-{{{{{{داروسيا..............................................................إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ........................................................................... ولا بد لليل ان ينجلي وللجهل ان ينحسر؟؟؟!!!..................................................................................... بعناتا}}}}}}
(((( مسجد الاقصى يناديكم )))) ------=========================================================

محمد ﷺ: حين وُلد التاريخ العربي من جديد

محمد ﷺ: حين وُلد التاريخ العربي من جديد
محمد ﷺ: حين وُلد التاريخ العربي من جديد

أبو محمد عبد الرحمن

ليس كل ميلاد في التاريخ حدثًا عابرًا؛ بعض الولادات تُصبح شرارة لتغيير مصير أمة، وبعضها يغيّر الوجهة الفكرية للعالم بأسره. ميلاد محمد ﷺ كان واحدًا من هؤلاء، لم يكن مجرد لحظة في بيت بمكة، بل زلزالًا في وعي العرب، لحظة انفجار في الوجدان الجمعي، تصنع أفقًا جديدًا للأمة، وللعالم بعدُ أفقًا آخر.

لقد جاء امتدادًا لسلسلة رسالات نورانية ربانية أضاءت للبشرية طريقها عبر العصور، ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، النقطة التي التقت عندها السماء بالأرض في مشروع حضاري غير مسبوق.

وللأسف، كثير من الكتاب يُختزلون في وصف جسمه أو طوله أو لونه، وكأن العظمة تكمن في هذه التفاصيل، بينما الحقيقة أن العظمة الحقيقية تكمن في التحول التاريخي والفكري الذي أحدثه، في قلب الأمة، وفي إعادة رسم مسارها الحضاري للعالم كله.

العرب قبل الرسالة

قبل الرسول محمد ﷺ، كانت الجزيرة العربية متشرذمة قبليًا، كل قبيلة تعيش في صراع مع الأخرى، تتنازع على الماء والموارد، وتحكمها العصبية الضيقة، دون أي مفهوم للأمة بالمعنى الجمعي. عقائدهم كانت أسيرة الوثنية، وطقوسهم محكومة بالخرافات. المدن الكبرى كانت على تماس مع حضارات كالفرس والروم، فتداخل النفوذ الخارجي مع الفراغ الروحي المحلي، ليجد العرب أنفسهم محكومين داخليًا وخارجيًا في آن واحد.

اقتصاديًا، كانت التجارة مزدهرة جزئيًا، لكنها متقطعة ومحصورة ضمن الطرق القبلية، دون أي مشروع اجتماعي أو سياسي يربط الموارد لصالح الأمة ككل. العرب قبل محمد ﷺ كانوا أمة على حافة الفراغ والاضطراب، يمهد هذا الوضع لظهور شخصية استثنائية قادرة على قلب المعادلات.

الزلزال النبوي والتحوّل الثوري

محمد ﷺ لم يأتِ كواعظ أخلاقي فقط، بل كمهندس لوعي حضاري، يحول العرب من قبائل متناحرة إلى أمة موحدة، تحمل هوية جديدة قائمة على التوحيد والعدل الاجتماعي. الفرد لم يعد تابعًا لقبيلته فحسب، بل أصبح جزءًا من كيان أوسع، له حقوق وواجبات، وضميره مرتبط بالقيم الإلهية العليا.

هذا التحوّل لم يكن بلا مقاومة؛ صراع بين التقاليد القديمة والدعوة الجديدة كان حاضرًا، بين الولاء للقبيلة والانتماء للأمة، بين النفوذ الخارجي والحرية الداخلية. ومع ذلك، قوة الرسالة للرسول ﷺ وفكرها الفريد كفلت تجاوز هذه المقاومة، وفتح آفاقًا جديدة للأمة العربية والعالم.

الأثر الجدلي والعقائدي والاجتماعي

الرسالة لم تغير سلوك العرب فحسب، بل هزت جذور وعيهم. عقائديًا، انتقل العرب من الوثنية إلى التوحيد، فظهر مفهوم المسؤولية الفردية والجماعية، وربط الوعي الديني بالعدالة الاجتماعية والسياسية. اجتماعيًا، تفكك النظام القبلي التقليدي، وأصبح الولاء مرتبطًا بالقيم المشتركة والهوية الجماعية الجديدة.

الرسالة أثارت جدلية مستمرة، لكنها أسهمت في نضج الفكر العربي وبناء صيغ جديدة للتعامل مع السلطة، المجتمع، والدين. محمد ﷺ لم يكن مجرد قائد ديني، بل مهندس وعي شامل، قادر على تحويل التوتر الداخلي إلى قوة دافعة للتغيير، وجعل الأمة العربية والعالم أكثر وعيًا بمصيرهم ومسؤوليتهم.

الخاتمة: لحظة الانعطاف الكبرى

محمد ﷺ لم يغيّر التاريخ العربي فحسب، بل أعاد تعريف الزمن ذاته للأمة. ميلاده ﷺ كان انطلاقة لإيقاع جديد للعقل والروح، حيث أصبح الفرد والجماعة، الأرض والسماء، الماضي والمستقبل، كلهم مرتبطين برؤية جديدة للوجود.

ظهرت الثورة الحقيقية: إعادة صياغة الإنسان وفهم دوره في العالم، ليستمر في بناء ذاته ومجتمعه وفق قيم العدالة، الحرية، والمسؤولية. ما يدهش في تجربة محمد ﷺ هو قدرتها على تجاوز حدود المكان والزمان، وما بدأ في صحراء العرب أصبح إرثًا حضاريًا للأمة العربية والعالم.

محمد ﷺ لم يكن مجرد شخصية تاريخية، بل معيار للحضارة والوعي الإنساني، نقطة ارتكاز، وزلزال روحي وفكري يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومصيره، بين المجتمع والمعنى، بين الأرض والسماء.

وفي الختام، نؤكد صدى الفكرة التي قالها أحمد ميشيل عفلق: “كان محمد كل العرب، فليكن اليوم كل العرب محمدًا”، ليتحول الفكر والضمير، الروح والهوية، إلى صدى مشروعه الحضاري.

وقال أيضاً “العروبة جسد روحها الإسلام”، لنصنع بها حاضرنا ونصوغ مستقبلنا، مع لمسة من النكهة التي تجمع بين التاريخ والفلسفة والوجدان العربي.

الموقع رأي حر الموقع لا يتحمل ما يكتبه الكتاب
كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب