تداعيات المهزلة الأمريكية
شبكة البصرة
السيد زهره
على امتداد الأيام الماضية يتابع العالم وقائع ما يجري في أمريكا والتطورات الدرامية للعملية الانتخابية. هذا طبيعي فما يحدث في أمريكيا يؤثر على العالم كله. العالم يتابع ما يجري بكثير من الدهشة والاستغراب والسخرية أحيانا.
تطورات العملية الانتخابية في أمريكا تحولت الى مهزلة. المهزلة ليست في تأخر اعلان النتائج والفوضى التي تحيط بعملية عد الأصوات في مختلف الولايات. المهزلة ان العملية الانتخابي برمتها بدت كما لو كانت تدار من قبل دولة لا خبرة لها في الديمقراطية والانتخابات.
والمهزلة ان الرئيس ترامب نفسه، ومعه قطاع كبير جدا من الأمريكيين بالطبع، أظهر في تصريحاته ومواقفه العلنية انه لا يثق اطلاقا في النظام الانتخابي الأمريكي ولا في نزاهة العملية الانتخابية، وانه ليس على استعداد لقبول النتيجة التي تنتهي اليها العملية الديمقراطية.. اتهامات بالتزوير وتزييف إرادة الناخبين وسرقة الانتخابات وأموات يدلون بأصواتهم ومنع المندوبين من حضور عمليات عد الأصوات.. الخ.
لو حدثت هذه الممارسات في أي دولة في العالم وتم توجيه هذه الاتهامات من قبل المعارضة مثلا في أي انتخابات، لكانت أمريكا نفسها اول من يتحدث عن الدكتاتورية والديمقراطية الزائفة وعدم احترام إرادة الشعب. اليوم رأس الدولة الأمريكية هو الذي يقول هذا عن ديمقراطية بلاده.
المهم في كل الأحوال، وأيا كان ما ستنتهي اليه نتيجة الانتخابات، فان ما حدث حتى الآن ستكون له تداعيات عميقة بعيدة المدى.
قبل كل شيء، هذه الانتخابات خلقت أزمة شرعية في أمريكا. أيا كان الفائز فيها لن يكون بمقدوره ان يقول انه يمثل كل الأمريكيين. صحيح ان هذا هو حال الديمقراطية في أي مكان حيث يحصل الفائز على الشرعية حتى لو فاز بفارق ضئيل من الأصوات، لكن لم يحدث من قبل ان كان المجتمع الأمريكي منقسما انقساما حادا وعنيفا كما هو الحال اليوم وأظهرته العملية الانتخابية.
بالطبع، اذا تحول هذا الانقسام الى اعمال عنف ومواجهات في الشوارع، فسوف تكون هذه بحد ذاتها كارثة وستترك الرئيس الجديد معزولا ومشكوكا في شرعيته.
وحتى لوثبت ان اتهامات ترامب بحدوث عمليات تزوير في الانتخابات غير صحيحة في أغلبها، فستظل هذه الاتهامات تلاحق الرئيس الجديد وتشكك في شرعيته على الأقل في نظر قطاع كبير من الشعب الأمريكي.
ومن أهم تداعيات ما يجري في أمريكا انه يمثل بحد ذاته ضربة قاصمة للديمقراطية الأمريكية ومصداقيتها وللنموذج الأمريكي الذي يتفاخرون به في العالم.
أمريكا ومنذ عقود طويلة تعتبر نفسها قائدة للعالم الحر، وتتحدث عن القيم والتقاليد الديمقراطية الأمريكية الراسخة التي تجعل منها نموذجا قائدا ورائدا في العالم.
أمريكا استخدمت هذا الحديث عن النموذج الديمقراطي الأمريكي كأحد أكبر المبررات لقيادتها للعالم في مواجهة دول عظمى مثل الصين وروسيا.
ليس هذا فحسب، بل استخدمت امريكا الحديث عن هذا النموذج مبررا وذريعة لغزو واحتلال دول وتدميرها، وللتدخل في الشئون الداخلية لكثير من الدول والعمل على تخريبها واثارة الفوضى فيها تحت زعم نشر الديمقراطية وتأييد القوى الديمقراطية في هذه الدول.
اليوم، ونظريا على الأقل، ليس بمقدور أمريكا ان تواصل هذه المزاعم والتبجح بالنموذج الديمقراطي الأمريكي وريادته.
هذه المهزلة أثبتت ان أمريكا، لا نقول ليست ديمقراطية، ولكن ان ديمقراطيتها تشوبها النقائص والعيوب الكثيرة، وانها في النهاية ليست مؤهلة لأن تكون نموذجا عالميا يحتذى به.
سيكون من المستهجن في العالم كله ان يواصل المسئولون الأمريكيون إعطاء الدول والشعوب الدروس والوصايا والنصائح حول الديمقراطية والحرية وما شابه ذلك من شعارات.
بالطبع للمهزلة تداعيات مهمة أخرى سنعود اليها لاحقا.
شبكة البصرة
الجمعة 20 ربيع الاول 1442 / 6 تشرين الثاني 2020
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


