المصريون وملحمة قناة السويس
شبكة البصرة
السيد زهره
بالنسبة للمصريين، قناة السويس ليست مجرد مجرى مائي على أرض مصر له أهمية استراتيجية عالمية.. قناة السويس ملحمة وطنية مصرية كبرى اختلطت فيها دماء المصريين بماء القناة، وهي رمز للإرادة والتحدي والكفاح والعرق وللإنجاز.
العالم المصري الكبير الراحل جمال حمدان وصف قناة السويس ب”نبض مصر”. وهي بالفعل كذلك.. هي نبض مصر والشعب المصري.
حفر القناة كانت رحلة طويلة شاقة من المعاناة والألم والتضحيات. حفر القناة امتد لعشر سنوات كاملة وشارك في حفرها 25% من أبناء الشعب المصري في ذلك الوقت. أي انه تقريبا ليست هناك اسرة مصرية اليوم الا وأحد جدودها شارك في حفر القناة.
120 الف مواطن مصري استشهدوا اثناء عملهم، أي قدموا ارواحهم ثمنا لحفر القناة.
في العقود التي تلت افتتاح القناة، أصبحت رمزا للإرادة الوطنية والاستقلال الوطني، الى ان أقدم الزعيم جمال عبدالناصر على اتخاذ القرار التاريخي بتأميم القناة في عام 1956.
كان قرار التأميم في حد ذاته عملا وطنيا جبارا جسد إرادة الاستقلال والكرامة. وكان من الطبيعي ان يثير القرار جنون القوى الاستعمارية التي تصورت انها ستظل تمتلك القناة للأبد، وخصوصا إنجلترا وفرنسا.
في اعقاب قرار التأميم مباشرة بدأت فصول ملحمة وطنية أخرى سجلها المصريون.
القوى الاستعمارية دفعت كل المرشدين الأجانب الى ان يتركوا العمل جماعيا. ولم تكن الشركة الأجنبية تسمح للمصريين بأن يتولوا ارشاد السفن. كان يقينهم كاملا بأن مصر لن تنجح ابدا في إدارة حركة الملاحة وارشاد السفن، وانها ستركع وستعود كي تستجدي عودة الأجانب. الصحف البريطانية كتبت في ذلك الوقت تقول: “على المصريين ان يزرعوا القناة بطاطس، فسوف يفشلون في إدارة القناة”. وبعض كبار العاملين المصريين في القناة في ذلك الوقت حكوا كيف ان المرشدين الأجانب وفي الليلة التي اعلنوا فيها ترك العمل تجمعوا كلهم في مبنى بالاسماعيلية ومعهم مشروباتهم استعدادا للاحتفال باعلان مصر فشلها في ادارة القناة.
هؤلاء الاستعمارييون لم يدركوا ان مصر عبر تاريخها الطويل لا تركع ولا تستسلم، ولم يدركوا أي إرادة وأي قدرات يمتلكها المصريون.
لهذا كانت صدمتهم كبيرة جدا بما حدث. الذي حدث ان المرشدين المصريين، الذين لم يعطوهم أي فرصة من قبل، فاجأوا العالم وسجلوا ملحمة بطولية كبرى.. اداروا حركة الملاحة في القناة بكل كفاءة واقتدار ولم تحدث أي ازمة او مشكلة، وكان معهم سبعة من المرشدين اليونانيين الذين رفضوا الاستقالة وقالوا انهم يعتبرون مصر مثل بلدهم. واسماؤهم محفوظة حتى اليوم وفاء وتقديرا لهم ولليونان.
معروف ما حدث بعد ذلك حين أقدمت إنجلترا وفرنسا وإسرائيل على شن العدوان الثلاثي الغاشم وظنوا أيضا ان العدوان سوف يجبر مصر على الركوع وإعادة القناة اليهم. واندحر العدوان على نحو ما بات معروفا.
على خلفية مما ذكرت نستطيع ان نفهم ما جرى مؤخرا حين جنحت سفينة وأغلقت الملاحة في القناة.
نستطيع ان نفهم قبل كل شيء لماذا تفاعل الشعب المصري كله مع هذه الأزمة، ولماذا كانت فرحة المصريين عارمة حين انتهت.
البعض قد لا يفهم كيف ان ازمة سفينة جانحة فجرت كل هذا التفاعل على مواقع التواصل مثلا وغيرها والدعوات التي انهالت من المصريين كي تنفرج.
البعض قد لا يفهم لماذا كانت هذه الفرحة العارمة لمجرد تعويم سفينة وصيحات “الله اكبر” و”تحيا مصر”.
البعض قد لا يفهم هذا او يستوعبه لأنه لا يعرف ما الذي تمثله قناة السويس في تاريخ مصر واي مكانة تحتلها في وعي ووجدان الشعب المصري.
شخصيا، منذ اللحظة الأولى لجنوح السفينة وتفجر الأزمة، ورغم كل التهويل الذي شهدناه في العالم للأزمة وتداعياتها، كنت واثقا تماما ان الأزمة لن تستمر طويلا، وان الكفاءات المصرية سوف تنهيها بأسرع مما يتصور الكل، فالمصريون العاملون في القناة مرشدين او في أي موقع هم الأكفأ في العالم كله في مجالهم.
وهذا ما حدث. كل الشركات العالمية المختصة وكل الخبراء العالميين كان تقديرهم ان هذه الأزمة لا يمكن ان تنتهي الا بعد أسابيع طويلة. لكن السواعد والكفاءات المصرية انهت الأزمة بعد ستة أيام فقط.
ولا يملك المرء الا ان يشفق على الذين سارعوا بالشماتة في مصر، او بإظهار مشاعر الكراهية والعداء لمصر والمصريين فور تفجر الأزمة.
قرأت في موقع الكتروني إيراني ان السفير الإيراني لدى موسكو كاظم جلالي سارع وكتب بعد أن تعطلت حركة التجارة بسبب الحادث الذي تشهده قناة السويس يقول ان ما يحدث يستدعي الإسراع أكثر من أي وقت مضى في البحث عن بديل لممر قناة السويس.
وقرات تصريحا لمسئول تركي بنفس المعنى.
القضية بالنسبة لهؤلاء وامثالهم ليست قضية حرص على التجارة العالمية باي شكل. كل ما في الأمر ان الأزمة دفعتهم لإظهار مدى حقدهم على مصر والمصريين ومدى ما يكنونه من عداء لمصر.
لا اعرف بماذا يفكرون الآن بعد الإنجاز المبهر الذي تحقق في ستة أيام. لكن من المناسب ان نقول لهم: هذا هو حجمكم.. انتم صغار جدا.. ومصر والمصريون كبار جدا.
شبكة البصرة
الاربعاء 18 شعبان 1442 / 31 آذار 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


