ما حقيقة ما يجري في العراق؟
شبكة البصرة
صلاح المختار
هناك تبشير بقرب تحرر العراق وهذا ترويج ينطوي على جوانب سلبية واخرى ايجابية ومن الضروري تسليط الضوء على تفاصيل غابت او غيبت:
1- جوهر ما يجري هو ان امريكا التي سلمت العراق كليا لاسرائيل الشرقية،كما اعترف بن رودس والذي كان مستشارا للرئيس اوباما في كتابه (العالم كما هو)،بعد ان هزمت امام المقاومة العراقية وعجزت عن تحمل خسائرها المادية (من 2-3 تريليون دولار) والبشرية (مقتل اكثر من 75 الف امريكي واكثر من مليون معوق جسديا او نفسيا)، لكي تكمل اسرائيل الشرقية ما بدأته امريكا وهو تدمير العراق دولة ونظاما واقتصادا وجغرافية وهوية قومية عبر مسلسلات التجويع والمخدرات والشذوذ الجنسي وارتكاب المحرمات وتهديم العائلة،كي تتوفر البيئة الاصطناعية التي بقوة جبرها تغير طبيعة الانسان العراقي، وهو ما فعلته اسرائيل الشرقية بنجاح في اوساط معينة بكفاءة لاتملكها امريكا، وذلك كان ومازال الهدف المركزي الامريكي في العراق وبقية الاقطار العربية اي تغيير الانسان الانسان قيميا.
وبما ان اسرائيل الشرقية اكملت المهمة الاساسية واوصلت الشعب العراقي الى تمني اي حل حتى لو كان شيطانيا ينقذهم من العذاب الايراني فان امريكا تعمل على تقليم اظافر اسرائيل الشرقية اقليميا، وليس انهاء دورها الاقليمي، مثلما تفعل داخل العراق حيث تريد اكمال اخضاع الميليشيات التابعة لاسرائيل الشرقية وليس القضاء عليها بل تحويلها الى احزاب تجمع ولائين لاسرائيل الشرقية ولامريكا،والخطة هذه تنجح بصورة واضحة، والتكتيك الامريكي هو اتمام ذلك تحت شعار (انقاذ العراق من ايران)!
2- ما تقوم به امريكا مخابراتيا وعسكريا انما هو اعادة السيطرة المباشرة على العراق واخضاع اسرائيل الشرقية لها بالكامل، وهو ما عبرنا عنه منذ سنوات ترامب بتأكيد ان امريكا تريد اعادة نظام الملالي الى ما بين السكتين الامريكيتين وليس تدمير اسرائيل الشرقية، وهذا ينطبق على الميليشيات والتنظيمات الايرانية في العراق وبقية الاقطار العربية فامريكا تريد تحويلها الى احزاب مجردة من السلاح تدخل العملية السياسية في اطار امريكي، والسؤال الذي ربما يطرق عقول البعض هو: ما هو الهدف الجوهري لامريكا من ابقاء نفوذ ايراني اقليمي بتحويل ميليشياتها في العراق واليمن ولبنان وسوريا وغيرها الى احزاب تشارك في العملية السياسية؟ انه هدف استباقي جوهري وهو منع حركة التحرر العربية من امتلاك القدرة على التحرر وانهاء اي سيطرة خارجية، فوجود اسرائيل الشرقية بين السكتين الامريكيتين ضمانة لامريكا كي لايظهر نظام عربي قوي يهدد السيطرة الامريكية تماما كما سخر خميني لانهاك العراق واسقاط نظامه الوطني،الى ذلك فان وجود الاحزاب التابعة لاسرائيل الشرقية وامريكا معا ضمانة اخرى لمنع الاحزاب الوطنية والقومية العربية من الانفراد بالتأثير الجماهيري واستلام الحكم عبر الوسائل الديقراطية، وهكذا تبقي الاقطار العربية محصنة داخليا بتنظيمات تستطيع تحريكها في كل قطر عربي لتحجيم القوى القومية العربية بينما في الخارج تبقي الدولة الايرانية عامل ردع او استنزاف لاي نظام عربي يتحرر، لانها مرشحة لتكون احد اهم مثلث النظام الاقليمي الجديد مع تركيا واسرائيل الغربية.
3- الهدف المركزي الامريكي الان هو تحويل العراق الى مركز السيطرة الاقليمية الامريكية حيث تريد امريكا بناء عراق مستقر ومتطور اقتصاديا على طريقة النمور الاسيوية بلا هوية وطنية ولا قومية وانما قطر يقوم على نظام كونفدرالي ولكن تطلق عليه تسمية فدرالي لاخفاء كونه في حالة تقسيم واقعي، مفكك داخليا السلطة فيه للفدراليات وليس للمركز في بغداد وجيشه عبارة عن شرطة محلية للقمع الداخلي وممنوع عليه التسلح بصورة تجعل العراق قوي عسكريا في الخارج حماية لاسرائيل الغربية وبقية اعضاء النظام الاقليمي الجديد، ولديه قدرات اقتصادية هائلة تنظم استثمارها امريكا لصالحها، ومن (العراق الجديد) والذي بشرت به امريكا منذ عام 1998 سوف تمارس ادارة سيطرتها الاقليمية وبعض تأثيراتها الدولية.
4- ومن اهم اهداف امريكا الستراتيجية من السيطرة على العراق منع او عرقلة التمدد الصيني وصولا الى اوربا عبر العراق وفقا لخطة طريق الحرير، فالعراق بحكم موقعه الجغرافي المتوسط بين الشرق والغرب تستطيع امريكا من خلاله التأثير القوي على قدرة الصين على التمدد،وكذلك تستطيع امريكا من العراق تقزيم الدور الروسي في المنطقة خصوصا في سوريا، وزادت اهمية العراق بعد الحرب التي تشنها امريكا على روسيا بواسطة اوكرانيا، فروسيا اليوم هي التهديد العسكري الاخطر على امريكا بينما التحدي الاعظم اقتصاديا وتكنولوجيا لامريكا يأتي من الصين وهو ما اكدناه مرارا،وفي الحالتين فان العراق هو القاسم المشترك في عملية تقليم اظافر روسيا والصين.
5- سيشهد العراق بعد اخضاع امريكا اسرائيل الشرقية لها قيام نظام مستقر امنيا وفيه نوع من الديمقراطية المحدودة وفيه ستبرز امكانية انتقال العراق من الفوضى الهلاكة الحالية الى الاستقرار وتحكم نظام جديد في الاحداث نظرا لوجود جيش اشبه بالشرطة، والسبب ليس حب العراق فامريكا هي التي دمرت العراق تدميرا شاملا، ولكنها الان تريد بناء عراق يكون مركزا اولا لها في العالم تجاريا وعسكريا وهذا الهدف يتطلب تحقيق الاستقرار والامن النسبي، وهي مرحلة تطورية عندما نقيسها بالوضع تحت السيطرة الايرانية تبدو افضل دون شك لان القتل العشوائي والجماعي الايراني والارهاب سوف يتوقفان وتحل القوانين محلهما،اذ لايمكن لاي عملية تجارية ان تنجح وتثمر الا في اجواء الاستقرار وامريكا هي اكبر شركة في العالم وكل غزواتها هدفها السيطرة التجارية على العالم، وهنا نرى الجانب الايجابي وهو التحسن النسبي لحالة العراق والتي سوف توفر فرصة التنفس والراحة لشعب العراق.
6- لكن الجانب الخطير في هذا التطور هو ان الاستقرار والتنمية على الطريقة الرأسمالية الامريكية يراد بها تحويل العراق الى سنغافورة جديدة اي بلد متطور اقتصاديا وصناعيا وتكنولوجيا لكنه بلا هوية مميزة قوميا ووطنيا، وهذه خطوة مدمرة ليس للعراق فقط بل للامة العربية كلها، حيث ان استبدال الارهاب الايراني بالاستقرار المقرون بتغييب الهوية القومية اصطناعيا ان صلح لبلدان جديدة لاتاريخ حضاري لها مثل النمور الاسيوية فان الوطن العربي، خصوصا العراق ومصر وسوريا والمغرب العربي نشأت فيه حضارات عريقة، سوف يشهد صراعات وتناقضات اخطر مما نواجهه الان بكثير بحكم تجذر الهوية القومية عبر الاف السنين،فتغيّيب هوية العراق وغيره ببديل استثماري امريكي وان نجح في بلدان بلا هوية قومية مميزة وسكانها عبارة عن لملوم متناقض الخلفيات القومية او انها بلا قومية،فانه سيكون لغما تزداد خطورته كلما تصرم الزمن لان الهوية المغيبة لاتزول مهما غيبت بل تبقى تحت الرماد، ان الفرد الخالي من الهوية كالسنغافوري او الماليزي مثلا لايحس بمشاعر الضياع التي تهيمن على العراقي او المصري او السوري او التونسي حينما تغيّب هويته عمدا تحت ثقل التكنولوجيا والتنمية على الطريقة الرأسمالية، هنا تبدأ اشكالية العرب التحررية: فالتناقض بين محركات الهوية القومية وبين ما يفرض من انماط تفكير وتربية عولمية مصطنعة ويلعب الانترنيت والاجهزة الحديثة الدور الاهم في تذويب الهويات القومية، سيكون العامل الاهم في الصراعات القادمة وهو ما تعرفه امريكا.
والسؤال الجوهري بعد هذه الملاحظات هو: كيف سنختار بين استعمار ايراني بدائي ومتوحش جدا ومنفلت وقاس بلا حدود وبين امبريالية امريكية قاسية ولكن بحدود معروفة يتحكم فيها هدف السيطرة على الاسواق؟ ان كل وطني عراقي وقومي عربي امام خيار اساس وهو ترك التغيير الامريكي يحدث لانه اذا وقع ينقلنا من وضع مدمر وخانق ومميت الى وضع سيء لكن الانسان يستطيع فيه التنفس والتحرك ولو بحدود. وفي العمل في مراحل التحولات العظمى لابد من عدم اهمال اي فرصة واستغلالها فاذا لم يكن تحرير العراق متاحا الان فعلى الاقل تحقيق الانتقال من حالة التدمير المميت للهوية وللبشر الذي تقوم به اسرائيل الشرقية الى حالة الاستقرار النسبي في وضع اخر اقل سوء وفيه يمكننا ان نعيد ترتيب الصفوف الوطنية والحزبية وبناء تحالفات جديدة تضمن بقاء هدف تحرير العراق قائما ومحركا لنضالنا.
فاذا كانت الفرص متاحة للعمل الديمقراطي فان الاستفادة من الدمقراطية ومهما كانت عيوبها، هو الخيار الافضل لان المقاومة المسلحة وبعد كل التدمير المنظم للناس وللقدرات لاتصلح في هذه المرحلة،وليس ثمة امكانية لممارستها،وهي مرحلة انتقال الحكم في العراق من يد الملالي الى يد امريكا ومن تختارهم،وبعدها تبدأ مرحلة اعادة بناء القوة والاستعداد لاي احتمال بما في ذلك المقاومة المسلحة التي سيعاد بناء منابع قوتها اذا لم تتجه التحولات نحو عراق فيه قدر مقبول من الانفراج، ومن ابرز شروطه توقف عمليات اجتثاث البعث واعادة كل من فصلوا من وظائفهم مثلما تعاد املاك من نهبت املاكهم والسماح بعمل سياسي فيه نوع من الحرية، وتلك اجواء مثلما تخدم امريكا فانها تخدمنا ايضا ففيها نضمن حماية الذات الحزبية والفردية من التصفيات وندخل مسار العمل التنظيمي والتعبوي واعادة البناء النفسي والفكري والسياسي،وبتحقق هذه الشروط يمكن للمسار السلمي ان يكون هو الخيار مرحليا، والا فان المقاومة المسلحة تعود ضرورة اساسية.
في المرحلة الجديدة ستسيطر امريكا ليس بادواتها فقط بل بادوات ايرانية ايضا وهذا هو السبب الذي لم يتوقعه او يعرفه كثيرون لظاهرة دعم امريكا لاتباع اسرائيل الشرقية في اليمن والبحرين وسوريا ولبنان وللتغلغل الايراني في المغرب العربي ومصر والسودان،وللجماعات الايرانية في دول الخليج العربي، وكل ذلك تم تحت غطاء الدفاع عن حقوق الانسان! فعندما تعيد امريكا السيطرة على اسرائيل الشرقية دون تدميرها، وعندما تبقي اتباعها محافظين على بعض قوتهم فهي تخطط للمستقبل لانها تعرف ان الوطنيين العرب لن يستكينوا ولن تخدعهم التنمية على الطريقة الرأسمالية والتي توأمها الحتمي هو الاغتراب الهوياتي، فهذه القوى المزدوجة الولاء ستكون ادوات امريكا واسرائيل الشرقية معا في التصدي للقوى الوطنية العربية في كل الاقطار عندما تبدأ نضالها من اجل اهداف مرحلة جديدة من النضال التحرري، فتلك الميليشيات ستحول الى قوى سياسية منزوعة السلاح لكنها ستكون جاهزة للعودة الى دور القامع والرادع للقوى الوطنية القومية.
ان المرحلة الجديدة اذا حصل ما تبشر به امريكا وابواقها تفرض علينا العمل المنظم والهادئ من اجل اعادة بناء الحزب، بعد كل التخريب الذي تعرض له، ليكون قادرا على ممارسة المقاومة المسلحة اذا اصبحت هي الخيار الوحيد، وتحشيد القوى الوطنية في اطار جبهة وطنية عريضة عراقيا، وجبهة قومية عربيا، الهدف منهما هو النضال من اجل الاستقلال التام واعادة بناء اقطارنا، وهو نضال معقد وصعب، ولكن خيارنا الوحيد يبقى هو التحرر التام من اي تبعية وبناء دولة وطنية متحررة، وفي هذه المرحلة فان الصراع الفكري والعقائدي سيكون هو الطاغي وحماية الهوية القومية العربية يعتمد على الكلمة الحرة مثلما يعتمد على السيف.
Almukhtar44@gmail.com
14-7-2022
شبكة البصرة
الخميس 15 ذي الحجة 1443 / 14 تموز 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


