أطفال بريطانيا وسؤالهم الحكيم
شبكة البصرة
السيد زهره
هذه واقعة تستحق التأمل والتوقف عند مغزاها.
الذي حدث ان وزيرة الخارجية البريطانية والمرشحة لرئاسة الوزراء، ليزا تراس، تعرضت لما تم اعتباره موقفا محرجا أثناء زيارتها إحدى مدارس الأطفال.
الأطفال تجمعوا حول الوزيرة، وبدأوا يسألونها أسئلة وصفها البعض بالغريبة. عبروا عن كرههم لرئيس الوزراء السابق بوريس جونسون ثم سألوها: “لماذا لم تطردوه حتى الآن؟ افعلي لنا جميلًا عندما تصبحين رئيسة للوزراء وأخرجيه”.
المرشحة لرئاسة الوزراء البريطانية ردت على سؤال الأطفال بدبلوماسية وقالت: “جونسون في مقر الإقامة الرسمية، وعندما أصبح رئيسة وزراء سيضطر حينها الى أن يرحل”.
أطفال بريطانيا سألوا سؤالا حكيما يكشف عن الكثير.
علينا ان نلاحظ بداية معنى ان تصبح هذه المسألة موضع اهتمام أطفال بريطانيين وانشغالهم على هذا النحو. معناه انها بالفعل مسألة مهمة، بل وخطيرة.
ما قاله أطفال بريطانيا يتعلق بقضية أثارها كثيرون من المحللين والمراقبين في بريطانيا في الفترة القليلة الماضية وطرحوا تساؤلات شبيهة بتساؤلات الأطفال، وان بطرق وفي سياقات مختلفة.
القضية انه بعد ان استقال رئيس الوزراء البريطاني جونسون، اكتشف البريطانيون والكل في العالم، من المعلومات والتقارير والفيديوهات الوثائقية التي نشرت عنه، انه كان منذ صغره وعلى امتداد حياته الشخصية والعملية شخصا مخادعا وكاذبا ومزورا يتعمد التضليل وان اخلاقياته العامة ليست ابدا فوق مستوى الشبهات. ينطبق هذا على حياته الشخصية وعلى مواقفه وممارساته العامة والسياسية.
والقضية ان كل المسئولين في داخل حزب المحافظين وخارجه كانوا يعلمون حتما بكل هذه المعلومات والحقائق التي نشرت عن جونسون بعد استقالته. هذا دفع المحللين والممراقبين والمواطنين البريطانيين العاديين الى طرح أسئلة كثيرة في مقدمتها، اذا كان الأمر هكذا، فكيف استطاع جونسون اذن ان يصل الى زعامة الحزب ومن ثم الى رئاسة وزراء بريطانيا؟ ولماذا تركوه كل هذه السنوات في الحكم دون حساب أو عقاب؟ لماذا تستروا عليه هكذا؟
لنلاحظ ان كل هذه التساؤلا ت لخصها الأطفال في سؤالهم الحكيم: لماذا لم تطردوه حتى الآن؟.
المسألة برمتها بكل هذه التساؤلات تتعلق بقضية أكبر وأعم، هي الديمقراطية البريطانية ومدى نجاعتها.
كما نعلم، هم في بريطانيا وامريكا والعالم الغربي برمته يقدمون لنا نموذجهم الديمقراطي على اعتبار انه النموذج المثالي للحكم والممارسة السياسية. يقولون لنا ان نموذجهم الديمقراطي يضمن رشد الحكم والقرارات والسياسات، ويضمن حسن اختيار القادة والمسئولين بناء على معايير الكفاءة والنزاهة، كما يضمن أعلى معايير المحاسبة والمساءلة.
ان كان الأمر هكذا حقا، فكيف اذن صعد شخص مثل جونسون بكل ما يقولونه هم عنه وعن خطاياه الشخصية والعامة الى سدة الحكم واستمر كل هذه السنوات في ظل صمت ورضا الجميع؟. لا بد ان هناك خللا ما وقصورا ما في هذه الديمقراطية التي تكون هذه هي نتيجتها. لا بد ان هناك خللا في معايير وآليات اختيار القيادات والمسئولين، والرقابة والمحاسبة وضمان الرشد.. الخ.
الأمر ليس قصرا على بريطاينا فقط ـ وانما يتعلق بأزمة عامة للديمقراطية الليبرالية الغربية.
ينبغي الا ننسى ان هذه الديمقراطية التي يتفاخرون بها هي التي افرزت مجرمي حرب وابادة ارتكبوا اشنع الجرائم في حق الدول والشعوب من أمثال توني بلير وجورج بوش، وأيضا أوباما الذي خطط لتدمير الدول العربية واغراقها في الخراب والفوضى. أمثال هؤلاء هم نتاج الديمقراطية الغربية وكلهم احرار طلقاء لم يحاسبهم احد.
لهذا، الجدل الدائر حول قضية جونسون وما كشفت عنه من ازمة للديمقراطية البريطانية يلقي الضوء على جانب واحد من جوانب ازمة الديمقراطية الليبرالية الغربية، وهي ازمة يناقشها منذ سنوات طويلة بتوسع وتعمق المحللون والباحثون الغربيون انفسهم.
الأمر المثير للسخرية انه رغم كل هذا لا تكف الدول الغربية عن توجيه الانتقادات والاتهامات لدول العالم تحت دعوى الدفاع عن الديمقراطية ولا يكفون عن المطالبة باعتبار الديمقراطية الغربية نموذجا مثاليا يجب اتباعه.
شبكة البصرة
الاحد 2 محرم 1444 / 31 تموز 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


