كي لا تفسد بصيرة الشعب
شبكة البصرة
السيد زهره
الجدل لا يتوقف في العالم كله حول أزمة الصحف الورقية والمصاعب الوجودية الي تواجهها. هذا أمر طبيعي فالأزمة مفتوحة وممتدة في كل دول العالم.
اتابع هذا الجدل باستمرار وما يتم طرحه من أفكار في هذا الخصوص. لا اريد ان اتوقف عند هذا الجدل في حد ذاته، وقد سبق علي أي حال ان ناقشت تفصيلا في مقالات وتحليلات عدة مختلف ابعاد الأزمة.
من بين كل ما قرأته عن الأزمة في الفترة الماضية توقفت مطولا بكثير من التأمل عند مقولة اطلقها ايان هيسلوب رئيس تحرير مجلة “برايفت” البريطانية الساخرة وهي الأكثر توزيعا في بريطانيا.
المجلة ليس لها موقع الكتروني على الانترنت. وعندما سألوا رئيس التحرير عن سبب رفض وجود اصدار رقمي للمجلة قال: “الناس تعب بصرها من النظر الى المواقع، هلي تريدون مني المساهمة في افساد بصر الشعب بعد ان افسدتم بصيرته؟”
حين تأملت ما قاله وجدت انه أبلغ تعبير عن الدور الكارثي الذي تلعبه مواقع الانترنت والتواصل الاجتماعي، وابلغ تعبير عن الدور البناء الذي تلعبه الصحافة الورقية.
نعم.. مواقع الانترنت والتواصل تفسد بصيرة الشعب. ولكن ماذا يعني هذا بالضبط؟
البصيرة هي التي تجعل المواطن لديه القدرة على ان يفرق بين الحق والباطل. بين الصواب والخطأ. بين ما هو صادق وما هو كاذب.. بين ما يخدم الوطن والمجتمع وبينما يسيء اليه او يفسده ويدمره. وهكذا.
بعبارة أخرى، البصيرة تعني في المحصلة النهائية ان يكون المواطن على درجة من الوعي والقدرة على التمييز بما من شأنه في النهاية ان يمكنه من بلورة صياغة موقف وطني مسئول تجاه القضايا الوطنية المختلفة.
البصيرة بهذه المعاني هي بالضبط ما تفسده مواقع الانترنت والتواصل والفوضى الالكترونية عموما.
نعلم جميعا كيف يفسدون بصيرة الشعب.
دول ومنظمات وقوى وجماعات طائفية وتخريبية منظمة لديها عشرات المواقع على الانترنت كلها مكرس للترويج لأفكار ومخططات ولأجندات تخريبية لدول ومجتمعات. وبالطبع يتابع الناس هذه المواقع وما ينشر فيها ويتأثرون به بهذا القدر او ذاك.
سيل لا يتوقف من الاشاعات والأكاذيب والمعلومات الزائفة المضللة يتم ترويجها عبر هذه المواقع، ويصعب على الكثيرين اكتشاف حقيقتها والتمييز بين المعلومات الصحيحة والكاذبة المضللة، وبين ما هو حق وما هو تشويه متعمد.
وهذه المواقع لا تكف عن التحريض على التمرد وارتكاب اعمال عنف واستهداف للدولة ومؤسساتها.
وغير ما ذكرناه هناك جوانب كثيرة أخرى لكيف تقوم هذه المواقع بافساد بصيرة الشعب.
وهذا كله يتم في ظل تراجع الصحافة ودورها في مختلف دول العالم.
لهذا يصح تماما ما قاله احد الكتاب حين كتب: “التجارب التاريخية علمتنا أن مشاركة المجتمع في تحمل المسؤولية العامة تتراجع بغياب الصحافة. الناس أنفسهم يصبحون أقل إحساسا بوحدتهم الجماعية وأكثر تحزبا وطائفية وقبلية من دون صحافة فعلية بين أيديهم”.
ويصح أيضا ما قالته ماري بيث إيرنهيردت استاذة الصحافة بجامعة يونجزتاون بولاية أوهايو الأمريكية من ان “المجتمع من دون صحيفة مركزية قوية سيكون مفتقدا للقيادة وإلى جزء كبير من هويته”.
كل ما ذكرناه يقود الى نتيجة جوهرية يؤكدها اغلب المحللين في العالم الذين ناقشوا القضية.. ان بقاء وقوة الصحافة الورقية ضمانة كبرى لتحصين الدولة والمجتمع في مواجهة هذه الفوضى المدمرة.
بعبارة أخرى، دعم الصحافة واعطاؤها الاستقلال والحرية بما من شأنه تمكينها من أداء واجبها الوطني الحاسم ضرورة استراتيجية.
هذا اذا كنا لا نريد لبصيرة الشعب ان تفسد.
شبكة البصرة
الاحد 6 جماد الثاني 1443 / 9 كانون الثاني 2022
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


