بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هل فشل مشروع الفوضى واسقاط النظم؟ (1)
النتائج الكارثية للمشروع الأمريكي
شبكة البصرة
بقلم: السيد زهره
* دراسة أمريكية: اسقاط النظم يقتل الديمقراطية ويفجر حروبا أهلية
* الإطاحة بمصدق أجج العداء لأمريكا ومهد الطريق لحكم الملالي
* دول العالم أصبحت تعي النتائج المأساوية للاستسلام لمخططات الغرب
* اسقاط النظام العراقي قدم خدمة كبرى لإيران ومشروعها الإرهابي التوسعي
هذا الملف
هذا ملف من المهم جدا ان نفتحه في كل الأوقات، وفي الوقت الحاضر بالذات.
نعني ملف مشروع أمريكا الاستراتيجي لاسقاط نظم الحكم في الدول التي تستهدفها في العالم، بكل ما يرتبط بذلك حتما من فوضى وصراعات دموية ودمار في هذه الدول.
من المهم جدا لنا في الدول العربية ان نفتح هذا الملف ونتابع تطوراته في كل الأوقات لأننا في العقود الماضية كنا نحن اكبر ضحايا هذا المشروع الاستراتيجي الأمريكي. الثمن الذي دفعته دولنا ومجتمعاتنا وما تزال تدفعه في الحقيقة ثمن فادح على كل المستويات.
لهذا يجب ان نكون على علم في كل الأوقات بتطورات هذا المشروع وبما يثار حول من مواقف وآراء وبمستقبله بشكل عام، وفيما يخص دولنا العربية بشكل خاص.
ونحن احوج ما نكون لفتح هذا الملف في الوقت الحاضر بالذات لأننا إزاء تطور جديد هو مجيء إدارة الرئيس الأمريكي بايدن الى السلطة والمعروف عن أركانها حماسهم بشكل عام لمشروع اسقاط النظم ولأم نواياهم المعلنة حتى الآن تجاه الدول العربية هي نوايا عدوانية.
في الفترة الماضية قرأت عددا كبيرا من الدراسات والتحليلات كتبها باحثون ومحللون من مختلف دول العالم حول مشروع أمريكا الاستراتيجي باسقاط النظم. كل هذه الدراسات تقيم هذا المشروع في التطبيق العملي وتحاول ان تتوقع مستقبله، وبالطبع تبدي آراء مختلفة ومتباينة في الموقف منه من حيث المبدأ ومن زوايا أخرى مختلفة.
الأمر الذي لفت نظري ان هناك عددا كبيرا من هذه الدراسات والأبحاث اعتبر كتابها ان هذا المشروع بكل ما يرتبط به من مخططات وسياسات أمريكية وغربية عموما فشل في التطبيق العملي عبر العقود الماضية. المحللون والكتاب يتوصلون الى هذه النتيجة من من منطلقات فكرية وايديولوجية متباينة، ومن وجهات نظر مختلفة.
على ضوء كل هذا سنفتح هذا الملف في هذه المقالات وسنناقشه من زوايا مختلفة وسنعرض لمختلف الآراء وصولا الى القضايا الرئيسية التي يجب ان تشغلنا في الوطن العربي ونناقشها اليوم مع مجيء إدارة بايدن ومخططاتها.
***
رؤية اشتراكية
كما ذكرت هناك عدد كبير من المحللين من مختلف دول العالم يعتبرون ان المشروع الأمريكي الغربي باسقاط النظم فشل.
ومن بين الدراسات والتحليلات الكثيرة التي قرأتها وتعبر عن هذا الرأي اخترت تحليلين كبيرين يتوصلان الى هذه النتيجة من وجهتى نظر مختلفتين الى حد كبير.
التحليل الأول يعبر عن رؤية اشتراكية ان جاز التعبير وقدمه باحث اشتراكي امريكي.
والتحليل الثاني طرحته دراسة موسعة لمركز أبحاث امريكي شهير
اما التحلي الأول فهو للباحث الأمريكي أندريه فلتشيك وهو محلل سياسي وصحفي وصانع أفلام اشتراكي أمريكي مولود في الاتحاد السوفيتي. وقد توفي بالمناسبة منذ فترة في ظروف غامضة اثناء زيارة لتركيا.
يقول الباحث بداية ان هذا سيناريو تكرر كثيرا في العقود الماضية بشكل ناجح.. الغرب يحدد بلدا معينا باعتباره عدوا ولا بد ان يسقط نظام الحكم فيه. على الفور يبدأ شن الحملات الدعائية الضارية ضده، ثم يتم تنظيم حملات قاسية من فرض العقوبات تقود الى تجويع، وحتى موت أطفال ونساء وكبار سن وكل الجماعات الهشة الضعيفة. واذا لم ينهار البلد في خلال اشهر او سنوات قد يتم شن عدوان عسكري مباشر وحتى غزوه واحتلاله. هذا السيناريو تكرر كثيرا في عدة دول، من يوغوسلافيا الى العراق.
ويقول الباحث: لكن فجأة حدث شيء فريد.. هذا السيناريو من العدوان والارها ب توقف وتم ردعه.
ويضيف: الغرب لم يتوقف.. واصل استخدام نفس التكتيكات والسبل، في محاولة إرهاب الدول المستقلة التي ترفض الخضوع، وفي إرهاب الشعوب ومحاولة اجبارها على الخضوع، ومحاولة اسقاط النظم التي يريد اسقاطها. لكن الذي حدث ان قوة الغرب وقدرته التدميرية للدول توقفت فجأة وأصبحت غير فعالة ولا تحقق النتيجة التي يريدها.
ويعتبر ان هذه لحظة فارقة في التاريخ. الامبريالية لم تنهزم بعد، لكنها تفقد السيطرة على مقدرات العالم.
لكن ماهي الأسباب التي قادت الى ذلك من وجهة نظر الباحث؟.
هذه الأسبابا تتلخص فيما يلي:
1- ان الغرب لم يعد يستطيع، ولا يريد، ان يقاتل. الغرب ينفق تريلونات الدولارات على ” الدفاع” وبمقدوره ان يصنع القنابل النووية، والصواريخ الذكية والطائرات الاستراتيجية المقاتلة. لكن الغرب اصبح جبانا ولم يعد مستعدا للتضحية بارواح جنوده. هو يقتل عن بعد، او عن طريق عملائه الإقليميين لكن حين يتطلب الأمر ان يرسل جنوده يتوقف فورا ويتراجع.
2- ان الغرب مرعوب اشد الرعب من وجود قوتين عالميتين عظمتين هما الصين وروسيا، ليستا على استعداد للتخلي عن حلفائهما.
وقد فعلت الدول الغربية كل ما تستطيع من اجل اضعاف الصين وروسيا، ومع ذلك فان البلدين في صعود ولم تستسلما ولم تتخليا عن حلفائهما. وفي نفس الوقت يعزز البلدان مواقعهما ويبنيان تحالفات مع مختلف دول العالم.
3- ان كل دول العالم وبعد التجارب المريرة أصبحت على وعي تام اليوم بالمصير المأساوي المظلم ان هي استسلمت للمخططات الغربية. من العراق الى هندوراس الى ليبيا الى أفغانستان شهد العالم نماذج محددة لهذا المصير. شعوب هذه الدول لم تعرف الا الدمار والخراب والتقسيم ونهب الموارد.
4- ان هناك دولا في العالم تحدت بنجاح المخططات الغربية لاثارة الفوضى ولاسقاط نظم الحكم فيها، وخصوصا روسيا وكوبا والصين وكوريا الشمالية وايران وفنزويلا. وهذه الدول أصبحت بدورها نموذجا يحتذى لتحدي مخططات الغرب.
***
نتائج كارثية
أما عن الرؤية التي عبر عنها محللون أمريكيون وترى ان استراتيجية اسقاط النظم قد فشلت، فقد تضمنتها دراسة موسعة نشرها معهد كاتو للأبحاث في أمريكا اعدها بنجامين دينيسون تحت عنوان ” فشل عمليات تغيير النظم”. وسأقدم عرضا لأهم ما طرحته من أفكار.
تقول الدراسة بداية ان الولايات المتحدة في فترات مختلفة من تاريخها لجأت الى استخدام القوة العسكرية لتغيير نظم الحكم في انحاء العالم، وذلك على اعتبار ان هذا يحقق مصالحها. كما يزعم من يتبنون تغيير النظم ان هذا الطريق يحقق الأهداف بشكل اقل تكلفة واسرع، وانها تحول دون اندلاع حروب طويلة او الدخول في صراع عسكري ممتد.
لكن الذي حدث كما تذكر الدراسة انه ثبت بالأدلة القاطعة وبالدراسات التي اعدها كثير من الخبراء ان عمليات تغير النظم هذه فاشلة تماما.
سواء كانت الأهداف المعلنة لتغيير النظم هي محاولة تحقيق اهداف وغايات سياسية واقتصادية وامنية، او تحقيق الديمقراطية، اثبت الخبراء انها عمليا فاشلة ولم تحقق أيا من هذه الأهداف.
وتستعرض الدراسة تفصيلا الحجج والمبررات الأساسية التي يسوقها المخططون والمتحمسون لاستراتيجية اسقاط النظم وكيف ثبت انها فاشلة.
تتوقف عند حجة نشر الديمقراطية و وتعزيز حقوق الانسان.
توقل الدراسة ان الحجة الأكثر شيوعا لتبرير اسقاط النظم هي ان هذا سيقود الى إشاعة وتكريس الديمقراطية وحقوق الانسان، وبالتالي تحقيق الاستقرار والسلام داخليا وإقليميا.
هذه بالضبط هي الحجة الأساسية التي بررت بها إدارة بوش الابن غزو واحتلال أفغانستان والعراق واسقاط نظام الحكم في البلدين.
وتعتبر الدراسة ان التجربة العملية في البلدين وغيرهما من الدول اثبتت العكس تماما. أي اثبتت ان اسقاط النظام يقود الى العصف بالديقراطية وعدم تحققها باي شكل، والى تفاقم انتهاكات حقوق الانسان اكثر من السابق.
وتقول الدراسة ان الأكثر والأخطر من هذا ان اسقاط النظم يفجر حتما حروبا أهلية. فلقد اثبتت التجارب العملية الميدانية ان اسقاط النظام لا يقود الى تقويض الأمن والاستقرار فحسب بل يقود في اغلب الحالات الى اندلاع حروب أهلية مدمرة.
وتفسر الدراسة ذلك بالقول ان اسقاط النظام يقود عادة الى تقويض مؤسسات الدولة او اضعافها بشكل كبير جدا بحيث لا يعود بمقدورها ان تؤدي المهام التقليدية المتعارف عليها التي يجب ان تقوم بها.
واسقاط النظام يقود بالتالي الى خلق فراغ قوة وسلطة.
كما يقود الى تنامي وتصاعد حركات المقاومة والتمرد الرافضة للوضع الجديد.
ويعزز من كل هذا ان النظام الجديد الذي تم فرضه وتنصيبه بالقوة لا تكون لديه عادة شرعية لدى أبناء البلاد او اغلبيتهم، اذ يعتبرونه عميلا للقوى الأجنبية التي أتت به بفوهات المدافع.
وثبت في التجارب العملية ان كل هذا يقود في النهاية الى تقويض الاستقرار والأمن الداخلي والى الى اندلاع حروب أهلية وصراعات داخلية دامية ممتدة تجر الى مستنقع تدخلات عسكرية طويلة الأمد من دون نتيجة. الدولة التي فرضت تغيير النظام تجد نفسها متورطة في الصراع الداخلي وعليها ان تظل تدور في دائرة هذا الصراع الى امد طويل.
بناء على هذه المبررات تنتهي هذه الدراسة الأمريكية المعمقة تنتهيبان تنصح امريكا بان تتخلى اعن استراتيجية اسقاط النظم وان تسعى الى تحقيق المصالح الأمريكية بسبل وأساليب أخرى.
***
تاثير مدمر بعيد المدى
دراسة أمريكية أخرى تحدثت أيضا عن فشل استراتيجية اسقاط النظم تطرقت الى القضية من زاوية أخرى.
اعتبرت ان اللجوء الى استراتيجية اسقاط النظم له تأثيرا وتبعات كثيرة على المدى القصير، لكن لا يتم الانتباه عادة الى التأثيرات المتراكمة بعيدة المدى والتي تعد مدمرة للمصالح ألأمريكية.
القضية هنا في رأي الدراسة ان اللجوء الى اسقاط نظم الحكم يراكم مشاعر العداء لأمريكا والإصرار على مقاومة وجودها ونفوذها ومقاومتها.
احد الباحثين الأمريكيين أشار هنا الى المثال الأبرز على هذا عندما أقدمت أمريكا على الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في 1953. يقول ان بعض الأمريكيين يعتبرون ان الإطاحة بمصدق كانت خطوة تستحق الإقدام عليها لأنها مكنت الشاه من حكم ايران لمدة 25 عاما، وقد كان مؤيدا لأمريكا ومصالحها. لكن هذا القول في رأيه يتجاهل وجهة النظر في التأثير بعيد المدى لاسقاط مصدق. الذي حدث هنا ان ما فعلته أمريكا اجج المشاعر المعادية لها لدى الايرانيين وهو ألأمر الذي كان له دور كبير في نجاح ثورة الملالي في 1979. ومجيء الملالي الى الحكم قاد الى 41 عاما من العداء الايراني لأمريكا.
القضية التي يثيرها هذا الباحث في غاية الأهمية، فما انتهى اليه اسقاط مصدق على نحو ما يذكر هو نفسه ما انتهى اليه اسقاط النظام في العراق، وما انتهى اليه مخطط أوباما لمحاولة اسقاط النظم وتدمير دول عربية.
في العراق، كانت النتيجة الأكبر للغزو والاحتلال الأمريكي واسقاط النظام العراقي تمكين النظام الإيراني من احتلال العراق فعليا وإعطاء دفعة هائلة لإرهاب ايران هي وعملائها، وفجر غضب الشعب العراقي في مواجهة أمريكا.
وما فعلته إدارة أوباما في 2011 اجج غضب الشعوب العربية ضد أمريكا ومخططاتها التدميرية.
***
آراء مهمة ولكن
التحليلان اللذان عرضنا لما جاء بهما حول فشل مشروع اسقاط النظم يلخصان مجمل وجهات النظر المختلفة التي تثار في هذا الصدد.
كيف نقيم هذه الآراء التي عرضنا لها؟.
كما رأينا التحليل الذي قدمه الباحث الاشتراكي يقوم في جوهره على ان الغرب تم اجباره للعوامل التي ذكرها على التخلي عن مشروع اسقاط نظم الحكم بسبب الشعوب والدول الكبرى المنافسة التي تتحدى الهيمنة الأمريكية والغربية.
وهذه الرؤية وان كان بها بعض الجوانب الصحيحة لكنها ليست صحيحة في مجملها. الحقيقة ان الغرب لم يتخل عن هذه الاستراتيجية، ولم يعتبر انها فشلت بالشكل الذي يجري الحديث عنه.
ومع هذا يثير الباحث مسألة مهمة سنعود اليها لاحقا وهي ان دول وشعوب العالم أصبحت على وعي بالمخططات الغربية ولم تعد تنخدع بها وأصبحت تتحسب لها.
اما عن الرؤى الأمريكية التي تتحدث عن فشل استراتيجية اسقاط النظم واثارة الفوضى، وعلى الرغم من انها تسجل تفصيلا وعن حق النتائج الكارثية التي ترتبت عليه، فيجب ان نلاحظ انها حين تطرح هذا وتنصح أمريكا بالتخلي عن هذه الاستراتيجية فانها لا تصل الى هذه النتيجة من منطلق قناعات مبدئية.
بمعنى انهم يحكمون بفش الاستراتيجية ليس لأنهم يرفضونها من حيث المبدأ ومن منطلق اعتبارات مبدئية، ولكن لأنها في تقديرهم فشلت في تحقيق الأهداف والمصالح الأمريكية المرجوة منها. بمعنى ان هذه الاستراتيجية في تقديرهم لم تؤد في التطبيق العملي الى نشر الديمقراطية الأمريكية، ولم تفلح في تحقيق منافع اقتصادية، وقادت الى استعداء الدول والشعوب والاضرار بالمصالح الاستراتيجية بعيدة المدى.. وهكذا.
بعبارة أخرى، لو كانت هذه الاستراتيجية قد حققت أي مصالح أمريكية من وجهة نظرهم ما كانوا سيرفضونها او يحكمون بفشلها.
***
أين الحقيقة في كل هذا الحديث عن فشل مشروع الفوضى واسقاط النظم؟.. هل فشل حقا؟.. اين وصل هذا المشروع اليوم؟ واي مستقبل له؟
هذا ما سنناقشه في المقال القادم باذن الله
شبكة البصرة
الاحد 6 رمضان 1442 / 18 نيسان 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


