-{{{{{{داروسيا..............................................................إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ........................................................................... ولا بد لليل ان ينجلي وللجهل ان ينحسر؟؟؟!!!..................................................................................... بعناتا}}}}}}
بـــــــــــــــــــــــــــعــــــــــــلـــــــبـــــــك. ...غابت شمسها والعز تاه فيها .........................................................................................................................................................بعلبك يا دار الالهة بماضيها

الدولة في مسيعيدة.. والوطن في حديثة

الدولة في مسيعيدة.. والوطن في حديثة

شبكة البصرة
بقلم أ.د. مزهر الخفاجي

الى د. طه جزاع* ود. طالب الجليلي، لم يعرف العراقيون في أقاصي الجنوب ما سطره (جون لوك) عن مفهوم الدولة، فالدولة هي مجموعة تمارس نشاطها في إقليم جغرافي محدد كأن يكون (مسيعيدة) قرية تقع على نهر دجلة في محافظة ميسان، أو (حديثة) تلك المدينة المجاورة بسلام لنهر الفرات. ولم يعرفوا إلا منذ 100 عام أنهم كانوا يخضعون لنظام سياسي معين متفق عليه فيما بينهم بتولي شؤون الدولة، لكنهم في الوقت نفسه كانوا يحسّون أن هنالك حبلاً سرياً يربط بين جميع أبنائهم وقبائلهم أسموه (الوطن) والذي عَرفته كُتب القانون وقواميس علم الاجتماع. مكان الإنسان ومحله، أي أنه عبارة عن المكان الذي يرتبط بهِ الشعب ارتباطاً تاريخياً طويلاً.

نعم عبّر العراقيون عبر خمسة الاف عام كما يقول (توبيني) عالم الانثروبولوجيا عن أنهم كانوا يحبون أوطانهم ويحمونها في شغاف القلب. رغم أنهم لم يمسكوها مسك اليد، وكان لسان حالهم يقول:

وطني وأدعو في ظلام الليل

أن لا يبتليك الله بالظّلام

وطني وأرجو ان يدوم لك الهنا

أبداً بظل عدالة الحكّام

وطني العزيز.

وأنت من يحلو بهِ غزلي

وتشبثي وسجع نظامي

وطني العزيز.

أنت من أدعو لهُ

عقبى صلاتي دائماً وصيامي

من أصعب المفاهيم على فقراء العراق وأخياره. أن تمتحنهم في تعريف وطنيتهم. أو في مزايدتهم على اختبارها، فالوجوه السُمر من أقصى الفاو الى القائم وحتى سنجار وأعالي زاخو، قد دفعت ضريبة انتمائها لهذا البلد.

نعم. هذه الوجوه السُمر من أبناء الرافدين الذين أبكاهم جوىً، فأحب تحديهم وأحبوه وقد حفظوا المثل السومري القديم (القلب المُحب، يبني البيت، والقلب المبغض يهدمه (Kramer:The Sumerian)

وصاحب النص أراد أن يقول إنّ الأوطان مثل البيوت تُبنى بالمحبة. التي تتحول سلوكاً، وهذا الأمر كان حجة نبي الرحمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ألمْ يقل أن (الدين المعاملة)، ويفسّرها أهل علم الاجتماع أمثال (جون ديوي) بأن الدين سلوك.

ما سقتهُ من مقدمة ذكرتني فيه (أمالي) وهي نوع من الأدب عند المتقدمين من مفكري وأدباء العرب، كان أمالي أبي علي القالي، وأمالي الحلي، وأمالي الكشي وغيرها. ولقد سمعتُ قبل أيام بأمالي الطبيب الدكتور طالب الجليلي.

فقد ذكر في أحد (أماليه) وهو يتحدث عن الدولة (القوية) أو الدولة القانون. أنه في واحدة من نوبات خفارته الطبية في إحدى قرى محافظة (العمارة) وتدعى (مسيعيدة) وهو تصغير جنوبي للمدينة السعيدة، لأن هذه المدينة كانت تلوذ بدجلة ويلوذ به أهلها. وفي أحد الليالي جيئ برفات ميّت، كي ينظم لهُ (شهادة وفاة) وحين خرج كي يسلم شهادة الوفاة لمرافقي المتوفى فوجئ بعدم وجود أحد مع الجثة المسجاة وقد خرج من عنبر غرفته فلم يجد أحداً يذكر. لذا طلب من مساعديه أنْ يبحثوا عن أهل المتوفى الذين جاؤوا به، فلم يجدوا أحداً في الممر الطويل حينها قرر الطبيب أن يخرج الى باحة مستشفى (مسيعيدة) وحينها وجه السؤال لأحد مساعديه: يا ناس أين أهل هذه الجثة؟ انبرى لهُ أحد مساعديه وقال: دكتور (طالب) ألا ترى هذه الجموع الواقفة في نهاية الشارع او التقاطع الذي يذهب الى مركز مدينة العمارة، قلت: بلا.

قال: هؤلاء هم أهل المتوفى وهم يخافون من أجهزة الدولة من أن تلقي القبض عليهم لأن المتوفى هارب من الخدمة العسكرية. حينها استغفرت الله ودعوت بعض الموظفين لحمل جثة المتوفى وشهادة وفاته ليسلموها الى ذويه الذين أخافهم تجاوز الميت والحي منهم لسطوة القانون وخدمة الوطن. فلم يخافوا من سطوة الموت بل تحسبوا من عقاب الدولة.

هذه الحادثة لها معنيان: الأول هيبة الدولة وعظمة سلطاتها وجهل الفرد بحقوق الحي والميت، والجهل المستشري سببه الاثنان الفرد والدولة، كما يقول (فولتير): حين يختلط الوعي بالوطن يجهل أفراده حقوقهم.

ويذكر الدكتور الجليلي في واحدة من أماليه. أنه وهو الجنوبي الذي جاء من مدينة (الحي) أحد أقضية محافظة واسط. سكن أحد بيوت إقامة الطلبة (القسم الداخلي) في بغداد وكان من المصادفة أن يكون هو أحد الطلاب الخمسة في الغرفة أولهم (جاسم الحديثي، خليل ابراهيم الحديثي، راسم الحديثي، الدكتور طه جزاع العبيدي الحديثي) وهم الأربعة من أهل حديثة وهو من أهل الجنوب

ويذكر الدكتور الجليلي. لقد أحسست طيلة عشرتي لهؤلاء الأخوة الطلبة وكأنني انتقلت من بيتي في الحي الى بيتي الآخر الحديثي في بغداد.

ونتيجة لظروفي الاجتماعية والمادية الصعبة. فقد كنت كثيراً ما اقضي وقتي الذي يقارب الشهر مع الوحدة والوحشة. وأستمر في البقاء في القسم الداخلي ادخاراً للمصروف الذي كان يثقل كاهل عائلتي. ويترك فيَّ حسرة غياب الصديق والأنيس. لكن الأربعة الذين هم من مدينة (حديثة) كانوا يحاولون أن لا يشعروني بالغربة، فهم وعوائلهم بيوتي ووطني الآخر. فكان حفيد (رميزان) وأقصد الدكتور طه جزاع العبيدي الحديثي. طالما يصطحبني الى بيته وعائلته القاطنة في مركز مدينة الانبار.

كنت أجلس في بيتهم كأنني بين أحضان أهلي وأشعر بحجم محبتهم الكبيرة.

وكانت عزوتهم تكسر عليّ وحدتي ووحشتي القاسية. واشعر أن الدنيا بخير. عفواً العراق بخير. عفواً الوطن بخير.

ويذكر الدكتور الجليلي، أنّهُ في إحدى المرات التي نزل فيها الدكتور طه جزاع الى أهله، وبقيتُ أنا في القسم لسببين مادي وآخر التهيؤ لامتحان مقبل. لكن في عصر ذات اليوم. رجع إليّ أخي طه جزاع. ووجدته متأففاً ضارباً على كتفي قائلاً: أخي طالب لقد أحرجتني. سألتني أمي بالحرف الواحد (أين أخوك طالب. لم تأتِ به). فقلت لها: لقد بقي في القسم الداخلي، فأبت إلا أن أرجع الى بغداد. وفعلاً رجعت لآخذك. لأن الوالدة أقسمت علي ان آتي بك.

وأنا راجع مع طه الجزاع لبيته، كان المذياع يصدح بأغنية ريفية جميلة:

“أنتم حياتي ودنيتي وانتم سواد عيوني

ضميتكم فرحة عمر.. ماظنتي تخيبوني.

اعزاز وأغلى من الگلب.. وافراگكم كلش صعب.. واللحظة صعبة بدونكم

صدگوني“

الدولة عند (جان جاك روسو) في مسيعيدة أو في حديثة أو في حسينية في كربلاء. هذا هو الانتماء، وهذا الانتماء عمدتهُ تضحيات ألوف الرجال وسقتهُ دموع الفقراء والمثكولات جنوبيات كُن أم غربيات ام كرديات. فالوطن هو الجرح الوحيد الذي يتباهى بهِ العراقيون أمام الأمم. فهو يعيش فيهم كالجمرة في القلب لا تبرد حين يُهان. وهم يعيشون فيه رغم صقيع السويد وسويسرا وأمريكا.

ـــــــــــــــــــــ

*الطبيب المعروف في محافظة الأنبار. وهو غير الدكتور طه جزاع، أستاذ الفلسفة في جامعة بغداد، والكاتب والصحفي المعروف.

برقية

شبكة البصرة

الاثنين 5 جماد الثاني 1442 / 18 كانون الثاني 2021

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط

كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب