هل تصدق ان اللغة العربية توجد في وسط اسيا والصين؟
شبكة البصرة
يسألني الأحبّة باستمرار عن عربيّة أوزبكستان وعن حكاية لهجتنا نحن عرب تركستان، فآمل أن يكون في هذا النص شاف من الإجابة. وأبدأ بـ”نعم” يوجد عرب في تركستان وأفغانستان وإيران. و”نعم” كانت اللّغة العربية حيّة كلغة أم وكلغة ثانية في وسط آسيا حتّى الحرب العالمية الثانية. ثمّ تضاءل حضورها حتى تكاد تنقرض بسبب ممارسات الاتّحاد السوڤييتي القمعية، والتي سعت إلى إبادة وجود اللّغة العربية في تركستان. اليوم لا يتجاوز عدد متحدّثي العربية التركستانية حوالي 15 ألف إنسان في كل دول وسط آسيا.
وأنا شخصياً من قشقداريا، ولم يزل فيها من يتكلّمون العربيّة إلى اليوم، لكنّهم قلّة وكلّهم أهل أرياف، ويسمّونها لغة القرآن. سابقاً كانت مدينة كاسان هي عرب خانة قشقداريا، ثمّ استولى عليها الروسي في أحداث الاحتلال الروسي – السوڤييتي لإمارة بخارى.
سنة 1926، كشف إحصاء سكّاني للاتّحاد السوڤييتي عن وجود عددٍ كبيرٍ من العرب يسكنون قريباً من مدينة بخارى في أوزبكستان، والذين بلغ عددهم حينئذٍ نحو 30,000 نسمة، ممَّا أثار اهتمام العلماء والباحثين في مجال اللّسانيات لدراسة اللّهجة التي يتحدَّثُ بها هؤلاء العرب. أدَّى الاهتمام بعرب بخارى إلى اكتشاف وجود جالياتٍ عربية أخرى مستقرّة في أوزبكستان وشمال أفغانستان.
يعودُ الفضل في بدء دراسة اللّهجات العربية في آسيا الوسطى إلى باحثين في اللسانيَّات انكبَّا على هذه المهمّة في ثلاثينات القرن العشرين، بعد أن كشفت الإحصائيات عن وجود ناطقين عرب في هذه المناطق، وهذان الباحثان هما الجورجي جورج تسيريتيلي გიორგი წერეთელი والروسي إسحاق ڤينيكُڤ Исаа́к Ната́нович Ви́нников، واهتمَّ من بعدهما باحثون آخرون بدراسة الأقلّيّة العربية في آسيا الوسطى، وأطلق بعضهم على اكتشاف هؤلاء العرب ولهجتهم المميزة “ثورةً في دراسة اللّهجات العربية”. وكان جورج تسيريتيلي (وهو من الباحثين الرائدين) هو من أدرك وجود لهجتين متمايزتَيْن عن بعضهما في بخارى وقشقداريا.
تنقسمُ اللّهجات العربية في آسيا الوسطى إلى أربع فئات: أوّلها هي اللّهجة البخارية الدارجة في ضواحي مدينة بخارى (التي تقعُ قريباً من نهر جيحون في جنوب دولة أوزبكستان)، وقد اشتقّت منها ثانيةٌ هي اللّهجة الأفغانية التي يتحدّث بها مهاجرون عربٌ لجؤوا من بخارى إلى ضواحي بلخ (وتعتبر العربية الأفغانية والعربية البخارية لهجةً واحدة في الأساس)، وثالثها اللّهجة القشقدارية الدارجة في ولاية قشقداريا (في جنوب دولة أوزبكستان)، وهي تختلفُ اختلافاتٍ جمَّة عن اللّهجة البخارية، بل إنّه ليس بينهما فهم متبادل، ورابعها هي اللّهجة الخراسانية التي تتحدّث بها قبائل عربيّة مستقرّة في أرياف مقاطعة خراسان شرق إيران، وهذه اللّهجة قريبةٌ من اللّهجة القشقدارية نسبيّاً وكذلك من اللّهجات العراقية، على أنّها تبقى لهجةً قائمة بذاتها ولها خواصها الفريدة.
وقد انعزلت هذه اللّهجات الأربع عن سائر اللّهجات العربيّة لحقبةٍ طويلة من الزمن فاكتسبت صفاتٍ خاصّة، والحال التي اكتسبتها من ذلك شبيهة بحالة العربية المالطية التي أمست لغةً قائمةً بذاتها بفعل هذا التأثير، على أنّ اللّهجات العربيّة في آسيا الوسطى تختلفُ عن المالطيّة بأنّها منطوقةٌ حصراً، فهي ليست لغاتٍ تستخدم للكتابة ولا للتدوين (ما عدا ما وردَ في كتب وأبحاث علماء اللّسانيات ممَّن درسوهما).
ما سبق منسوخ عن صفحة ويكيپيديا وأضيف من عندي أنّ السبب الأساسي لاختلاف لهجة بخارى العربية عن لهجة قشقداريا وعموم تركستان، هو أنّ العربية البخارية أقدم، وهي ناتج حصيلة اللّهجات اليمانية والطائية للجاليات اليمانية التي كانت تقيم في تركستان قبل الإسلام، أمّا لهجة قشقداريا فهي لهجة قيسيّة قريبة المنشأ من لهجة البصرة، وقد كانت البصرة هي العاصمة السياسية والثقافية لإقليم وسط آسيا العربي.
——-
المراجع للاستزادة:
الصفحات 1-6 من كتاب ألماني بعنوان “مقالتين من لهجات خراسان العربية” وموجود على هذا الرابط باللّغة الإنگليزية:
Seeger, Ulrich (2002). “Two texts in the Arabic dialect of Khorasan”. Harrassowitz. Heidelberg. https://go.monis.net/ubYdoA
الصفحات 134-161 من كتاب بريطاني بعنوان ”التقارب اللغوي والانتشار المساحي: دراسات حالة من إيرانية وسامية وتركية“ وموجود على هذا الرابط باللغة الإنگليزية:
Csatَ, ةva ءgnes; Isaksson, Bo; Jahani, Carina (2005). Linguistic Convergence and Areal Diffusion: Case Studies from Iranian, Semitic and Turkic. RoutledgeCurzon Taylor & Francis Group. https://go.monis.net/fkL7jt
الصفحات 91-93 من مقال بعنوان “الحضارة العربية في آسيا الوسطى والقوقاز”. منشور في مجلة الفيصل (405–406) سنة 2010. وموجود على الرابط التالي: https://go.monis.net/UJq2RJ
ويمكن قراءة محتوى صفحة ويكيپيديا اللّهجات العربية في آسيا الوسطى من على هذا الرابط: https://go.monis.net/cfeo6h مع تحفّظي على المعلومات التاريخية الواردة فيها.
شبكة البصرة
السبت 8 محرم 1444 / 6 آب 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


