ادارة “جو بايدن” تبدو متهالكة على التفاوض، ولكن..!!؛
شبكة البصرة
د. أبا الحكم
الادارة الامريكية الجديدة تبدو مشدودة في جملة من الملفات الخطرة، ولا اقول ان هذه الملفات هي إرث الادارة السابقة، إنما اقول انها تراكم ملفات لم تحسم في حينها ومؤسسات الدولة الامريكية تعرف تفاصيل هذه الملفات وكذلك خبراؤها المتخصصون الذين كانت لهم بصماتهم في صياغتها او التباحث والتفاوض بشأنها والصمت على مجرياتها تبعا لما يتلائم مع المصالح الحيوية والأمن القومي الامريكي في وحدة صنع القرار. وعلى هذا الاساس فالملاحظات البارزة حول بعض الملفات ومنها على وجه الخصوص (الملف النووي الايراني) و(ملف العقوبات) المفروضة على ايران يمكن إدراجها في شكل تساؤلات وعلى النحو الآتي :
أولاً- لماذا العقوبات على إيران؟ ولاجابة، لأن ايران خرقت بنود الاتفاق النووي وخرجت على إلتزاماتها التي وقعت عليها واختبرت صواريخ بالستية بأبعاد هجومية غير مبررة. كما ان الإتفاق النووي سيء جداً ويشكل خطراً وشيكاً لا يتفق او يتماشى مع السلوك الايراني الخارجي، الأمر الذي فرض هذه العقوبات لكي تعدل ايران من سلوكها وتحترم محيطها القريب والبعيد وتثبت جدارتها في الحكم المتوازن خارجياً وداخلياً. ولكن ايران استمرت في سلوكها العدواني وتمادت في توسعها.
ثانياً- إن رفع العقوبات يرتبط اساساً بتصحيح ايران لخطوات خرقها للإلتزامات التي فرضتها بنود الاتفاق النووي قبل الحديث عن رفع العقوبات وهذا هو منطق تفاوضي واضح.
ثالثاً- الالتزامات التي يتحدث عنها المجتمع الدولي هي 1- استمرار ايران في تجاربها الصاروخية البالستية بعيدة المدى التي تشكل تهديداً خطيرا لأمن المنطقة وإستقرارها، 2- سلوك ايران غير الطبيعي وتسليحها مليشيات مختلفة ومتنوعة من اجل تنفيذ استراتيجيتها التوسعية وبإعتراف قادتها السياسيين والعسكريين بأن طهران تسيطر على اربع عواصم عربية هي بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء، ألم يكن ذلك يكفي لإدانتها بالتوسع على حساب جيرانها وزعزعة امن المنطقة والعالم على حدٍ سواء؟
رابعاً- النظام الإيراني ليس في وضع يمنحه فرض الشروط (لا تفاوض ما لم ترفع العقوبات)، هذا ليس طرحاً منطقياً. المنطق العقلي التفاوضي هو تصحيح النظام الإيراني لخطوات خرقه للإتفاق النووي، وإعادة النظر في سلوكه السياسي الخارجي. هذا يجب أن يحدث قبل النظر في رفع العقوبات.
خامساً- العقوبات لم تكن شخصية إنما هي كانت وليدة مؤسسات سياسية وإستخباراتية وقضائية اجمعت على فرضها بناءً على ((معطيات)) جرمية وإثباتات وقرائن ووقائع وأحداث ووثائق لا تعد ولا تحصى من الإنتهاكات الإيرانية. فلا تستطيع إدارة جو بايدن إلغاء قرارات العقوبات من أجل التفاوض، وإلا ستشكل الحالة سابقة سياسية وبحثية وقضائية يصعب معالجتها.
سادساً- الادارة الامريكية الجديدة وهي تشق طريقها بخطوات صعبة تحاول ان تفتش عن ثغرة هنا واخرى هناك للإلتفاف من اجل جلب ايران للجلوس على طاولة المفاوضات. ولكن ماذا بعد؟ من هو الخاسر؟ امريكا هي الخاسر، أما ايران فلن تخسر شيئاً، لأنها قطعت شوطاً في مضمار تكديس السلاح والذخيرة والصواريخ البالستية، فضلاً عن تراكم الخبرة التقنية، فيما تستمر الدول الغربية تجتر مواقفها ولا تحسب لمستقبلها حساباً مثمراً وجدياً ـ تضحي بعدد كبير من دول المنطقة في مناصرتها لدولة مارقة وراعية للإرهاب وتستولي على قرارات أربع دول عربية هي بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء.. ولكن مثل هذا الثغرات التي تفتش عنها دبلوماسية إدارة جو بايدن لن تحصن أو تحمي المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة والعالم بل ستكون عامل اضطراب يزعزع الاستقرار الاقليمية والعالمي.. لأن الأمن الأقليمية يرتبط جيو- ستراتيجياً بالأمن والأقتصاد العالمي.. كما ان من غير المنطق زعزعة استقرار المنطقة وتهديد امنها والسكوت عليها، في الوقت الذي تُظهِر فيه الدبلوماسية الأمريكية ان اهتماماتها تنصب على العمق الآسيوي (الصين) اولاً و(روسيا) ثانياً و(كوريا الشمالية) ثالثاً.. بينما العالم كله تتجه انظاره الى منطقة الشرق الاوسط، فهل تكشف إدارة بايدن عن غبائها بإهمال المنطقة والتساهل مع الدولة الإيرانية المارقة التي أحالت امن المنطقة واستقرارها إلى جحيم؟
سابعاً- إذا عملت ادارة بايدن على المفاوضات مع النظام الايراني من اجل (العودة) الى الاتفاق النووي لعام 2015 وتأجيل البحث في البرنامج الصاروخي البالستي الايراني، وغض النظر عن التصرفات والسلوك الايراني المهدد لمنطقة الشرق الاوسط كما قال “روبرت مالي” المبعوث الرئاسي الخاص لإيران، وكذلك “سوليفان” وزير الخارجية الامريكي الراهن.. فهذا يعني، الرضوخ لمطالب النظام الايراني الذي يصر على عدم مناقشة نظام الصواريخ، وعدم التعرض لسلوكه غير الطبيعي المنحرف، وعدم اضافة مفاوضين جدد، ووجوب رفع العقوبات اولاً والتعويض عن (خسائر) ايران. وهي مطالب ابتزازية وغير منطقية والقبول بها يعد سابقة خطيرة ليس للدولة الامريكية فحسب إنما لكل دول العالم.
ثامناً- ما تعلنه امريكا اعلاميا وسياسيا 1- وقف اجهزة الطرد المركزي المتقدمة، 2- تخفيض مخزون اليورانيوم والإبقاء على نسبة التخصيب المقرة وفقاً للإتفاق (3.67) وليس مسموحاً لإيران التخصيب إلى مستويات عليا تصل الى نسبة (20). 3- ايقاف الإنتهاكات التي ترتكبها ايران بشأن الاتفاق النووي والتي انتجت حزم من العقوبات الرادعة. العقوبات هي نتيجة وليست سبباً.
تاسعاً- إلا ان ما وراء الكواليس تتسرب بعض احاديث الخبراء الامريكيون بشأن 1- احتمال ان تتخذ الادارة الامريكية وحلفاؤها الاوربيون ما يسمى (تدابير بناء الثقه) بين واشنطن وطهران مثل:
أولاً- تقديم المساعدات المالية لإيران من خلال صندوق النقد الدولي.
ثانياً- تمويل اوربا لواردات طبية وانسانية لإيران.
ثالثاً- ترفع الادارة الامريكية اسماء كبار المفاوضين الايرانيين من قائمة العقوبات مقابل،
رابعاً- قيام النظام الايراني بإطلاق سراح السجناء من الرعايا الغربيين من سجونها – وهنا تكمن المهزلة، لأن السلطات الايرانية اعتقلت هؤلاء العاملين الاجانب في ايران بتهم التجسس الباطلة، وهي عملية ابتزاز وعمل لآاخلاقي بتحويلهم الى ملفات ضاغطة في ظل مفاوضات قادمة -. 2- وضع جدول زمني محدد للحكومة الايرانية لإيقاف الانتهاكات (خطوة خطوة)، مقابل قيام الادارة الامريكية برفع العقوبات (خطوة خطوة) – والهزلة هنا كم ستطول هذه الخطوات؟ والنظام الايراني يرغب في ذلك لشراء الزمن. 3- يُشجع الاتحاد الاوربي الشركات الاوربية على مباشرة الاعمال التجارية في ايران.
4- تبدأ المفاوضات بعد الانتخابات الايرانية في حزيران المقبل والتي ستتناول تحديد القيود المفروضة على الملف النووي الايراني، والبرنامج الصاروخي الايراني، والتدخلات الايرانية في منطقة الشرق الاوسط. هذه الآراء هي أراء تفاوضية تقليدية تتناسى مبدأ الاولويات، الذي يشير الى ان العقوبات من الصعب رفعها ما دامت الجرائم الايرانية واضحة وقرائنها ثابتة ومعلنة، الأمر الذي تتصدر فيه قائمة الاولويات على النحو الاتي :
اولاً- منظومة الصواريخ البالستية الخطرة.
ثانياً- التدخلات الايرانية السافرة في المنطقة. هذان العاملان هما الضروران المرتبطان بملف ايران النووي ولا يجوز فصلهما، فهما متداخلان/الملف النووي، والسلوك الاجرامي التوسعي الايراني في المنطقة/.
التهالك الامريكي على مفاوضات عقيمة، والاعلان عن تقديم تنازلات مالية (انسانية) وإغراءات (تجارية) لإقناع النظام الدموي للجلوس فقط على طاولة المفازضات من اجل (عودة) امريكا الى الاتفاق السيء لأمريكا وللعالم، سيجر على امريكا وشعبها وشعوب المنطقة والعالم الويلات. الشعب الامريكي لا يرحم قيادته المتهالكة على سلوكها إذا ما اقدمت على ذلك بدعوى التخويف من إقتراب ايران من صنع رأس نووي. فالوقائع والشواهد والأدلة والقرائن كلها تشير بما لا يقبل مجالا للشك ان النظام الايراني سيبتز العالم سياسياً ومادياً وهو يعمل من اجل تقويض بناء ما بنته الحضارات في المنطقة والعالم.. وهذا ليس كلاماً إنشائياً ولا هو للتنظير، إنما كلام مبني على معطيات مادية وتاريخية وسياسية.
09/02/2021
شبكة البصرة
الاربعاء 28 جماد الثاني 1442 / 10 شباط 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


