-{{{{{{داروسيا..............................................................إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ........................................................................... ولا بد لليل ان ينجلي وللجهل ان ينحسر؟؟؟!!!..................................................................................... بعناتا}}}}}}
بـــــــــــــــــــــــــــعــــــــــــلـــــــبـــــــك. ...غابت شمسها والعز تاه فيها .........................................................................................................................................................بعلبك يا دار الالهة بماضيها

الغزو والاختراق الصهيوني 1897 – 2018 (التاسعة)؛ دراسة للباحث والمؤرخ الفلسطيني أ.عبد العزيز أمين عرار

الغزو والاختراق الصهيوني 1897 – 2018 (التاسعة)؛

دراسة للباحث والمؤرخ الفلسطيني أ.عبد العزيز أمين عرار

شبكة البصرة

أ.عبد العزيز أمين عرار

ـ تجريد وتصفية قائد فصيل الصاعقة حسن أبو نجيم:

نسب إلى فارس تصفية أبو نجيم، فهل كانت له علاقة بهذه التصفية؟

كانت البداية الأولى للخلاف بين قادة فصائل الثورة في منطقة قلقيلية، كما حدث بين القائدين حسن علي أبو نجيم من مدينة قلقيلية، والقائد العام عارف عبدالرازق في أواخر صيف عام 1938.

حدثنا أسعد القاسم مساعد فارس العزوني قائلاً:” صعد حسن أبو نجيم إلى الطابق الثاني في دار داود حسين شواهنة في كفرثلث أحد أقارب فارس وترك أعضاء الفصيل خارج الدار، وقال لهم: إذا سمعتم إطلاق نار قوموا بتجريد الفصائل الأخرى من السلاح واستعدوا لمقابلتهم، و تصفيتهم، وخبأ مسدسه بين لباسه وحذائه الطويل.

جرى نقاش بين القادة الثلاثة، وهم:عارف عبدالرازق، وحمد زواتا، وحسن أبو نجيم، أما فارس فكان مختبئًا في شباك الغرفة المغطى بقماش رقيق، وأثناء نقاشهما معه وجهوا له أسئلة متهمينه بسرقة فرس من قرية المجدل (مجدل الصادق)، والإساءة للثورة، واتهمه عارف بالتقصير تجاهه حينما طوقه الجيش البريطاني ومن معه في إحدى المعارك ولم يحاول مساعدته.

انحنى حسن ليلتقط مسدسه لتصفية عارف، وحمد، فنبه فارس عارف عبدالرازق الذي اصفر لون وجهه، وتعاركوا معه، وقبضوا على يديه وجردوه من سلاحه، وأخذوه خارج البيت، وأمروا أعضاء فصيله بالتخلي عنه، فتركوا الثورة منذ ذلك الحين، وطلب عارف من فارس أن يتولى مهمة تصفيته، لكن فارساً همس في أذن أسعد القاسم، ونمر القنبر أن يتظاهروا بأنه هرب ليطلقوا عليه رصاصات طائشة في الهواء، وهرب حسن أبو نجيم، و ُقبض عليه مرة ثانية في قرية سمسم من قرى غزة، وسلم مرة أخرى إلى عارف الذي أمر حمد زواتا هذه المرة بتصفيته بعد أن جلدوه وعذبوه، ثم أطلقوا النار عليه حيث وصلوا به إلى كفر لاقف، وبقيت جثته مكشوفة في العراء، وبعد أيام حضر أهله ودفنوه في إحدى المغارات الأثرية القريبة منها”(344).

أثار قتل حسن استغراب القائد عبد الرحيم الحاج محمد التي ظهرت في إحدى رسائله إلى محمد الصالح أبو خالد حيث نشرها عزرا في كتابه: شخصيات ووثائق.

وعن تصفيته حدثنا كايد عواد قائلاً: “هُرب حسن أول مرة من قبل عبد الله القنبر، وجاسر سليمان، وتظاهروا بأنه فر منهم، وقد أطلقوا النار عليه في الهواء، وفي يوم من الأيام قام شخص من قرية سمسم من قرى غزة بتقييده وإحضاره للثائر حمد زواتا الذي أعدمه على طريق عزون كفر لاقف”(345).

ـ قتل أحمد شطارة شريم من مدينة قلقيلية:

ومما نسب إلى فارس العزوني من ممارسات وأخطاء قيامة بقتل أحمد ابو شطارة من عائلة شريم في مدينة قلقيلية، وروي أن هذا الشخص ساعد فارس العزوني في الهرب من سجن عكا، فما السبب يا ترى في قتله؟

. حدثنا أسعد القاسم: “التحق أحمد الشطارة في الثورة، وقالوا لفارس: إنه يريد اغتيالك فقال: هذا صاحبي.

ولكنهم في إحدى الليالي كانوا سائرين، وأحمد شطارة معهم، وكان فارس يتقدمهم فأطلق أحمد النار باتجاهه ولم يصبه تظاهر فارس بعدم اهتمامه، وقال لجماعته: انسحبوا وتوجهوا لمروج عسلة.

وقال له أحمد شطارة: لا تؤاخذني أطلقت النار على العدو فجاء باتجاهك.

لم يحتمل فارس الموقف فأخذه لعيون كفرقرع شرقي كفر ثلث وأطلق عليه النار فأرداه قتيلاً، وأوصى بعد فترة من قتله بقدوم أخيه، وابن عمه، وقام لطفي محمد عبد الرحمن عيسى، وخليل أبوهنية من كفرثلث بنقله على جمل مقابل الحصول على خمسة دنانير بعد أن تركه فارس في العراء المكشوف”(346).

إعدام فصيل فارس العزوني لأربع نساء، ومختار في قريته عزون:

يرى الباحث أن إعدام بضعة نساء من قرية عزون يعد من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبت وأساءت للثورة، حيث أعدمن رمياً بالرصاص بتهمة الإساءة للأخلاق، والشرف، حيث اتهمن بإقامة علاقة مع الجند الإنجليزي أثناء حصارهم لبلدة عزون، لقد قتلن دون تحقيق، اومحاكمة عادلة، وقتلت إحداهن دون رحمة أو شفقة في بلدة كفرثلث في يوم شات وماطر، وبعد أن كانت تحمل طفلها بين ذراعيها، وقتل المختار بتهمة العمالة للإنجليز دون إثباتات قاطعة، بل مبنية على الظنون، والاتهامات والخلافات مع الآخرين.

حدثنا عبدالخالق يحيى سويدان نقلاً عن أبيه: “إن مسوغات ومبررات قتلهن لم تكن منطقية، بل غير مقبولة، حيث إن بعضهن طالبن بميراثهن من الأهل، فاشتكوهن لفارس واتهموهن بإساءة الأخلاق”(347).

وحول سرعة الأحكام والقساوة الظاهرة فيها. حدثتنا عائشة جودة أرملة الشهيد فارس فقالت: ” جاء فارس من قرية الزاوية على دار رضوان، وطلب إحضارهن واحدة منهن كانت معها بنتها، وأخرى معها ابنها، وأمر بإحضار أزواجهن الذين شهدوا على سوء أخلاقهن، وكتبت مجموعة من أهالي البلد ورقة بهذا الخصوص، وطالبوا بمحاكمتهن وأخذوا الأطفال، وصفهن فارس صفاً واحداً، وأعطاهن طلق واحد، وأغلق عليهن الباب وخرج باستثناء واحدة قتلوها الثوار في كفرثلث، ونصحته والدته بأن لا يقتلهن، وقالت: هذا حرام، قال لها في رقبة الشيخ. والذين شهدوا ضدهن”*(348).

ولم يقتصر دوره على أبناء قريته عزون وقرى قلقيلية، فقد قام رجال فارس باقتياد أب وولديه من آل البوطي من قرية “بيت الو” وتصفيتهما. حدثنا والدي “أمين عرار” نقلاً عن علي جابر عودة من كفر ثلث:” استدعى أب وولديه من آل البوطي، وعرض الأب تنكة ذهب على فارس على أن يعدمه قبل ولديه فرفض فارس إلا أن يعدمهم أمامه إلا أنه قتل الثلاثة(349).

وكان قتل مختار عزون مدعاةً للتساؤل، فقد اتهمه فارس بالعمالة للبريطانيين، وبعضهم اعتبرها دس وافتراء راح ضحيته كليهما، وآخرون قالوا إنه قام بإعدامه عن سابق تصميم بدوافع ومصالح أنانية خاصة؛ لأنه لم يوافق على زواجه ممن عشقها؛ لإنها أخته بالرضاعة حيث قال المختار: “إنها أخته بالرضاعة، ورضع معها رطلين فلا تحل له”، ومع أن والدته توسطت لأخيها إلا أنه رفض إطلاق سراحه وقتله.

وأجال الباحث النظر في مصادر عديدة فلم يجد ما يثبت صحة التهمة له سوى أنها حلقة من حلقات الدس والافتراء والتضليل، فقد حدثنا خالي حسن عبدالهادي من جلجوليا وآخرون: “أرسل فارس في طلب خاله من عزون إلى خربة خريش، وجاء إليها مع أن الناس نصحوه بأن لا يذهب إليه، وعندما وصلها ربطوه عند الجامع، ودبوا فيه قتل بسوط الحاج محمد المسلم، وجاءت أمه، ومعها وجهاء المنطقة ومخاتيرها للتوسط علشانه، ولكنه رفض. وراحت أمه تترجاه منشان أخوها، عندها ضربته بحذائها، ثم عرض على أخته أن يعفي عنه مقابل أن يعطيه بنته وبيارته، ولكنه رفض وقال: والله لو كنا في قبر واحد لقتلته، وتوسط المختار وديع أبو دية من كفرقاسم ودون فائدة، وأخذت له ماءً ليشرب، فنفر فارس فيي”(350).

وحول سبب إعدامه. حدثنا عثمان عدوان من بلدة عزون:ـ ” قام بعض أبناء عزون بسرقة توقيعه وكتبوا عليه أسماء أشخاص التحقوا معه، وادعوا أنهم ثوار، وقدمت رسالة للحاكم العسكري في طولكرم كي يأخذ إجراءاته اللازمة وبالمقابل أخبر فارس بأن خاله وشى عنه، فحنق عليه، وكانت فتنة وقع فيها فارس، وراح ضحيتها خاله”(351).

حدثتنا أيضا أرملة فارس العزوني. وقالت:” ندم فارس على فعلته، وقد أحضروا ورقة وبها أسماء الثوار، وعليها ختم المخترة مرسلة للقائد الانجليزي، وكانت خطوة مدبرة وملفقة، وثبت لاحقا أن الختم مسروق، فحنق عليه وأخذه لخربة خريش، وأعدمه الحاج محمد المسلم، وشعر فارس بعدها بغلطة كبيرة “(352)

ويظهر لنا أن “فارس” أخذ بالشبهة دون التحقق الكافي من خبر الوشاة، ففي كفرثلث أخذ قرارًا بتصفية عشرة أشخاص من حمولة عودة بتهمة الخيانة، وبيع الأراضي، والسمسرة لليهود، ولولا اعتراض القائد حمد زواتا ومجيئه في اللحظة الأخيرة لوقعت عملية سفك دماء غير محمودة العواقب، وكانت التهمة من دس أشخاص من عائلات أخرى وافترائهم، وقال حمد: “بهذه الطريقة ستخرب الثورة يا فارس، وتجلب الأعداء”(353).

أثار تعذيب فارس لبعض أفراد حمولة عودة، ومنهم: سليم عبدالرحمن عيسى الغضب لدى عضو الفصيل حسن أبو عمر الذي كلف بتحضير الكبسولات، فامتنع عن العمل، واختلف معه

كما حدثنا حسن: ” كنا في دار رشيد عبد حسن، فحضر فارس ومعه سليم عيسى حط فيه جلد، وتوسط له رشيد ويعقوب إسماعيل، فطلب منهم أن يدفع خمسين جنيهاً للثورة، توسطوا حتى نزلها إلى عشرة، ثم طلب مني فارس أن أصنع كبسولات فاعتذرت لكنه حاول أن يغصبني فرفضت واسودت الدنيا في عيني وتعاركنا، وحاول الحاج محمد مسلم أن يقتلني لكنني دفعت فارس أمامه، والناس تحاول الفصل بيننا، وقلت أعطيني الأمان وأعطاني، وأصلحونا وعاد يطلب مني أن أعمل كبسولات.

قلت: سأعمل خمسين كبسولة لكن بعدين.

فقال فارس: أسمعوا يا الحاضرين لو إنكم جميعا بجرأة هذا الرجل لانتصرنا على العدو”(354)

وعن معاملة الثائر فارس القاسية للناس، حدثنا حسن حسين من كفر ثلث قائلاً: ” أحضر فصيل فارس إلى بلدنا ثلاثة أشخاص من كفر قاسم اتهموا بالعمالة واقتادهم في وسط القرية قرب المدرسة القديمة عند ساحة التوته، وجاء الطلاب من المدرسة لمشاهدتهم، وكانت آثار التعذيب بادية عليهم، وقام بجلدهم وتعذيبهم في سوطه”(355).

وبرغم ما روي عن قساوته وإظهاره بـ “اللحام والمجرم” إلا أن له مواقف صارمة تجاه من يعبثون بأمن المواطن.

حدثنا عبدالله عبدالعزيز جودة من عزون نقلاً عن أبيه: “بلغه خبر أن شخصاً من عزون يدعي أنه رئيس لجنة اصلاح مكلف من الثورة فجلده وأدبه، وفي حالة أخرى تعرضت بعض الفصائل لقسيس في كنيسة بقرية عابود ـ رام الله وسرقه الثوار باسم فصيل فارس وبلغ فارس الخبر، وظل يبحث عنهم ووضع لهم حدا لتصرفاتهم”(356).

هكذا أصبح حال قائد الفصيل كحال “الحاكم بأمر الله “، يصحو على شيئ وينام على غيره، وقد تخطي قادة الثورة دور المحاكم البريطانية، وصارت ترفع إليهم عدة قضايا للحكم فيها، ولم تقتصر هذه الأعمال في منطقة بني صعب بل إنها جرت أيضاً في قضاء جنين، وروي عن ممارسات القائد يوسف أبي درة، ومقولته المشهورة:”ريحوه” فيقتل حالاً ويصفى، وأكثرهم من المخاتير الذين قدروا بأربعين شخصاً.

وغرق أيضاً عبدالله الأسعد الحجة من قرية عتيل وجوارها في عمليات قتل لمجموعة نساء، وتصفية أشخاص اتهموا بالعمالة والجاسوسية، وأخيراً قتل عبدالله في أثناء جلوسه في مقهى في طولكرم ثمناً لهذه الثارات وخلفياتها في ستينيات القرن الماضي.

وكما أسلفنا فقد نشرت جريدة الجهاد قائمة طويلة بمن قتلوا وخاصةً مجموعة النساء اللاتي قتلن في عتيل ممن كن يرفضن زواج البلطجة الذي فرضه الثوار على بعضهن، أو رفض إحداهن استقبال ثائر في ظل غياب زوجها، وأخرى رفضت التبرع بحليها للثورة، وواحدة: “دافعت عن عفافها أمام وحش كاسر، واشتكت للقائد فكان جزاؤها القتل”(357).

لقد أصبحت ثورة 1936 مذمة بسبب هذه الاغتيالات والتصفيات، وسيطرة أصحاب السوابق، وقد خشيت الثورة الفلسطينية المعاصرة اتباع هذه الأساليب، وحاولت تجنبها إلى حد كبير في عهد المرحوم الرئيس ياسر عرفات.

ثامناً: طرح الكتاب الأبيض وإلهاء القيادة السياسية بالحل السياسي:

استباقاً للحرب العالمية الثانيه حاول البريطانيون شراء قلوب العرب واستمالتهم بوسائل سياسية إذ قاموا خلال شهر أيار عام1939 بنشر(الكتاب الأبيض) الذي فرض قيوداً مشددةً على هجرة اليهود إلى فلسطين، أو حتى السماح لهم بشراء الأراضي في فلسطين، وبرغم ذلك امتنع القادة والحكام العرب عن قبول الكتاب الأبيض أو الموافقة عليه، وقد عارضه زعماء الحركة الصهيونية رغم أنه يدعو لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود(358).

وبمجرد أن بدأت الحرب بطل الحديث عن تطبيق الكتاب الأبيض، بل اصبح إعادة لمجمل المشاريع البريطانية بتغييرات غير جوهرية.

وفي رأي الباحث أن الانجليز اتخذوها ذريعة للتسويف والمماطلة كعادتهم، في حين يرى بعض الكتاب العرب أنها جاءت بفعل قوة الثورة، وأن الإنجليز عدلوا قليلاً من موقفهم لينحاز لهم العرب في الحرب العالمية الثانية ليكونوا في صف الحلفاء، وبسبب هذا الموقف قامت لاحقاً المنظمات الصهيونية بشن حرب شعواء على الإنجليز، وقد اغتيل فيها عدد من ضباطهم في القاهرة، وفلسطين على قاعدة انهاء التحالف معهم، والسير نحو حليف جديد هو الولايات المتحدة الأميركية.

تاسعاً: فراغ ساحة فلسطين من القادة العامين:

تعرضت ساحة النضال الثوري في فلسطين لحالة فضيعة وقاسية من الاضطهاد والتعسف، وبات الثوار وقادتهم ملاحقين ليل نهار من الجيش، وفصائل السلام، والمنظمات الصهيونية، وأمام استمرارهم في الجهاد والنضال بالغالي والنفيس سقط منهم مئات في الميدان، وقد اضطر بعضهم ترك ساحة النضال والجهاد مغادرين إلى الأقطار العربية مثل: سوريا، والعراق، ومصر، والسعودية.

أـ استشهاد القائد عبدالرحيم مؤشر على نهاية الثورة:

اعتاد القائد عبدالرحيم التوجه إلى سوريا التي عرفت بدعمها للثورة، وقد خرج إليها بعد خروج القاوقجي عام 1936، وكان موضع تكريم أهالي البلاد، ثم عاد إلى فلسطين بعد أن قضى بضعة شهور فيها، وكان الإنجليز بانتظاره فاشتبك معهم في باقة الشرقية، وأصيب يومها بجراح بالغة، ومكث شهراً يتطبب في الجبال والكهوف، ومن ثم توجه إلى دمشق عام 1939 حيث استدعي من قبل زملائه لرسم الخطط للثورة، وعاد لميدان الجهاد مملوءاً بالحماسة، وعرج في أثناء عودته على قرية صانور(359).

ويستدل من خلال الوثائق البريطانية أن القنصل البريطاني في دمشق لاحق القائدين عبدالرحيم، ويوسف أبو درة. ففي تقرير مترجم عن رسالة أرسلها قنصل بريطانيا في سوريا للسيد مكارثي: “لا بد وأنك تتذكر تلك البرقية رقم 4 بتاريخ 6 يناير/كانون الثاني حول مقترح القبض على متمردين (ثائرين) فلسطينيين كعبدالرحيم الحاج محمد، ويوسف أبو درة، وقد نوقشت مع سكرتير الحكومة في 13 يناير/كانون الثاني حيث تقرر عدم العمل به بسبب المحادثات الجارية مع المفتي، ومعه عدد من القادة العرب. والآن فقد انتهت محادثات بيروت، واستقرت الشرعية السياسية الفلسطينية، ونحن سنكون مسرورين لمعرفة كم سيستغرق الرد خارج دمشق، ولا زال هذان الشخصان في سوريا، ولكن لم يأت شيء من السيد مكارثي في حواره مع السلطات الفرنسية.”(360).

ذهب القائد عبدالرحيم إلى دمشق في يناير 1939 حيث اجتمع مع القيادة العامة للجنة الجهاد المركزية وتناول في حديثه معهم الفساد الذي تعاني منه البلاد، وكثرة الاغتيالات والتصفيات فيها، وقد نصحته اللجنة بعدم العودة إلى فلسطين؛ لأن الأوضاع غير ملائمة فيها بعد أن زادت قوة المعارضة، ولكن القائد عبدالرحيم أبى أن يترك ساحة الجهاد رافضاً ترك البلاد لهذه الجماعات تعبث فيها كيفما تشاء، وقد عبر نهر الأردن والأغوار قرب بيسان، ومعه القائد فوزي فياض جرار قائد فصيل صانور، ونام عبدالرحيم ليلته في قرية صانور في ضيافة صديقه كامل الحسين بتاريخ 26 آذار 1939 (361).

كان بعض الحاقدين والموتورين بانتظاره، وما إن شعروا بقدومه إلى فلسطين ومجيئه إلى صانور حتى وشوا عنه لعدوهم، فكانوا ككلاب الصيد منتظرين فرصة القبض عليه وتسليمه للإنجليز.

أما قوات الجيش فقد رأت فيها فرصتها لتطويق صانور والقبض على أخطر المطلوبين في فلسطين.

ففرضت دولة الاحتلال الإنجليزي طوقاً عسكرياً على صانور بثلاثة آلاف جندي، وبعد أن صلى القائد عبدالرحيم صلاة الصبح بلغه خبر الحصار المفروض على القرية.

وفي صباح يوم الاثنين 27/3/1939 ركب القائد فرسه، وأرخى لجامهامحاولاً اختراق الطوق الإنكليزي إلا أن رصاصات الحقد والخيانة كانت له بالمرصاد، فسقط شهيداً بمعية رفيقه في السلاح سليمان خليفة، بينما نجح رفيقه الثائر سعيد سليم باختراق الحصار، والهرب بعد أن قذف بعباءته على محاصيل القمح سابحاً تحتها، وقد بعث موت القائد عبدالرحيم الحزن العميق في جميع أنحاء فلسطين، وبموته ضعفت الثورة، واهتزت، وأصابها الوهن، وعجز خليفته الثائر أحمد أبو بكر أن يسد الفراغ الذي نشأ في الثورة(362).

وحول استهداف عبدالرحيم وإدراك القيادة للمخاطر المحيقة به:

حدثنا الثائر أسعد قاسم من قرية عسلة ” كنت في لبنان، ومعي فارس العزوني، ونمر القنبر أوائل عام 1939 و زرنا القائد عبد الرحيم الحاج محمد في مكتب اللجنة المركزية للجهاد، والتقينا مع أعضائها محمد عزة دروزة، وداود الحسيني، وسليم أبو لبن. وكان فارس يقيم في بيت خاص، ومعه زوجته، وذهبنا إلى بيت داود الحسيني، ورحب بنا، وسلم الواحد منا أكثر من مائة دينار. بعدها فكرنا بالرجوع مع الشهيد عبد الرحيم الحاج محمد إلى البلاد، إلا أن داود الحسيني عارض ذهابنا معه، فسألته عن السبب:

فقال:” إنك من رجالي، وأخشى عليك أن تقتل، ولأن عبدالرحيم مراقب، وسؤمن وصولك إلى قرية كور، وهي أقرب بلد إليك. وحّملني رسائل لعدة أشخاص، وأوصاهم علي، ورتب من يساعدنا، وملأ الُخرجين بما يلزم من الأكل. وصلنا إلى بلدنا عسلة، ونمنا خارج القرية تحسباً من عملاء الإنجليز، وحدث ما توقعناه، فقد جاء الإنجليز يبحثون عنا. بعدها سمعت أن فارس رجع إلى البلاد ولم التحق معه مرةً أخرى، حيث عملت بحصاد الأرض غربي حبلة. “(363).

وحول مقتل عبدالرحيم كتب المؤرخ اليساري اليهودي هليل كوهين:

لقد قتل عديد من الفلاحين والمخاتير في القرى، وقد تأثرت فلسطين بهذا الجو، وخرج من البلاد عبدالرحيم الحاج محمد، ويوسف أبي درة، وعادوا عام 1939، وقد كانوا ذوي مركز مرموق في مناطق جبل نابلس، وعندما عاد عبدالرحيم في آذار كانت دماء أحمد، ومحمد أرشيد بانتظاره، فقد اتهم فخري عبد الهادي وفريد ارشيد القائد عبد الرحيم بقتل محمد في أيار 1938.

وبعد ان نام ليلته في صانور، وقبيل الصباح أحيط بقوة كبيرة من الجيش البريطاني، وعندما جرب اختراق الطوق والإفلات منه. أطلقت عليه النار، وبهذا خسرت الثورة أعظم رجالها، وضعفت في حين زادت (قوة فصائل السلام) التي يدير نشاطاتها فخري النشاشيبي الذي نصح العرب بالارتباط بالإنجليز، واليهود، وكانت له علاقات قوية مع عدد من الحمائل والشخصيات، ومنهم: عائلة الفاهوم من الناصرة، وكامل حسين من قرية الحولة، وأحمد الشكعة من نابلس، والشيخ حسام الدين جارالله من القدس، وعبدالفتاح درويش من بني حسن في قرية المالحة، وإسماعيل العزة من تل الصافي، وأبوغوش، ورئيس بلدية يافا، وغزة، وبيت لحم(364).

استشهاد القائد عبدالرحيم باعث حزن وشعور بالمرارة:

كان نبأ استشهاده علامة حزن وكرب عظيم في فلسطين، وقد صدر بعد وفاته بيان في وصف هذه الشخصية المخلصة حيث أضربت البلاد، وأغلقت الحوانيت، وتوقفت حركة السير، وصدرت الصحف الفلسطينية مجللةً بالسواد مما دفع السلطات لإعلان تحذيري بعدم الإضراب في يوم 29/3/1939، وتحدى الناس قرار المحتل الإنجليزي، وأعلنت حالة الطوارئ في يافا.

أشادت الصحف الفلسطينية بمناقبه، وأعلنت مختلف الطوائف حدادها عليه من مسلمين ومسيحيين، وبدت غزة مدينة حزينة مكللة بلباس السواد، وشارك الشعب العربي الفلسطيني في مصابه الجلل، واهتزت طولكرم للنبأ العظيم، وأضربت إضراباً شاملاً وظهر الوجوم على وجوههم.

وقد أشاد بمناقبه الإنجليز فقد ترجم المرحوم يوسف حنا عن الضابط البريطاني جيفري مورتن أن عدة إخباريات ووشايات وردت الجيش عنه، وكانوا يهتمون بها حتى لو كانت نسبة صدقها واحد بالمئة بسبب أهميته ومكانته، وقد أشاد بمكانته وأخلاقه وحب الشعب له، وأن الرجل كان مؤمناً، وأنه بمجرد انتشار خبر مصرعه حتى حضر عدد من الجنرالات الإنجليز ذوي الرتب الرفيعة لمشاهدته والتيقن من صحة خبره.

لقد كان القائد عبدالرحيم وثيق الصلة بالملك غازي ملك العراق، ويتلقى منه النصح والإرشاد، ولم يمض على استشهاد الفقيد أسبوعين حتى وقعت الكارثة للملك غازي واضعة حداً لحياته.

بيانات النعي من القادة والثوار في القائد العظيم:

صدرت في استشهاد القائد بيانات النعي من إخوانه في مجلس قيادة الثورة ومنهم القائد عارف عبدالرازق، ومما قال فيه” في ذمة الخلود أخا حبيباً وكبيراً. لقد قضى الليث ولكن العرين سيخرج ليوثاً، لا يخيفهم الموت، ولا تردهم المصاعب.”

أما المجاهد عبدالحميد المرداوي فقد رثاه بأبيات شعرية، وكلمات نثرية رقيقة نقتطف منها:

شجرة الأرض تسقى بالماء *** وشجرة الاستقلال تسقى بالدماء

أبكي عليك وما أعز من البكا *** وأنوح إذ ناح الحمام وأسجع

ويضيف قائلاً: “يا سيد الشهداء، قل لي يا أبا كمال ماذا دهاك؟ وماذا حل بك؟ يا خير ما نفديه، أجل أيتها الروح الطاهرة، إنك تنادينا فلبيك لما توحيه إلينا للقضاء على الخونة اللئام على تلك الذرة المنحطة المرتشية بالدينار الإنجليزي المزيف، والملطخ بالعار، والمغموس بدم الشهداء الأبرياء وضحايا الاستعمار الغاشم.”(365).

ورثاه الشهيد الشاعر عبدالرحيم محمود ونقتطف من درر شعره”:

إذا أنشدت يوفيك نشيدي *** حقك الواجب يا خير شهيد

لا يحيط الشعر فيما فيك *** من خلق زاك ومن عزم شديد

أما الشاعر برهان العبوشي فقد رثاه قائلاً:

عبدالرحيم أما علمت مكانه *** يا دهر فهو بنا كصحب محمد

يا قائد الثوار يوم كريهة *** أشعلت للهيجا لظى لم تخمد(366).

وهذه شهادة الثائر الشهيد عبدالفتاح خدرج من مدينة قلقيلية بعد استشهاده وقد وردت في مذكراته المخطوطة، ويتساءل فيها عن سبب استشهاده، وعلاقته بخيانة شخص ما، وقد وصف الحدث بأنها فاجعة حلت بشعبنا الفلسطيني، وجاءت بعنوان: “مسكينة يا فلسطين”

“الله اكبر كيف الخلاص من هذه الآلام؟، وكل يوم فلسطين تفاجئناً بهمّ جديد يا الهي. يا رب هل تصيبنا الفواجع على شان نحن ساكنين في فلسطين ام السبب، حيث موجود أفراد خونة باعوا أنفسهم بالدرهم وبالدينار. يا رب تفجع هذا الشعب المسكين بمقتل عبدالرحيم بذنب فرداً خائناً. أم تريد يا رب لقاء هذا الأسد الحقيقة كلها فواجع فلسطين، إن خرجنا منها عار علينا وان بقينا مش مرتاحين.”(366).

وعّرفنا الثائر عبدالفتاح ببعض مزاياه وسيرته العطرة التي جاءت بعنوان:الفاجعة الكبرى”

“إنه بتاريخ 8/صفر/1358هـ قد اذاع الراديو على هذا الشعب الكبير نبأ مقتل قائد قوات الثورة في فلسطين، وهو (عبد الرحيم الحاج محمد) من قرية ذنابة، وأرى نفسي مخطئاً بان أكتب اسمه على هذا اللون، ولا يكون مسطراً عندي بماء الذهب، وبأعظم من ذلك إن كان يوجد عندي، وما كان الناس يسمعون هذا الخبر حتى أضربت جميع البلاد الفلسطينية، وجميع السيارات ومرفأ يافا إضراباً عاماً وشاملاً حزناً على هذا البطل الشهيد ذا الدين القويم الذي ضرب مثلاً أعلى للثورة بجهاده الشريف الخالص لإعلاء كلمة الله. وفي ثاني يوم تحقق الخبر، وبقي الإضراب مستمراً، ورفعت الأعلام السوداء، وحقاً إن الشعب أصيب بفاجعة كبرى، كأن كل فرد من الشعب قد فقد أحب الناس إليه حتى أصابه هذا الوجد والألم عليك رحمك الله أبا كمال”.

سيرته في الثورة

“كان هذا الرجل من أول العاملين في ثورة فلسطين والمخلصين لها حتى بلغت السنة الرابعة والثلاثين، حيث ظهرت الثورة مرة أخرى، وما زالت أعماله الشريفة ترفعه درجة درجة، حتى قاد الثورة في فلسطين، واقر له جميع الشعب بالطاعة دون أن يكلفوا بذلك، وكان هذا الرجل حكيماً عاقلاً شجاعاً مخلصاً لله –تعالى- في جهاده ولا تأخذه في الله لومة لائم، وكان ذا سيرة حسنة مع الشعب، ليناً شديداً جباراً.”(368).

وفي تقدير الباحث: إن فلسطين خسرت قائداً، وثائراً كبيراً يصعب أن يعوض في حينه بسبب ما تميز به من نظافة اليد، واستعداده الكبير للتضحية والعطاء، وتعامله بتواضع مع الناس، ويعد أفضل نموذج لقائد يستحق التخليد، والدراسة التاريخية، والصدق ما شهد به الأعداء من مستشرقين يهود، وقادة إنجليز، ولم تكن خلفية سيرته الثورية جنائية كحال العديد من الثوار ناهيك عن كرهه للفساد ورفضه للاغتيالات، وقد جمع بين الوعي الوطني والديني حتى إن بياناته كانت تبدأ بآيات قرآنية، ومما يدل على دوره المهم والريادي أنه بمجرد استشهاده خرج القائد عارف عبدالرازق من البلاد يوم 12/4/1939.

ويذكر أكرم زعيتر جليل أعمال الثائر الذي كان محبوباً، ومخلصاً، وتطرق للروايات والإخباريات، والوشايات، وتفاصيل الاصطدام مع القوة البريطانية، ويلاحظ أن السلطة لقبت الشهيد بالزعيم المعروف، وأن قائداً في الجيش البريطاني وقف أمام جثمانه الطاهر مع قسم من جنوده وأدوا التحية العسكرية له، وقد نقل رفاته إلى ذنابه بعد أيام من دفنه في صانو، ولا زال حتى اليوم، وقد زاره الباحث وشاهده في قرية ذنابة عام 1986وقد كتب عليه:

يا زائراً لأبي كمال في الثرى *** عبدالرحيم ضحية الأوطان

أدع الإله له بقلب مخلص *** واقرأ له ما شئت من قرآن

مات عبدالرحيم، وبقيت ذكراه راسخة في التاريخ الفلسطيني كرمز كفاحي مقاوم وشريف جمع بين الدين، والوطنية، والقومية، فقد كان مدرسةً في الأخلاق، وعنواناً للوطنية الصادقة بأخطاء قليلة رحم الله الشهيد، وأسكنه فسيح جنانه.

خروج القائد عارف عبدالرازق إلى سوريا تاركاً ساحة الجهاد في نيسان 1939:

كان هذا القائد لا يقل خطورة عن القائد عبدالرحيم بنشاطه وملاحقة الجيش له وقد كان يتصرف كقائد عام للثورة.

وزع عارف بياناً في 27/1/39 ينفى فيه الشائعات التي تقول بأنه قرر مغادرة البلاد، ومما جاء فيه: “لن أفارق وطني الذي نذرت له النفس والنفيس في سبيل سعادته وإسعاده. لقد حاولت الحكومة التي بلغ عددها خمسة عشر ألفاً لإيقاعنا في حبال شراكها المنصوبة يوم التطويق الأخير الذي شمل أكثر من ثلاثين قرية عربية في منطقة ضيقة لا تبلغ مساحتها أكثر من مئة وخمسين كيلومتراً مربعا”(369).

ويظهر أن أعمال التطويق المستمرة التي فرضتها قوات الجيش ومعها الطابور الخامس من القوى المضادة ونجاحهم في تضييق الخناق على الثوار جعله يعدل عن بقائه في ساحة الجهاد حتى إنه فاجأ الجميع بخروجه إلى سوريا، ومعه إثنا عشر ثائراً من حراسه المقربين له، وذلك في 13/4/1939، وقد فوجئ أكرم زعيتر بخبر يذاع عن تسليم نفسه للسلطات الفرنسية(370).

اغتنم فخري النشاشيبي أحد رجال المعارضة رحيل عارف خارج البلاد، وأخرج عنه بياناً مسموماً جاء بعنوان:”إلى كل عربي ذي ضمير حي ومما جاء فيه أن مؤتمراً عقد للمجاهدين في دمشق ممن لم تتلوث أيديهم بالسرقات، ولم تلوث ايديهم بالدماء، وقد شن هجوماً دعائياً على عارف الذي اتهمه باللصوصية، والسرقة، وأنه عمل كقاطع طريق في بداية حياته، واتهمه بقتل 300 شخص من أحسن رجالات البلاد، ولم يهاجم معسكراً، أو مستعمرة يهودية، واهتم بجمع الأموال فقط البالغة عشرون ألفاً من الجنيهات(371).

شكلت مادة هذا البيان مصدراً مهماً للكتاب الصهاينة الذين اعتبروا ثورتنا ثورة مجرمين، وقتلة، ولصوص، وأن شعبنا متأخ، وليس أهلاً للحضارة والتقدم، وهكذا اصطبغت كتابات الصهاينة بصبغة هذا المنشور الذي أصدره فخري النشاشيبي الذي كان بدوره عميلاً ظاهراً للإنجليز، حيث أحاط داره بالأسلاك الشائكة، ووضع حراساً له بمعرفة الجيش مستهتراً بوعي شعبنا الفلسطيني. محاولاً تسليمه للإنجليز باعتباره شخصاً ارتكب أعمال جنائية؛ ولهذا رفضت السلطات الفرنسية دخول عارف وجماعته أرض سوريا مباشرةً منتظرة أن تأتيها حكومة الانتداب البريطاني بدليل على جناية أو جرم، فلم تأت بأي بدليل، أما فخري صاحب الدعايات والشائعات فقد قتل في شهر أيار 1940 في فندق سمير أميس في بغداد قرب وزارة الدفاع العراقية حيث ذهب هناك ليتعقب ثوار فلسطين وسقط ثمن خيانته(372).

وحول شخصية عارف كتب الضابط البريطاني السابق إدوارد هورن في كتابه الذي صدر في لندن عام 1982″ إن عارف اشتهر بسرعة اختفائه بين موجات الرياح الخفيفة بعد مطاردة طويلة عبر الجبال”. لقد صرف عليه الجيش أموالاً كثيرة للقبض عليه، وكلما مرت الأشهر زادت الأموال.

وبسبب هذه الجرأة ولعجزهم القبض عليه. كتب أحد رجال الجيش البريطاني في كتاب Ajob Will Done,page. 230) عنه:

كان لعارف فرس بيضاء كالثلج صغيرة

إلى أين ذهب عارف وفرسه نحن في حيرة

وعندما كنا نعرف كان يصيبنا الرعب من هذه السيرة.

ومن أقواله في عارف: من قمة التل من وراء صخور

من هناك سنشعلها ببراعتنا معركة حربية جبلية

نرسل فيها لهذا الجيش هدايانا النارية

عندما تصل قوافله أرضا سهلية

نحن نعرف أيضا ما نفعله بالسكك الحديدية

لإخراج القطار من مساره فوق الخطوط الحديدية

يكفي لغما من الجليجنيت تضعه قواتنا الثورية(373).

– فشل القائد أحمد أبو بكر في سد الفراغ الذي أحدثه عبدالرحيم الحاج محمد:

حاولت اللجنة المركزية للجهاداختيار بديل للقائد عبدالرحيم، وهو أحد أقاربه من آل سيف بقرية برقا من قضاء نابلس الذي وزع منشوراً في أيار عام 1939 يقول فيه:”إنه غادر سوريا متجهاً صوب فلسطين الحبيبة قاطعاً الحدود رغم الحصار الذي فرض عليها. فقد حوصر عند وصوله قرية شفا عمرو، ولكنه نجا مع رجاله بفضل صمودهم، وبطولتهم، وبعدها اتجه صوب الضفة الغربية لنهر الأردن بعد اجتيازه مرج ابن عامر، ووجدأن صفوف الثورة قد وهنت، وضعفت، وقل عدد رجالها، فقد انتشرت أعمال السلب والقتل دون تحقيق، وعمت حالات النزاع والفوضى، وقد توجه الريفيون إليه طالبين العدل والانصاف، فقام بتهدئة الخواطر، والتقى مع فصيل يوسف أبو درة، وطالبهم بالكف عن مضايقة الناس، وأصلح العلاقة بين الطرفين، وجعل الجميع يقسمون على أنهم سيكونون بمنتهى الصدق، والاستقامة، والتصرف بصورة طيبة مع الناس، ثم واصل مسيرته إلى قرية قفين”(374).

أشار قائد الثورة الجديد في كتابه للجنة الجهاد المركزية: إن الحكومة البريطانية شعرت بالخطر المحدق بالثورة، فأخذت تجمع قواتها بينما كانت معنويات العرب ضعيفة؛ بسبب نقص الذخائر، والعتاد في المخازن، ونقص الأموال، ولهذا طالبهم أن يرسلوا فوراً هذه الأشياء خاصة وأنه وجد الذخائر ناقصة، حيث يقول:”فبدلا من ألف وخمسمائة مشط من الرصاص لم أجد سوى ألف وثلاث”(375).

ويبين أن فصيل عارف عبدالرازق لم يلتق معه، ولا بعبدالله الأسعد الذي وصفه بأنه شخص طماع وقام بقمع الجماهير، ويطالب القائد أبو بكر بما لا يقل عن مائة جنيه فلسطيني؛ ليقدمها لقرية قفين تعويضاً عما لحق بأهلها بعد أنْ هاجمها الجيش بقسوة، ووحشية، ودمر، وحرق الكثير من منازلها بعد قتل الكابتن Renhold والسيرجنتGolding فيها، وفرض غرامة باهضة عليها(376).

ورغم اعتراف القائد الجديد أحمد أبو بكر بتردي أحوال الثوار، وانتشار الفوضى والإهمال إلى درجة بات الإنجليز يعتقدون فيها أن الثورة قمعت، ولكنه تعهد بتجديد الثورة وتنشيطها تحت قيادته، وأنها ستكون أكثر فاعلية داعياً الجميع للسير خلفها: وعدم الانجرار وراء الدعايات البريطانية المسمومة، والإخلاص للثورة مقسماً بالله -العلي العظيم- أن يواصل ثورة شعبه وعملياته، جاعلاً من الثوار دعامة للشعب من اليوم فصاعداً، محذراً الخونة والجواسيس(377)

وقد نشر أبو بكر في إحدى بياناته للجماهير العربية عن معركة جرت يوم الثلاثاء الموافق 14/5/1939، وأثناء تواجد المجاهدين بين قرى بلعا، ودير الغصون لاحظتهم ثلاث طائرات بريطانيه، وقد تمكن الثوار بقيادته من إصابة إحداها واضطرت لمغادرة المكان، ثم هاجمتهم طائرات أخرى، وحضرت سيارات عسكرية وقد حارب المجاهدون الجيش والطائرات في آن واحد، وقد قتل في المعركة نائب القائد العام للجيش البريطاني في البلاد، وفي النهاية تمكن الجيش من التغلب على المجاهدين بفضل طائراته التي أسقطت قنابلها المتفجرة على الثوار، وسببت استشهاد 30 مجاهداً وانسحاب الباقبن منهم، وقد بلغت الخسائر في صفوف الجيش البريطاني 40 قتيلاً(378).

ويواصل القائد العام أحمد أبو بكر إرسال تقاريره عن أعماله لقيادة الثورة في دمشق ولبنان حيث جاء في إحداها أنه أرسل مساء يوم الأربعاء ثلاث مجموعات لتنفيذ عمليات في طولكرم قام خلالها الثوار بإطلاق النار على معسكر للجيش من جميع الاتجاهات، أمّا العملية الثانية فكانت في منطقة (راس عامر) بين طولكرم، وقلقيليه لضرب مجموعة من الحراس اليهود، لكنهم مروا قبل قدوم الثوار،. ويطلب إرسال الخاتم إليه، ومعه (600) جنيهاً على أقل تقدير، و(3000) مشطاً للرصاص؛ كي يتمكن من القيام بعمل فعال، ويفخر أنه ثأر للشهيد القائد عبدالرحيم بعد مقتل ضابط بريطاني إلى جانب 12 جندياً في معركة قفين، ويطالب أيضا لجنة الجهاد لمركزية بإعطاء تعليمات واضحة ليوسف أبو درة، وفصيل أبي عمر للقيام بعمليات ليضمن تشتيت قوات الحكومة(379).

كتب المعلم أبو دبسة عن معركة جرت قرب بلعا:” فقد جرت معركة في الكروم الشمالية وخاض معهم معركة حامية على أرض خربة واصل، ولم يستشهد من الثوار أحد، وقتل مترجم مصري كان مع الإنجليز، ولم يعرف عدد القتلى من الإنجليز، وقد استعملوا سلاح الفرسان، وقد رأيت الخيول وهي تقفز فوق السناسل الحجرية والصخور؛ لأن المعركة كانت بالقرب من أرضنا، وكنت فيها وقتئذٍ”(380).

لم يستمر وجود القائد العام الجديد في البلاد حيث اختار الفرار، وترك البلاد، وأثبت عجزه في سد الفراغ، وقد مثُل أمام القيادة السياسية في دمشق حيث ألزمته بالعودة إلى فلسطين، ووعدته بأموال إضافية واعداً بأنه سيقوم بأعمال فعالة ضد الجيش إلا أنه لم يفعل ذلك مما حط من قدره ومكانته في نظر اللجنة المركزية التي قامت بقطع المساعدات عنه، ولكنه رد عليها بتشكيل محكمة ثورية بهدف محاكمتهم، وحكم عليهم بالإعدام، وردوا عليه بعدة خطوات وأخذوا قراراً بإبعاده من سوريا إلى العراق، ومنعوا عنه المساعدات، ثم عزلوه من الثورة، وأجبره موقفهم منه على التوجه لبلاد الحجاز، وهناك ظهر بمظهر أنه أحد القادة الكبار فجمع من حوله مجموعة من الأشخاص، ونظمهم كفصيل خاص، واشتهر بظهوره في الاجتماعات والمؤتمرات فيها.

وبسبب طلاقة لسانه نجح في إقامة علاقات قوية مع الملك السعودي عبد العزيز بن آل سعود، وتحدث معه حول شؤون الثورة، واستغل كراهيته للمفتي الأكبر معبراً له على أنه ليس من أتباعه، وأكرمه بحفاوة بالغة، وخصص له ولمجموعته دارين في المدينة المنورة، ومكة، وخصص لهم موازنة شهرية كبيرة، وقدم سيارة خاصة له وقربه إليه، وفي موسم الحج كان يتجول بسيارته مع الحجاج، ويلقي بهم الخطابات التي تمتدح وتشيد بالملك عبد العزيز، ومكارمه وأنه مؤهل لخلافة المسلمين(381).

لقد كانت الخسائر التي أوقعها الإنجليز بجماهير الثورة العربية كبيرة فاقت طاقة شعبنا العربي الفلسطيني، فقد زاد جرحى فلسطين عن 25000، وسجن إدارياً حوالي 50000، ويذكر الثائر بهجت أبو غربية أنه علق على المشانق أكثر من 183ًعربياً(382)

وقد أحصى الباحث مئتي شهيد من فلسطين وأقطار عربية أخرى، وقد أوردها في الملاحق.

ناهيك عن هدم البيوت، والأحياء كما جرى في مدينة يافا القديمة، ومدينة جنين وغيرها، وسقط 18000 قتيل، و10000 سجين، و10000 معتقل، وهدم 15000 منزل، إنها أرقام كبيرة ليس من السهل أن تقدم أمة كبيرة مثلها(383).

تاسعاً: دور المعارضة المخزي في تخريب الثورة

اتسمت المرحلة الأولى من الثورة بعلاقات ودية وإيجابية بين الحزبين الرئيسين وباقي فئات المجتمع وطبقاته، وذابت الخلافات بينها حيث ظهر تعاون جلي بين (الفلاح والمدني)، (والمجلسي والمعارض)، واتحد الجميع في صوفية وطنية جهادية ضد العدو، ولم نسمع عن لصوصية، وسرقات، وأعمال نهب، وقتل أو مشاكل عائلية عام 1936.

ولكن الثورة في مرحلتها الثانية عام 1937 عانت من الانقسام السياسي والاختلاف في الموقف من قرار التقسيم الذي صدر بموجب لجنة بيل الملكية، ومن قرار تجديد الثورة في أيلول من هذا العام، وعانت من الاغتيالات والتصفيات التي شملت عدداً من مخاتيرها، ووجهائها من حزب الدفاع الموالي لبريطانيا ورد هؤلاء باغتيال أشخاص من حزب المفتي، وكان أسوأ عمل قام به المعارضون هو تأسيس القوى المضادة للثورة والمسماة بـ”فصائل السلام”، وهي فصائل عميلة سلحها اليهود والإنجلي، وقام بتشكيلها فخري النشاشيبي، وفخري عبدالهادي، وأخذت على عاتقها مطاردة الثوار، وتسليمهم للإنجليز، وقامت بدور الوكيل للمستعمر، وأسهمت في إجهاض الثورة.

بدأ الخلاف بين الفريقين حينما أظهر حزب الدفاع ميلاً لتأييد قرارات اللجنة الملكية في تقسيم البلاد وانسحابه من اللجنة العربية العليا في 3/7/1937 بهدف إضعاف الحركة الوطنية وتمثيل المفتي الأكبر لها، والتحريض على تمثيل قيادة المفتي للشعب العربي الفلسطيني في مؤتمر لندن داعياً لعدم استقبال القيادة الحسينية ورجالاتها باعتبارهم لا يمثلون الشعب معرباً عن استعداده ليلعب هذا الدور، وقد راح سكرتير الحزب المعارض وممثله السيد فخري النشاشيبي يهاجم حزب المفتي متهمه بتفجير الثورة من جديد، والقيام بأعمال الاغتيالات محذراً قبوله ممثلاً للعرب، وبالمقابل عرض على السلطة خدمات حزبه مبدياً استعداده للتفاوض مع الإنجليز، واليهود لتحقيق السلام العادل في البلاد وقبول قرار التقسيم خاصة إذا وفرت له السلطة الجو المناسب، فقوبل بالاستنكار من جميع المؤسسات، والشخصيات الوطنية الفلسطينية، وفي صدارتهم أعضاء حزب المفتي.

وقد ارتفع الصوت النشاز للشخصيات المعارضة في البلاد ممن يقيمون في المدن، مثل: سليمان طوقان رئيس بلدية نابلس، وأحمد الشكعة، وطاهر المصري، وفخري النشاشيبي في القدس، وفخري عبدالهادي من عرابة جنين، وفريد ارشيد من الكفير -جنين، وعبدالرؤوف البيطار من يافا، وأسعد الشقيري من عكا وغيرهم الذين اختاروا ممارسة أسوأ دور لمعارضة في التاريخ تقبل التعاون مع أعداء شعبها من الإنجليز، واليهود حتى إنهم مدوها بالسلاح والعتاد، فراحت تلاحق الثوار للقبض عليهم، أو قتلهم، أو تسليمهم لقوات الجيش، وأخذ هؤلاء يشكلون الفصائل المعارضة، ففي منطقة عكا تشكل فصيل رباح العوض الذي أراد الانتقام لمقتل الطبيب أنور الشقيري بعد أن كان يؤدي خدمات وطنية(384).

انقلبت بعض رجال العائلات على الثورة بالرغم من أسبقية نضالها في ثورة عام 1936منتقلة إلى ثورة مضادة عام 1937، فبعد أن قدمت عائلة ارشيد اثنين من الشهداء، وهما الشهيدان: توفيق سعيد سليمان ارشيد، وحسني أحمد ذيب إرشيد في حادث بلعمة في مدخل جنين في مواجهة مع الجيش حصلت يوم 28/5/1936نراها قد تحولت إلى موقف معاد(385).

فما السبب يا ترى؟!

لقد نسب قتل أحمد، ومحمد ارشيد عام 1938 إلى جماعة عبدالرحيم، وقيل إنهم قتلوا بسبب تقصيرهم في دعم الثورة، ورفضهم تقديم مساعدة مالية طلبت منهم، فنقموا على الثورة، وشكلوا فصيلاً معارضاً لها متعاونين مع القائد فخري عبدالهادي بطل الثورة السابق.

كتب عنه أكرم زعيتر:

“فخري عبدالهادي من جنين، أصله من عرابة، عرف بماض من الشقاوة والشجاعة في منطقة جنين جعلتاه مرهوب الجانب. التحق فخري بالقائد فوزي القاوقجي، وقاد أحد فصائله في شجاعة خارقة، وتاب عما عرف عنه من شقاوة، وصار يصلي، وكان ينتقل من معركة لأخرى، وضرب المثل بجسارته.، واضطر القائد فوزي لمغادرة فلسطين إلى العراق، رافقه فخري، ثم جاء الشام وسكنها، ولما استؤنفت الثورة على إثر مقتل اندروز أخذ فخري يبدي رغبته في الذهاب إلى فلسطين، ولكن القيادة السياسية لم تسمح له بذلك، ولما أخفق في تحقيق رجائه ويئس من إمكان التحاقه بالثورة، وعدم مجيء القاوقجي من العراق نقم من القيادة ومن الحركة الثورية، ومن الثورة. واستغل خصوم الحركة نقمته وحنقه، فراحوا يتصلون به لتأليبه عليها عملياً.

وبعد أن قتل من جنين وجيهان من آل ارشيد في قرية الكفير، وقيل وقتها: إن قتلهما جرى بإيعاز من أحد قادة الثورة بتهمة التقصير نحوها. قويت لدى خصوم الثورة، وبتشجيع من السلطة فكرة تنظيم مقاومة مسلحة، فأنشئت “فصائل السلام”، وهي على تفاهتها وعدم جدواها استطاعت أن تستدعي فخري عبدالهادي وأن تغريه بقيادتها في منطقة جنين مستغلة حنقه على الزعامة ونزعة المغامرة في نفسه، وهكذا انقلب بطل ثورة 1936 إلى خصم لها سنة 1938″(386)

ويذكر “عزرا دنين” عنه أن القيادة لم تثق به، ولم تسند له أي منصب، ولذلك سار في شوارع سوريا يسكر، ويعربد، وعندما وصل أمره للقنصل البريطاني في دمشق الذي كان خبيراً بالشؤون العربية اتصل به، وتوصل معه لاتفاق، وترتيب معين، فعاد إلى البلاد عام 1938، وبدأ العمل ضد القيادة العربية، ومعه فخري النشاشيبي، وكلاهما عملا في قيادة (عصابات السلام) المعارضة للثورة، وانضم إليهم الدروز، وجراء ذلك تم تطهير حيفا، وما حولها من الثوار، وقد عرف في الأوساط العربية بلقب”الجزار”نتيجة لقسوته.

لقد وجدت قوى المعارضة بانضمامه لها يداً عسكرية قوية في منطقة مثلث الرعب، بينما عمل فخري النشاشيبي في منطقتي: القدس، والخليل، إلا أنه أحد اقاربه قتله خلال شهر نيسان 1943 في قرية عرابة أثناء حفلة زواج ابنه شوقي(387).

تعاون فخري النشاشيبي، وفخري عبدالهادي على تخريب الثورة حيث قدم الأول الدعاية الإعلامية والتظليل السياسي، والثاني قدم الخبرات العسكرية الميدانية.

باتت رجال المعارضة قلقة على مستقبلها بعد قيام الثوار الموالين للمفتي الأكبر بأعمال التصفية والاغتيال لمعارضيهم، ومنهم:سليمان طوقان، وعمر البيطار، وحسن صدقي الدجاني، وغيرهم. ففي 12 تموز عام 1937 عقد في بيت فخري النشاشيبي اجتماعاً ضم عدداً من رؤساء القرى ومخاتيرها، وتقرر خلاله إنشاء فصائل كهذه في منطقة القدس، وفي منتصف أيلول أنشأ فخري النشاشيبي فصائل أخرى في منطقة رام الله. وعندما عاد فخري عبدالهادي إلى فلسطين سماها”فصائل السلام”. فاستغلها الإنجليز لإيقاع الفتنة والدسيسة بين الحزبين المتنافسين بهدف تخريب الحركة الوطنية الفلسطينية(388).

لقد تأثرت نابلس وجبلها الأشم بمحاولة جرت لاغتيال رئيس بلدية نابلس السيد سليمان طوقان في كانون أول عام 1937، فقد كمن له أشخاص قرب الباذان، وأطلقوا عليه النار، ولكنه ترجل واختفى بين الصخور، وهرب مطلقوا النار اعتقاداً منهم أنه مات، ولكنه نجا بأعجوبة، وقد أبدى أكرم زعيتر تأسفه، وكتب فيه “. قاتل الله الحزبية المحلية، فانتماؤه لحزب الدفاع، وانسحاب حزب الدفاع قبل صدور قرار اللجنة الملكية من اللجنة العربية قد وصم الحزب بالتآمر على تقسيم البلاد، ولم تنفع تكذيبات الحزب وبياناته في رد التهمة”.

ويذكر أكرم زعيتر أن المعارضين في نابلس ردوا بمحاولة اغتيال للسادة أكرم زعيتر، وعزة دروزة، وعزالدين الشوا التي كشفها المناضل راشد الصروان من مدينة نابلس باعترافه للسيد أكرم، كما أن القنصلية البريطانية أرسلت شخصاً آخر ليغتالهم، وقد أسّر بدوره لفخري البارودي أنه ارسل لتصفية القيادة الفلسطينية في دمشق، وبدوره تم القبض عليه وسلمه الى الشرطة في دمشق(389).

دعايات المعارضة وسمومها التي بثتها حول قيادة الشعب العربي الفلسطيني:

وللتعرف إلى موقف المعارضة وخط الدعاية الذي انتهجه المعارضون ضد المفتي الأكبر محمد أمين الحسيني، وغيره من قيادات الشعب العربي الفلسطيني أمكننا الحصول على بيانات لفخري عبدالهادي، وأخرى لفخري النشاشيبي “صوت من قبور فلسطين”، و”توقيعات مهاجر”، وجلها وردت في جريدة الجهاد، وقد تشابهت في لغتها المعارضة، والهجومية اللاذعة، وكلماتها المتكررة.

جاء في بيان بعنوان: “فذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين” الذي صدر باسم: لجنة إنقاذ فلسطين في سوريا ولبنان، ويتضمن ما يلي:

ـ نفي الرمزية والصوفية عن القيادة الفلسطينية، وهي قيادة دينية باعتبارها تابعة للإحداث وغير مبادرة: “لا يستطيع أحد أن ينكر أن الزعامة المقدسية قاومت الإضراب سنة 1936 وسعت لإلغائه”(392).

ـ الوقوف في وجه القيادة التي تقوم بحملة اغتيالات من خلال القادة التابعين لها.

ـ فضح القيادة الحسينية في إسرافها، وتبذيرها، والتشكيك برجالها:

“رأينا أكرم زعيتر يبدد المال كمليونير أميركاني، ورأينا محمد العفيفي، وسعدالدين عبداللطيف ذي الكفل وغيرهما يعيشون كالأمراء تشبهاً بالحاج أمين، ورأينا رشاد الشوا ينفق في الليلة الواحدة ثلاثين جنيهاً فلسطينياً على الراقصات في المراقص والمسارح”(390).

“… لقد ذهبنا إلى دمشق وبيروت، فرأينا عزة دروزة الذي كان يتهم الحاج أمين في دينه، ويشتمه في المجتمعات يعيش الآن في قصر يشبه قصر الملوك، وينفق المال على سعة في حاشيته. ورأينا نبيه العظمة الذي عرفتموه مفلساً في الشام، وفلسطين، حتى شبت ثورتكم فاستغلها أشنع استغلال.”(391).

ـ وصف الثوار بسلوك غير إنساني: “… إن الزعماء يطلبون خير الوطن لا ذبح أبنائه. وكم عدد الذين استدرجوهم بالحيلة ثم قتلوهم. بل بلغت بهم الاستهانة بالدين والشرف أنهم يقتلون الرجل، ويقتلون كل من يحاول نقل جثته، أو حمله إلى المشفى”(392).

ـ الاعتراض على قتل الوجهاء من قبل الثورة:

“إن كثيراً قتلوا بقصد الانتقام الشخصي، ومعنى هذا أن الإرهاب كان موجهاً إلى الوجهاء الأبرياء. الحالة تختلف كل الاختلاف عن الثورة فالإنكليز يقتلون العرب، والعرب لاهون بقتل بعضهم، إن العرب الذين قتلوا بأيدي العرب أكثر بكثير من الذين قتلوا بأيدي الإنجليز واليهود معاً”(393).

ـ ينسب العمل الثوري الحقيقي لحزب المعارضة، وينكر دور الآخرين:

“… إن المناطق التي أبلت بلاءً حسنا هي: أقضية نابلس، وجنين، وطولكرم، ثم الخليل، ولم يكن أهلوها بالإجماع إلا من أتباع معارضي سماحة الحاج أمين الحسيني”(394).

وفي منشور آخر أصدره فخري عبدالهادي الذي وصف نفسه بـ”المخلص لوطنه فخري عبدالهادي “، وجاء تحت عنوان: “كتاب مفتوح من المجاهد فخري بك عبدالهادي إلى سماحة المفتي: يجب أن تنتبه إلى ما يجري في فلسطين تحت ستار زعامتك، فهل حب الذات طغى على جوهر عقل دروزة فطمسه؟

كتاب مفتوح لسماحة الحاج أمين أفندي الحسيني نزيل لبنان”

وقد صدر الكتاب في وصف الحالة التي تعيشها الثورة وذلك في 8/9/1939 ووزع في فلسطين وخارجها.

وفيه يبدي فخري عبدالهادي لوماً على زعيم البلاد الحاج أمين الحسيني، ومن معه في القيادة ويصفهم بأوصاف مختلفة كالأنانية، وحب الذات محملاً المفتي مسؤولية إشعال الثورة الثانية التي اعتبرت من ألفها إلى يائها كلها أخطاء.

يقول فخري فيه: “طلبت منك أن تنظر لمصلحة البلاد لإنقاذها من بلائها الذي أحاق بها. ولعمري إن كلمة واحدة تصدر منك لكانت الحالة في هذه البلاد انقلبت. ولكنك أهملت المصلحة العمومية، وعكفت على حيث الحزبية والأنانية. لا حول ولا”

وفيها تظاهر بالتواضع والموضوعية واتهم جميع الأحزاب الفلسطينية بالعمل لمصلحة الأفراد. ويعيش فخري على نغمة النضال، والكفاح، وسمعته السابقة فهو “أول من ضرب وجه العدو، وأول من بث روح النهوض للثورة، وأول من غذى شباب البلاد بروح الحماس والإقدام”. ويرثي حال شعب فلسطين لأن هذه القيادة تسلمت شؤونه: “… ويؤسفني أن تلهيكم المقادير عن التفكير بأمر شعب جعل الله مقدراته بين يديكم، وموته، وحياته، وسلب أمواله في حين أن الدماء تسيل غدراً وظلماً لكثرة ما يحدث من الاغتيالات الفردية التي يقال إن أوامر قتلها صدر عنكم”(395).

ويُنكر فخري انقلابه على الثورة، وتعامله مع الإنجليز مذكراً بتضحياته التي بذلها عام 1936” هل يخطر على ذهن أي من البشر من أن مثلي باع في سبيل الوطن روحه وماله وولده أن ينقلب على وطنه فيخونه، تالله لم تخطر هذه الفكرة الشيطانية، ولم تختمر إلا بدماغ ذاك الزعيم”(396).

وقد عارضته اللجنة المركزية للجهاد وعلى رأسهم: عزة دروزة، وأوكلت للثوار مهمة مهاجمته في عقر داره وهي قرية عرابة بعد رجوعه إلى فلسطين من لبنان بلا موافقة لجنة الجهاد المركزية: “لقد عز على دروزة حضوري لبلادي وإعلان راية جهادي عالياً. فكاد لي كيد العداوة، وبث دعاياته الفاسدة إلى أتباعه (قواد) الفتنة ليحاربوني ما استطاعوا بجهالتهم للحقائق، ولقد استطاع نفر منهم دخول قريتي “عرابة” وأهلها آمنون فقتلوا منهم خمسة أشخاص أبرياء فقابلناهم بالمثل الأعلى، وأردينا قسماً منهم ليس بالقليل، وهم زهاء عشرة ويزيدون.”(397).

ويقر بأنه رد على هجوم يوسف أبو درة بأن هاجم قريته، فقد كتب:

“ولم يكف رجالي الأشداء إزاء هذا الاعتداء عليهم. وداهموا. وكر يوسف أبو درة في سيلة الحارثية. يريد عزت دروزة أن يوهم الناس بأني خائن فحاشا لمثلي أن يخون وهل أبيع سابق جهادي ولاحقه بملء الأرض ذهبا؟ كلا، والله على ما أقول شهيد”(398).

وأكمل بيانه بأنه انطلق من مكامن الجهاد المقدس وأيضاً المخلص لدينه 11/1/1939.

هكذا ظل يعيش على نغمة الماضي، ويجتر بطولته في ثورة 1936، ولكن ما من كاتب ومؤرخ فلسطيني أو حتى يهودي إلا وصف عمله باعتباره انقلاباً على الثورة، وخيانة لأهدافها، وأنه انتقل من دور بطل الثورة التي غنت له النساء إلى عميل خائن يعمل لحساب الإنجليز، ونجح عمله في المساعدة على وأد الثورة.

لقد زوده الجيش البريطاني بـ (60) بندقية جديدة الصنع، كما أن فخري فتح أبواب فصيله أمام كل من يملك السلاح فصار عدد مقاتليه حوالي المائتين، وقد تلقى رجاله الرواتب من الإنجليز. وقام بحركات عسكرية استعراضية، وكأنما يوحي بالاستعداد لشن معارك. ودون أن تقوم الحكومة كعادتها بالتشويش عليه، أو تطويقه.

قام الثوار بضرب حصار على قرية عرابة؛ بقصد إجباره على مغادرتها أو الاستسلام، ولكن ذلك كان عديم الجدوى حيث قام رجال عبد الرحيم الحاج محمد بمهاجمتهم في31/10/1938، وحدث صدام بينهما في قرية عرابة، وقد راح ضحيته عدد من القتلى بين الجانبين، وكان سببه الأوامر التي جاءت من اللجنة المركزية للجهاد بوجوب تجريده من سلاحه، ولكنها باءت بالفشل(399).

ورد فخري هو الآخر بالهجوم على قرية عتيل التي كانت مركزاً للقائد عبد الله الأسعد حيث نهب مواشياً، وأخذ عدداً من الرهائن، فرد عليه عبدالله بأن نهب قطيعاً كاملاً من الغنم يعود إلى آل عبد الهادي في عرابة، وباعه في منطقة طولكرم بربع السعر الأمر الذي جعل أسعار اللحوم تنخفض في المنطقة مدة شهر. قويت شوكة فخري، وصارت له سطوة في منطقته بعد ملاحقته عدداً كبيراً من الثوار، وزجه العشرات منهم في سجنه، والقيام بتعذيبهم، وأضر ببيوت المجاهدين وأملاكهم، وسلب الأموال من القرى المؤيدة للثوار(400)

شجعت خطواته تأسيس عدة فصائل في فلسطين تعمل باسم (فصائل السلام)، وضمت عدداً كبيراً من المتضررين من الاغتيالات والثورة، ومنها: فصيل آل ارشيد في منطقة جنين بالتعاون مع فخري، وقد أشعل هذا الفصيل نار الفتنة العائلية في قرى عقربا، وسيريس، والجديدة في قضاء جنين، ويروي أن فريد ارشيد عمل على مرافقة الجيش البريطاني عندما حوصر القائد عبدالرحيم الحاج محمد في صانور، وأنه أجهز عليه.

أغدق الإنكليز على فخري الأموال، ودفعوا راتباً شهرياً لكل عنصر من عناصر فصيله مقداره ستة جنيهات فلسطينية، بينما كان الثائر يحصل شهرياً على أربعة جنيهات فقط، وتأسس في نابلس فصيل السلام الذي بلغ عدد رجاله 30-40 رجلاً، ويقف على رأسهم عمر شوكت الذي كان يحصل من الحكومة على رواتب له ولرجاله، ويوزع المال كيفما يشاء، وكان هؤلاء يلبسون الطرابيش، ويلقون القبض على كل ثائر أو يشكون فيه، ويحضرونه إلى بيت أحمد الشكعة ليحقق معه، وعند الحاجة كانوا يقودونه إلى مخفر الشرطة، وقد كان هذا الفصيل تحت إشراف الوجيهين: سليمان طوقان رئيس البلدية، وأحمد الشكعة(401).

وفي سياق إثبات حسن النوايا والصداقة مع اليهود قام أبو حوشي رئيس مجلس العمال اليهودي في حيفا بزيارة فخري عبد الهادي، وفريد ارشيد في 2/6/1939 كل في بيته، وحظي باستقبالهما الحار، وقد أكد كليهما لأبي حوشي على عدم شعور العرب بالكراهية والعنصرية تجاه اليهود، ويقول إن فريد أكد له بأنه ضد الكتاب الأبيض، وضد قانون منع بيع الأراضي لليهود، وأنه على استعداد لبيع أو تأجير مساحة كبيرة من الأراضي تكفي لبناء مستوطنة عبرية.

أما فخري فقد قال له: إنه تعرف على قوة اليهود ومبادئهم، وإنه يجب عقد مصالحة معهم، وإنه ليس عميلاً، وإنما يخدم أبناء شعبه، ووطنه بصورة جيدة إذ لا يمكن تجاهل وجود ستمئة ألف يهودي في فلسطين، ويقر أبو حوشي أن الهدوء عاد لمنطقة مثلث الرعب بعد تعاون (ف. س) والشرطة، والجيش في تعقب الثوار والقبض عليهم(402).

محاولة قادة الثورة لجم أعمال فصائل الثورة المضادة في نابلس:

دفعت شخصيات المعارضة الأوضاع في نابلس نحو التأزم، والانقسام، وقاموا بأعمال منافية للثورة، ورفضوا الانصياع لقيادتها، وشكلوا فصائل عملت على رفض أوامر القيادة، وقد شجع الزعيمان المعارضان أحمد الشكعة، وسليمان طوقان رجالهم على الخروج على أوامر القيادة الفلسطينية، والتصدي لرجالها، وجرت حركات واجتماعات وتظاهرات للمعارضين في نابلس، وكلها أعمال دالة على رفض الطاعة والأوامر، ثم جرت مؤامرة خبيثة بهدف إثارة الصراع بين الفلاح والمدني، فقد قتل بعض القرويين في نابلس لغرض فتح باب الاغتيال، وقد ظفر أهل المقتولين بالقتلة، وقد ارتفعت أصوات تطالب الثوار بالعمل خارج نابلس، ولرفع تهمة التمرد عن نابلس التقى المؤرخ إحسان النمر مع القائد عبدالرحيم في جبال علار وقال له:

“إنه في نابلس، فيها أخواتنا، وأهلك، وعرضنا، وعرضك، ولأن فيها أناسك وأهلك، فيجب أن تصان، فاغرورقت عيناه بالدموع، وقال: لنابلس كل صيانة وهي في عهد الأغوات، ثم ذاكرته في وضع نابلس، وما يطلبونه منها، فطلب قوائم تبرعات، وفوضني بتشكيل حرس، ولجان، ومراقبة أحوال البلد، والاتصال به.”(403).

ويذهب النمر للقول: إن عودة زعماء حزب الدفاع من بيروت إلى نابلس في كانون الثاني عام 1939، وهما السيدان: أحمد الشكعة، وسليمان طوقان قد أبهجت مؤيديهم في حين أثارت غضب الثوار الذين جاهروا بالعدوان على من له بهم أية صلة، وشنوا هجوماً على آل حمد ياسين المصري، وقتل فيه ولدا الحاج أسعد المصري، واتهم جيرانه بالاشتراك في القتل، وقتل أيضا ًفايز، وعبد يوسف كلبونة، وتسلح أعضاء حزب المعارضة تحرسهم دوريات الجيش وشكلوا (ف. س)، فقتلوا الثائر سهو أبو زعرور، وانتقلت أعمال القتل، والانتقام للقرى، واشتد النفور بين الفلاح والمدني، وقتل الثائر مصطفى الأسطة من أتباع عبدالرحيم، وهكذا أصبحت نابلس مسرحاً للجيش البريطاني، وأخذت دورياتها تقبض على المشتبه بهم(404).

لم يكن القائد عبدالرحيم وحده في ساحة نابلس، بل كان أيضاً عارف عبدالرازق يعتبر نفسه له صلاحيات ومسؤوليات فيها، فبعد أن بلغه خبر خروجها عن طاعة الثورة، وأنصار المفتي أرسل رسالة لفارس العزوني باسم مكتب الثورة العربية يطلب فيها تأديب المعارضين في قرية كفر قليل المجاورة لنابلس الذين أصروا على تصديهم للثوار، ومعارضة رغبات الأمة، وسيرهم في طريق غير قويم، وقد عد هؤلاء بالخونة والخارجين على أمتهم(405).

وأتبعها بإرسال رسالة أخرى لسكرتير الثورة السيد ممدوح السخن”أبو محمود” من نابلس يبلغه فيها عن رغبته القيام بعمليات هادئة في نابلس كي يكون لهذه الخطوات تأثير في المستقبل القريب طالباً منه وقف عمليات الإخوة المجاهدين كي لا يشوشوا على خطواته التي يعتزم القيام بها اليوم، وبهدف جمع تأييد المعارضين لصف الثورة(406).

وفي رسالة أخرى أرسلها عارف لأبي محمود يبين فيها. كيف أن الأمور انقلبت حتى إن أعضاء حزب الدفاع شدوا أزرهم واجتمعوا في تل أبيب يقول:

“بدا المنافقون بالدعوة لعقد الاجتماعات، وإعداد المكائد، وتسليح عصاباتهم، ففي تل أبيب عقد اجتماع حضره كل من الأمير عبد الله، وعبد الرؤوف البيطار، وعلي مستقيم، وعزمي النشاشيبي، وفخري النشاشيبي، وإبراهيم يونس، وإبراهيم أبو لبن وغيرهم، وقد عقد هذا الاجتماع خدمةً لأهدافهم المعروفة لكن مكائدهم ومؤامراتهم لم، ولن تنجح(407).

حل فصائل السلام ومقتل فخري عبدالهادي:

ما إن اندلعت الحرب العالمية الثانية حتى قرر الإنكليز حل جميع فصائل السلام في فلسطين والاستغناء عن خدماتها. لقد جرى ذلك بالتدريج حيث قاموا بقطع رواتب رجال فخري، وطلبوا منهم إعادة البنادق التي بحوزتهم. فحاول فخري معارضة هذه الإجراءات إلا أن الجيش أحاط بقرى جنين باحثاً عن رجاله، فسَلَّمَ قسم منهم سلاحه، وأُطلق سراحه، وبسبب خشيته من أعدائه سمحت له السلطات مع ثلاثة من حراسه بحيازة سلاح ناري، ففي 3/1/1940 تم حل فصيل فخري نهائياً، ولم يعد له وجود، وكانت نهايته نهاية كل خائن لوطنه وشعبه حيث قتل في 13 نيسان 1943 على مرأى من القائد الإنجليزي العام للمنطقة، الذي دعاه فخري لحضور حفل زفاف ابنه.

كانت نتائج الثورة المضادة للثورة الفلسطينية كارثية، ووخيمة في الانقسام، والاحتراب، وتبديد أهداف الشعب وغاياته، وأفقدت الشعب الفلسطيني هيبته بعد التضحيات الجسام والشهداء الذين سقطوا، وبقي تأثير الشرخ قائماً حتى عام 1948حيث نجح المحتل في نزع أسلحة الثوار بفعل المطاردات والوشايات، وقد بلغت نحو 2076 بندقية عام 1939، و785 مسدساً و335 بندقية صيد، ونفذت عصابات السلام متعاونة مع الجيش في احتلال 758 قرية وتفتيشه.

وقد أغرى المعارضون بعض الثوار بتسليم أنفسهم وسلاحهم للسلطات مقابل الإفراج عنهم، وجند بعضهم في الشرطة الإضافية، فقد سلم محمد سرحان في قرية التينة نفسه جنوب فلسطين، وترك الثورة، وسلم نفسه إبراهيم عبدالهادي نصار من قلقيلية عام 1939بجهود بعض المعارضين للثورة في قلقيلية.

وعمل المعارضون أدِلاء للجيش البريطاني، وانخرطوا في حملات القتل الليلي، وقبضوا على بعض الثوار بعد أن حل بهم التعب، كما جرى لحافظ، ومحفوظ من كفر الديك ورفاقهم في قرية بروقين بتخطيط من رجال المعارضة في سلفيت، ونابلس وكفر الديك فقد سلموا للإنجليز، وتم إعدامهم وهكذا تجمعت هذه القوى، ومعها القوات البريطانية، والزنار الأحمر، والخفارة اليهودية، والهجناة، وسرايا الميدان ضد الثورة والثوار(408).

ـ فشل محاولات الإصلاح بين الفريقين المتنازعين:

حاول الأستاذ والمصلح الكبير المعلم أحمد حمدى عشائر من قرية سفارين – طولكرم والمشهور بدوره الإصلاحي في المجتمع الفلسطيني القيام بالإصلاح بين الفريقين المتنازعين، فاجتمع مع السادة أحمد الشكعة، والحاج عبدالرحيم النابلسي، وطاهر المصري، وأحمد عبدالرحمن من إماتين، وهم من حزب الدفاع (حزب المعارضة)، وقابل من حزب المجلسيين كل من:عبدالرحمن الحاج ابراهيم رئيس بلدية طولكرم، وفريد العنبتاوي رئيس الحزب العربي في نابلس، وعبدالرحيم التميمي من نابلس، وكان من بين لجنة الاصلاح الأستاذ عادل زعيتر، وعبدالفتاح طوقان، ونجاح شافع عبدالهادي، وحسن حماد، واقترح إنشاء وفد من طولكرم، ونابلس لاصلاح الحزبين المتنافسين على مستوى البلاد، ومكث ستة أيام منذ نهار الاثنين 20/6/38 – ظهر الثلاثاء 26 منه، وهو مشغول بعقد اجتماعات ولقاءات مع زعماء الحزبين وبعد “جدالات عنيفة” وفق بإصلاح ذات البين حسبما أورد في مذكراته(409)

عاشراً: تحالف بريطانيا، وفرنسا لخوض الحرب العالمية الثانية، وسيطرة الإعلام الحربي على غيره من أحداث.

تم بفعل الحرب اتفاق الطرفين الفرنسي، والانجليزي على تسليم مطلوبين وملاحقة المهربين للسلاح والثوار الفارين.

نجح الإنجليز في فصل العلاقة بين عرب فلسطين وإخوانهم العرب المجاورين، فقد خدمت إمارة شرق الأردن أهداف بريطانيا بملاحقة قواتها للثوار، والمهربين، وبلغ بهم الأمر تسليم الثوار وإعدامهم، ومنهم على سبيل المثال: يوسف أبو درة الذي التجأ للإمارة، وسلم للإنجليز وأعدم، ثم إن حكومة بغداد سلمت الثائر صقر توبة، وأحمد الدارد من كفر جمال فشنقوا في سجن عكا بتهمة اغتيال فخري النشاشيبي بباب وزارة الدفاع العراقية، وهو الذي ذهب إلى هناك ليتابع، ويتجسس على الثوار في العراق. حدثنا المرحوم المعلم ماهر توبة عام 1994: “سلم للإنجليز صقر توبة، وأحمد الدارد، وهم من جماعة عارف عبدالرازق، ذهبوا معه للعراق، وقاتلوا في ثورة رشيد عالي الكيلاني، وحينما زارهم أهلوهم وذويهم أوصلهم صقر رسالة عبر فيها عن تشاؤمه قائلاً: لن ينزل عنا حكم الإعدام إلا إذا أبيض جنح الغراب، وأصبح القار كالحليب”(410).

يتبع……

شبكة البصرة

الجمعة 14 صفر 1442 / 2 تشرين الاول 2020

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فق

كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب