يوم خرجنا من التاريخ
شبكة البصرة
السيد زهره
حين سقطت غرناطة آخر معاقل العرب والمسلمين في الأندلس في الثاني من يناير عام 1492 لم يكن هذا الحدث نهاية للحكم العربي الاسلامي في الأندلس فقط. كان هذا هو اليوم الذي خرج فيه العرب من التاريخ.
هذا هو ما تأكد خلال القرون التالية لضياع الاندلس وحتى يومنا هذا.
تحدثت امس عن دويلات الطوائف وامراء الطوائف وصراعاتهم وتحالفهم مع الأعداء وكيف ان هذا هو العامل الأساسي الذي قاد في النهاية الى ضياع الأندلس. بالطبع هناك عوامل أخرى مثل ان حكام المنطقة العربية في ذلك الوقت كانوا منشغلين بخلافاتهم وصراعاتهم الداخلية واحجموا عن التدخل لنصرة الأندلس.
لكن وراء كل هذا عامل اكثر عمقا. سقوط الأندلس حدث في اللحظة التي توقف فيها العرب في داخل الأندلس وخارجها عن بناء الحضارة. اللحظة التي توقفوا فيها عن التميز في الإنتاج العلمي والفكري وبناء القوة الذاتية.
بعبارة اكثر دقة وتفصيلا، العرب خرجوا من التاريخ حين لم يتعلموا بالذات دروس سقوط الأندلس ولم يتأملوا أسباب هذ االسقوط ويحاولوا ان يتجنبوها.
تحديدا أربعة عوامل كبرى قادت لسقوط الأندلس كما ذكرت ووضعت العرب خارج التاريخ:
1- التوقف عن الريادة والتفوق في مجالات العلوم والتكنولوجيا والإبداع وبناء القوة عموما. العرب تخلفوا خطوة بعد خطوة عن باقي دول العالم في هذه المجالات حتى انتهى بهم الأمر الى ان اصبحوا في مؤخرة الصفوف بعد أن كانوا هم الأساتذة والسادة والقادة واصبحوا يعيشون عالة على الآخرين.
2- حين تفرقت الصفوف، ولم يعد للوحدة بين دولنا مكان في الاهتمامات الرسمية. حين ساد التصارع وحتى التقاتل بيننا بدلا من الوحدة. حين غابت المصحة الأعلى في سبيل مصالح ضيقة لكل دولة على حدة.
3- حين لم نعد نملك أسباب القوة، وفي مقدمتها القوة العسكرية التي نصنعها نحن ونتحكم فيها نحن. حين حدث هذا لم نعد قادرين على الدفاع عن دولنا ومجتمعاتنا واصبح وجودنا نفسه مهددا.
4- حين اصبحنا نستنجد بالأعداء والأجانب ونتحالف معهم ونستقوي بهم في مواجهة حتى الدول الشقيقة.
هذه العوامل الأربعة اجتمعت معا في ظل دويلات الطوائف في الأندلس وقادت الى ضياعها.
وهذه العوامل الأربعة استفحل امرها بعد ذلك حتى يومنا هذا.
وحين تجتمع هذه العوالم معا معناه انك أصبحت خارج التاريخ. تاريخ الحضارة وتاريخ النفوذ والسيطرة والتأثير.
بهذا المعنى نقول انه في يوم سقوط غرناطة خرج العرب من التاريخ ولم يعودوا اليه حتى اليوم.
حين سقطت غرناطة ساد عصر من الإرهاب والمذابح والجرائم المروعة التي سجلها التاريخ ضد أهلها من العرب المسلمين، الأمر الذي أدى في النهاية الى طردهم الى بلاد المنافي.
يحكي المؤرخون ان كثيرا من العرب المسلمين حين غادروا الأندلس الى المنافي تركوا مفاتيح بيوتهم ومحالهم مع اقربائهم او جيرانهم الذين فضلوا البقاء واوصوهم بالاحتفاظ بها. فعلوا هذا يحدوهم الأمل انهم سيعودون يوما الى بيوتهم.
آخرون من الذين رحلوا اخذوا مفاتيح بيوتهم معهم. بعض احفاد اهل الأندلس الذين يقيمون في المغرب يقولون انهم حتى يومنا هذا ما زالوا يحتفظون بمفاتيح بيوت اجدادهم.
لكن الذين تركوا مفاتيح بيوتهم او احتفظوا بها لم يعودوا ولم يعد لهم بيوت يعودون اليها.
لم يكن اهل الأندلس آخر من يحتفظون بمفاتيح بيوتهم، ولم تكن زفرة أبو عبدالله الصغير هي “زفرة العربي الأخيرة”.
يكفي ان نتأمل ما حدث خلال العقود الأخيرة فقط.
ملايين الفلسطينيين والعراقيين والسوريين واليمنيين خرجوا الى المنافي حاملين معهم مفاتيح بيوتهم على امل العودة اليها يوما.
حدث هذا وسيحدث لأننا كما ذكرت لم نتعلم الدرس الأكبر لسقوط الأندلس.
كان الدرس الأكبر هو اننا يجب ان نعود الى التاريخ. لكننا لم نتعلم، وما زلنا خارج التاريخ.
شبكة البصرة
الثلاثاء 21 جماد الاول 1442 / 5 كانون الثاني 2021
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


