللين في أمريكا والغرب يذهبون الى هذا الراي ويجزمون ان القمة ستكون فاشلة ويحذرون من خطر عقدها أصلا.
بعض هؤلاء المحللين يثيرون قضية مهمة وهي ان التأثيرات السلبية للقمة اكثر من نفعها بكثير، وان الادارة الأمريكية ترتكب خطأ استراتيجيا جسيما بتقسيمها للعالم بين دول ديمقراطية وغير ديمقراطية.
على سبيل المثال، توقع الخبير في الاقتصاد السياسي المنسق العام لمنظمة “بروجريسيف إنترناشيونال” ديفيد آدلر، والباحث في دراسات الحرب والسلام بجامعة كولومبيا ستيفين ويرثيم، أن “تفشل القمة” في تحقيق أهدافها.
وقال الخبيران في مقال مشترك بصحيفة “الجارديان” البريطانية، أن القمة “تنذر بدفع السياسة الخارجية الأميركية قدماً في المسار الفاشل الذي يُقسِّم العالم إلى معسكرين متعاديين، مانحاً بذلك الأولوية للمواجهة بدلاً من التعاون”. واضافا إنه “إذا أراد بايدن أن يفي بوعده في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، فإنه على إدارته تجنُّب إعادة خلق مشكلات القرن العشرين”، مؤكدين أنه “فقط من خلال الحد من معاداة الدول الواقعة خارج ما يسمى بـ(العالم الديمقراطي)، يمكن للولايات المتحدة أن تنقذ ديمقراطيتها”.
واعتبر الخبيران، أن القمة المرتقبة تفترض وترسِّخ تقسيم الأرض بين دول العالم الحر، والبقية، بشكل ينعش “خريطة ذهنية” قديمة، صاغها صانعو السياسة الخارجية الأميركية قبل نحو 8 عقود خلال الحرب العالمية الثانية.
***
العرب والقمة
هلي يعني كل ما ذكرناه ان الدول العربية ليس لها ان تخشى شيئا من القمة، وانها يجب ن تتجاهلها ولا تتحسب لشيء؟
الإجابة قطعا: لا
بغض النظر عن النتائج التي ستسفر عنها القمة وما يمكن ان تقرره، وبغض النظر عما يمكن ان يحدث في التطبيق العملي فيما بعد القمة، فان مجرد عقدها في حد ذاته امر يدعو للقلق ويدعو الدول العربية الى ان تكون لديها قراءة صحيحة للحدث.
مجرد ان تعيد إدارة بايدن رفع شعارات نشر الديمقراطية في العالم وتعقد القمة من اجل هذا، ومجرد ان تعلن عزمها احتضان وتشجيع ومضاعفة تمويل القوى والمنظمات التخريبية تحت ذريعة الديمقراطية والمجتمع المدني. مجرد هذا من شأنه ان يعطي دفعة معنوية كبيرة لهذه القوى والمنظمات والجماعات.
ويعني هذا اننا يجب ان نتوقع في الفترة القادمة ان تقوم هذه الجماعات التخريبية بإعادة احياء حملاتها ضد الحكومات والدول العربية، وان تعيد طرح اجنداتها المعروفة الطائفية والرامية الى تدمير الدولة ومؤسساتها واغراق المجتمع في الفوضى متسلحة في هذا بالدفعة الأمريكية الجديدة وبالأموال الاضافية التي سوف تتلقاها.
هذا امر ينبغي لحكوماتنا والجهات المعنية ان تتحسب له.
يرتبط بهذا ان المؤتمر بأجندته المعلنة سوف يعطي دفعا كبيرا جدا للمعاهد والمؤسسات والمنظمات الضالعة في مخططات التخريب في الدول العربية تحت دعوى الديمقراطية. هذه المنظمات التي تحتضن الجماعات والقوى التخريبية وتروج لأجندتها ولأنشطتها سياسيا واعلاميا.
هذا عامل سوف سيسهم بدوره في تشجيع هذه القوى على إعادة أنشطتها وحملاتها.
جانب آ خر مهم ينبغي ان نتنبه له.
الكل يعرف ان الرئيس الأمريكي بايدن يكن كراهية وعداء للدول العربية عموما ولدول الخليج العربية خصوصا. هو في هذا يسير على نهج رئيسه السابق أوباما. ومواقفه وتصريحاته التي تكشف هذا العداء معروفة ومعلنة منذ وقت طويل.
صحيح انه من الملاحظ ان بايدن في الفترة الماضية يتردد في الإفصاح علنا عن هذه المواقف بحكم المصالح الأمريكية، لكنها موجودة ومتأصلة لديه شخصيا.
هذا يعني في تقديرنا ان بايدن سوف يستغل عقد هذه القمة، وايا كانت نتائجها، لتحقيق امرين فيما يتعلق بالدول العربية بالذات:
الأول: دفع وتشجيع المؤسسات والمنظمات الأمريكية الضالعة في مشروع احتضان القوة التخريبية والمتآمرة وفي مشروع تخريب الدول العربية تحت شعارات الديمقراطية الى إعادة اطلاق حملاتها المشبوهة على الدول العربية وتصعيد دعمها للقوى الجماعات التخريبية. نتحدث هنا عن مؤسسات مثل مؤسسة الوقف الديمقراطي والمعهد الجمهوري والمعهد الديمقراطي وهيومان رايتس ووتش وامثالها.
الثاني: نتوقع ان تحاول إدارة بايدن في فترة ما بعد المؤتمر ممارسة ضغوط على الدول العربية لدفعها لاتخاذ خطوات معينة تحت دعوى الدمقراطية والحريات والإصلاح واشراك المعارضة وما شابه ذلك.
نتوقع مثلا ان تطالب إدارة بايدن الدول العربية بفتح حوار مع القوى التخريبية التي سعت الى تنفيذ اجندات الخراب في 2011 واشراكها في العملية السياسية.
لسنا بحاجة الى توضيح ما تنطوي عليه مثل هذه المطلبات من نوايا شريرة خبيثة.
***
بلا تهوين ولا تهويل
على ضوء العرض الذي قدمناه يمكن ان نخلص الى ان الدول العربية يجب ان تتعامل مع قمة بايدن الديمقراطية بلا تهويل ولا تهوين في نفس الوقت.
ليس هناك ما يدعو الى الفزع او الخوف مما يمكن ان ينتج عن القمة. ومن الخطأ في نفس الوقوت تجاهلها وعدم الاكتراث بها والتفكير في كيفية التعامل مع نتائجها.
ومبدئيا يجب تأكيد ان هذه القمة وايا كان ما ينتج عنها ليس ملزما للدول العربية ولا لأي دولة في العالم في شيء.
هذه قمة تخص إدارة بايدن وأجندتها الاستعمارية العالمية ومصالحها الخاصة في صراعها مع القوى العظمى وخصوصا مع روسيا والصين. وبالتالي فهلا لا تعني الا أمريكا وحدها ولا تلزم أي احد في العالم بشيء.
ومع هذا، هناك عدة مهام ملقاة على عاتق الحكومات العربية تحسبا لما يكن ان ينتج عن المؤتمر من تأثيرات سلبية وفي مواجهة ما يرتبط به من نوايا عدوانية تخريبية، في مقدمتها ما يلي باختصار شديد:
1- المتابعة الدقيقة لأنشطة وتحركات القوى والجماعات التخريبية المتآمرة في الفترة القادمة بعد المؤتمر والحزم الشديد في التعامل معها على كل المستويات الأمنية والسياسية والإعلامية.
هذه القوى سوف تتلقى دعما جديدا من إدارة بايدن وسوف تسعى لاعادة احياء اجنداتها ومشاريعها التخريبية، ويجب التصدي بشدة لهذه المحاولات بعد كل ما عانته دولنا ومجتمعاتنا.
2- الرفض القاطع الحاسم لأي ضغوط قد تمارسها إدارة بايدن واي طلبات تطرحها من قبيل ما اشرنا اليه من دعوات مشبوهة لفتح حوار مع القوى التخريبية واشراكها في العملية السياسية.
بعد تجربتنا المريرة مع مؤامرات أوباما، والثمن الفادح الذي دفعناه بسبب دعمه لأجندة هذه القوى الطائفية المتآمرة، فان أي طلب امريكي بهذا الخصوص يجب ان يكون مرفوضا بلا نقاش أصلا.
3- ويبقى كما كتبنا مرارا ان المهمة الأولى والأكبر التي تظل ملقاة على عاتق الحكومات العربية في مواجهة كل هذه هي تقوية الجبهة الداخلية وبناء مؤسسات الدولة القوية بكل ما يعنيه ذلك ويتطلبه على كل المستويات.
هذا هو الذي يضمن الحصانة في مواجهة أي مؤامرات او مخططات تستهدف دولنا ومجتمعاتنا.
شبكة البصرة
الاحد 1 جماد الاول 1443 / 5 كانون الاول 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


