كوريا الشمالية: التحدي ورد الفعل الدولي
شبكة البصرة
الدكتور سعد ناجي جواد
ما تفعله كوريا الشمالية الآن، بل ومنذ مدة ليست بالقصيرة لابد وأن يُثير مشاعر مختلطة لدى شعوب العالم الثالث، وبالأخص الشعب العربي وبالذات العراقيين منهم. الشعور الأول هو بالغبطة لمشاهدة دولة صغيرة تتحدى كل من يحاول أن يُحجمها، وخاصة القوة العالمية التي فعلت ما فعلته، وما تزال تفعله بحق بلدان العالم المختلفة وشعوبها، ومرت كل جرائمها دون رد مناسب. الشعور الثاني ربما يكون مليء بعلامات الإستفهام على الطريقة التي تتعامل فيها الولايات المتحدة والدول الغربية مع كوريا الشمالية بعد كل التحدي الذي تبديه، وعدم الإهتمام بالتهديدات والعقوبات والتحذيرات التي توجه لها.
لكن ما دفعني لكتابة هذه السطور هو ليست المشاعر التي ذكرتها أعلاه، لأني أعلم إن كل هذه الإنجازات الكورية تاتي على حساب حقوق الإنسان وحرية ورفاه الشعب الكوري الشمالي، ولكن ما أثارني هو الأخبار الأخيرة التي قالت إن بيونغ يانغ أطلقت صاروخاً عابراً للقارات سقط قرب اليابان، وقبلها ستة صواريخ مرَّ قسمٌ منها فوق كوريا الجنوبية وكل ما فيها من قواعد عسكرية أمريكية، وآخر فوق سماء اليابان الدولة الحليفة للولايات المتحدة والتي هي الأخرى تأوي قواعد أمريكية أيضاً.
وهذه الحالة التي مرت وسط ردة فعل أمريكية وأوربية باهتة، وصلت الى حد تجاوز الإعلام الأمريكي والغربي عليها، ذكرتني بالضجة الكبيرة التي أحدثتها واشنطن ولندن وتل ابيب حول العراق، بعد نهاية الحرب مع إيران، بل وقبل ذلك أيضاً. وأهمها الأكاذيب التي أُعتُبِرَت حقائق دامغة عن إمتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وصواريخ بقدرات نووية يمكنها الوصول الى لندن وأجزاء من الولايات المتحدة، وطائرات قادرة على الوصول الى عواصم أوربية وقصفها، الى غير من ذلك من أكاذيب وتخيلات وتلفيقات صدقها العالم، لأن الإعلام الغربي القادر على ترويج الأكاذيب وحتى بعض الصحف الرصينة والمحترمة منها قد روج لها، والأخطر صدقتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالذات ووافق على شن الحرب على العراق في عام 1991
وللتذكير فإن هذه الأكاذيب لم تأتِ على لسان أشخاص عاديين وإنما جاءت على لسان أعلى القيادات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية، وزير الخارجية الأمريكي كولن باول مثلاً تحدث بثقة مع عرض صوروبدون خجل عن هذه الأكاذيب في مجلس الأمن، وتوني بلير تحدث علناً، وأمام شاشات التلفاز عن قدرة العراق على تجهيز هجوم نووي على الغرب في ظرف خمسة و اربعين دقيقة. وأجهزة المخابرات الرصينة، مثل جهاز المخابرات الألماني الذي روج لقصة العميل التافه الذي عُرِف بلقب كرة الثلج، في نفس الوقت التي كانت التقارير الداخلية السرية لنفس الجهاز تقول إن قصة ذلك العميل كانت مفبركة وكاذبة، لكنها أيضاً إعتمدت لغرض تدمير العراق.
وغيرها الكثير من الأكاذيب غير الموثقة، ثم ظهر زيفها فيما بعد، وبسببها أو إعتماداً عليها تم تدمير العراق مرتين وإحتلاله وقتل أبناءه وتركه في فوضى منذ عام 2003 ولحد الآن، ولم يعتذر أحدٌ على ما أصاب العراق والعراقيين. في حين إن كوريا الشمالية تحدت العالم بإعلانها صراحة عن إمتلاكها للسلاح النووي، وتتحدى العالم بشكل شبه يومي بإجراء تجارب نووية وإختبار لصواريخها البعيدة المدى القادرة على حمل رؤوسا نووية، ولا تقوم الدولة التي نصبت نفسها شرطياً على العالم منذ عام 1990 ولحد الان، من القيام بأي عمل رادع على تجاوزات تُعرِّض السلم والأمن العالميين حقاً وفعلاً لأخطار كبيرة.
الأمر الذي يُثير الدهشة، أنه في الوقت الذي كان الحصار المميت والقصف المستمر للعراق والإعداد لعملية إحتلاله تجري على قدم وساق، كانت كل أجهزة المخابرات الأمريكية والغربية تمتلك معلومات موثقة عن سعي كوريا الشمالية لإمتلاك سلاح نووي، أو إمتلكته بالفعل. أليست هذه مفارقة بل نفاق سياسي كبير؟ أليس هذا هو الكيل بمكيالين بعينه؟ أليس هذا دليل آخر على أن الولايات المتحدة لا تأبه بما يحدث في مناطق العالم المختلفة طالما إنها كانت بعيدة عن التأثير على سلامة وأمن طفلتها المدللة إسرائيل؟
ألا ينبغي أن يكون ذلك رادعا لأولئك الذين لا يزالون يلهثون وراء الولايات المتحدة من أجل كسب رضاها على حساب مصالح شعوبهم؟ وأخيراً أليس هذا دليلٌ كافٍ ودامغ على أن الولايات المتحدة خاصة والدول الغربية بصورة عامة، تكن كرها دفينا للمسلمين بصورة عامة، وللعرب من بينهم خاصة وبصورة إستثنائية؟
هذه ليست دعوة للسكوت عما تفعله كوريا الشمالية من تطوير لأسلحتها للتدمير الشامل، وكذلك ليست دعوة لتدمير كوريا الشمالية، ولكنها تذكير و بألم لما جرى للعراق ويجري الآن مع دول أخرى من تدميرٍ مبني على شبهات كاذبة، بينما مع وجود كل الأدلة الواضحة والإعترافات والأفعال الكورية الشمالية يختار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب اللقاء والحوار مع رئيس كوريا الشمالية ويختار الرئيس الحالي جو بايدن إما السكوت أو إستخدام كلمات تحذير غير مؤثرة، بدليل إن بيونغ يانغ مازالت مستمرة في تحديها.
أما إسرائيل التي أقامت الدنيا وأقعدتها بالحديث عن إمتلاك العراق لبرنامج نووي متقدم وعن قدرات سوريا لإمتلاك سلاح نووي، والآن تهدد إيران بالتدمير لنفس السبب، لا تقل كلمة واحدة عن كوريا الشمالية، وربما تتعاون معها من تحت الطاولة كما تفعل مع الصين في مجال التسليح.
العالم لا يحترم إلّا القوي. ولكن وللأسف إن أنظمتنا لم تنجح في بناء دولاً قويةً، وإن نجحت فإنها تستقوي على الضعيف منها، أو إن نجاح بعضها يدفع البعض الآخر للتعاون مع أعداء الأمة لتدمير النموذج الناجح. وهذه هي مأساتنا الحقيقية.
راي اليوم
شبكة البصرة
الاثنين 18 جماد الاول 1444 / 12 كانون الاول 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


