أحداث أفغانستان والتحولات الجديدة في العالم
شبكة البصرة
د. علي بيان
مقدمة: بعد إسقاط حكم حركة طالبان عام 2001 نتيجةً للحرب التي شنّتها الولايات المتحدة الأميركية على رأس ائتلاف دولي من 40 دولة من بينهم جميع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ظاهريًاً بسسب رفض الحركة تسليم أسامة بن لادن المتهمة جماعته (القاعدة) بتفجير برجي التجارة العالميّين في أيلول من العام نفسه، وحقيقةً بسبب اعتقاد الإدارة الأميركيّة اليمينيّة (الريغانيّةـالبوشيّة) أنّها تمتلك ما يكفي من فائض القوّة والتحالفات لتكريس أحاديتّها دولةً عظمى في العالم، والخروج من عقدة هزيمتها المدويّة في فيتنام، والتوسّع الجغرافي في محاصرة روسيا والصين الصاعدة، عادت طالبان لتسيطر على معظم أفغانستان البالغة مساحتها 652230 كم2 وبحدود بريّة حوالي 5529 كم باستثناء منطقة بنجشير في شمال شرق البلاد حيث تتمركز قوّات “أسد بنجشير” بقيادة أحمد مسعود، نجل أحمد شاه مسعود الذي كان أحد القادة الأساسيّين لمقاومة الإحتلال السوفياتي في الثمانينيّات والذي انتهى بالإنسحاب عام 1989، وبالتعاون مع نائب الرئيس الأفغاني أمر الله صالح الذي أعلن نفسه رئيساً للبلاد بالوكالة فور لجوء الرئيس أشرف غني إلى الإمارات المتحدة، ووزير الدفاع مع مجموعة من الجيش الأفغاني. تمّ ذلك بعدما خاضت الحركة معارك ومواجهات مع قوات الإحتلال وقوات الحكومات المتعاقبة على الحكم خلال عشرين عاماً، وكذلك خوض مفاوضات طويلة استمرّت 18 شهراً، وبجلسات متعدّدة كانت أبرز محطّاتها العاصمة القطريّة الدوحة.
تداعيات وردود أفعال: فور السيطرة السريعة لطالبان على أفغانستان وانتشار مسلحيها بأسلحتهم الثقيلة والخفيفة في شوراع المدن بما في ذلك العاصمة كابل خرج عدد قليل من النساء إلى الشوارع وخلع الرجال ملابسهم ذات النمط الأجنبي وارتدوا الملابس الشعبيّة الأفغانيّة، وتمّ طيّ العلم الأفغاني ورفع علم الإمارة الإسلاميّة، وظهر الخوف والهلع على الأفغان المتعاونين مع قوّات الإحتلال وهرولتهم عشوائيّاً إلى مطار كابل سعياً لصعود الطائرات التي تنقل رعايا الدول الأجنبيّة، حيث سادت مظاهر غريبة لتعلّق الأفراد بأجنحة ودواليب الطائرة وكأنّها مركبة أرضيّة يمكن التعلّق بنوافذها وأبوابها والإنتقال إلى مكان آخر. لم تحدث أعمال عنف كثيرة ولكن سقط عدد من القتلى في عدة مدن نتيجة التدافع أو إطلاق النار من قبل مسلحي طالبان المنتشرين في الشوارع. رغم المشهد العام الذي يفيد بسيطرة طالبان شبه التامّة على البلاد إلاّ أنّ مظاهرات مناوئة يحمل أفرادها العلم الأفغاني سارت في أكثر من مدينة بما في ذلك العاصمة كابل بمناسبة ذكرى الإستقلال عن بريطانيا في 19 آب 1919، واحتجاجاً على سقوط ضحايا في عدة ولايات. ومن الإشارات الأوليّة لسيطرة طالبان عودة نائب زعيم الحركة المللا عبد الغني برادر إلى قندهار على طائرة قادمةً من العاصمة القطريّة الدوحة تمهيداً لانتقاله إلى كابل لإجراء مفاوضات تشكيل سلطة إنتقاليّة، حيث ينشط في هذا المجال كلّ من الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي ورئيس مجلس المصالحة الأفغاني عبدالله عبدالله. وصدر عن مسئولين في حركة طالبان مواقف تطمين للداخل والخارج حيث أعلن المتحدّث بإسم الحركة ذبيح الله مجاهد في مؤتمر صحفي أن الحركة تتعهّد السماح للنساء بالعمل في إطار احترام مبادئ الإسلام، كما قال المتحدّث بإسم المكتب السياسي لطالبان في الدوحة سهيل شاهين أنّ “البرقع ليس الحجاب الوحيد الذي يمكن الإلتزام به، فهناك أنواع مختلفة من الحجاب”. وصدرت تطمينات إلى موظفي الحكومة في الحكومة السابقة بقبول “استئناف عملهم برضا تامّ ومواصلة واجباتهم دون خوف”، مع التأكيد على إقامة “نظام سياسي إسلامي شامل” في أفغانستان، في الوقت ذاته قال القيادي في طالبان وحيدالله هاشمي “أن الحركة لن تعتمد النظام الديموقراطي على الإطلاق لعدم وجود قاعدة له في بلدنا، وستتبع القوانين الإسلاميّة”. كما تمّ تأكيد عدم المساس بأمن دول الجوار على المدى الطويل، ومنع استخدام أراضي البلاد نقطةً لتجمّع الجماعات المتطرّفة، أو أن تكون منطلقاً لإستهداف الآخرين. ما صدر حاليّاً عن طالبان يشكّل في حال الإلتزام به نقلة نوعيّة مقارنةً مع النمط المتشدّد الذي طبّقته سابقاً (1996ـ2001) مثل منع النساء من العمل والفتيات من الذهاب إلى المدارس، وإلزام النساء إرتداء النقاب وعدم الخروج بغير محرم. رغم ذلك حدثت أعمال إنتقام متفرّقة حيث أفادت تقارير أن مسلحّين اقتحموا منزل قيوم رحيمي، حاكم ولاية لوكر السابق وسط أفغانستان وأخرجوه بالقوّة إلى الشارع وقتلوه بالرصاص مع شقيقه سلام. كما حدثت سرقات لسيارات ودراجات ناريّة في أكثر من مكان في البلاد. كما أوردت تقارير أن طالبان وضعت قوائم ذات أولويّة للأفراد الذين تريد توقيفهم خاصّةً أولائك الذين كانوا يتولّون مناصب مسئولة في صفوف القوات المسلّحة والشرطة ووحدات الإستخبارات.
من ناحية أخرى سادت حالة من الإرباك خاصةً في مواقف وإجراءات الدول المشاركة في احتلال أفغانستان ودول الجوار. في هذا الصدد قال وزير خارجيّة الإتحاد الأوروبي جوزيب بوريل أنّ على الإتحاد محاورة طالبان لأنّهم ربحوا الحرب، ولكن هذا لا يعني اعترافاً رسميّاً بنظامها من جانب بروكسل. وعلّقت ألمانيا برنامج “التعاون الحكومي والتنمية” حيث كانت تخصّص 430 مليون يورو لأفغانستان. وأعلنت فرنسا عن تخوّفين من النتائج المحتملة للتطورات الأفغانيّة وهما إرتفاع وتيرة “الإرهاب الإسلاموي” حسب تعبير الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتسبب في هجرات جديدة باتجاه أوروبا، التخوّف نفسه الذي أعربت عنه تركيا من انتقال المهاجرين الأفغان إلى أراضيها عبر إيران، مع سعيها بالتواصل مع الولايات المتحدة الأميركيّة للإشراف على مطار كابل، الأمر الذي رفضته حركة طالبان على الفور. وتشير التوقعات إلى أنّ عدد الذين سوف يقومون بالهجرة غير الشرعيّة عبر الباكستان وإيران وبشكل غير مباشر عبر تركيا قد يبلغ خمسة ملايين، وهذا ما يؤرق أوروبا التي تحاول العمل على إقناع الدول الثلاث المذكورة بإبقاء المهاجرين في أراضيها في استنساخ للحالة السوريّة حيث تركز وجود المبعدين والمهجرين بشكل رئيسي في دول جوار سوريا مع تقديم وسائل دعم مباشرة أو عبر هيئات الأمم المتحدة. من جهة أخرى أعلنت الولايات المتحدة الأميركيّة عن تواصل إتصالاتها مع ممثلي طالبان في الدوحة، وكذلك بين الجيش الأميركي في أفغانستان وقوات الحركة على الأرض حيث يتم الإحتفاظ بنحو 4500 جندي في كابل، ما لبث أن ارتفع العدد إلى 5800 بعد استقدام جنود إضافيّين. وقد تجلّى التنسيق الأميركي مع طالبان بأن الجيش الأميركي يشرف على مطار كابل من الداخل وينظّم رحلات الطيران وتسيطر طالبان على المداخل دون حدوث تصادم يذكر بين الطرفين. وفي الوقت ذاته اتخذت أميركا قراراً بتجميد الأصول الماليّة للحكومة الأفغانيّة ووضعت قيوداً على إمكانيّة الإستفادة من صندوق النقد الدولي. أما روسيّا التي تحتفظ بذكريات مرّة من التواجد السوفياتي السابق في أفغانستان فقد أجرت مناورات عسكريّة مع طاجكستان وأوزبكستان العضوين في مجموعة “منظّمة الأمن الجماعي” بقيادتها، كما أبرمت السفارة الروسيّة اتفاقاً مع طالبان يضمن أمن موظّفيها، مع تاكيد على أنّ موسكو لن ترفع الحركة عن لائحة الإرهاب قبل أن ترى تغييراً في سلوكها على الأرض، علماً أنّ الأولويّة الروسيّة هي ضمان أمن حدود الدول المجاورة لأفغانستان خاصّةً طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان لتحاشي تفعيل نشاط القاعدة وداعش في بعض جمهوريّات الإتحاد الروسي مثل الشيشان وداغستان وغيرهما، والسيطرة على إنتاج وتصدير المخدرات دون الإهتمام في آليّات إدارة طالبان للأوضاع الداخليّة. بالنسبة إلى الصين فلقد أكّدت لطالبان الإستعداد لدعمها في إعادة الإعمار وتعزيز السلطة الجديدة مقابل عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة الصينيّة لجهة عدم السماح بتقديم مأوى “للإنفصاليّين” الأيغور في أفغانستان. أما إيران فأعربت عن ارتياحها لسيطرة طالبان رغم أنّها ساعدت الأميركيّين على احتلال أفغانستان (لولا إيران لما تمكنت أميركا من احتلال كابل وبغداد كما أعلن نائب رئيس إيراني سابق، محمد علي أبطحي)، وأعلنت أنّ سفارتها في كابل وقنصليّتها في هرات مفتوحتان. أمّا باكستان فقد أعلنت أنّها ستتّخذ قرار الإعتراف بإدارة طالبان بعد التشاور مع روسيا والصين وإيران وكذلك تركيّا، وعقد السفير الباكستاني في كابل عدّة لقاءات مع قيادات طالبان والأطراف الأفغانيّة الأخرى من بينهم حامد كرزاي وعبدالله عبدالله لتفعيل الحوار بين الأطراف الأفغانيّة المتنازعة. جدير بالذكر أنّه جرى اتفاق في تموز 2018 بين أجهزة الإستخبارات الباكستانيّة والروسيّة والصينيّة والإيرانيّة لتنسيق الجهود ضد “داعشّ”. هذا وقد صدرت بيانات تهنئة عن بعض حركات الإسلام السياسي مثل حركة حماس وحركة النصرة وحزب المؤتمر الشعبي السوداني الذي أسسه حسن الترابي.
خلاصة: تؤكّد الأحداث المتسارعة في أفغانستان أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة خاصّةً والناتو عامّةً قد خسرا الحرب أمام طالبان ليس فقط عسكريّاً وإنّما قيميّاً لأن الشعارات ذات العلاقة ببناء دول ديموقراطيّة قد ذهبت أدراج الريّاح، فالولايات المتحدة الأميركيّة تجيد التدمير والقتل وإدارة الأزمات ولكنّها تعجز أو هي لا تخطّط ولا تريد إحداث نهضة وتقدّم في البلدان التي غزتها ومن أمثلتها فيتنام وأفغانستان والعراق خاصّةً إذا ما تمّ مقارنة ما قام به الإستعمار التقليدي الأوروبي خاصّةً البريطاني والفرنسي اللذان أحدثا طفرةً نوعيّةً في مجالات التعليم والنقل وتطوير الطاقة وغيرها من المعالم الحضاريّة في المستعمرات أو الدول المنتدَبة، رغم الممارسات الإستعماريّة الإستغلاليّة والقمع الذي مارسته ضد شعوب المستعمرات والجزائر وفلسطين أبرز مثالين للدور التاريخي المخزي لبريطانيا وفرنسا بحق الشعبين الجزائري والفلسطيني. ونظراً للتنوّع القومي والأثني في أفغانستان وارتباط بعض القوميّات بقوميّات مماثلة في دول الجوار، واحتفاظ الحكومة الأفغانيّة السابقة بقدرات عسكريّة بشريّة وماديّة كبيرة وإن كانت كامنة، وحدوث تغيير في نمط حياة نسبة كبيرة من الشعب الأفغاني بعد عشرين عاماً من تواجد جيوش دول أجنبيّة مع ثقافاتها وتقاليدها التي تؤثر وتتأثر في المحيط الموجودة فيه، والتاثير الضاغط لملايين الأفغان المحتمل انتقالهم إلى دول أخرى خاصّةً في أوروبا وأميركا، وتعقيدات تأثير الدول المجاورة لأفغانستان ودول أخرى في العالم من بينها الدول الكبرى دائمة العضويّة في مجلس الأمن ودول الإتحاد الأوروبّي والهند التي تتوجس خشيةً من تصاعد الدور الباكستاني وما له من تاثير على الصراع في كشمير ومصالح الهند في أفغانستان خاصّةً إمدادات الطاقة، فإن الفترات اللاحقة ستشهد مساراً طويلاً من المفاوضات تتخلّلها صراعات مسلّحة وإن كانت محدودة في المكان والزمان بين الأطراف الأفغانيّة مع تدخّل وتأثيرات متباينة للدول المتنازعة على الحفاظ على مرتكزات نفوذ خدمةً لمصالحها باستثمار الثروات المعدنيّة ومخزونات الطاقة من غاز ونفط، وطرق مواصلات، وحفظ أمنها القومي من إحتمال تفعيل نشاط منظمات الإسلام السياسي (القاعدة وداعش وغيرها) التي لا تستطيع طالبان السيطرة على نشاطاتها في ظل الإرباك الداخلي الذي ستشهده البلاد ريثما يتمّ إتفاق الأطراف الداخليّة والدوليّة على ترسيخ سلطة إنتقاليّة تريح ولو بالحدّ الأدنى الأطراف المتنازعة الداخليّة والخارجيّة والتي تتداخل فيما بينها كالشبكة العنكبوتيّة بحيث يصعب معرفة من مع من، ومن ضدّ من استناداً إلى ما ورد أعلاه من مواقف وإجراءات لوجستيّة للدول المؤثّرة في المشهد الأفغاني. وبصرف النظر عمّا ستشهده أفغانستان من تطورات لاحقة فإنّه كما كانت نتائج الغزو السوفياتي لأفغانستان محطّةً رئيسيّةً في تفكّك الإتحاد السوفياتي، فإن نتيجة الغزو الأميركي ستكون المحطّة المفصليّة في انتهاء أحاديّة القطبيّة الأميركيّة، وظهور علاقات دوليّة جديدة أكثر عقلانيّة وتوازناً، وهذا ما يستدعي من العرب أن يضعوا استرتيجيّات وخططاً جديدةً على الصعيد البنيوي القطري الداخلي، وعلى صعيد العلاقات البينيّة الثنائيّة والجمعيّة الوحدويّة لمواكبة التبدلات الدوليّة، ووضع حدّ لإستمرارهم طرفاً هامشيّاً في المعادلات الدوليّة المستقبليّة.
الطليعة البحرينية
شبكة البصرة
الثلاثاء 30 محرم 1443 / 7 أيلول 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


