العراق من محو الأمية إلى محو التعليم.. كيف تفشت الأمية من جديد؟
شبكة البصرة
“لا توجد أعداد دقيقة عن الأميين في العراق، حيث نعتمد على الإحصائيات التي تصدر عن الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط”. بهذه الكلمات رد علاء الحلبوسي، رئيس الجهاز التنفيذي لمحو الأمية في وزارة التربية على تصريح ناصر الكعبي عضو نقابة المعلمين، الذي قال أن الأمم المتحدة أبلغتهم بأن هناك 12 مليون أمي في العراق. وهذه الأرقام الصادمة التي أبلغت بها الأمم المتحدة الجهات العراقية عن عدد الأميين في العراق تتناقض مع ما أعلنته وزارة التربية العراقية عام 2020، والتي تحدثت عن 5 ملايين أمي، إذ أنها تقل عن نصف ما ذكرته الأمم المتحدة.
وبرر الكعبي وصول عدد الأميين في البلاد إلى هذا الرقم الكبير بقوله أنه “لا توجد أي تخصيصات مالية للجهاز التنفيذي لمحو الأمية”، مؤكداً أنّ العراق بذلك “يتّجه نحو الأمية، وليس محو الأمية”.
وبحسب منظمة اليونسكو فإن العراق امتلك قبل الإحتلال أفضل أنظمة التعليم في المنطقة، وتمكن من تنظيم حملات محو الأمية التي امتدت لكل الأقضية والقرى، واستمرت لسنوات حتى قضت على هذه الآفة في جميع أنحاء البلاد، لتعود وتتفشى من جديد بعد الإحتلال بين مختلف الفئات العمرية.
الأرقام الرسمية
من ناحيته قال المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي، أن الأرقام الرسمية التي أعلنت عنها السلطات العراقية عام 2020 تناولت السكان الذين تزيد أعمارهم عن 10 سنوات، وأن المسح الأخير الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء، بين أن نسبة الأمية تبلغ 13%، مؤكداً أن نسبة تفشي الأمية بين الذكور الذين تزيد أعمارهم عن 10 سنوات 8%، في حين بلغت نسبتها بين الإناث 18%، غير أن هذ النسبة تكون بالمجمل 13% عندما يؤخذ بنظر الإعتبار عدد السكان والعمر الذي تحتسب فيه نسبة الأمية.
ورغم أن الهنداوي تحدث عن “شراكات قوية مع الكثير من منظمات الأمم المتحدة لمعالجة المشكلة”، إلا أن تقارير هذه المنظمات لا تتطابق مع الأرقام الرسمية المعلنة لنسب الأمية في البلاد. وفي هذا الصدد قال عضو اللجنة الإستشارية للجنة محو الأمية في بغداد، صفاء عبد الكريم الأسدي، إن أرقام هذه المنظمات “مبالغ جداً فيها،” وأنّ سبب المبالغة في كثير من الأحيان هو “التنكيل أو الاستهداف السياسي” حسب تعبيره، لكنه رفض في الوقت نفسه إعطاء رقم تقريبي لنسبة الأمية في البلاد، معللاً ذلك ب”عدم وجود مسح علمي لوزارة التخطيط أو الجهات التعليمية في العراق”، الأمر الذي يتناقض مع بيانات وزارة التخطيط.
التقارير الدولية تتحدث
وحملت المراكز الدولية المتخصصة كلاً من الإدارة الأمريكية والحكومة العراقية مسؤولية تفشي هذه الظاهرة. وقال موقع أمريكي إن واشنطن تتحمل مسؤولية الفوضى والتمرد التي ترتبت على هذه الأزمة، لفشلها في إعادة بناء العراق بشكل صحيح بعد غزو 2003، مطالباً كلاً من بغداد وواشنطن بالعمل سريعاً لاحتوائها قبل فوات الأوان. وربط موقع “أتلانتيك كونسيل Atlantic Council” “، بين انتشار فيروس “كورونا” والأزمة الإقتصادية التي يعيشها العراق، وبين تفشي الأمية، مؤكداً أن هذه العوامل “تهدد بظهور جيل أمي في هذا البلد العربي المنهك بسبب الصراعات الطائفية والتدخلات الخارجية”. وأكد الموقع إن “الآثار المدمرة لكورونا مع سنوات من الآثار غير المباشرة للنزاع العنيف، أثبتت أنها ضارة بالطلاب الذين يحظى تعليمهم وطموحاتهم المهنية المستقبلية باهتمام محدود،” مضيفاً أن “العراق الآن يواجه بالإضافة إلى آثار الوباء، إمكانية بروز جيل أمي بأكمله”. وأكد الموقع أن 11 مليون طفل عراقي، من طلاب ما قبل الابتدائي وحتى ما بعد المرحلة الثانوية تأثروا بعد أن خضعت مدارسهم للإغلاق بكل البلاد.
ومما فاقم مشكلة الإنتقال إلى التعليم عن بعد، جهل كثير من التلاميذ بكيفية التعامل مع جهاز الحاسوب، ففي عام 2018، ذكر موقع التحليل المستقل للإحتياجات الإنسانية “ACAPS”، أن إمكانية الوصول إلى جهاز كمبيوتر في المنزل متاحة فقط ل20 بالمئة من الأطفال في العراق، مما يعني استحالة الإنتقال إلى التعلم عن بعد خلال فترة الإغلاق بالنسبة للغالبية العظمى منهم.
الأمية بين النازحين
ونقل الموقع عن أولياء أمور التلاميذ الذين أجريت لقاءات معهم، أن أولادهم لم يتلقوا أي تعليم منذ شباط/فبراير 2020، عندما أغلقت المدارس. وينطبق ذلك على تلاميذ المحافظات الشمالية، التي شكا معلموها من رداءة شبكة الأنترنت، حيث يحتل العراق عالمياً مرتبة أقل من المتوسط بكثير في جودة الإنترنت، وحتى لو توفرت الشبكة فقد لا تتوفر الكهرباء لتشغيلها.
وأضافت الناشطة الحقوقية هناء الهاشمي شريحة أخرى كانت نسبة تفشي الأمية فيها أكثر تأثراً من غيرها، هي شريحة النازحين الذين ولد كثير منهم في المخيمات، وبعضهم تجاوز سن المدرسة دون أن يحصل على قدر بسيط من التعليم. وعددت الهاشمي أهم عوامل تفشي الأمية، التي كان من بينها العامل الأمني وتردي الوضع الإقتصادي وضعف الإهتمام الحكومي والتوعية، ثم جائحة كورونا التي زادت الوضع تعقيداً، مؤكدة أن “هناك أكثر من مليون طفل دون سن السادسة عشرة، هم إمّا نازحون أو انخرطوا في سوق العمل، ويمكن للحكومة لو كانت جادة إعادتهم لمقاعد الدراسة، وتوفير مدخول مالي يغنيهم عن العمل”.
وفيما يتعلق بالفئات غير المتعلمة من البالغين، ألقت الهاشمي باللائمة على غياب الترغيب الحكومي، “مما فاقم المشكلة، لتضاف إلى باقي أسباب ارتفاع نسب الأمية في العراق”.
وكالة يقين
شبكة البصرة
الجمعة 3 رجب 1443 / 4 شباط 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


