-{{{{{{داروسيا..............................................................إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ........................................................................... ولا بد لليل ان ينجلي وللجهل ان ينحسر؟؟؟!!!..................................................................................... بعناتا}}}}}}
(((( مسجد الاقصى يناديكم )))) ------=========================================================

حدث في 1948.. مجزرة الطنطورة

حدث في 1948.. مجزرة الطنطورة

شبكة البصرة

سيلفان سيبيل* – أوريان 21

في العام 2000، كشف باحث إسرائيلي اغتيال أكثر من مائتي مدني فلسطيني على يد القوات الإسرائيلية في قرية الطنطورة. بيد أن هذا الاكتشاف التاريخي بقي موضوع تكذيب، وتعرّض صاحب هذا الكشف إلى حملات القذف والنبذ والتهميش من الجامعة التي يدرس فيها. ولكن، بعد عشرين عامًا، يأتي فيلم وثائقي ليؤكد مكتشفات عمله: لقد حدثت مجزرة الطنطورة فعلاً.

كان ذلك في العام 2000، وكانت إسرائيل تشهد قضية على غرار تلك القضايا التي تظهر بين الحين والآخر: “قضية كاتس” بالنسبة للبعض، و”قضية الطنطورة” بالنسبة للبعض الآخر. ولم تثر القضية اهتماما أكثر من عدد قليل من المتخصصين، ولم تتصدر عناوين الجرائد. لكنها سرعان ما أثارت سجالات عامة. كتب طالب في جامعة حيفا –لم يكن شابا بالضبط- اسمه ثيودور (تيدي) كاتس، أطروحة ماجستير حول ما جرى في الطنطورة، وهي قرية صيادين فلسطينية تبعد 20 كيلومترا عن حيفا، يوم 23 أيار (مايو) 1948، أي بعد ثمانية أيام بالضبط من إنشاء دولة إسرائيل، حين كانت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى قد بدأت بالكاد.

“لم أستطع تحمل ذلك”

بعد سنتين من البحث، استنتج كاتس أنه بعد انتهاء معركة قصيرة انتصرت فيها القوات الإسرائيلية، ارتكبت جريمة في هذه القرية قامت بها الكتيبة 33 من لواء الإسكندروني البلماح، وهي ميليشيا النخبة المسلحة للحركة العمالية المهيمنة في ذلك الوقت في المعسكر الصهيوني، حيث لن يتم إنشاء الجيش الإسرائيلي رسميا إلا بعد أسبوع من ذلك. ويتحدث جميع الناجين الفلسطينيين الذين أصبحوا لاجئين، والذين التقى بهم كاتس، عن مذبحة حصلت خارج أي قتال. ويتحدث معظمهم عن أخ أو أب أو ابن أو زوج “أخذ ولم يعد أبدا”. ويقول شلومو عنبار، الذي كان ضابط صف في ذلك الوقت (سيصبح جنرالا فيما بعد) وصل إلى المكان بعد المذبحة، لكاتس: “عندما رأيتُ ما فعله الجنود، لم أستطع تحمل ذلك، وغادرت”. لكنه رفض في وقت لاحق الإدلاء بشهادة لصالح الباحث.

كان كاتس آنذاك عضوًا في أحد الكيبوتسات من الفئة الأكثر يسارية في إسرائيل. وكان أيضًا يناضل في حزب اليسار الصهيوني “ميرتس”. وأجرى الطالب مقابلات مع 135 شخصا، من بينهم 65 من سكان القرية السابقين (كثيرون منهم أصبحوا لاجئين في الضفة الغربية) و20 عضوا في اللواء الإسرائيلي، بالإضافة إلى ضباط كبار وأشخاص من محيط الطنطورة، من الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين. كانت القرية التي عمل كاتس على كشف مصيرها تضم 1.500 نسمة. ومن أجل تسريع عملية طردهم، بحسب كاتس، قام الجنود الإسرائيليون أولاً بفصل النساء والأطفال وكبار السن عن الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و50 عاماً. وبعد عدة عمليات تدقيق، توصل إلى أن 90 منهم قتلوا على الشاطئ، بينما قُتل الكثير من الآخرين في الشوارع -أو حتى داخل منازلهم. وقد دافع الطالب عن أطروحته في آذار (مارس) 1998، وحصلت على درجة عالية، 97 من 100، من لجنة تحكيم الجامعة.

لواء أسطوري من “حرب الاستقلال”

في كانون الثاني (يناير) 2000، تطرقت صحيفة “معاريف” إلى عمل كاتس، وأعطت الكلمة لضباط اللواء الإسرائيلي من الذين ما يزالون على قيد الحياة. وقام هؤلاء بإدانة ما وصفوه بأنه عمل “مزيف”. وقدم جميعهم نفس الرواية: كانت هناك معركة، معركة حقيقية، ولكن لم يتم ارتكاب مجزرة. وقاموا بمقاضاة كاتس بتهمة التشهير.

لن نتوقف لاستعراض تفاصيل هذه المعركة غير المتكافئة بين المؤرخ المبتدئ والقوة التي يشكلها قدامى المحاربين في لواء أسطوري في “حرب الاستقلال” الإسرائيلية. كان كاتس وحيدا. وسرعان ما تكالبت الهجمات عليه من جميع الجهات. وبسبب جملة لم تكن صياغتها جيدة، والتي لا علاقة مباشرة لها بالوقائع المشار إليها، اتهم محامو المدعين طالب الدكتوراه الصغير بتلفيق عمليات تزوير. وتعرضت زوجته باستمرار لمضايقات عبر الهاتف: “يا عاهرة، سترين ماذا سنفعل بك وبزوجك الخائن”. وانهارت الزوجة. وتمكن خصومه من إقناع تيدي كاتس بالتحدث معهم في غياب محاميه. وعرضوا عليه “تسوية”: يتراجع عن أطروحته وسيسحبون شكواهم. وكانت زوجته تؤيد ذلك. وأشار الطرف الخصم إلى أن لا يستخدم كاتس في أطروحته كلمة “مجزرة”، بل يتحدث عن “قتل جماعي”. ولذلك، لن يكون لديه سبب لعدم التراجع، كما قال له خصومه. واستمر الأمر لساعات. وأخيرا، وقّع كاتس، الذي واجه محامي الطرف الخصم وحده، على نص اعترف فيه بأنه “زوّر الشهادات بشكل منهجي”. وأضاف أنها “لم تُرتكب أي مذبحة على يد جنود كتيبة الإسكندروني”. ولم يخبر بذلك حتى محاميه.

عاد كاتس بعد ذلك إلى منزله ولم ينم طول الليل. وفي اليوم التالي، مثل أمام المحكمة وأخبر القاضية بأنه مر بـ”لحظة ضعف” وبأنه ينكر الاعتراف الذي وقّع عليه. لكن الأوان كان قد فات. عادت القاضية بعد تعليق الجلسة لمدة ساعتين لتعلن صحة الإقرار الذي وقعه كاتس. وانتهت المحاكمة، وشرب أعضاء لواء الإسكندروني نخب انتصارهم. لم تعد هناك حاجة لكي يسافر الناجون الفلسطينيون الذين كان من المقرر أن يأتوا للإدلاء بشهادتهم وتأكيد أطروحته الأولى. ولم تستمع إليهم أي محكمة على الإطلاق، بينما انتشت الصحف بنشر التصريح الذي

وقّع

عليه كاتس. وتوجه الطالب البائس إلى المحكمة العليا لطلب استئناف المحاكمة لكن قوبل طلبه بالرفض. وجعلت جامعته منه منبوذًا وأُبطلت أطروحته –فهو مزور! وقامت الجامعة بعد ذلك بطرد إيلان بابي من صفوفها، لكونه الأستاذ الوحيد الذي دعمه علناً.

في العام 2005، بدأتُ كتابي المعنون “المطمورون، المجتمع الإسرائيلي في طريق مسدود” (2006) بسرد هذه القصة. فقد بدت لي مثالاً بليغاً للعلاقة الرسمية الإسرائيلية مع ماضي البلاد، وهي علاقة محكومة منذ البداية بإنكار الوقائع والحقائق. وقد التقيت بكاتس وبابي مطولاً. كان كاتس، الذي كان ينظر إلى نفسه دائمًا على أنه صهيوني متحمس، لكنه ملتزم بالحقيقة التاريخية، رجلاً محطمًا. أما بابي، فقد كان في حالة خيبة أمل، حيث بدا له أن المجتمع الإسرائيلي غير قادر على تجاوز الإنكار والأكاذيب. وقد غادر إسرائيل بعد ذلك بقليل لمواصلة مسيرته المهنية كمؤرخ في جامعة بريطانية.

مر أكثر من عشرين عامًا على ذلك. وفي 2022، ظهر في إسرائيل فيلم وثائقي معنون ببساطة “الطنطورة”، من إخراج ألون شفارتز، بمساعدة المؤرخ آدم راز. ويقدم هذا الفيلم شهادات للعديد من جنود لواء الإسكندروني بعد أن تجاوز جميعهم عمر 90 عامًا، يقولون فيها علنًا أن كاتس كان على حق: لقد ارتكب لواؤهم بالفعل مذبحة في الطنطورة في 23 أيار (مايو) 1948.

“كنت قاتلا”

يُقدر المدعو ديامانت، من سكان المدينة القريبة من زخرون يعقوب والذي كان متواجدًا في المكان، عدد القتلى بأكثر من 200. لماذا لم يقل أيَّ شيء عن هذا من قبل؟ يجيب: “لم أر شيئًا، ولم أسمع شيئًا”. ويضيف: “طبعًا، كنا جميعا نعرف” -في إشارة إلى الجنود الآخرين الذين التزموا الصمت أو أنكروا في العام 2000، مستشهدًا بأن قاعدة الصمت والإنكار كانت من مكونات جرائم ذلك الوقت. يتذكر اليوم الجندي أميتزور كوهين سلوكه آنذاك ويقول في الفيلم: “كنت قاتلاً، لم أكن آخذ أي سجناء”. كم رجلاً قتل؟ “لم أحسب. كان لدي رشاش به 250 رصاصة في المخزن. لا أستطيع أن أعرف كم قتلت”. ويشرح الجندي ميشا فيتكون أنه رأى أحد الضباط، ناخمان كرمي، “وهو رجل مجنون قليلاً، (…) يطلق النار على عربي تلو الآخر بمسدسه بارابيلوم”. وكان لكرمي هذا مسار مهني ناجح في وزارة الدفاع. ويروي الجندي حاييم ليفين كيف اقترب زميل من مجموعة مكونة من 15 إلى 20 فلسطينيًا، وكان يحمل سلاحًا رشاشًا في يده، و”قتلهم جميعًا”. ويتحدث آخر عن الجنود الإسرائيليين الذين “كدّسوا الناس في برميل ثم أطلقوا النار عليهم. أتذكر الدم الذي كان يتدفق من البرميل”. باختصار، بقدر ما كانت مجزرة، فقد كانت أيضا “بوغروم”** وحشي.

كان الفيلم الوثائقي حجة دامغة، خاصة ضد القاضية درورا بيلبال التي أنهت المحاكمة ومنعت الاستماع إلى الشهود الفلسطينيين، والتي أقرت، بعد مرور 22 عاما وبعد فوات الأوان، بأنها ربما تصرفت بشكل سيئ.

تم، كما يُتصور، تدمير الطنطورة بسرعة كبيرة من قبل إسرائيل، كما كان حال عدة مئات من القرى الفلسطينية الأخرى. وقد أقيم على أراضيها كيبوتس “نحشوليم” وشاطئ يحظى بشعبية كبيرة لدى السباحين الإسرائيليين، وهو “دور بيتش”. مَن منهم يعرف أنه تحت هذه الرمال الناعمة، هناك عدد غير معروف من الفلسطينيين المدفونين، من بين الذين قُتلوا في مذبحة ارتكبتها بدم بارد قوات النخبة الإسرائيلية؟ في أطروحته، يسأل تيدي كاتس شاهدًا يهوديًا، موتيل سوكولر، وهو مدني تم استدعاؤه لدفن جثث الضحايا الذين تم اقتيادهم إلى الشاطئ، كم كان عددهم. وأجاب الرجل بأنه “توقف عن العد” بعد 230 جثة.

بلد وُلد من الخطيئة

تم عرض هذا الفيلم الوثائقي نهاية شهر كانون الثاني (يناير) 2022 في الولايات المتحدة في مهرجان “صندانس” الذي أنشأه الممثل روبرت ريدفورد، حيث لاقى استحسانًا. وهو يضع حدًّا نهائيًا للجدل والإنكار المثيرين للشفقة للمؤرخين الإسرائيليين الرسميين. وهو بالطبع انتصار لتيدي كاتس، الرجل الذي كشف النقاب عن الجريمة. لكنه انتصار تحقق بثمن باهظ. ويبقى أن نلاحظ هذا النزوع لدى بعض الفاعلين أو الشهود اليهود الإسرائيليين لحرب 1948 الذين يبدو أنهم يريدون، بعد أكثر من 70 عامًا، وهم يقتربون من ساعة رحيلهم، تطهير ضمائرهم قليلاً قبل أن يختفوا. قضى يعقوب شاريت، نجل موشيه شاريت (الذي كان رئيساً لوزراء إسرائيل بعد ديفيد بن غوريون)، معظم حياته المهنية في الـ”شين بيت”، الجهاز الخاص المكلف بشكل أساسي بقمع الفلسطينيين. وفي أيلول (سبتمبر) 2021، صرّح لصحيفة “هآرتس” اليومية: “وُلدَت إسرائيل من الخطيئة. لقد عملتُ لصالح بلد مجرم”. وكان عمره حينها 95 عاما، وقال إنه أصبح بصفة نهائية “مناهضًا للصهيونية”.

الاحد 26/11/2023

*صحفي وعضو سابق في رئاسة تحرير صحيفة “لوموند” ومدير سابق لمجلة “كوريي أنترناسيونال”، وهو مؤلف كتاب “المطمورون، المجتمع الإسرائيلي في طريق مسدود”، من منشورات لا ديكوفيرت 2006.

هامش:

**بوغروم كلمة روسية تشير في الأصل إلى شكل من أشكال العنف الجماعي الموجه ضد جماعة معينة، سواء كانت عرقيه أو دينية أو غيرها، ويشمل هذا العنف تدمير المنازل والمتاجر والمراكز الدينية. ترجم المقال من الفرنسية حميد العربي.

الغد الاردنية

شبكة البصرة

الاثنين 13 جمادى الاول 1445 / 27 تشرين الثاني

الموقع رأي حر الموقع لا يتحمل ما يكتبه الكتاب
كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب