القائد موسى شعيب أيقونة شعبية وشوكة في حلق الحاقدين
شبكة البصرة
كتب محرر طليعة لبنان السياسي
مَنْ مِن سكان الجنوب اللبناني لا يعرف موسى شعيب، وهو ابن “الشرقية” بالولادة، وابن العائلة المشهود لها بالمواقف الوطنية والإبداعات الشعرية، واي شعر تميزت به؟ إنه الشعر الملتزم بقضايا الشعب، بمعاناته الاجتماعية وأهدافه الوطنية. فلو جال المرء كل أصقاع الجنوب لوجد أن موسى شعيب حاضر في كل الحواضر الجنوبية من صيدا عنوان الصمود إلى آخر قرية في جبل عامل والعرقوب.
الجنوب عرف موسى شعيب من خلال قضية مزارعي التبغ عندما حمل همومهم وقاد مسيرتهم ودخل السجون بعنفوان المناضل الذي لم يجد نفسه خارج قضايا شعبه العادلة.
الجنوب عرفه، على خطوط المواجهة مع العدو الصهيوني وفي معايشة الفدائيين والمقاومين في مواقعهم وكتب عن بطولاتهم شعراً ونثراً. كتب عن ملحمة الطيبة بأبطالها أبناء شرف الدين، وعن ملحمة كفركلا وبطلها أبو علي حلاوي، وعن ملاحم الاقتحام للمستعمرات في “مسكاف عام” “وكفريوفال” “ونهاريا” واللائحة تطول.
ومن الجنوب إلى كل لبنان، كان موسى شعيب واحداً من العناوين الوطنية التي تركت بصماتها حيثما حلت، من بعلبك إلى بشري ومروراً بكل المحطات التي عبرها في مسيرته القصيرة بعمرها الزمني الغنية بعطاءاتها وإبداعاتها.
موسى شعيب أعطى الجنوب بكل طيفه الاجتماعي مالم يعطه أي إنسان آخر وقمة العطاء هي الاستشهاد دفاعاً عن قاضية سامية. وهل توجد قضية أسمى من تلك تتجسد فيها قضية شعب وقضية أمة؟
قضية شعب يناضل لأجل تحرره من الاستلاب الاجتماعي، وقضية أمة تناضل لأجل تحررها من الاستلاب القومي. وموسى شعيب كان حاملاً هم هذه القضية ببعديها الاجتماعي والقومي، ولهذا كان أعداؤه كثرٌ، من الذين يمعنون في استغلال الشعب واستنفار عصبياته المناطقية واستثاراته المذهبية، إلى الذين يمعنون في تنفيذ مخطط تقسيم الأمة وتفتيت نسيجها الاجتماعي والتغول في مفاصل حياتها، وكل ذلك للحؤول دون المواطن من أن يعيش حياة حرة كريمة، والأمة من أن تحقق وحدتها وتمارس حقها في تقرير مصيرها.
موسى شعيب عندما استهدفته يد الغدر، فهي إنما استهدفته لأنه كان يختصر في شخصيته الإنسانية كل القيم الأخلاقية التي انطوت عليها البيئة التي تشكل فيها بداية وعيه الاجتماعي، وهي استهدفته لأنه انتمى لحزب جسد كل أهداف الأمة بالوحدة والتحرر والتقدم.
“أبو زياد”، لم يكن يعتقد أن يد الغدر ستطاله، وهذا الاعتقاد وصل عنده حدّ الطوباوية. فمن كتب غزل الكادحين، وهنا صامدون كالصخر لن نبرح، وهيفا تنتظر الباص على مفرق تل الزعتر، ويوم كانت دمشق على مرمى الرصاص وقلب العرب خطر، وغيرها وغيرها من القصائد التي كانت تشحن النفوس دفاعاً عن قضايا الشعب وتعزيز صموده وعن فلسطين وقضايا الأمة، اعتقد أن هذا سيشكل رادعاً أخلاقياً وسياسياً لمن تراوده أفكار الغدر والقتل. إذ لا يعقل أن يُغدر به وهو الذي ينتمي للجنوب بكل الطيبة الوطنية لأبنائه، ولا يعقل أن يغدر به من أُنْقذت عاصمته من الخطر يوم جاءت بغداد باسم البعث زاحفةً، ولا يعقل أن ينال منه من يعتبر نفسه “صدقاً” وفياً لقضية فلسطين.
موسى شعيب صاحب التجربة الغنية بمعطياتها، تجاوز إبداعه الحس الإنساني المرهف والملكة الشعرية الدفاقة، والالتصاق بواقع الجماهير والالتزام بقضايا الأمة، إلى البعد الرؤيوي الاستشرافي، وإلى الفهم العميق لدور العرب في نشر دعوة الدين الحنيف وموقع مرجعية أعلام الفقه والدين العرب في تفسير أحكام القرآن الذي انزل بلسان العرب. وهو الذي اختصر رؤيته الاستشرافية في بيت شعر من قصيدةٍ، فاتحتها “أسرج خيولك كسرى عاد ثانية”، وخاتمتها “وآية الله قد خصّت بها العرب”.
في هذه القصيدة اقترب موسى شعيب من حقيقتين، والحقيقة كالشمس تحرق كل من يقترب منها أكثر من اللازم. ومن اعتقد أن قتل موسى شعيب، سيقتل الفكرة الذي جسدها في يومياته وسلوكه، أثبتت سياقات الأحداث عقم هذه الاعتقاد، فما سكبه في أبيات شعره تحول إلى أناشيد وطنية وإلى أهازيج شعبية، وما استشرفه، أثبتت الأيام صدق حدسه ورؤيته، ولهذا بقي موسى شعيب حياً ليس في ذاكرة رفاقه وعائلته، بل في ذاكرة أبناء الجنوب الذين أحبهم وأحبوه وفي ذاكرة شعبه وأمته. وان يفصح بعض الموتورين عن مضمر حقدهم الدفين ضده بالشخص والرمزية وما يمثل، فلأنهم أدركوا ولو متأخرين بان موسى شعيب الذي اغتيل جسداً لم يغتل فكراً وقيماً، بل بقي حياً متجسداً بمنظومة قيمية تستلهم معانيها ودلالاتها في كل خطوة من خطوات من يسير نفس الدرب الذي سار عليه. وطالما موسى شعيب مازال حياً، وهو كان ويستمر عامل تعبئة وتحريض ضد من يستهدف الجماهير بأحلامها والأمة بأهدافها فإن استئناف التعبئة المضادة تعود اليوم للتحريض على هذه الرمزية من باب التشفي، وهذا دليل حنق وعجز عن محو ما كان يمثله موسى شعيب في الذاكرة الجمعية للشعب، وهذا يدلل على أنه وبما كان يمثل، ما زال شوكة في حلق الحاقدين، وأرقاً يؤرق من ظن انه نام على سكينة ما بعد اغتيال “أبو زياد “، فإذ به يصحو على أصوات المعتصمين في الساحات والميادين مطالبين بالتغيير والتحرير ومستحضرين ما صدح به مبدع غزل الكادحين.
موسى شعيب، أيقونة الجنوب ولبنان والعروبة والبعث لم يمت فكراً ونضالاً حتى يعود، فهو ما زال حياً في صفوف الطلاب العمال والفلاحين والمثقفين والمنتفضين، وتناوله من الساقطين وطنياً وأخلاقياً ترفع من قيمته وحضوره وتحط من قيمتهم، وصَدَق أمير المؤمنين خليفة العرب والمسلمين علي بن أبي طالب عندما قال “كل وعاء ينضح بما فيه”.
طليعة لبنان
شبكة البصرة
الخميس 3 رمضان 1442 / 15 نيسان 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


