بعد تجفيف نهرها وترهيب قراها.. مئات المعامل تغلق أبوابها في محافظة ديالى
شبكة البصرة
فقد مئات العمال في محافظة ديالى وظائفهم بعد أن أغلقت المصانع والورش التي يعملون بها أبوابها، بحسب تصريحات صحفية لمسؤول حكومي في المحافظة. وقال مدير ناحية بني سعد نجم السعدي، “إن نحو (20) معملاً أغلقت أبوابها خلال الآونة الاخيرة في المدينة الصناعية، ألواقعة شرقي الناحية، والتي تُعد الأكبر على مستوى ديالى، حيث تضم ما يقرب من (300) معمل ومصنع وورشة، تنتج أكثر من (70) بضاعة مختلفة بينها المواد الغذائية”. وعزا السعدي سبب ذلك لضعف الدعم الحكومي ومنافسة المنتوج المستورد، إضافة لقلة الخدمات التي من شأنها أن تؤمن ديمومة الإنتاج. وأكد المسؤول الحكومي إن 95% من المعامل والمصانع في ناحية (بني سعد) قد توقفت في الوقت الحالي، لتضاف إلى أعداد أخرى منها متوقفة منذ عام 2003. ووصف السعدي وضع المدينة الصناعية بالمأساوي، ويعكس المعاناة والكارثة الحقيقية التي انتهت إليها الصناعة العراقية، وتحديداً القطاع الخاص. وتسبب إغلاق هذه المصانع والورش بفقدان مئات العمال مصدر رزقهم الوحيد.
وسبق ذلك، الإعلان عن إغلاق 68 معملًا لإنتاج الطابوق في المحافظة بسبب نقص الوقود نيسان/أبريل الماضي. وبحسب أرقام رسمية فإن 120 معمل طابوق أهلياً توقف عن العمل خلال الأعوام السابقة، بسبب شحة النفط الأسود، الذي تعمل به هذه المعامل، وافتقار المحافظة لمعامل التكرير والإستيراد العشوائي للطابوق من بعض دول الجوار، مما جعل هذه المعامل غير مجدية اقتصادياً، فتوقفت عن العمل.
حرب مقصودة
وقال عمال فقدوا وظائفهم إن محافظتهم تتعرض لحرب مقصودة من قبل أطراف في الحكومة وجهات متنفذة لإجبار سكانها على الرحيل. وتطرق هؤلاء العمال للعديد من الشواهد التي قالوا إنها تثبت كلامهم، منها الهجمات المتكررة على قراهم، التي تقوم بها الميليشيات والقوات الحكومية، والتواطؤ مع إيران من خلال سكوت الحكومة على الإجراءات التي تقوم بها الأخيرة في منع حصة العراق من المياه، حيث يوشك نهر ديالى على الجفاف، والآن يضيقون على المعامل لتغلق أبوابها. وتساءل “حساني البهرزي” وهو مسن تجاوز الستين كان يعمل في أحد معامل الطابوق قبل إغلاقه، “هل من المعقول أن دولة نفطية لا تستطيع توفير النفط الأسود للمعامل؟ أين نذهب الآن وأنا أعيل أسرتين بينهم أيتام؟”
وكانت وزارة النفط قد رفعت سعر النفط الأسود في السوق المحلي أيلول الماضي، مما دفع خبراء اقتصاديين للتحذير من أن هذا الإجراء سيؤدي لإغلاق معامل الإسفلت والكاشي والطابوق التي تعمل بهذا الوقود، وبالتالي فقدان آلاف العمال لوظائفهم، إضافة لاستنزاف الإقتصاد من خلال استيراد منتجات يمكن انتاجها محلياً، لكن الوزارة لم تستجب لهذه التحذيرات، مما أدى في النهاية لإغلاق هذه المعامل.
وفي تقييمه لهذا القرار قال المحلل الاقتصادي طارق الأنصاري، “إن التخبطات في إدارة السياسة النفطية وفقدان التوزان في حوكمة هذه الإدارة أساءت كثيراً إلى اصحاب المهن والمعامل في القطاع الخاص، لكون مادة النفط الأسود تستخدم في كثير من هذه المعامل”
زيادة أرباح الوزارة
من جهته قال الخبير الاقتصادي نبيل جعفر في حديث صحفي، إن “النفط الأسود كما هو معروف من مخلفات صناعة المصافي وصناعة التكرير العراقية، ويشكل بحدود نصف إنتاج المصافي العراقية”، وأن العراق “يصدر سنوياً من زيت الوقود الثقيل أو ما يسمى بالنفط الأسود أكثر من ملياري دولار، ويباع سعر الطن الواحد في السوق العالمية اليوم، بحدود 400 دولار”، مبدياً استغرابه من قرار وزارة النفط برفع سعر المتر المكعب من النفط الأسود المزود لمعامل الطابوق والكاشي من 100 الى 150 ألف دينار، ولمصانع الأسفلت المؤكسد من 150 الى 250 ألف دينار، مؤكداً أن “هذا الإجراء أدى إلى ردود فعل عنيفة من قبل أصحاب المعامل الذين تظاهروا مؤخراً أمام وزارة النفط، لأن الكلفة أصبحت مرتفعة جداً، وحتى أن العديد من المعامل قد سرحت عمالها وأغلقت أبوابها”.
وعن دوافع الوزارة لاتخاذ مثل هذا القرار قال جعفر، إن خطوة وزارة النفط “يراد بها زيادة أرباح هذه الوزارة، مع أن شركات المصافي تبيع النفط الأسود إلى شركة التوزيع بمبلغ 60 ديناراً للتر الواحد، وهو مبلغ زهيد جداً، لكن رفع السعر سيؤدي إلى زيادة أرباح وزارة النفط وشركات التوزيع والشركة العامة لتوزيع المنتجات النفطية”.
وتابع الخبير الإقتصادي القول إن “هذا الأمر ألحق الضرر بمصانع القطاع الخاص ما سيؤدي إلى ضرر اقتصادي واجتماعي كبير، لأنه يقلل من القدرة التنافسية لهذه المصانع، وبالتالي ستصبح المنتجات لهذه الصناعات غير قادرة على منافسة السلع المستوردة، ما يؤدي لاحقاً إلى زيادة الاستيراد، وبالتالي زيادة خروج العملات الأجنبية إلى الخارج”.
ديالى تدفع الثمن
وقالت مصادر مطلعة أن أزمة النفط الأسود، ورغم أنها لا تقتصر على محافظة معينة، إلا أن محافظة ديالى دفعت الثمن الأكبر، لمعاناتها منذ سنوات من أزمات مركبة ومختلقة، الغاية منها دفع أعداد من سكانها إلى الهجرة، بعد بيع ممتلكاتهم ومعاملهم وبساتينهم بأسعار متدنية لأطراف متنفذة، تقوم بتجريفها وتغيير جنسها، لمنعهم من التفكير بالعودة. وضمن مسلسل التهجير إرتكبت ميليشيا العصائب في هذه المحافظة في آب/أغسطس 2014 جريمة بشعة، عندما قتلت أكثر من 70 مصلياً وجرحت عشرات آخرين، كانوا يؤدون صلاتهم في جامع “مصعب بن عمير” في قرية إمام ويس غربي ناحية السعدية (أطلق سراح الجناة لاحقاً). وإلى جانب العديد من أقضية وقرى المحافظة، استُهدفت قرية “نهر الإمام” في قضاء المقدادية مطلع عام 2015 بقنابل الهاون من قبل المليشيات الطائفية، ثم عادت هذه الميليشيات عام 2016 لترتكب جريمة أخرى عندما أقدمت على تفجير مقهى في المدينة، وإحراق ما لا يقل عن 9 جوامع، لتواصل سلسلة من الإعتداءات على هذا القضاء، كان آخرها يوم 27 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، عندما قامت مجاميع مسلحة من الحشد الشعبي بالإغارة على قرية “نهر الإمام”، وقتلت 12 مدنياً، ففر سكانها إلى قرية “شوك الريم”، التي انهالت عليها قنابل الهاون عقاباً لها، لأنها آوت الفارين من مجزرة قرية نهر الإمام.
وعقبت هذه المصادر بالقول، إن التضييق على معامل محافظة ديالى مؤخراً، يأتي ضمن هذا المسلسل الترهيبي، الذي شمل أعمال قتل وعنف طائفي على أيدي المليشيات، شاركت به قوات حكومية، ضمن مساعيها لتنفيذ مخطط التغيير الديمغرافي فيها.
وكالة يقين
شبكة البصرة
الخميس 5 جماد الاول 1443 / 9 كانون الاول 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


