في ذكرى الانفجار يجب التركيز على إعادة الإعمار
الرابع من آب: إنّ هذه السلطة تريد أن تحلّ هذا الشعب وتنتخب شعباً آخر مكانه
شبكة البصرة
عمر شبلي
في قول لبحّارٍ طروادي: “إذا خسرتَ البحر فقد خسرت الأرض”، وكان يقصد أنك إن لم تكن قادراً على التغلب على العواصف في البحر فإن سفينتك ستتحطم، ولن تصل إلى الساحل. وهذا ما حصل في الرابع من آب في معركة البحر مع بيروت، لقد انتصر البحر على بيروت لأن الذين كانوا يقودون السفينة كانوا مشغولين بتهريب بيروت وأخواتها إلى البنوك الأجنبية المتخمة بجنى أعمار اللبنانيين الشرفاء، وأموال لصوص السلطة بائعي الوطن ودماء أبنائه ليستمروا في النهب والفساد وتهريب الشعب اللبناني إلى الخارج لاستبداله بشعب يعجبهم، وببيروت أخرى لا تحاسبهم على فسادهم، كانوا كما يقول بريخت في إحدى مسرحيته “يريدون حل الشعب لاختيار شعب آخر مكانه”.
ضحايا انفجار المرفأ إلى الآن لم تتضح كيفيّة موتهم. ولربما أوضاع ذويهم وأهلهم لا تقل لوعة وحرقة عنهم. بعضهم إلى الآن لا بيت له، وبعضهم فقد كل ما يملك، والأدهى من كل شيء في هذه المأساة أن جميع أركان السلطة من فوق إلى تحت لم يتكلم أحدهم كلمة واحدة حول حقيقة ما جرى، فما هو السبب في سكوت أركان السلطة كلهم عن كشف ما جرى. بعضهم صرح في بداية الانفجار أنه سيكشف الحقيقة خلال أربعة أيام، وها هو عامل كامل مضى على المأساة، وجميع أركان السلطة صامتون صمت أبي الهول، فما هو سبب هذا الصمت؟ لا بد أن سبباً أخرسهم، وسيُكشَف ولكن بعد خراب بيروت عاصمة الكتاب والإنسان. ولكن لا بد أن تقوم العنقاء من رمادها وعودتها إلى الحياة. إن بيروت لن تموت، وسوف يصالحها البحر لأنه يفقد معناه إذا استغنت عنه بيروت. إن تصريحات كثيرة صدرت من بعض أركان السلطة يُستوحى منها الخوف من الإعلان عما في صدورهم من معلومات.
إن الوقوف مع بيروت في الرابع من آب هو وقوف مع قيامتها ونفض غبار الموت عنها، وبيروت تستحق ذلك. الوقوف مع بيروت في الرابع من آب هو وقوف مع إعادة إعمارها ورد الحياة إليها، والوقوف مع بيروت في الرابع من آب هو خلع السلطة المسؤولة عن محنتها ونكبتها. إن الوقوف مع بيروت في الرابع من آب يجب أن يكون مصحوباً بتصميم لإعادة الوهج والحركة إلى انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول، مع التخلص من الشوائب التي حاولت حرفها عن غايتها العليا. إن الوقوف مع بيروت في الرابع من آب يعني أن الشعب غير يائس ومصمم على الخلاص من كل من حاولوا قتل بيروت.
ليس هناك سلطة في العالم أحقر وأغبى من السلطة في لبنان، إن الشعب اللبناني يغرق بمآسي الجوع والمرض وفقدان الدواء والماء والكهرباء وهجرة أبنائه بحثا عن وطن يؤمن لهم لقمة العيش الشريفة. وهم غارقون في اختيار عملائهم لاستلام السلطة التي تأتي ولا تأتي. وغباؤهم نابع من طغيان فسادهم الذي يحجب عنهم رؤية مآسي الناس. الفساد هو نفسه الطغيان لأنه تجرؤ على حيوات الآخرين. وغباء حكامنا يذكرنا بالطاغية الإسباني الجنرال فرانكو حين أقعده المرض وبدأ الموت يقترب منه، فتجمع الناس خارج قصره استعداداً للابتهاج بموته، وحين سمع الصراخ سأل زوجته التي كانت تجلس إلى جانبه: ماذا يريد الشعب؟ فأجابته لقد جاؤوا لوداعك، فسألها باستغراب: ولكن إلى أين يريد الشعب أن يذهب؟.
اليوم أصحاب الشهادات العليا وذوو الاختصاص يغادرون لبنان يومياً وبأعداد عالية، وحكامنا مختلفون على من يستلم وزارة الداخلية ومن يستلم وزارة العدل، ومن يستلم وزارة الطاقة، إنهم يريدون أن يخرج كل واعٍ من لبنان ليبقوا هم وأتباعهم يبيعون ما تبقى من الوطن. إنهم لن يشبعوا ومن شبّ على شيء شاب عليه. إنهم يكررون سؤال الجنرال فرانك: إلى أين يريد الشعب أن يذهب؟ سألوا رجلاً لماذا لم تتصرف بهدوء وتكف عن شتم الحكومة لتنجو من الإعدام، فأجاب على الفور: “من اسْتُغْضِبَ ولم يغضَب فهو حمار”. وأمام هذا الكلام الفج الصحيح أمَا آن لنا أن نغضب ممن سرقوا أحلامنا، وهجّروا أبناءنا، وهرّبوا كلَّ ما يحتاجه الوطن إلى خارج الوطن، وعلى عينك يا تاجرْ.
تصوروا سلطة ترى التهريب والمهربين جهرةً وتعرف حتى أرقام سجلاتهم ولا تتعاطى معهم، أوَلا يحقُّ لنا أن نسألَ: أوَليست هذه السلطة متعاونة مع المهربين. بكل تأكيد السلطة متعاونة معهم. إن الذي يُهرِّب وطناً يستطيع بكل بساطة تبرير سلوك المهرب وتبرئة حاميه. أنا من قرية حدودية، وحين يأتي الليل أحس بصهاريج كبيرة تهدر طوال الليل، ولكنها تنام في النهار. أين كانت هذه الصهاريج سهرانة في الليل؟ لا أدري، ولا أستطيع أن أدري، لأنني تعبتُ كثيراً من كثرة ما دريت في حياتي.
تصوروا معي مستشفى تكاد تخلو من الأطباء الإخصائيين في زمن الكورونا والأويئة الوافدة من كل البلاد إلى لبنان لتصطاف فيه، بل لتقيم فيه، ولنتصور أيضاً مستشفيات تحتاج أدوات وحوائج طبية ضرورية. ولنتصور إغلاق الصيدليات في زمن انفتاح الأمراض بوفرة، وأنت تبحث عن دواء للضغط والسكري ولا تجد دواء، أوَلا يعني هذا أنْ عليك قبول الموت أو الرضا بإعطاء وزارة الداخلية للعبقري السياسي الملهم فلان بن فلان، وكذلك إعطاء العدلية لعبقري قضائي محسوب على فلان وابن فلان من أجل تحرير السلطة القضائية إلا من تبعيتها. فالوزارة منصب قبل أن تكون لإنسان مختص غير مرتبط بالسلطة الفاسدة المفسدة. قرأت في مذكرات تشرشل: ” مررتُ بمقبرة وقرأتُ فيها على أحد القبور: هنا يرقد الفقيد ذو الأخلاق الحميدة والسياسي النبيل فلان بن فلان، فتعجبت كيف وُضِع الاثنان في قبر واحد”، عندنا الجميع في السلطة يعترفون بوجود الفساد في السلطة، ولكن كل واحد يدعي براءته براءة إخوة يوسف من دم يوسف، ويلقي التهمة على الذئب، وكل واحد يحمل قميص براءةٍ عليه دمٌ كذِبٌ، كل واحد من حكامنا الفاسدين يعلن براءته ويتهم الآخر، وربما سيصلون إلى اتهام الشعب نفسه لكثر ما يبدو عليهم جميعاً من فساد.
تصوروا إلى أي حد وصل تدنّي حكامنا المحكومين، تجارِ الفضيلة وممارسي الرذيلة، وهو أن يأتي رئيس أجنبي كالرئيس الفرنسي إليهم في عقر دارهم، ويتهمهم بالفساد على طريقة مظفر النوّاب “لا أستثني منكم أحداً”. ولنتصور أن خمسين سياسياً لبنانياً موجودون في كل دوائر السلطة، وهم متهمون بالفساد وسرقة أمول الشعب. ولو تصورتهم على الفضائيات الإعلامية لشممت رواح فساهم حتى في صورهم. المياه ملوثة ونهر الليطاني صار مستنقعاً ولم يعد نهر، حين تمر بجانبه تحس وكأنك في مكان موبوء. والشعب ملوّث أيضاً لسكوته عن هؤلاء الذين لا يعرفون من لبنان سوى بنوكه، وهم يتبعونها حيث نقلت.
في ذكرى الانفجار يجب التركيز على إعادة الإعمار.
1/8/2021
طليعة لبنان
شبكة البصرة
الاثنين 23 ذو الحجة 1442 / 2 آب 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


