غاندي العراق واللعب المفضوح
شبكة البصرة
إبراهيم الزبيدي
إيران لا ترى في الصراع المحتدم بين التيار والإطار ما يَمسُّ مصالحها الحيوية لا من قريب ولا من بعيد وعليه لا مانع لديها من ترك (أولادها) يتصارعون إلى أن تقرر هي نهايةَ اللعبة.
أطلق نائب عراقي سابق ومحلل سياسي حالي لقب “غاندي العراق” على مقتدى الصدر، ودعاه إلى مواصلة اعتصامه حتى تحرير العراق، ليس من 2003 وإلى اليوم، بل من 1958 وإلى اليوم.
ودافعه إلى ذلك طائفيٌّ صرف. وذلك لاعتقاده بأن مقتدى قد انقلب على إيران، وإذا ما انتصر في معركته مع وكلائها الولائيين فسوف يوافق على منح حلفائه (السنة) حرية إقامة الإقليم المستقل. ويروّج صاحبنا المحل السياسي، منذ زمن طويل، لفكرة قيام اتحاد كونفدرالي مع جمهورية أربيل، تحت قيادة مسعود بارزاني، وبرعاية الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل.
طبعا، غاندي الهندي الأصلي لم يكن صاحب ميليشيا، كما لم يكن صانع رؤساء وزارات ووزراء وسفراء وقادة عسكريين، منذ 2005 وحتى اليوم. ولم يكن له وكلاء يديرون له مكاتبه التجارية ومنافذه الحدودية ووزاراته الخدمية ومؤسساته التي كانت وما زالت من حصته الثابتة في عهود حكومات المحاصصة كلها.
وفيما يخص الصراع الدائر اليوم بين مقتدى الصدر وخصمه الشخصي، نوري المالكي، فإن ما ظنَّه زميلنا المحلل السياسي صراعا بين حقٍ وباطل، وبين هويةٍ وطنية عراقية وتبعية، وبين نزاهةٍ وفساد، محضُ خيال.
فالثابت والموثق أن الولايات المتحدة، بإداراتها الديمقراطية والجمهورية، وحكومات الاتحاد الأوروبي الفاعلة، ومعها إسرائيل، لا تريد من إيران غير التوقف عن سعيها لحيازة سلاح نووي، مقابل غض الطرف عن نشاطها العدواني في المنطقة، وعدم معارضة احتلالها للعراق، وابتزازه، أرضا وسماءً ومياهاً، بشرا وحجراً، حتى لو قتلت نصف الشعب العراقي، وأفقرت نصفه الآخر، ونهبت موارده، وجعلت وطنه خرابة.
وتؤكد شهاداتُ مسؤولين وخبراء سياسةٍ أميركيين وأوروبيين كبار، ومنهم سفراء عملوا في العراق ودول الجوار، أن الولايات المتحدة خففت اهتمامها بالعراق، وتركته لغيرها، وأن كل ما يروّجه البعض عن قرب تحركها لتغيير النظام العراقي الحالي ومعاقبة الميليشيات الإيرانية كلامٌ فارغ ليس له أساس.
ويغيب عن بال زميلنا المحلل المُبشِّر بغاندي العراق أنَّ الصراع الجاري بين مقتدى ونوري المالكي، أو بين التيار والإطار، هو صراع الإخوة الأعداء داخل البيت الشيعي الواحد، ولكن تحت سمع (أبيهم) وبصرِه، وضمن الحدود المقررة. ومن غير المسموح لواحدٍ من هؤلاء أو من هؤلاء أن يتجرأ على مغادرة خيمة ولاية الفقيه، بأيّ حال من الأحوال.
ويكفي الاطلاع على التصريح الناري المدوي الذي أدلى به المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، للصحافيين، والذي أعلن فيه أن “بلاده تتجنب التدخل في الشأن العراقي”، ودعا فيه القوى السياسية العراقية إلى الإسراع بتشكيل “حكومة شاملة، والتمسك بالدستور العام للعراق”.
ثم قال إن “قضايا العراق مهمة، لأنه بلد جار لنا، ونتابع تحولاته السياسية عن كثب”، فـ”نحن ننظر إلى العراق كدولة واحدة، واستقرار هذا البلد مهم جدا بالنسبة إلينا”. و”في ضوء الاستقرار السياسي تتحقق التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية، على حد سواء، وستكون هناك إمكانية لتطوير العلاقات الاقتصادية مع إيران أكثر مما كانت عليه في الماضي”.
إذن، فإيران، دون شك، وبصراحة، لا ترى في الصراع المحتدم بين التيار والإطار ما يَمسُّ مصالحها الحيوية ووجودها الاحتلالي في العراق، لا من قريب ولا من بعيد. وعليه فلا مانع لديها من ترك (أولادها) يتصارعون ويتخالفون ويتشاكسون، إلى أن تقرر هي نهايةَ اللعبة، وفي الوقت المناسب الذي تحدّده وتراه.
ونسي المتحدث بلسان وزارة الخارجية الإيرانية أن يقول إن إيران لن تسمح لأولادها العراقيين، لا اليوم ولا غداً ولا بعد عمر طويل، بأن يتقاتلوا بسلاح خفيف أو ثقيل، لأن في ذلك خطرا على نفوذها في العراق. وغداً حين يقرر الباب العالي في طهران أن تتوقف لعبة عض الأصابع بين الصدريين والإطاريين، سيعود كلُّ مجاهد صدري أو إطاري، فجأة، إلى منزله بصمت وهدوء، وتعود الأمور إلى سابق عهدها، دون تعديل ولا تبديل من أيّ نوع ومن أيّ لون.
شيء آخر. إن “غاندي العراق” المدجج بسلاح سرايا السلام، وبالمال والسلطة، والقادر على إطعام أتباعه المعتصمين في مبنى مجلس النواب لحمَ الغزال والسمك المسكوف والخراف، والسماح لهم بالأراكيل والطهي واللعب والحلاقة واللطم، قد جعل اعتصام أتباعه المخلصين رحلةَ سمر وتغيير جو، حتى لو عطلوا حياة شعب، بالكامل، دون خوف ولا حياء.
ويتذكر شبابُ الانتفاضة التشرينية باندهاش، وهم يراقبون إقامة الصدريين الدائمة داخل المنطقة الخضراء وحول مبنى البرلمان، يوم حاولوا الاقتراب، ذات مرة في العام 2019، من بوابة المنطقة الخضراء، فخرجت عليهم قوات الحكومة والفصائل المسلحة والطرف الثالث المجهول بالهراوات وخراطيم المياه الساخنة والسياط، ثم بالرصاص الحي والكواتم، فاستشهد منهم العشرات، وجُرح المئات، ولم يتمكنوا من الاقتراب من البوابة سوى أمتار.
وهم، اليوم، عاتبون على مقتدى. لأنه، بهذه الصيغة التي اختارها لمحاربة الفساد، قد أغلق عليهم سبيل انتفاضة جديدة محتملة، خصوصا وأن الغضب الشعبي المختزن في كل منزل عراقي، في جنوب الوطن ووسطه وشماله، شرقه وغربه، قد بلغ أقصى مدياته.
وكان الأكثرَ حكمةً ونباهة وخدمة للشعب العراقي أن يسمح بعودة نوري المالكي إلى قيادة السلطة التنفيذية، بكل تاريخه المثقل بالجرائم الطائفية، وبالكراهية والتبعية والفساد، وبتلفيق الملفّات، وتزوير الشهادات، لكي يكون ذلك محركا للملايين من الغاضبين العراقيين إلى الثورة على الفساد والفاسدين، وإقامة النظام الديمقراطي الحقيقي الآمن العادل العاقل المستقل. وهذا ما جعلهم يرفضون الانخراط العبثي في صراع مقتدى الشخصي الثأري الذي ألصقه بالإمام الحسين وبالشعب والمذهب والوطن والدين.
سؤال، هل يعقل أن يكون العراقيون أقلَّ رجولة وأصالة وشجاعة وصلابة من التوانسة الذين قالوا وفعلوا، واختاروا النظام الذي يشاؤون، وأجبروا دول الجوار وحكومات العالم الخارجية، كلها، على احترام هذه الإرادة؟
ألم يقل شاعرهم الخالد أبوالقاسم الشابي، إذا الشعب يوما أراد الحياة؟ ترى هل يقرأ غاندي العراق هذه القصقوصة، ليكفَّ عن اللعب المفضوح؟
العرب
شبكة البصرة
السبت 22 محرم 1444 / 20 آب 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


