مدان حتى تُثبِت براءتَك.. “كتاب التبرئة” يكرس الإنقسام المجتمعي في الموصل
شبكة البصرة
على عكس القاعدة القانونية المعروفة التي تقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته أصبح المتهم مداناً حتى تثبت براءته، وهو لا يدري متهم بماذا، فالناس في الموصل وقبلهم في الأنبار وصلاح الدين ومناطق أخرى صاروا يولدون متهمين دون أن يعرفوا بماذا ولماذا هم متهمون فهم مطالبون على الدوام بإثبات براءتهم من تهمة ما.
وآخر ما طلعت به الدوائر الحكومية في الموصل “كتاب التبرئة” الذي يثبت تبرؤ المواطنين من أقاربهم المعتقلين في سجون الحكومة كشرط لإنجاز معاملاتهم والذي لا تنجز معاملاتهم بدونه، وأكد مواطنون راجعوا تلك الدوائر أنها طالبتهم به بالفعل. وقال أحد شيوخ العشائر في محافظة نينوى إن هذا الكتاب صار شرطاً “لعودة العائلات المهجرة من جنوب نينوى، حيث أبلغت العوائل بضرورة أن تتبرأ من ذويها المعتقلين”، ويبقى ذوو المعتقلين في دائرة الإتهام إن لم يحصلوا عليه.
وأجبرت الإدارة المحلية في الموصل المواطنين على استحصال هذا الكتاب من المحاكم المحلية مبررة إجراءها بأنه يهدف ” لعلاج الأوضاع الأمنية في محافظة نينوى” لكن الأوساط الشعبية والعشائرية في المحافظة ترى أنه “يزيد من حدة الإنقسام المجتمعي”.
العدد الكبير من المعتقلين هم أحداث وشباب ويجب على الحكومة أن تعمل على إدماجهم بصورة صحيحه وإعادة تثقيفهم بما يتلاءم مع الصورة الإنسانية ومبادئ العدالة
إجراء بلا سند قانوني
وقال قاض رفض الكشف عن اسمه إن هذا الإجراء ”ليس قانوناً مشرعاً إذ لا أصل له في القوانين العراقية النافذة” محذراً من التمادي في عزل العائلات التي تقول الجهات الرسمية أن أحد أبنائها كانت له علاقة بتنظيم الدولة “داعش”، مؤكداً أن “مرور الوقت وتراكم الكُرْه تجاه المجتمع، سيجعلها تفكر بالانتقام مستقبلاً، ما يعني تدهوراً للأمن واستمراراً لحلقة العنف إلى جيل آخر” بحسب القاضي الذي يعمل في إحدى المحاكم المتخصصة بقضايا الإرهاب. وأيد شيوخ عشائر في المحافظة ماقاله القاضي معتبرين الإستمرار في ابتكار مثل هذه الأساليب “سَيُسهم في إحداث شرخ كبير وعدم ثقة بين العوائل وبين الحكومة المحلية.”
وقال مصدر قانوني للمركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب “إن هذه الضمانات هي تعسف باستعمال الحق ولم نجد لها أي مبرر، طالما أن من يشتبه به معتقل لدى القوات الحكومية لماذا يطالبون ذويه بهذه الكتب والضمانات؟” مؤكداً أن العدد الكبير من المعتقلين “هم أحداث وشباب ويجب على الحكومة أن تعمل على إدماجهم بصورة صحيحه وإعادة تثقيفهم بما يتلاءم مع الصورة الإنسانية ومبادئ العدالة”، مستغرباً من استمرار حبس من لم تثبت ضده أي تهمة. وطالب الحكومة بإطلاق سراح من لم تثبت ضده أي تهمة وأن تقوم بمحاكمة المتهمين بصورة قانونية وعلنية “وبهذا يكون الجزاء من جنس العمل وإعادة الأمن بصورة صحيحه”.
إضطررت إلى إعلان التبرئة من أخي لأن الدوائر الحكومية لا تقبل أي معاملة لنا إلا بعد التبرئة، وبعض الدوائر الأمنية ترغمنا على الكتاب أو دفع الدية أو اعتقالنا لأننا نرفض التبرئة
شهادات ذوي المعتقلين
ونقل المركز معاناة المواطنين من هذا الإجراء، إذ قالت والدة أحد المعتقلين إنها وكثير من العوائل تتخوف من هذه الإجراءات “لكونها قسرية ولا نعلم مدى خطورتها أو جديتها في تحقيق الأمن في المدينة، ولقد أرجأت إخراج أوراقي الرسمية من دوائر الدولة في المحافظة لأني أخشى أن يجر كتاب التبرئة أموراً أخرى من ابتزاز ومحاكمات جائرة” مؤكدة براءة إبنها الذي اعتقل عند مروره معها من إحدى نقاط التفتيش الحكومية وهو لم يبلغ حينها سن الرشد، ولم تعثر على أثر له رغم مرور خمس سنين على اعتقاله. وأضافت هذه السيدة “اليوم عندما أريد أن استخرج بدل فاقد لهويته المدنية يطلبون مني كتاب تبرئة من المحكمة، علماً أني قد ذهبت إلى المحاكم في فترات سابقة للبحث عن ابني ومعرفة مصيره وقد هددني القاضي بالحبس؛ لأني وفق ما يراه أتهم الأجهزة الأمنية من دون حق”. وقالت سيدة أخرى “إنّ هذه الإجراءات لا تتناسب مع مجتمعنا ونحن أمهات ونعرف أن أبناءنا أبرياء ولكن هناك عمليات انتقام من قبل الميليشيات والقوات الحكومية ضد أهالي المنطقة” فيما قال أحد المواطنين “إضطررت إلى إعلان التبرئة من أخي لأن الدوائر الحكومية لا تقبل أي معاملة لنا إلا بعد التبرئة، وبعض الدوائر الأمنية ترغمنا على الكتاب أو دفع الدية أو اعتقالنا لأننا نرفض التبرئة، وهذا يؤلمنا كثيراً لأننا لا نستطيع العمل والحركة في مدينتنا بحرية، بل إن هناك مخبرين سريين يراقبوننا”. وعن موضوع دفع الدية قال أحد شيوخ العشائر إنه إجراء تعسفي بحق عوائل المعتقلين إذ لا يجب أن يؤخذوا بجريرة غيرهم، خاصة مع عدم ثبوت تورطهم بدم أحد مما يؤكد أن هذه الإجراءات تستعمل كعملية ابتزاز وضغط على العوائل.
معتقلون ومفقودون
وأجمل المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب عدد المعتقلين الرسميين من محافظة نينوى في السجون الحكومية منذ عام 2017 حتى مطلع العام الحالي ب(14.188) معتقلاً في سجن الفيصلية وسجن تلكيف، مؤكداً أن (90%) من التهم تتعلق بقضايا “إرهاب” بالإستناد إلى شكاوى كيدية وادعاءات المخبر السري ومشاجرات شخصية، ومشاكل مجتمعية لا علاقة لها بالإرهاب لا من قريب ولا من بعيد، وأن (5%) من هؤلاء صدرت ضدهم أحكام بالسجن المؤبد، و(4%) منهم فقط محكومون بدلالات الصور والشهود العيان فيما ينتظر 1% منهم تنفيذ حكم صدر بإعدامهم. وانقطع اتصال أعداد كبيرة من الموصليين بعوائلهم حيث وصل عدد المفقودين للفترة بين 2013-2019 إلى (2100) مفقود، وفقد (11) شخصاً عام 2020 في قضاء تلعفر عند مراجعتهم مركز القضاء للحصول على وثائق رسمية وما زالوا في عداد المفقودين حتى هذه اللحظة.
ولجأت الإدارة المحلية في الموصل إلى إجراء “التبرئة” للتدقيق في أوضاع العائلات العائدة من المخيمات وهو إجراء أجمع المختصون بالشؤون القانونية على أنه لا يستند إلى أي سند قانوني أو دستوري لكن اللجنة التي قامت بصياغته قالت إنه “عرف قانوني”، وتساءل مواطنون موصليون: كيف يمكن أن يكون عرفاً وقد جابهه الجميع بالرفض وسيؤدي بالتأكيد إلى نتائج لا تحمد عقباها.
وكالة يقين
شبكة البصرة
الجمعة 30 جماد الثاني 1442 / 12 شباط 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


