-{{{{{{داروسيا..............................................................إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ........................................................................... ولا بد لليل ان ينجلي وللجهل ان ينحسر؟؟؟!!!..................................................................................... بعناتا}}}}}}
(((( مسجد الاقصى يناديكم )))) ------=========================================================

نفتقدك يا طيب

نفتقدك يا طيب

شبكة البصرة

الدكتور خالد بريش – باريس
أربع سنوات عجاف تمر على الوطن، وعلى مدينتك طرابلس، منذ غيابك عنها. ومنذ أن كحلت عينيك بمنظر صمتها وبؤسها واهترائها على أيدي زعاماتها، من على شرفتك آخر مرة. ولو كنت اليوم بيننا يا طيبا يا ابن الطيبين، لبكيت على الحال الذي وصلت إليه. ولبكيت على أبناء مدينتك الذين طالما كانوا في الطليعة نضالا وكفاحا. ولتساءلت أين ذهب الرجال المناضلون الذين كانت تنجبهم هذه المدينة الولادة، ليكسروا هذا الصمت المميت حقا. ويكشفوا عنها غيوم البؤس؟!

أربع سنوات، لم ننسك فيها يا طيبا قولا وفعلا. وكيف ننسى من كان يحمل هم مدينته، بل الوطن والأمة… ونحن الذين كنا ننام على خبر مفاده أن الحكيم في الجنوب مع المناضلين المقاتلين للصهاينة وجها لوجه. فنستيقظ على خبر آخر يؤكد وجود الحكيم في مناطق عكار النائية. ليأتي الخبر اليقين، بأن عجوزا في جرود الضنية قد توعكت، فذهبت لتراها وتطببها، وتطلع على حالها. لقد كنا نعجز أحيانا عن تتبع حركتك ونشاطاتك. وأنت تتنقل من مستوصف إلى آخر، ومن بيت إلى بيت، تحت المطر، وفي العتمات. فتذكرنا بجدك الفاروق، ذلك الخليفة العادل، الذي أصبح عسس الليالي في أحفاده طبعا وسنة. ثم نتساءل ألا ينام الليل هذا المناضل الصابر بالله، ويرتاح؟

يطول الحديث عن مآثرك يا من مررت على صفحات القلوب. فحفرت فيها مكانك. واسترحت في دواخلها. وأنت الذي لم تبن قصورا، بل بنيت علاقات أخلاقية، وجسورا للثقة بينك وبين المواطنين. ولم تهرب أموالا بالمليارات إلى الخارج. بل هربت الدمعة من عيون الفقراء والبائسين. ولم تترك وراءك أكداسا مكدسة من الذهب والدولارات. بل تركت ابتسامات على الشفاه، وألسنة تلهج بالدعاء لك. وعقولا تتربع قامتك على ذاكرتها. وتاريخا ناصعا خلدته الأيام. ولم تتاجر بالدين والمذهب والطائفة، لأن ذلك في قاموسك من كبائر المحرمات. كان همك الأول والأخير الوطن، والمواطن، وطهر النفوس، ونظافة اليد.

كيف لا، وأنت حفيد «أبي الأنوار»، الذي أراد الخلوة والتعبد، منقادا لخالقه. فوجد اضطرابا في أعماقه. وبعضا من تعلق في ماديات الدنيا وتفاهاتها. فقرر العودة من مصر الكنانة، إلى بلده طرابلس، التي روى ظمأها أجدادك المفتون والعلماء من رحيق أقلامهم، وعدل أحكامهم. عاد إلى طرابلس، وباع كل ما يملك. وتصدق به على الفقراء والمحتاجين. ثم التحق مرة أخرى بخلوته متخلصا من أدران الدنيا وأوساخها. صادقا فيما أقدم عليه.

أنظر في عباب الأيام، فأجدك في أحد أفران المدينة تشرف على توزيع الخبز على أهل مدينتك المحتاجين. وتكسر بالتالي احتكار التجار الجشعين، المدعومين من السياسيين. لأنك لا تحب أن يجوع إنسان، أيها العمري كجدك الفاروق بن الخطاب.

أتلفت من حولي، فأجد رجالات المدينة ما زالوا يحتفظون بصورك، على جدران محلاتهم وبيوتهم، وهم إلى جانبك. أوفياء لمن عرفوا منه الوفاء والإنسانية. المحب لهذه المدينة وأهلها. وما زال كثيرون منهم يحتفظون بعلب الدواء الفارغة، التي كنت تعطيهم إياها، كذكرى من الرافعي الطيب قولا وفعلا وأصلا. وبعضهم ما زال يعرضها على زواره من أقارب وأصدقاء. ثم يهديك الرحمات وأجمل الدعوات.

وأتلفت من حولي مرة أخرى، فأجد أطباء ومهندسين ومحامين وغيرهم. ما زالوا يحتفظون بالكتب والأقلام والدفاتر التي كنت تزودهم بها. عندما كان الآخرون يقومون بكل ما أوتوا من جهد في سبيل تجهيل أبناء هذه المدينة، وتسطيح عقولهم وتصحيرها. ليبقوا متربعين على أكتافهم. وتبقى الزهور موردة فقط على شبابيكهم وبلاكينهم. لقد قمت بإرسال الطلاب إلى مختلف أنحاء العالم ليطلبوا العلم من خلال منح سخية. وكأنك أردت لمراكب الفينيقيين التي حملت الحرف وهي مغادرة، أن تحمل في طريق عودتها لأرض الوطن وشواطئه، المتعلمين المزودين بأرفع الشهادات، وسلاح العلم والمعرفة، بناة الأوطان والمستقبل.

لقد كنت الإنسان الذي لم تغيره الشعبية، ولا الزعامة التي لم تلق لأحد من بعدك، ممن يدعونها ويسعون إليها في أيامنا. وما زال شعارك القرآني (كأنهم خُشب مسندة)، يزين جدران بعض الأزقة والشوارع، فينعش قلوب المارة. ويجعل الناس تبتسم كلما قرأته. لأنك أصبت كبد الحقيقة من خلاله. وكأني بهم اليوم أكثر من خُشب ورب الكعبة. ولم تكن ممن كانوا يطلقون الوعود الهباء. ولم تكن من أصحاب العنتريات. بل كنت من أصحاب الفعل، البعيدين عن ردات الفعل، والانفعالية، والهوجائية. صبورا حتى الثمالة. تتحرك بصمت. فكانت مروحة خدماتك أوسع من أن تحصيها الكلمات. وكنت أول من سعى ومنذ مرحلة الاستقلال، إلى فتح باب المشاريع الإنمائية في طرابلس، وفي كل القطاعات. وكنت تتخذ المبادرة وراء الأخرى. وتمشي بها وترعاها. وتسقيها من جُهدك وعرقك. وتصوب مسيرتها، لتراها تزهر، وتطرح ثمارها، فينعم بها أبناء مدينتك ووطنك.

لقد حصرت خلافاتك مع الآخرين في السياسة. فأعطيتهم دروسا. وحشرتهم في خانة اليك. وهم الذين لم يتركوا فرصة إلا وحاكموك فيها على كل شيء. وانتقدوك في كل شيء. لقد حجمتهم جميعا، وأعطيتهم الدروس، يوم وضعت الوطن ومصلحته فوق كل اعتبار. ووضعت مدينتك في المقدمة. وجعلت منها الحصان الذي يقود الوطن. يوم فتحت المرفأ، فدبت الحركة في كل أرجاء الوطن. فكانت قوافل الشاحنات أولها في بغداد. وآخرها ينتظر دوره على الأرصفة في طرابلس، ليقوم بالتحميل.

عطاؤك يا طيبا، لم يكن محسوبا بالسطر والحرف والسنتيمتر. بل كان عطاء لا يدركه إلا من تلقاه يوما. وشاهد الفرحة تبرق في عينيك. لم تكن تكتيكيا، ولا ممثلا كوميديا تحسب كل حركة، وتنتظر مقابلها. كنت أنت أنت الطيب على حقيقتك، وسجيتك، وكامل إنسانيتك. كنت الأمثولة، والمثال الذي يحتذى. وغدوت خارج نطاق كل المقاييس عطاء وحبا وإنسانية. لقد كنت ظاهرة، والظواهر للأسف لا تتكرر. نعم ظاهرة في وطن الطوائف والمذاهب والحسابات الضيقة والتشرذمات. فكنت تستوعب الجميع بوطنيتك الصادقة، وأخلاقك ومبادئك التي رضعتها مع الحليب. كنت كحلم جميل مر في سماء هذا الوطن، وهذه المدينة. وللأسف، الأحلام الجميلة لا تطول.

لقد أقعدتك ظروفك الصحية عن العمل الميداني في السنوات الأخيرة مضطرا. وفي نفسك حسرات وآلام على الوطن، وأبناء مدينتك. ولكن أمثالك لا يعتزلون. واكتفيت بلقاء المحبين في دارك. وكان كل ما يصدر عنك في جلساتك الخاصة والعامة، يشكل بوصلة على أساسها يبني كثير من أهل مدينتك تصرفاتهم ومواقفهم. فكان السؤال لكل من كان يقصدك لزيارتك، والاطمئنان عليك:

– شو قال الحكيم؟ وعندما قال ذلك كيف كان. مبتسما عابسا مبسوطا؟

كم نحن بحاجة لحكمتك، ولوجودك بيننا، في هذه الأيام. وتأكد أن الطرابلسيين الأصلاء، الذين ما زالوا يتناقلون قصص أجدادك العلماء الأفذاذ، ويترحمون عليهم. فإنهم أضافوا إليها قصصك وأحاديثك. وسيبقون يترحمون عليك. وكلما مروا بقبرك ستكون لهم وقفة خشوع وصمت ودعاء بالرحمة والمغفرة. وأن كل من عرفك، ما زال إلى يومنا هذا كلما مر من أمام بيتك، أو عيادتك، يلقي نظرات متحسرة، ويهز برأسه مترحما على بيضة القبان، والمنارة التي نفتقدها جميعا. وإن نسيك بعض أفراد الجيل الجديد، فإن السلالم والدروب والزواريب التي كنت تسلكها مطببا معالجا مواسيا، معزيا لا ولن تنساك. وستبقى تفتقدك مثلنا تماما يا طيبا قولا وفعلا.

شبكة البصرة

الثلاثاء 3 ذو الحجة 1442 / 13 تموز 2021

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب ف

الموقع رأي حر الموقع لا يتحمل ما يكتبه الكتاب
كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب