الإعلام في عصر العولمة الأمريكية الجزء الثالث
(3-6)
شبكة البصرة
فؤاد الحاج
مواجهة الإعلام الأمريكي
بعد انتهاء الحرب لإيرانية – العراقية في الثامن من آب/أغسطس عام 1988، بدأت وسائل الإعلام الغربية بشكل عام، وتحديداً البريطانية والأمريكية التي تسيطر عليها الصهيونية العالمية، بشن حملة إعلامية مكثفة ضد العراق بحجة أنه يسعى لتصنيع قنابل نووية وذرية، امتدت إلى الشهور الأولى من عام 1990 حيث بدأت بتركيز هجومها على شخص الرئيس صدام حسين، متهمة إياه بالعمل على “تهديد الأمن و”السلام في الشرق الأوسط”، والسعي لامتلاك، وتطوير أسلحة الدمار الشامل”.
وبتاريخ 19/8/1990 التقى الملك حسين برؤساء تحرير وسائل الإعلام الأردنية ومما ورد بمحضر اللقاء بهذا الصدد: “أبلغ جلالة الملك حسين كبار الصحفيين أنه أثناء وجوده في أمريكا وردت رسالة من الرئيس مبارك يقول فيها اضرب العراق بشكل سريع قبل أن ينفجر الشارع المصري، وقال الملك وصل الطلب المصري وأنا في واشنطن بضرورة الاستعجال بضرب العراق بكافة الأسلحة قبل أن يتحول الشارع العربي لمصلحته وضد المصالح الأمريكية في المنطقة. وأضاف الملك أنني فوجئت بقوة الحملة الإعلامية على العراق والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكانت أكثر مما توقعت والسبب في ذلك ليس اللوبي الصهيوني بل اللوبي العربي الذي سبق اللوبي الصهيوني بالضغط على الإدارة الأمريكية بضرب العراق”، وقال الملك حسين للرئيس جورج بوش الأب عندما قال له أن الرئيس العراقي كاذب، فقد كذب على الرئيس مبارك أنه لن يهاجم الكويت، فرد عليه الملك أنه طوال تعاملي مع الرئيس صدام لم يكذب عليّ ولو مرة واحدة وهو أصدق من جميع ملوك ورؤساء العرب، وأضاف الملك لقد أوضحت للرئيس بوش ما قاله الرئيس صدام لمبارك حول هذه النقطة”. (طالع النص الكامل في الملحق رقم 2) ويراجع بهذا الصدد (الأردن وأزمة الخليج آب 1990 – آذار 1991) وهو الكتاب الذي يروي بالتفاصيل دور حسني مبارك وملوك وأمراء دول الخليج العربي وسلطة “الكويت” وما يسمى بـ”جامعة الدول العربية” وما يسمى بـ”منظمة المؤتمر الإسلامي” بالدفع نحو التدخل الأجنبي وتدويل الأزمة بقيادة إدارة الولايات الأميركية المتحدة، والذي صدر عن الحكومة الأردنية وجاء في مقدمته “تهدف حكومة اللملكة الأردنية الهاشمية من إصدارها هذا الكتاب الأبيض، إلى شرح ساساتها خلال مختلف مراحل أزمة الخليج، بين صيف 1990 وأوائل سنة 1991، معززة ذلك بالوثائق المناسبة، سواء أكانت من مصادر رسمية أو خاصة”.
وبعد العدوان الثلاثيني في بداية عام 1991 وفرض الحصار الجائر على العراق، الذي لم يشهد تاريخ البشرية له مثيلاً، وبعد مخاض طويل استمرَّ عقداً من الزمن وفي عام 2000 نجح الإعلام العراقي جزئياً في كسر الحصار الإعلامي، من خلال المؤتمرات الشعبية، والوفود الكبيرة التي أمَّته من شتى أرجاء العالم. حتى يمكن القول أنه لم يكن يمضي شهر – منذ نهاية العدوان الثلاثيني – إلا وكان يعقد أكثر من مؤتمر أو ندوة جماهيرية يشارك فيها عدد كبير من الفعاليات والقوى الحية الجماهيرية من معظم البلاد العربية. ثم بدأت تتطور لأكثر من مؤتمر وندوة في الأسبوع الواحد منذ عام 1998 حيث أصبحت بغداد آنذاك قبلة لكل الأحرار والشرفاء من أرجاء العالم. وبذلك أيضاً نجح العراق في اختراق الحصار الشامل الذي كان مفروضاً عليه حيث بدأت الطائرات بالهبوط في مطار بغداد (مطار صدام الدولي) من الدول الأوروبية ومن بعض البلاد العربية بعد أن أعاد العراق، بقيادته الوطنية والقومية وشعبه العظيم، بناء كل ما دمر في العدوان الثلاثيني. وحقق نهضة علمية كبيرة وثورة صناعية وزراعية شاملة. وبذلك برزت حقيقة جديدة على أرض العرب بعودة الانتفاضة الفلسطينية الباسلة إلى التفجر مجدداً في 28/9/2000، انتقلت معها الجماهير من كم عددي يعيش على هامش التاريخ والحياة السياسية والثقافية، ومن قطيع مستسلم مستكين، إلى طاقة ثورية تاريخية متفجرة، ودخلت في مرحلة النهضة الجديدة، مجددة الصلة بماضيها الحضاري ومندفعة بقوة أشد نحو مستقبل أفضل، وأصبح السياق التاريخي الجديد يهدد القوى التي قامت مصالحها على اضطهاد الجماهير واستغلالها وكبت طاقاتها.
وهنا كان للإعلام الفضائي السلطوي والخاص في بلاد العرب دور كبير في إعادة كبت الجماهير وترويضها من خلال التركيز على بث شبه يومي للقاءات مصورة تتناول موضوع حصار العراق واستمرار العدوان شبه اليومي عليه بين مؤيد ومعارض كما تم إعادة التركيز على موضوع أساسي وهام من طروحات الإدارة الأمريكية وهو موضوع إسقاط النظام في العراق!.
الثورة الإعلامية
“لقد كانت (الثورة الإعلامية) التي تعتبر إلى جانب الثورات الأخرى في عالم الذرة والفضاء والتكنولوجيا، من أبرز مميزات هذا العصر، موضوع استغلال أثيم ولئيم للتآمر على وعي الجماهير، وإجهاض حماسها وإضعاف ثقتها بنفسها. ولا يزال هذا السلاح الثقافي الأيديولوجي يزود الإمبريالية بأسلحة جديدة خفية تساعد على تحقيق الأهداف الاستراتيجية بأقل الخسائر، بالإضافة إلى كونها وسيلة أكثر أمنا وأشد مضاء في محاربة الشعوب، وهي تستند إلى فلسفة ذرائعية تضع (النجاح) في قيمة سلم القيم وتعمل على خلق نموذج فردي أو جماعي لا يستطيع أن يناقش أو ينتقد أو يرفض أو يقول كلا، يتوجه بالإيحاء الإعلامي ضمن منحى واحد آلي ذي بعد فكري واحد وحيد. ولم تكن الصهيونية أقل اهتماما من حليفتها الإمبريالية بهذا السلاح الإعلامي الذي يوظف المعرفة العلمية توظيفاً معادياً للروح العلمية لأنه يقوم على الانفصام بين الإعلام والحقيقة، وعلى الاستعانة بالتقدم العلمي من أجل حجب الحقائق وتزويرها وتمرير المخططات العدوانية والتمهيد لها وتبريرها أمام العالم”.
وهكذا وجدت الأمة العربية نفسها، شأن الأمم الأخرى في العالم بعد الحرب، أمام معركة من نوع جديد ومن مستوى جديد. معركة لا يستقيم النجاح فيها مع التخلف والجهل بالعلوم النفسية والاجتماعية، مع عدم وضوح الهدف، ومع الخلل في الصلة بين الأيديولوجية والاستراتيجية والتكتيك.. لذلك استعجلت قوى الشر الصهيو-أمريكية في العدوان مجدداً ومن ثم غزو العراق واحتلاله لضمان أمن “اسرائيل” وتفردها على الدول العربية مجتمعة وبما يحمى مصالح أمريكا البترولية في الخليج العربي بعيداً عن أي تهديد.
الإعلام وصناعة الخصوم
من المعروف أن وسائل الإعلام الأميركية هي سيدة الساحة العالمية، لأن صناعة الإعلام في الولايات المتحدة صناعة قوية ومتكاملة، إذ يكفي أن نعرف أن ميزانية شركة إعلامية واحدة في الولايات المتحدة تعادل ميزانية دول عدة في العالم وبعضها يعادل الناتج القومي لقارة بأكملها مثل أفريقيا.
لذلك نجد الكثير من وسائل الإعلام في العالم، ومنها العربية، تتسابق لنشر بعض مقالات وتحاليل بعض الكتاب الأمريكيين بسبب شهرة هؤلاء في كشف ملابسات العديد من الفضائح التي تمس كبار المسؤولين الأمريكيين أو الرؤساء، مثل فضيحة (ووترغيت) التي فجرتها صحيفة (الواشنطن بوست) عن طريق الصحفيين بوب ودوورد وكارل براينشتاين، والتي انتهت باستقالة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عام 1974م. ومن ثم فضيحة الرئيس بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي. وإذا كان للإعلام الأمريكي من وجه مشرق لحد ما، فهو مثل وقوفه – أثناء حرب فيتنام – إلى جانب الشعب الأميركي في رفضه لتلك الحرب. تلك الحرب التي أحدثت شرخاً عميقاً في الجبهة الداخلية للولايات المتحدة الأميركية مولدة (عقدة فيتنام)، التي ما زالت ظاهرة على الشعب وعلى صانع القرار الأميركي. كذلك للإعلام الأمريكي أيضاً وجهه الآخر، ذلك الذي يهمنا أن نعرفه حتى نعلم كيف تتحرك الآلة الإعلامية الأميركية في فترات معينة، وتسلط الأضواء على مواضيع معينة وتهمل أخرى، وتناصب العداء أطرافاً محددة وتنحاز لأخرى. فصناع القرار السياسي الأميركي والإعلاميين هناك يتحركون في مسار واحد. فالساسة يعلمون حاجتهم الماسة للدعم الإعلامي وسطوته، لذا فهم يسعون لتحقيق أهدافهم عن طريق الإعلام، والقائمون على الوسائل الإعلامية لهم أهدافهم أيضاً التي تجعلهم يلتقون مع الساسة وصناع القرار في أمريكا بسبب امتلاك وسائل الإعلام الكبرى من قبل كبار الصهاينة وأعداء الإنسانية الذين ينفذون مخططات مراكز بحوث ودراسات اللوبيات الصهيونية منذ زمن بعيد ضمن سياسة ما يسمى “الخطوة خطوة”.
والإعلام الأميركي هو أول سلاح يشهره صناع القرار الأميركيون في وجه أعدائهم على اختلاف قوتهم ودرجة تهديدهم للولايات المتحدة، وباختلاف نوايا الولايات المتحدة تجاه أولئك الخصوم والأعداء!
للبحث تتمة في الجزء الرابع
شبكة البصرة
الجمعة 23 جماد الثاني 1442 / 5 شباط 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


