-{{{{{{داروسيا..............................................................إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ........................................................................... ولا بد لليل ان ينجلي وللجهل ان ينحسر؟؟؟!!!..................................................................................... بعناتا}}}}}}
(((( مسجد الاقصى يناديكم )))) ------=========================================================

المنطقة والإدارة الأمريكية الجديدة

المنطقة والإدارة الأمريكية الجديدة

شبكة البصرة
عمر شبلي

“1”

الولايات المتحدة الأمريكية في سياستها الخارجية التقليدية كانت تقوم على ثابتين للحفاظ على مصالحها والتحكم بالعالم عبر هيمنتها على الشرق الأوسط، وهذان الثابتان هما: أ ــ حماية “إسرائيل” واستمرار تفوقها العسكري على الشرق الأوسط، وتحديداً على الجغرافية العربية. وهي ترى أن تفوق “إسرائيل” هو الضامن الأعلى لمصالحها في هذه المنطقة الغنية بالموارد الطبيعية والفقيرة بالقدرة على امتلاك مواردها. وبهذا تغدو قوة “إسرائيل” هدفاً أمريكياً استراتيجياً لحماية المصالح الأمريكية، وهذا ما جعل “إسرائيل” محمية أمريكية بامتياز.

والثابت الثاني الذي كان يتحكم بالسياسة الأمريكية، ولا زال هو محاولة تشكيل الشعوب من الداخل وفق مفاهيم غير صحيحة على الإطلاق. ومن ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية التي لاتتغير في الاستراتيجية الأمريكية أمن إسرائيل، وأمن النفط والغاز.

وهذا هو الذي تريده الولايات المتحدة لتنجح سياساتها في الثابتين السالفين. لأنّ “إسرائيل” جزء من ثوابتها المكملة لتوجهاتها، وكذلك النفط والغاز. وبذا تستطيع، كما ترى هي، أن تعيد تشكيل الشعوب بما يُلائِمُ استراتيجيتها.

أمريكا تريد أن تشرعن اغتصاب أخلاقيات الشعوب كما شرعنت احتلال فلسطين، وتريد قتل الذاكرة العربية المنتمية لأصالة أمة تكونت عبر التاريخ، وتعمقت جذورها الروحية والفكرية في هذه الأرض التي لا تشبه إلاّ أبناءها. إن تغيير الجغرافية والتاريخ والروح والفكر والأخلاق المتكونة من تراب هذه الجغرافية العربية مستحيل وعصيّ على التزوير، لأنه متناقض مع حقائق التكوين.

طبعاً نحن نؤمن بهذه الحقيقة، حتى ونحن نغوص في زمن التطبيع المتخاذل. نعم، تستطيع أمريكا وربيتها “إسرائيل” أن تنجز التطبيع مع كل الأنظمة العربية، وبسهولة، ولأسباب استمرار وجودية هذه الأنظمة، ولكنها لن تستطيع أبداً أن تطبع، ولو مثقال ذرة مع الشعب العربي، لأن التطبيع مناقض لتكوين الإنسان العربي، لأنّ التطبيع في هذا الحالة لا يعني الصلح والسلام أبداً، وإنما يعني الخضوع والتخلي عن القيم العليا المكونة لنفسية الإنسان العربي، والتي لا تتناقض مع العدو الصهيوني فحسب، وإنما تتناقض مع السادة المطبعين، لأنهم وبكل بساطة تخلوا عن الأخلاقية الفطرية الحرة التي أنجزت تكوينها الحر وصارت جزءاً من تكوين الإنسان العربي عبر تجربة التاريخ. إذن فالتطبيع الذي يهرول إليه المطبعون ليس أكثر من البحث عن الماء في السراب. هذه هي الحقيقة التاريخية في صراعنا مع أعداء الأمة.

إذا أرادت الولايات المتحدة الأمريكية وربيبتها الصهيونية السلام، طبعاً وهما لا تسعيان إليه، لأن السلام يتناقض مع الجشع التاريخي القائم في وجدان كل صهيوني، ولأن الولايات المتحدة تريد السيطرة على العالم بسيطرتها على الثروات العربية الهائلة. ولهذا فهما معاً أعدى أعداء السلام. وهما يحاربان السلام فكراً وسلوكاً، فإسرائيل تقول وبكل وضوح: “حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”، فكيف يقام سلام مع كيان يرى في عقيدته أن حدوده تمتد من الفرات إلى النيل. وقد سمعنا “مناحيم بيغن” رئيس وزراء الكيان الصهيوني يوم زار مصر بعد اتفاقية “كمب ديفيد”، وهو يقول: “إنّ أجدادي ساهموا في بناء هذه الأهرامات”. يقول هذا الكلام بعد السلام مع مصر

أما بالنسبة للسعودية فسيكون الموقف الأمريكي ضاغطاً أكثر لتحصيل مكاسب أكثر، وستستغل إدارة بايدن قضية مقتل الخاشقجي لإجبار محمد بن سلمان على الاقتراب أكثر من التطبيع، ولعقد صفقات تسليحية تدر دعماً للوضع الأمريكي المأزوم بسبب الكورونا. وربما تهدد محمد بن سلمان بإيجاد فتنة في العائلة الحاكمة، وعلاقة بايدن كانت قوية بمحمد بن نايف. وستحاول إدارة بايدن إنهاء الملف اليمني لأنه يؤذي الممرات المائية، مع عدم قبولها السلوك السعودي للدمار الذي يحدث يومياً في اليمن.

أما بالنسبة للبنان وسورية فستكون سياسة الإدارة الجديدة مرتبطة بما لا يؤذي “إسرائيل”، وستضغط للتأثير على نفوذ حزب الله في لبنان بدعم الجيش اللبناني ببعض وسائل القوة. والولايات المتحدة تدرك، وفي ظل أية إدارة تأتي، أنها ستظل بحاجة لموقع لبنان وجغرافيته، وقد يزيد اهتمامها بعد وجود البترول والغاز في المياه اللبنانية وستعمل جاهدة لاستغلال هذا الوضع المستحدث والجديد.

ومن المرجح أن يستمر التواجد العسكري الأمريكي في سورية، وبخاصة في المناطق القريبة من فلسطين المحتلة، وعلى الحدود العراقية السورية لما يخدم مصالحها بعدم وصول الميليشيات التابعة لإيران من النفاذ إلى لبنان، ولجعل الوجود الإيراني وأذرع إيران في سورية بعيدة عن هضبة الجولان المحتلة ولتبقي الوضع الكردي تحت حمايتها ودعمها لإجبار تركية على العودة إليها تماماً.

أما بالنسبة لإيران فستعود إدارة بايدن إلى الاتفاق النووي الذي أنجز في عهد أوباما، كما أعلن بايدن وإدارته، ولكن بشروط تتعلق بالاتفاق النووي نفسه، ولمنع امتلاك وصنع الصواريخ البالستية، وضبط الإيقاع الإيراني في المنطقة. وعناصر القوة في الموقف الأمريكي أنه مدعوم بقوة من الحلفاء الأوربيين الذين أدار لهم ترامب ظهره، والذي أتاح لإيران عدم الالتزام بكل القضايا التي يصر الأوروبيون والولايات المتحدة على إنجازها. وإيران ستضطر للتنازل بسبب أوضاعها الاقتصادية المتردية، وبسبب عودة التحالف الأوروبي وتعاونه مع بايدن. وإيران غير قادرة على خرق هذه الحواجز. والعقوبات المفروضة على إيران هي أقوى الأسلحة الأمريكية ضد إيران.

“2”

واتجهت الولايات المتحدة إلى استخدام الدبلوماسية والوسائل الأخرى لإنجاز الصلح بين العرب والعدو الصهيوني، فبالنسبة للمغرب مثلاً انطلق الإعلان من البيت الأبيض الذي نوّهَ بتغريدة أعلنها ترامب بتوصل “صديقينا العظيمين اسرائيل والمملكة المغربية الى اتفاق بإقامة علاقات ديبلوماسية كاملة” وفي تغريدة ثانية قال ترمب: “وقعت مرسوما يقر بسيادة المغرب على الصحراء الغربية” وأضاف: ” أؤيد عرض المغرب الجاد الذي يتمتع بالمصداقية والواقعية الخاص بالحكم الذاتي باعتباره الأساس الوحيد لحل عادل ودائم للنزاع بشأن الصحراء الغربية”. لقد أعطتْ الولايات المتحدة ما لا تملكه للمغرب مقابل إقامة سلام دائم مع “إسرائيل”، وكانت تهدف بذلك لمنع التوترات التي انطلقت في الشارع المغربي لرفض السلام مع “إسرائيل”.

أما بالنسبة للسودان فقد كان التطبيع مع “إسرائيل” شرطاً أساسياً لرفع الحصار، مع إغراء السودان بمساعدات مالية لمعالجة وضعه الاقتصادي المتدهور.

وأما بالنسبة للخليجيين فقد أرادوا كأنظمة حماية عروشهم بالصلح مع “إسرائيل”، وإقامة تحالفات أمنية وعسكرية واقتصادية مع الكيان الغاصب، والسبب هو خوفهم وضعفهم. وكلما ازداد الضعيف ضعفاً كلما فقد توازنه، وصار أكثر حاجة لمن يعيد له بعض التوازن. ولذا إذا استمر هذا الانهيار فستكون النتيجة لمصلحة القوي. ويخطئ كثيراً من يظن أن إسرائيل ستساعد المطبعين، لأن الغاية القصوى من إيجاد هذا الكيان الغاصب على أرض فلسطين العربية كانت لمنع تقدم العرب، والحؤول دون بناء وجودهم باستقلالية قرارهم وحرية فكرهم. فإذا ساعدت “إسرائيل” الدول التي اعترفت بها فإنها تكون عاملة لما يناقض سبب وجودها. وعلى العرب أن يعوا هذه الحقيقة التي أثبتتها تجارب الصراع مع هذا المغتصب الموجود على أرضنا لخدمة من صنعوه. وكان وزير الخارجية في حكومة بن غوريون مؤسس الكيان العنصري يقول: “لا تستطيع إسرائيل أن تبقى في الوجود إلا إذا تقسّمت المنطقة إلى إثنيات وطوائف”. فكيف يكون سلام مع كيان يقوم على خلق الانقسامات بين الشعوب، ليستمر وجوده. إنّ طبيعة الصهيونية تقوم على التناقض مع ما هو خير للناس جميعاً.

وهكذا حين يكون تحالف بين القوي والضعيف لا يمكن أن نسميه تحالفاً، وإنما هو تبعية بكل المناحي، فالضعيف مضطر دائماً لتقديم التنازلات، ومضطر للتنازل عن ملكية بلاده وقراره وحرية اختياره.

وستخاف هذه الأنظمة المطبعة خوفين في آن واحد، ستخاف من شعبها المناقض بفطرته للسلام مع المعتدي، وتناقض الشعب مع نظامه سيؤدي حتماً إلى تهالك النظام، والذي سيعيش تحت حماية حراب العدو. وستخاف هذه الأنظمة من الكيان الصهيوني لأنه يريدها دائماً ضعيفة ليسهل عليه نهبها وتسخيرها لخدمة وجوده.

ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ستنأى عن استخدام الوسائل التقليدية كالقوة العسكرية لتحقيق مشروعها المتطابق مع المشروع الصهيوني، وستلجأ إلى القوة الدبلوماسية في نهجها السياسي الجديد مع بداية مرحلة بايدن على الساحة الدولية وساحة الشرق الأوسط تحديداً. صحيح أن ترمب لم يلجأ إلى استخدام القوة العسكرية، ولكنه كان واضحاً في مشروعه القائم على نهب ثروات الشعوب واستعمار بلادها بأسلوب يتلاءم مع مفهوم الحرب الاقتصادية التي يستطيع بها السيطرة على الشعوب. لقد كان ترمب يعلن دائماً، وبكل صفاقة أن المنتصر هو الذي يحق له أخذ الغنائم وحده.

ويبدو أن إدارة بايدن ستكون ملساء أكثر، ولكنها في حقيقتها وأهدافها هي محاولة الهيمنة على منطقة ابتلاها ربها بالمطبعين. إنها تريد الهيمنة على بلادنا ومواردنا وتغيير قناعاتنا دون أن تخسر، ولو قبعة جندي أمريكي واحد.

“3”

بدأ كثيرون يتساءلون على الساحتين الإقليمية والدولية: هل ستكون مرحلة بايدن أفضل بالنسبة للعرب ولقضايا شعوب الجنوب عموماً من مرحلة ترامب وما هي طبيعة الاختلافات المتوقعة بين إدارتي ترامب وبايدن

إن الاختلاف في السياسة الخارجية بين الديمقراطيين والجمهوريين لا يبدو جذرياً، فأي رئيس يُنتخَب، سواء أكان ديموقراطياً أم جمهورياً ستكون سياسته الخارجية هادفة ومنضبطة تحت عنوان واحد، وهو تأمين مصالح الولايات المتحدة واستمرار تفوقها. وسيكون الخلاف في السياسة الخارجية الأمريكية هو من سيكون أسرع وأقدر على جعل أمريكا أولاً، إن سياسة الولايات المتحدة الخارجية هي سياسة أمريكية بامتياز، وهذا يعني أن المهم ليس نصرة الشعوب والدعوة لنشر الديموقراطية، إن هذا الشعار هو لذر الرماد في العيون، وهو عدة شغل لخداع الشعوب. إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية يمكن تلخيصها بكلمة واحدة، وهي المصالح، وأبرز المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط هي النفط وحماية “إسرائيل”، وهناك قول مشهور لسياسي أمريكي يقول: ” إذا أردت أن تبحث عن صديق في أمريكا فعليك أن تبحث عن كلب”، وحده الكلب هناك سيكون صديقاً مخلصاً.

الولايات المتحدة الأمريكية تتكلم بلغة المصالح ولا تؤمن بغيرها، لذلك فإن الرهان على أفضلية إحدى الإدارتين هو رهان خاسر، فكل الرؤساء الأمريكيين دعموا إسرائيل بغير استثناء، وكان منهم من فعل ذلك بشكل فاقع واضح الإسفاف مثلما فعل الرئيس الأمريكي الأخير ترامب الذي أقر القدس عاصمة لها، واتخذ خطوات متقدمة تجاه تصفية القضية الفلسطينية برمتها، ولعل مشروعه القائم على صفقة القرن كان شاهدا على أن الولايات المتحدة تعتبر جغرافية الكيان الغاصب هي امتداد لجغرافيتها هي. وقد أعلن بايدن في تصريحاته الأولى أن حماية “إسرائيل” في سياسته لا تقبل النقاش. ومن أشد تصريحاته سواداً وانحيازاً للكيان الغاصب قوله: “(ليس ضرورياً أن أكون يهودياً لكي أصبح صهيونياً)، فهو يعتز بانتمائه للحركة الصهيونية على الرغم من أنه ليس يهودياً؛ ومن طبيعة الكيان الصهيوني أنه لا يرغب كثيراً بنجاح رئيس أمريكي لولاية ثانية، لأن الرئيس المنتخب لولاية ثانية يكون أقلّ حاجة للوبي الصهيوني المؤثر في الانتخابات الأمريكية. ولذا أخذوا من ترمب كل ما يمكن أن يعطيه وهم الآن سيبدأون بالضغط على بايدن ليأخذوا منه ما تيسّر لهم. والذي يتابع الحملات الانتخابية الأمريكية في كل مراحلها يكتشف أنها في صميمها مباراة لإرضاء “إسرائيل” وخطْبِ ودها طلباً لدعم اللوبي الصهيوني لها في الانتخابات. وهذا بالتأكيد ما فعله بايدن، وهو المخضرم في السياسة الأمريكية، والذي يعرف من أين يؤكل لحم الكتف، فقد قضى أكثر من خمسين عاماً من عمره السياسي في المراكز المتقدمة من إدارات الحكم المتعاقبة في الولايات المتحدة، وفي مرحلة أوباما كان نائباً له.

“4”

الخطوط العامة لسياسة بايدن

أ ــ محاولة القضاء على جائحة كورونا، وهي تشكل تحدياً كبيراً لإدارة ترامب، لصعوبتها، وبسبب الخلاف مع إدارة ترامب حول أسبقية كل منهما للتفوق وكسب رضا الناخبين، وقد انقلبت هذه الجائحة بكل ثقلها على إدارة ترمب، وكانت من الأسباب التي أثرت عليه. واليوم ستكون التحدي الأول والأكبر للإدارة الجديدة.

ب ــ محاولة رأب التصدع القائم في المجتمع الأمريكي، فقد أظهرت الانتخابات الأخيرة هذه مدى الشرخ الذي يجتاح جسد التركيبة الأمريكية، والأعجب أن أعداد كل فريق تكاد أن تكون متقاربة، فقد نال ترمب بشعبويته وعنصريته وتوجهاته الغريبة أكثر من سبعين مليون ناخب.

ج ــ جوزيف بايدن، مجلة الشؤون الخارجية (Foreign Affairs)، مارس/أبريل 2020

لقد نشر بايدن مقالاً له في مجلة الشؤون الخارجية (Foreign Affairs)، مارس/أبريل 2020، وفي هذا المقال يحدد توجهات إدارته إذا وصلت لتسنم رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ملخص لأفكاره في المقال المذكور:

يرى بايدن أنّ إدارة ترامب تسبّبت في إضعاف مصداقية ونفوذ الولايات المتحدة عبر العالم، والأخطر من ذلك هو ابتعاد ترامب عن القيم الديمقراطية التّي تمنح القوة لأمريكا وتجعل شعبها موحّدا.

ويرى بايدن أنه، ومع التحدّيات الجديدة التّي يعيشها العالم على غرار تحدّي المناخ، صعود الشعبويات والنزعة القومية، وتنامي الهجرة وانتشار الأمراض الفتّاكة، فضلاً عن صعود الاستبداد والأنظمة غير الليبرالية عبر العالم، تراجعت ثقة شعوب العالم في الديمقراطية وتنامى هوس الخوف من الآخر، وكلّها كانت عوامل في خدمة ترامب وأمثاله من الديماغوجيين في سعيهم لتحقيق مصالحهم السياسية والشخصية الضيقة. لذا، فعلى الرئيس القادم أن يسترجع سُمعة الولايات المتحدة، ومصدقتيها وثقة العالم في قيادتها وأن يحشد الحلفاء لمواجهة هذه التحديات الجديدة فورا.

ويركز بايدن في مقاله على “ضرورة تجديد الديمقراطية داخل الديار”، وفيه يؤكّد أنّ على الولايات المتحدة أن تُصلح وتُنشِّط ديمقراطيتها وتقوّي ائتلاف الديمقراطيات عبر العالم، وأن تُظهر استعدادها لقيادة العالم مرّة أخرى “لا عبر مِثال قوتّها وحسب بل عبر قوّة المثال الذّي تضربه أيضا”.

ويرى بايدن أن عليهم العمل لإنجاز هذا التوجه لا بد من اتخاذ تدابير فوريةً لأجل تفعيل ذلك على غرار وضع حدّ لسياسات ترامب القاسية المتعلّقة باللجوء وتحديد عدد القبول السنوي للاجئين ب 125 ألفا والسعي إلى رفعه مع الوقت بما يتناسب “ومسؤولياتنا وقيمنا”، حلّ مشكلة اللاجئين إلى الولايات المتحدة من الجذور عبر إستراتيجية شاملة مدّتها أربعة سنوات. والتأكيد على حظر التعذيب والحرص على الشفافية في العمليات العسكرية الأمريكية، والعمل على محاربة الفساد المالي ومنع تدخّل الرعايا والحكومات الأجنبية في الانتخابات الأمريكية عن طريق إنشاء لجنة أخلاقية تُكرّس الشفافية وتسّد الثغرات التّي “تفسد ديمقراطيتنا”.

ثم يركز في القسم الثاني من مقالته على الأمن الاقتصادي للولايات المتحدة باعتباره مرادفاً للأمن القومي مُركّزاً على الطبقة الوسطى في المجتمع، إذ يرى بأنّ “سياستنا التجارية” تبدأ داخل الديار أولاً “من خلال تعزيز أعظم رصيدٍ لنا أي طبقتنا الوسطى”.

ثم يؤكدعزمه على الاستثمار الضخم في البحث والتطوير إلى أن تتولّى الولايات المتحدة قيادة الابتكار، فليس هناك “أيّ عذرٍ يجعلنا نتخلّف عن الصين وغيرها فيما يتعلّق بالطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي أو 5G مثلا”.

ويعترف بايدن في مقاله بأنّ الولايات المتحدة ارتكبت في الماضي أخطاءً كثيرة وأهمّها كان اعتمادها على قوة جيشها بدلاً من الاعتماد على مجموعة كاملة من نقاط القوة لديها، فضلاً عن إهمالها للدور الفعّال للدبلوماسية. ومن الأمور التّي يرى ضرورة مباشرتها هي إنهاء الحروب إلى الأبد وإعادة الأغلبية العظمى من القوات الأمريكية إلى الديار والاكتفاء باستخدام بضع مئات من القوات الخاصّة والأصول الاستخباراتية لدعم الحلفاء المحلّيين ضدّ الأعداء المشتركين، كما يرى بضرورة إنهاء الدعم الأمريكي لحرب السعودية في اليمن والالتزام الصارم بأمن إسرائيل.

ومن القضايا المؤكّدة عنده هي استعادة ثقة حلفاء أمريكا التقليديين وتعزيز العمل المشترك ضدّ التحدّيات التّي تفرضها القوى غير الليبرالية لروسيا-بوتين والصين وغيرهما من الدكتاتوريات الصاعدة وذلك عبر توسيع شبكة الأصدقاء الديمقراطيين في أمريكا اللاتينية، إفريقيا وشرق آسيا.

وهو يرى ضرورة قيادة الولايات المتحدة لجهود الحدّ من الانبعاث الغازي عبر دفع الدول للالتزام بالاتفاقيات الدولية على غرار الصين (أكبر مصدر لانبعاث الكربون في العالم)، ومن خلال انضمام الولايات المتحدة لاتفاقية باريس للمناخ، كما يرى بضرورة عودة الولايات المتحدة للصفقة التّي أبرمتها مع إيران بخصوص ملفها النووي أيّام أوباما ودفعها للالتزام بها عبر تفعيل آلية الدبلوماسية والضغط عليها مع الحلفاء. هذه هي أبرز النقاط في مقال بايدن المذكور.

ك ــ ويأتي كلام بلينكن والذي يمثل رؤية إدارة بايدن للعالم وللسياسة الخارجية الأميركية وهو سؤال التوازن بين الانخراط في شؤون العالم باندفاع وحالة الانكفاء التي تتبناها رؤية «أميركا أولاً»، خلق حالة التوازن في السياسة الخارجية الأميركية يرتكز على الدبلوماسية الوقائية والردع. حسب هذه الرؤية تكون الدبلوماسية الناجحة هي خليط من دبلوماسية التحسب للأخطار قبل خروجها عن السيطرة والردع العسكري الجاد. ويضرب لذلك أمثلة بالدور الذي لعبته الدبلوماسية الأميركية بين الدول النووية مثل الهند وباكستان أو دور الدبلوماسية الأميركية في النزاع العربي الإسرائيلي، ولكن الدبلوماسية وحدها والكلام وحده لن يردع الصين أو روسيا، لذا يجب أن تكون للدبلوماسية ذراع ردع عسكرية قوية يعوَّل عليها وتفرض هيبتها. من هذا المنظور ربما تلمح شكل الدور الذي قد تلعبه إدارة بايدن في الشرق الأوسط

ل ــ مقاربة لسياسة بايدن في الشرق الأوسط.

1- بالنسبة للصراع العربي الصهيوني والقضية الفلسطينية تحديداً. إنّ بايدن كغيره من الرؤساء الأمريكيين سيكون مع الانحياز الكامل لإسرائيل وما تفعله، سواء أحبها أم كرهها، خوفاً من قدرة اللوبي الصهيوني وتأثيره العميق على مجرى السياسة الأمريكية.

ولهذا لن يتراجع بايدن عن نقل السفارة من يافا المحتلّة إلى القدس المحتلّة، أو عن قبول السيادة الإسرائيليّة على الجولان المحتل، أو عن الاعتراف بالقدس المحتلّة عاصمة «أبدية» لإسرائيل. يصعب التراجع عن خدمات أو سياسات ملائمة لإسرائيل من قبل إدارة تتبع أخرى. وكل إدارة تكون عادة أكثر صهيونيّة من سابقتها. يعلم بايدن أنّ ترامب تركه مغلولاً بسياسات ستثبت. لكنّ بايدن سيعيد التفاوض مع السلطة الفلسطينيّة كما هو متوقع (لأنّه يريد التعجيل في رفع وتيرة التنسيق الأمني) وسيعيد المساعدات الأميركيّة إلى السلطة، كما أنه سيفتح القنصليّة الفلسطينيّة في القدس، وسيعيد فتح مكتب «منظمة التحرير» في واشنطن. أما «صفقة القرن»، فلن يكتب لها النجاح على الإطلاق. وستعيد الإدارة فتح مسار مفاوضات مسيرة السلام، وسترحّب بمزيد من التطبيع لكنها ستحثّ دول التطبيع الخليجيّة على ربط التطبيع بوقف المستوطنات. هذا من دون التقليل من عداء الحزبيْن للشعب الفلسطيني وقضيّته. وستعود السياسة الأميركيّة إلى ما كانت عليه من اعتبار المستوطنات اليهوديّة في الضفّة الغربيّة «عقبة أمام السلام» – وسيُترجم هذا بالاستمرار في بناء المستوطنات مع اعتراض لفظي خجول، مرّة في السنة، من قِبل المتحدث باسم وزارة الخارجيّة الأميركيّة. أميركا ستنطلق في سعيها لتحقيق دولة فلسطينيّة من منطلق ما هو في مصلحة إسرائيل. هذا كان منطق جون كيري في مفاوضاته مع نتنياهو: أنّ المستقبل محفوف بالمخاطر لإسرائيل، وأنّ نظامها يتّجه نحو الأبارثيّد (حتى بمعيار أميركا المحافظ). لكن لن يتغيّر الموقف الأميركي في دعم إسرائيل المطلق، وتسليحها فوق ما تطلبه.

أما بالنسبة للسعودية فسيكون الموقف الأمريكي ضاغطاً أكثر لتحصيل مكاسب أكثر، وستستغل إدارة بايدن قضية مقتل الخاشقجي لإجبار محمد بن سلمان على الاقتراب أكثر من التطبيع، ولعقد صفقات تسليحية تدر دعماً للوضع الأمريكي المأزوم بسبب الكورونا. وربما تهدد محمد بن سلمان بإيجاد فتنة في العائلة الحاكمة، وعلاقة بايدن كانت قوية بمحمد بن نايف. وستحاول إدارة بايدن إنهاء الملف اليمني لأنه يؤذي الممرات المائية، مع عدم قبولها السلوك السعودي للدمار الذي يحدث يومياً في اليمن.

أما بالنسبة للبنان وسورية فستكون سياسة الإدارة الجديدة مرتبطة بما لا يؤذي “إسرائيل”، وستضغط للتأثير على نفوذ حزب الله في لبنان بدعم الجيش اللبناني ببعض وسائل القوة. والولايات المتحدة تدرك، وفي ظل أية إدارة تأتي، أنها ستظل بحاجة لموقع لبنان وجغرافيته، وقد يزيد اهتمامها بعد وجود البترول والغاز في المياه اللبنانية وستعمل جاهدة لاستغلال هذا الوضع المستحدث والجديد.

ومن المرجح أن يستمر التواجد العسكري الأمريكي في سورية، وبخاصة في المناطق القريبة من فلسطين المحتلة، وعلى الحدود العراقية السورية لما يخدم مصالحها بعدم وصول الميليشيات التابعة لإيران من النفاذ إلى لبنان، ولجعل الوجود الإيراني وأذرع إيران في سورية بعيدة عن هضبة الجولان المحتلة ولتبقي الوضع الكردي تحت حمايتها ودعمها لإجبار تركية على العودة إليها تماماً.

أما بالنسبة لإيران فستعود إدارة بايدن إلى الاتفاق النووي الذي أنجز في عهد أوباما، كما أعلن بايدن وإدارته، ولكن بشروط تتعلق بالاتفاق النووي نفسه، ولمنع امتلاك وصنع الصواريخ البالستية، وضبط الإيقاع الإيراني في المنطقة. وعناصر القوة في الموقف الأمريكي أنه مدعوم بقوة من الحلفاء الأوربيين الذين أدار لهم ترامب ظهره، والذي أتاح لإيران عدم الالتزام بكل القضايا التي يصر الأوروبيون والولايات المتحدة على إنجازها. وإيران ستضطر للتنازل بسبب أوضاعها الاقتصادية المتردية، وبسبب عودة التحالف الأوروبي وتعاونه مع بايدن. وإيران غير قادرة على خرق هذه الحواجز. والعقوبات المفروضة على إيران هي أقوى الأسلحة الأمريكية ضد إيران.

طليعة لبنان

شبكة البصرة

الخميس 15 جماد الثاني 1442 / 28 كانون الثاني 2021

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط

الموقع رأي حر الموقع لا يتحمل ما يكتبه الكتاب
كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب