الغزو والاختراق الصهيوني 1897 – 2018 (الحلقة الرابعة)؛
دراسة للباحث والمؤرخ الفلسطيني أ.عبد العزيز أمين عرار
شبكة البصرة
أ.عبد العزيز أمين عرار
دور المؤتمر الإسلامي العام في نقل القضية للأمتين العربية والإسلامية
حاول المفتي أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى جذب زعامة المسلمين في الوطن العربي والعالم إلى القضية الفلسطينية عبر عقد مؤتمر إسلامي عام في كانون أول من عام 1931 والذي أفتتح في المسجد الأقصى، وعقد في ليلة المعراج وحضرته مجموعة من الزعماء والقادة والوفود العربية والإسلامية من فلسطين وخارجها، وفي اليوم التالي عقد اجتماعه في بناية مدرسة روضة المعارف، وفي خطابه ركز المفتي أمين الحسيني على أهمية التعاون بمعروف بين المسلمين بعد غفوة طال أمدها مؤكداً على وحدة الشعور بين جميع المسلمين الذين حضروا من مناطق بعيدة واجتمعوا تحت قبة المسجد الأقصى المبارك، وان اختلفت الألسن والأجناس، وتباعد الديار(100).
وأخذت عدة قضايا مجالاً للنقاش، ومنها: التعاضد الإسلامي، والعناية بفلسطين والأقصى والدين الحنيف وتنقيته من مظاهر الإلحاد، والعمل لنشر الثقافة الإسلامية، ومقاومة التبشير، وفيه قرر المؤتمرون الدفاع عن حائط البراق، والمسجد الأقصى، وتأليف دائرة معارف إسلامية، وتشكيل شركة إسلامية كبرى؛ لإنقاذ أراضي فلسطين، والمطالبة بعودة سكة حديد الحجاز، وإنشاء جامعة الأقصى الإسلامية، واستنكار السياسات الاستعمارية الروسية في بلاد تركستان، والاستعمار الايطالي، وفي المؤتمر هاجم عبدالرحمن عزام سياسة إيطاليا في ليبيا، ولكن سفيرهم في القدس احتج وأجبرته بريطانيا على المغادرة قبل انتهاء المؤتمر.
كان المؤتمر باعثا للآمال العريضة، ولكن التأثير البريطاني في الدول الإسلامية والعربية منع تحقيق ما تصبو إليه النفوس، وقد خابت الآمال، وتراجعت ولم يكن الدعم المالي كافياً لتحقيق المشاريع التي اتفق عليها(101).
أظهر المؤتمر الحاج أمين زعيماً للبلاد، وكان المؤتمر تظاهرة شعبية كبرى، وقد نقلت القضية من مستواها القطري الفلسطيني إلى مستوى أعم وأشمل وهو المستوى العربي والإسلامي؛إلا أن عمل أعضاء حزب المعارضة بقيادة راغب النشاشيبي شوش على المؤتمر الذي عقد مؤتمراً للمعارضين في فندق الملك داوود بالقدس، وهاجموا فيه رئيس المجلس الإسلامي الأعلى محاولين الانتقاص من قدرته وإخلاصه للقضية ونواياه بحيث أظهروا أن في البلاد فريقين وأن الفلسطينيين ليسوا بمستوى حل القضية بما حدث بينهم من شقاق وخلاف.
شكل المؤتمر المنعقد في مدينة القدس عام 1931 أيضاً فرصة جديدة للقاء مجموعة من القوميين العرب الذين سبق لهم أن كانوا أعضاءً في جمعيتي العهد والفتاة، وبعض المؤمنين بفكرة الوحدة العربية قبلالحرب العالمية الأولى واتخذوها فرصة سانحة للبحث في تجديد الحركة القومية العربية والنظر في وحدة الأمة العربية، وعقدوا لهذه الغاية اجتماعاً في بيت المحامي عوني عبدالهادي، وشهده خمسونشخصاً في أواسط كانون الأول عام 1931، وبعد مداولات ومشاورات اتفقوا فيما بينهم على وضع ميثاق قومي عربي يحدد أهدافها في سبيل عقد مؤتمر عام في بغداد وتحت رعاية الملك فيصل الذي وافق بداية الأمر ولكنه تراجع بعد ضغوط مارسها المندوب السامي البريطاني، ثم بسبب خلافات السعودية والعراق، ثم موت فيصل الأول(102).
تأسيس حزب الاستقلال العربي في فلسطين:
تمخض عن لقاء بعض المشاركين في المؤتمر الإسلامي العام عقد اجتماع آخر في مدينة القدس وجاء بقرار تأسيس حزب الاستقلال العربي في فلسطين من قبل مجموعة من المثقفين الفلسطينيين المؤمنين بوحدة الأمة العربية، ومنهم:عوني عبدالهادي، محمد عزة دروزة، صبحي الخضرا، أكرم زعيتر، رشيد الحاج إبراهيم، عجاج نويهض، فهمي العبوشي، الدكتور سليم سلامة، وتضمن بيانه الربط بين استقلال البلاد العربية والوحدة العربية التامة غير القابلة للتجزئة، والتوكيد على عروبة فلسطين، واعتبارها جزءاً طبيعياً من سوريا، والعمل على تحقيق الأهداف الوطنية والعمل على إلغاء الانتداب، وتصريح بلفور لعرب فلسطين بالاتفاق مع الهيئات المطالبة بالاستقلال في البلاد العربية(103).
انطلق مؤسسو الحزب من فكرة تأسيس حزب يعمل بصورة متجانسة بعد فشل اللجنة التنفيذية
العربية، ولضعفها؛ بسبب تعدد الأهواء والأمزجة، وعجزها في تشخيص الأعداء وخطورة الاحتلال البريطاني واعتبر المؤسسون بريطانيا أصل الداء والرزايا التي حلت بالشعب العربي الفلسطيني،، وقام الحزب على اختيار النوعية، وليس الكمية ثم أصحاب الفكر والموقف المتجانس ويقوم اختيار قيادتهوهيئته العليا، ولجنته المركزية على التعيين، ومن المعروفين بإخلاصهم للقضية، وليس بالانتخابات أو بالاختيار، مبتعداً عن أصحاب الأنانية والذاتية، وأذاعوا نبأ تأسيسه في شهر تموز 1932.
نشط الحزب لمدة 16 شهراً، وكانت فعالياته ملموسة ومنهجه واضحاً، وبلغ عدد أعضائه ستين عضواً، وعقد الحزب اجتماعات ومهرجانات عامة في مدن فلسطين، وأعد بيانات تتناسب مع الأحداث، وقاومسياسة المجاملات والحفلات التي تعقدها الحكومة، وعقد مهرجاناته في ذكرى معركة حطين، وفتح القدس على يد البطل صلاح الدين الأيوبي، وقد قوبل الحزب بتجهم من قبل الحزبين الكبيرين حزب المجلسيين، وحزب الدفاع، ولأن الحزب هاجم الجميع ونسب إليهم التقصير في حل القضية بسبب العائلية والحزبية والمصالح الخاصة، وفتور النضال القومي للجميع، وعلى حد سواء، ولأن بعضهم عمل مع المفتي أمين الحسيني منذ العهد الفيصلي عام 1920، لهذا اعتبر عملهم بمثابة انشقاق عليه(104).
ورغم ذلك فقد أثر الحزب في تكوين رأي عام فلسطيني يدعو لسياسة عدم التعاون مع بريطانيا؛ بسبب ازدياد الهجرة الصهيونية وسياسة اللامبالاة التي تمارسها بريطانيا تجاه مطالب العرب، ودعا لعقد مؤتمر وطني يجمع الفريقين المتنافسين في شهر مارس 1933 في مدينة يافا لبحث مقاطعة الحكومة في جميع المستويات، وأعرب عاصم السعيد رئيس بلدية يافا وأحد أقطاب المعارضة استعداده لخطوة أوسعوهي مقاطعة الوظائف، واقترح أحدهم على المفتي الاستقالة فلم تلبث أن ثارت العصبيات والتوترات فيما بينهم وكادوا أن يشتبكوا ولكنهم اتفقوا أخيراً على المقاطعة الاجتماعية مع بريطانيا والصهيونية، وترك الخطوات التالية للجنة التنفيذية(105).
كان هذا الحزب حزباً قومياً عربياً رجاله من العاملين في الحركة القومية العربية منذ تأسيس الجمعيات العربية السرية والعلنية، وقام على تأسيسه شخصيتان مهمتان وهما:المحامي عوني عبدالهادي من نابلس، وحلمي عبدالباقي من عكا إلى جانب شخصيات وأعلام بارزين، مثل:عزة دروزة، أكرم زعيتر، صبحي الخضرا، عجاج نويهض، أسعد داغر.
قامت أفكار الحزب على الدعوة لقيام حكم فلسطيني مستقل واتحاد فلسطين في وحدة مع بلاد الشام، ورفض التجزئة العربية، ويعتبر الحزب الوحدة العربية غايته الأساسية، ويدعو لرفع الحواجز الجمركية بين العرب، وتوحيد العملة وجوازات السفر العربية، وجعل التابعية لكلعربي، وركز على اعتبار بريطانيا أصل البلايا والرزايا التي حلت بالشعب الفلسطيني، ونقد القيادة الفلسطينية ببراعة(106).
نهوض الشباب النابلسي بالحركة الوطنية الفلسطينية:
شكل عدد من شباب نابلس ممن تأثروا بالفكرة القومية العربية، ونشطوا في حقل التعليم في جامعة النجاح الوطنية مدرسين وطلاباً، وأسسوا نادياً رياضياً باسم النادي العربي الذي أضفى وعياً جديداً في الحركة الوطنية الفلسطينية يدفع باتجاه الفكرة القائلة إن بريطانيا هي العدو الأول للعرب قبل الصهيونية معبراً عنها بأصل البلايا والرزايا مؤمنين باستخدام القوة المسلحة، وخروجاً على جري عادة الحركة الوطنية الفلسطينية في أسلوبها السلمي، ومن هؤلاء: واصف كمال، وأكرم زعيتر، وعزة دروزة، وممدوح السخن.
وقد قاوم هؤلاء أي وجود لليهود في نابلس، وإن كان شخصاً واحداً. فقد أرسل واصف بمعرفة أكرم زعيتر رسالة تهديد في أوائل العشرينات من القرن العشرين لمعلم يهودي أقام في نابلس طالباً الخروج منها، وقد راجع حاكم نابلس عمر زعيتر والد أكرم بهذا الشأن، وأخيراً خرج اليهودي، وقد أجج واصف الروح القومية العربية أثناء تدريسه لطلابه في جامعة النجاح في حين قام ممدوح السخن بتأسيس فرقة كشفية وطنية مناهضة للاحتلال، وسماها “فرقة خالد بن الوليد”، وفي عام 1931 اعتقل واصف كمال من قبل مستر بيلي بتهمة التحريض على مظاهرة شاركت فيها مجموعة من الشباب الوطني، وتبعتها مظاهرة سيدات نابلس بعد اكتشاف شحنة أسلحة مهربة لليهود في ميناء يافا، وقد انطلقت المظاهرة من النادي الرياضي، وسارت في شوارع نابلس منددة بسقوط الإنجليز والصهاينة(107).
بعد أن استبد الخوف بالإنجليز بسبب انتفاضة البراق عام 1929، وقيام الشاب عبدالغني أبو طبيخ من بلدة قباطية بإطلاق النار على الصهيوني بنتويشالذي عمل مستشاراً قضائياً في حكومة فلسطين، وعمل على سن جملة قوانين على المتهمين في قضايا 1929، كما أن شخصيات المدينة الوطنية في31تموز 1931 تخللتها خطب حماسية ضد الإنجليز، وتظاهرت سيدات نابلس ضد السياسة البريطانية، وأسسن جمعية الاتحاد النسائي العربي التي بدأت بعيادة وتطورت إلى مشفى(108).
وفي سياق النشاطات التي قام بها شباب نابلس، فقد جرت الدعوة لعقد مؤتمر للشباب الفلسطيني في المدينة وكان ذلك بتأثير نتائج أحداث البراق، ودعم بريطانيا لليهود، وتشجيعهم وتغاضيها عن استخدامهم السلاح، فتنادى الشباب العربي لعقد مؤتمر في مدينة نابلس في 31 تموز 1931، وكان مؤتمراً يلتهب حماسة، ووجهت جميع الخطابات ضد الانجليز، وشارك فيه صبري عابدين من الخليل، والدكتور صدقي ملحس، والسيد جمال القاسم من نابلس، وقد قبض عليهم بعد ثلاثة أسابيع، وقد تظاهر شباب نابلس بسبب هذا الاعتقال، وقابلتهم السلطة بإجراءات تعسفية، وجرح بعضهم، وقد أوسعوا البوليس لكماً وضرباً، وفي اليوم التالي خرجت سيدات نابلس للتظاهر والاحتجاج، وقام الجندالبريطاني بسد الشارع، وصوبوا بنادقهم نحوهن فتفرقن في البيوت، ووقع اصطدام بين الشباب العربي والجيش، وحاصروا الجند، وكسروا رجل ضابطهم كايلز، وأخذوا بندقيتين، وأسروا جنوداً، وفر الباقون بشقالأنفس، وبعد أيام قبضوا على خمسين شاباً، وحوكموا بالأشغال الشاقة لمدة تتراوح بين 3شهور و12 شهراً(109).
رد المجلس الإسلامي تجاه قضية وادي الحوارث وبيوع الأراضي عام 1933
زادت مشكلة بيع الأراضي خطورةً في فلسطين، وتفاقمت بعد قيام السلطات البريطانية بطرد الفلاحين العرب من أراضيهم وتهجيرهم، وقد بدأت في مرج ابن عامر قبل عقد من الزمن، وفي عام 1933 شغلت عرب فلسطين قضية وادي الحوارث، وفي هذا الوقت زادت أيضاً هجرة اليهود إلى فلسطين بعد صعود الحكم النازي في ألمانيا.
وأمام هذا الخطر الزاحف أخذت رسائل الاحتجاج، وطلب المساعدة يتوجه بها الفلاحون إلى رئيس المجلس الإسلامي وأعضائه محذرين، ومنذرين، ومطالبين بالدفاع عنهم. فما هي قصة هذا الوادي؟
تعد قضية وادي الحوارث من القضايا المؤلمة التي سببت طرد العرب القاطنين فيه وتهجيرهم، وقد سبق لأحد أجدادهم أن باع بعضه للمسيحي اللبناني أنطون بشارة التيان، وتبلغ مساحتها 30. 000 دون، وإلى جانبها وادي القباني ومساحته 10. 000 دونم، وسبق له أيضاً شراء أراضي عربية جوار ملبس، وبدوره باعها للحركة الصهيونية فأقيمت عليها بتاح هتكفا، وبعد فترة رهنت أرض وادي الحوارث والقباني للدولة، فعرضت بالمزاد العلني، عندها دق ناقوس الخطر في طولكرم، وحاولت القيادة السياسية الضغط على التيان بعدم بيعها، ولكنه أعلن في الجرائد عن مزاده، وكان السمسار خانكين مستعداً للشراء وفي 27/5/1929، سجلت في دائرة تسجيل طولكرم باسم الصندوق القومي اليهودي شهادة رقم 206/29، وقد كلف المحامي عوني عبدالهادي رئيس حزب الاستقلال بمتابعة القضية والدفاع عنها، ولما علم مخاتير البدو العرب والمقيمين في الوادي بهذه الصفقة أرسلوا عريضة ًإلى رئيس دائرة الأراضي في فلسطين عريضة منبهين إلى الخطر الذي يستهدفهم ومواشيهم وعددهم 1000 نسمة ويعتمدون على تربيتها وزراعة الأرض، وعارضوا إدعاء التيان بملكيته، وقالوا أنه يملك 5,000 دونم، وتقدم بعض الملاكين من المنطقة الجبلية بالاعتراض؛لأن لهم فيها حيازات، وقالوا إن خانكين رشا بعض المخاتير لتقديم شهادات زائفة (110).
استمر النزاع حول هذه الأراضي في المحاكم بين دعوى ورد بين الطرفين المتنازعين إلى أن أصدر قاضي نابلس حكماً بإخلاء القاطنين في الأرض في 16/11/1929، ولكن الحكومة أصدرت قانوناً يتيح للمستأجر أن يبلغ بإخطار قبل عام للبحث في تعويضه، أو يجري حساباته كأن يقبل مبالغ نقدية من اليهود، وقد اهتمت القيادة السياسية العربية بهذه القضية، وسعت لكسبها، ولم يكن الأمر مقبولا بنصر يهودي في القضية، وكانت المعضلة في كيفية تعويضهم بعد إخلائهم من الأرض، وقد انتشر الخبر في الجرائد الفلسطينية، وقد رفع عبدالله سمارة من طولكرم، وهو أحد أتباع المفتي وجيرانه محرضاً القرويين للانضمام لعرب وادي الحوارث، وتحدت جهود العرب لغرض كسب القضية سواء أكانوا من المجلسيين أم المعارضين، حتى إن أسعد الشقيري المعروف بمعارضته للمفتي اتفق موقفه مع القائلين بأن هذا الخطر يؤدي لاقتلاع العرب من أراضيهم، وقد سبق للعرب رفض مقترح الحكومة الإنجليزية بإخلاء أراضيهم مقابل تعويضها بقطع أراضي بديلة. ولدت هذه القضية مشاعر العداء العربي لليهود، وارتفع صوت المآذن في بغداد يطالب بمقاطعتهم ويُنبه لخطر اليهود في خطب الجمعة، حتى بات اليهود يخافون أمناً(111).
وقد خلد الشاعر الفلسطيني عبدالكريم الكرمي هذه المأساة إثر إجلائهم بالقوة عام 1933 عن ديارهم وأراضيهم بعد مقتل بعضهم ممن رفضوا الهجرة عن أراضيهم فقال:
ودع ظلالك يا حمام الوادي *** ألوى الزمان بغصنك المياد
من بعد فرحته وعذب غيره *** تم في الهجير وأنت طاو صاد
أرسل نواحك يا حمام وقل لنا *** هل في حمى الوادي حمام ساد
ولا يكتفي الشاعر بنواح الحمام بل يدعو لثورة عربية فيقول:
يا جيرة الوادي الحزين تحية *** حمراء أنطقها دم الأكباد
ما تملكون في النفوس حمية *** عربية شدت على الأصفاد؟ (112).
الدفاع عن مشاع قريتي زيتا وعتيل:
قام وفد برئاسة المفتي الأكبر أمين الحسيني رئيس المجلس الإسلامي الأعلى وقوبل بمظاهرة كبرى وحشد غفير من قضاء بني صعب في 19/1/1933 وحضر الاجتماع وجوه وأعيان زيتا وعتيل، وقرى بني صعب، وتقدمت كشافة أبي عبيدة الجميع لاستقبال الضيوف، بهدف إتمام معاملة إنقاذ أراضي مشاع قرية زيتا وعتيل، التي تبلغ مساحتها خمسة عشر ألف دونم وجعلها أراضي وقفية، واستقبلت الجماهير المفتي بالأهازيج، وخطب فيهم داعيا العرب على الاتحاد، ومقاومة بيع الأراضي، وكان التصفيق يعلو فيكل جملة يقولها، وخطب الشاب الوطني الجريء سليم عبدالرحمن المؤيد للمفتي خطابا حماسياً، وقد أثنى فيه على عمل أهل زيتا؛ لإنقاذ قريتهم وجعله وقفاً عربياً للأبد متعهدين بدفع آلاف الدونمات إذا ما تخلوا عن اتفاقهممثنياً على دور المجلس في إنقاذ الأراضي(113).
مشكلة بيوع الأراضي في بيت جبرين وخربة خريش:
توجهت عدة شخصيات في عام 1934إلى قرية بيت جبرين بعد انتشار خبر بيع مساحة كبيرة من الأرض تقارب 1000 دونم، والتي أقيمت عليها خربة جالئون لاحقاً، والتقوا بعدد من الشخصيات في القرية وعلى رأسهم سعيد العزة الذي عاهدهم ومعه أهل القرية على أنهم لن يبيعوا أراضيهم لليهود وعقدوا مؤتمراً شعبياً محذرين فيه من بيع الأرض. وعدل أهالي بيت جبرين عن بيع 1000 دونم من أراضيهم لليهود بجهود رجال المفتي وعلى رأسهم صبري عابدين(114).
كما أن المجلس أرسل بضعة أشخاص مندوبين عنه إلى قرية خريش لتحذير بعض الأشخاص من مخاطر الدور الذي يقومون به بعد أن أرسل خمسة فلاحين من كفرثلث، وخريش رسالة ينبهون فيها من مخاطر قيام شخصين من خريش، وكفر ثلث بتسريب بضعة مئات من الدونمات، وبيعها لليهود في اتفاقيات فردية، وقد زارهم سعيد صبري واعظ طولكرم، وشرح لهم مخاطر هذا العمل، وقد اشترطوا فسخ البيع وعقوده مقابل إرجاع الفلاحين المال الذي أخذوه(115).
وقف الأرض في يالو:
وفي حادثة أخرى نشرت جريدة الجامعة العربية في 19/7/1935 خبراً حول قرية يالو الذي أوقف فيه أهالي القرية مساحات من أراضيهم للمجلس الإسلامي خوفاً من بيعها وهي عدة قطع تبلغ خمسة آلاف ومائتي دونم، وهي أرض مشاع يتم وقفها “خوفا من عمل المجرمين الذين سيساومون على بيعها وتسليمها لأيدي الصهاينة”(116).
واصل المجلس الإسلامي الأعلى دوره في الدفاع عن الأراضي الفلسطينية سواء من خلال النشر، والتنبيه، والتوعية عبر الصحافة التابعة له، أو بعقد اجتماعات، ولقاءات، ومؤتمرات، وبقي يرسل وفوداً عنه بغرض التنبيه لخطر بيع الأراضي لليهود، وشمل دوره مختلف الفئات في القرية والمدينة وفي التجمعات البدوية، وبعد تأسيس الحزب العربي الفلسطيني عام 1934. عقد د. جمال الحسيني اجتماعاً في الناصرة وخطب فيها محذراً من خطر بيع الأرض فيقول:”إنه يبيع الذكريات الخالدات، إنه يبيع التراث المقدس، إنه يبيع المعابد، إنه يبيع التبتل إنه يبيع منبت النور ومهبط الوحي إنه يبيع عظام الآباء.”(117).
ويحمل الدكتور جمال الاحتلال البريطاني في تشجيعه لليهود ويبين إهماله وتجهيله للشعب العربي الفلسطيني الذي تحتل فيه الأمية 75% من الشعب مع أنه مرت عليه 17 عاماً على من الاحتلال كما أن الضرائب تضاعفت ولم تزد ميزانية المعارف عن 11% (118).
وأمام المخاطر التي مثلها بيع الأرض وتسريبها للصهاينة قام مجموعة من المفتين والقضاة في فلسطين وخارجها بسن فتوى تحرم دفن الباعة والسماسرة في قبور المسلمين المؤرخة في شوال سنة 1353هـ/1934م، وطبعت في كتاب، ووزعت مجاناً، وبذلت مجموعة من رجال نابلس وقضائها دوراً مهماً في مقاومة البيوع من خلال شراء بيارات في منطقة طولكرم، وبيسان، وغزة، وغرسوا مساحات من الأراضي وزرعوها بالحمضيات، واقتدى بهم أثرياء البلاد الأخرى، وتم تأسيس صندوق الأمة، وجمع مبلغاً أنقذ به 1000 دونم من أراضي غزة، ونشط المجلس الإسلامي لإنقاذ الأراضي الموقوفة وتحصينها، وتدخل بشراء الأراضي في عدة مواقع من فلسطين، وسهر على أعمال التسوية، وكان على رأس العاملين سماحة المفتي، وبعض موظفي المجلس، ومنهم:السيد جمال الحسيني، والأستاذ عزة دروزة، والدكتور مصطفى بشناق، والسيد وجيه البشتاوي، والمحامي عوني عبدالهادي(119).
وعقد مؤتمر علماء المسلمين في فلسطين بدعوة من المجلس الإسلامي الأعلى في مدينة القدس بحضور عدد كبير من المفتين، والقضاة، والمدرسين، والخطباء، والأئمة، والوعاظ، وسائر رجال الدين في فلسطين، وقد بحث المؤتمر في خطر تسريب الأراضي في فلسطين، وأصدر بالإجماع بتاريخ 20شوال سنة1353 هـ 26 كانون ثاني 1935 فتوى دينية تحريم بيع أي شبر من أرض فلسطين لليهود واعتبار السمسار، والوسيط، والبائع مارقين، وخارجين عن الملة، وحرمان دفنهم في مقابر المسلمين، ومقاطعتهم والتشهير بهم، ووزعت الألوف من هذه الفتوى في فلسطين (120).
وبقيت بعض القضايا عالقة في المحاكم، واستمر المجلس الإسلامي في دفاعه عن الأراضي العربية بتوكيل المحامين تارةً على حسابه، وتارةً أخرى يساعد بنصف المبلغ، وبقيت قضية جبل كنعان، وأراضي الغوارنة وغيرها يدافع عنها محامون جرى توكيلهم، ومنهم: عوني عبدالهادي وصبحي الخضرا، وكانت المحاكم البريطانية تحاول تقديم التسهيلات، والتلاعب في أحايين كثيرة بالقضايا، وتارة أخرى غدر بعض الموكلين في موكليهم، وشهدوا أن الأرض من حق اليهود، وواصلت المحاكم البريطانية التأجيل في بعض القضايا، حتى جاءت الكارثة الفلسطينية 1948، وكانت بريطانيا تؤلف بعض اللجان للحكم بين المتنازعين حول الملكية من اليهود والبريطانيين (121).
وفي هذه الفترة نشطت شخصيات فلسطينية في توعية أبناء القرى بخطر بيع أراضيهم لليهود بعد انتشار خبر صفقات بيعها في صحف الجامعة العربية، والجامعة الإسلامية، وقد كتبت عن دور الشاب الوطني الجريء الزعيم سليم عبدالرحمن الحاج إبراهيم من طولكرم الذي قام بجولة في 6 أيلول عام 1932 في عدد من القرى والمزارع، وهو ينشر الوعي، ويبين مخاطر بيع الأرض للصهاينة.
لقد كانت صورة أبناء عبدالرحمن الحاج إبراهيم مدار تساؤل بين الناس ومتناقضة، وقيلت فيهم أقوال شتى، فقد وصف سليم عبدالرحمن بـ”الزعيم” و” الوطني الجرئ ” في الجرائد العربية بينما شككت بعض المصادر العبرية والعربية الشعبية به وبعائلته، حيث وصفت أدوارهم بأنها تتوزع بين من يتخذ التطرف والقومية شعاراً، وبين من يعمل كرجل أعمال يبيع الأرض ويسمسر لليهود.
ذكروا أن سليم الأخ الأكبر لعب على الحبلين*، فقد كان من أعضاء النادي العربي والحركة القومية العربية في دمشق عام 1919 وخدم عضواً في اللجنة التنفيذية من 1920ـ 1930، وعمل مع أبيه كمساعد في بيع الأراضي للتاجر اليهودي خانكين بمعرفة جميع زملائه في اللجنة التنفيذية منذ عام 1920، ولأن والده رئيس البلدية يمتلك قطع أراضي كثيرة، ومن خلال قوة نفوذه استطاع إقناع الكثيرين ببيع الأرض، وعندما أدرك سليم أن هذا العمل لا يتفق مع العمل الوطني أخذ قراراً بترك هذا العمل واجتمع بخانكين، وقال له: “يا أبي، أنا انتميت للحركة القومية العربية مبكراً، واليوم أرغب في الرجوع إليها؛ لذلك أنهيت عملي معك. وسأبدأ بعمليات ضدك، فقال خانكين: اعتقد أنك تخطئ، ولكن إذا كانت هذه أمنيتك افعلها” والحقيقة إن أخاه سلامة استمر في العمل مع خانكين. أما سليم فتأثرت علاقته بالأحداث، وبعد عام 1930 بدأ في حملته الشعبية المناهضة لبيع الأراضي لليهود، وعمل مع أعضاء الحركة القومية العربية جنباً إلى جنب.
اتهم سليم وعائلته من قبل المعارضين بأن حركاته مقصودة، وقالوا: إنه يريد أن يعلي مقامه في عيون اليهود، وإن خانكين استمر في زيارة سليم، وقد وصف أكرم زعيتر سلامة بأنه مجرم لا يوجد له مثيل في الأمة (122).
وعن هذا الخطر المحدق الذي حل بقضاء طولكرم بسبب بيع الأراضي. كتب محرر جريدة الجامعة العربية خبراً بعنوان بارز في صدر صفحاتها الأولى: “قضاء طولكرم يذهب فريسة الاستعمار الصهيوني ذهبت أرضكم يا قوم وأنتم لا تشعرون ” وفيه ينبه محرر الجريدة من المخاطر التي حلت بقضاء طولكرم حتى إن أراضيه البالغة زهاء ثلاثمائة وخمسين ألف دونم تتعرض للخطر مع إن قسماً منها جبلي قاحل لا ينبت ولا يغل وإن قسماً منه يعوزه التعمير والجهود، وتقدر الجريدة أن ما ذهب منه خمسين ألفا “(123).
ومع إن نسبة بيع الأراضي لليهود لا تزيد عن 6. 6% حتى عام 1948 من مجمل الأراضي الفلسطينية، إلا أن هذه العملية كانت مخزية لأصحابها، وللأجيال القادمة، وذات تأثير كبير في النفسية الفلسطينية (124).
رفض مؤتمرات الشباب للخط المهادن عند قادة الحركة الوطنية الفلسطينية:
بادر الشباب الفلسطيني إلى عقد مؤتمرهم الأول بمدينة يافا في أيلول 1932، وقد ضم المؤتمر شباب البلاد على اختلاف ميولهم، ومبادئهم، ونزعاتهم، وبحثوا في مختلف المشاكل كالتعليم القومي والمصنوعات الوطنية وغيرها، وافتتحت الجلسة بحضور الوفود من مختلف المدن الفلسطينية، ووقف المؤتمرون تحية إجلال وإكبار لشهداء سوريا، وقُبل راسم الخالدي بالترشيح من قبل الحضور رئيساً بالإجماع، وتم تشكيل لجان لتشجيع الصناعات الوطنية، كلجنة صندوق الأمة، ولجنة التعليم القومي، ولجنة القانون الأساسي، ولجنة المساجين، ولجنة المزارعين، وصدرت قرارات منها: تقريرمقاطعة الملاهي الأجنبية، وتشجيع المصنوعات الوطنية، وإنشاء معرض وطني، واحتقار السماسرة وقرار اللاتعاون مع الصهيونية، والنضال من أجل الوحدة العربية وتحية سوريا (125).
استغرق انعقاد مؤتمر الشباب ثلاثة أيام، وقد تناولت صحيفة الجامعة هذا المؤتمر تحت عنوان:” نجاحه ومقرراته”، ويشير فيه محرر الجريدة إلى أنه حضر المؤتمر، وأن مائتي شخص من أربعماية حضروا، وشاركوا فيه بمناقشة عدة قضايا، وسجل المؤتمر نجاحاً برغم محاولات المندسين والفوضويين إحباطه وتخريبه؛ بإثارتهم مسألة الفلاحين، واتهامهم رئيس المؤتمر راسم الخالدي بالتحيز، واتفق على أن يعقد دورياً وسنوياً؛ ليناقش القضايا الأمة من خلال لجنته التنفيذية (126).
أكد مؤتمر الشباب في ميثاقه على وحدة البلاد العربية، وعدم اعترافه بالتجزئة، وتوجيه جهود البلاد العربية جميعها نحو الاستقلال، والتنديد بالاستعمار ورفضه؛ لأنه يتعارض مع كرامة الإنسان وكرامة الأمة العربية العظيمة، وأكد على قدسية أراضي فلسطين “وأن كل من سعى، أو سمح، أو ساعد ببيع كل جزء من الأراضي يعد مقترفاً خيانة عظمى” (127).
ـ قرار الاستقالة في 9/9/1932م:
بينما كان ينعقد مؤتمر اللجنة التنفيذية يوم الجمعه في 9/9/1932لمناقشة سياسة اللاتعاون مع الإنجليز وإقرارها كان عدد من أعضاء مؤتمر الشباب العربي ممن حضرهم العلم بذلك يقدمون استقالاتهم، وهي تحمل نفس التاريخ تأييداً ودفعاً بالسياسة الوطنية إلى خط المواجهة مع الحكومة الإنجليزية بإعلان العصيان المدني، كان إبراهيم نصار واحداً من هؤلاء وكانوا عصبة انعقدت إراداتهم الحرة على أن يكونوا في طليعة القادمين على هذا الطريق المكشوف والصريح من مقارعة الإنجليز
باللغة التي يفهمها بعيداً عن أساليب الاحتجاج، والمذكرات الذليلة، والخانعة، وما إن تقدم هؤلاء باستقالاتهم حتى ملئت بمن كان ينتظر هذه الوظائف؛ فمر عملهم كهبة ريح لم يكد يحس بها أحد وعاد على الساحة السياسية ذلك الجمود الذي كانت ترزح تحته لفترة طويلة، وقد أخذت أصداء سياسة اللاتعاون تتلاشى في الأفق، وعلى الأرض، حتى من الأعضاء الذين اقترعوا عليها واقروها؛ بل إنه كان هناك من تكفل بالعمل على منع تنفيذها (128).
أخذت الأصوات ترتفع في فلسطين مطالبة باتخاذ مواقف غير مهادنة في فلسطين، وضرورة عقد مؤتمر وطني، وهو المؤتمر الثامن الذي تعقده الجمعيات الإسلامية والمسيحية في 26/3/من ممثلي القوى المختلفة، وأعضاء اللجنة التنفيذية، ومفتي القدس ورؤساء البلديات 1933، وحضره قرابة خمسمئة شخص؛ لبحث مسائل مهمة ومنها:اللاتعاون، ومنع الهجرة، وبيع الأراضي اليهودية ومقاطعة الحفلات، ولجان الحكومة، ومقاطعة البضائع الانجليزية، والبضائع والمصنوعات والمتاجر الصهيونية، وجربت المعارضة دفع المفتي للاستقالة من منصبه فرفض المفتي واعتبرها محاولة لتوريطه معتبراً أن شعار اللاتعاون مناورة والمقصود بها شخصياً(129).
…………
*وينحى أيضاً أ. أفنيري نفس المنحى بقوله إن عمدة طولكرم سليم عبدالرحمن باع 1200 دونم لليهود جنوب نتانيا (أم خالد) ويعدد أسماء عائلات وشخصيات فلسطينية وعربية، إن هذه تقدم دليلاً على أن قادة ورموز الحركة الوطنية الفلسطينية كانوا غالبيتهم غير مدركين لخطر بيع الأراضي لليهود، إنهم لعبوا على الحبلين لدرجة أنني وجدت أن بعضهم يشارك في إحدى الثورات ويرتكب هذه الدناءة وأحياناً اختار الصهاينة في كتاباتهم ربط الأخ بأخيه وابن عمه بحيث قالوا: إنهم يوزعون الأدوار هذا تاجر يبيع لليهود وذاك محرر لجريدة وطنية (أ. أفنيري، ص192ـ201، ولا ننسى أن قوائم موثقة ظهرت في هذا الشأن من قبل الانجليز، وقد استنكر خليل السكاكيني هذا الفعل بقوله: “يبيعون الأراضي ويسمسرون عليها ويعاملون اليهود بيعاً وشراءً ثم يصيحون ويحتجون ويطلبون من الحكومة أن تسن لهم قانوناً يمنعهم من بيع الأراضي” (حداد يوسف، خليل السكاكيني، ص79).
لقد كان أعضاء المؤتمر من كبار الملاك الذين قاوموا منذ البدء سياسة اللاتعاون بعدم دفع الضرائب؛لأن هؤلاء لن يذهبوا بعيداً عن مصالحهم، ولن يكونوا في يوم إلا معها، ولو كان هذا الشيء على حساب الوطن، ويرفض المفتي أن يقدم استقالته من منصبه؛ لأنه يرفض أن يتورط، ومن هذه الكلمه أخذ المؤتمر اسمه “مؤتمر التوريط”، وكي لا ينسب لهم إفشال المؤتمر، وبعد عدة مداولات أجروها تمخض قراراهم أن ينفذ بعض النواحي الاجتماعية، مثل: مقاطعة الحفلات والمجاملات ومقاطعة لجان الحكومة.
انتفاضة الشعب الفلسطيني عام 1933.
لقد شعر الفلسطينيون في هذا العام بأن بلادهم تسير نحو قرار سحيق، فقد تزايدت الهجرة إلى فلسطين خاصة بعد انعقاد المؤتمر الصهيوني في براغ على إثر مجيء أدولف هتلر على رأس الحكم في ألمانيا في 30/1/1933، وباتت اللجنة التنفيذية على قناعة بأن عليها أن تقف مواقف أصلب من السابق، وأن تتظاهر دون إذن السلطة، كما جرت العادة، ثم إن عدداً من الوطنيين في نابلس أرسلوا مذكرة مؤرخة في الثلاثين من أيلول عام 1933 يتهمون حكومة فلسطين العمل للقضاء عليهم وإحلال اليهود بدلاً منهم، وهددوا بإجراءات أخرى للدفاع عن النفس ضد سيل اليهود المتدفق، وكان لحزب الاستقلال أثر في هذا التحريض، ولقد تعرض عزة دروزة في مقال له عن طبقات المجتمع ونظرتها للعداوة مع الإنجليز واليهود مبيناً في صحيفة العرب أن الذين لا يملكون أرضاً وليسوا بأصحاب ثروة هم من يسقطون في المعركة ضحايا اللؤم والعدوان(130).
بدأت الأحداث بعد أن توجه مؤتمر الشباب العربي للمؤتمرين فيه بفضح التهريب الذي يقوم به اليهود وتشكيله حاميات، ومنها كشافة أبي عبيدة التي اتخذت جوار قرية أم خالد و(مستعمرة نتانيا) إلاأن 300 يهودي باغتوهم وتشاجروا معهم والقوهم في حفرة وأغمي عليهم، وبلغ الخبر طولكرم ونابلس فاضطربت طولكرم بمساعي سليم عبدالرحمن وتطورت الأحداث فطفح الكيل وقررت اللجنة التنفيذية القيام بمظاهرات دورية(131).
لقد دقت ساعة الخطر في فلسطين، وكانت عدد من القضايا المتعلقة بصفقات بيع الأرض وإخراج العرب بالقوة تدفع القيادة للنزول للتظاهر نزولاً على حكم المثل القائل (مكره أخوك لا بطل).
لقد تميزت هذه المرحلة باشتداد الحركة العمالية الفلسطينية ورغم عمالة بعض الزعامات العمالية للحركة العمالية الصهيونية إلا أن الحركة العمالية نشطت في إضراباتها في عدة مصانع في المدن الفلسطينية، وقامت بعشرين إضراباً عام 1932، ففي 27 تشرين الأول نشبت الثورة في يافاحيث أضربت المدينة بجميع مؤسساتها، وامتلأت الشوارع بالمتظاهرين، وحدثت اصطدام مسلح مع قوات البوليس والجيش، وانتقلت المظاهرات إلى القدس وحيفا، وجرت مصادمات، وقام المتظاهرون بالهجوم على مراكز الشرطة، وأعلنت حالة الطوارئ، وفي نابلس شارك ثلاثة آلاف متظاهر، وجرت اضطرابات في عكا ومدن أخرى، وفي هذه الأثناء كانت عصابة أبو جلدة تشن هجماتها زارعة الرعب في قلب المستعمرين ببسالتها وجرأتها، ثم إن نساء القدس سرن في مظاهرة كبيرة وعددهن خمسمائة وأنشدن الأغاني الوطنية، وامتدت الهبة إلى الأردن، والهند، والحبشة. وقد بينت هذه الانتفاضة استعداد الجماهير الفقيرة والكادحة للعمل، وعبرت عن استيائها الكبير من السياسة الإنجليزية، واشتد تضامن الشعوب المقهورة، كما أظهرت قصور الحزب الشيوعي عن مجاراة الأحداث بسبب قيادته الصهيونية(132).
حدثت في هذه الانتفاضة أول مظاهرات دامية بين العرب والإنجليز، وشملت جميع البلاد كما أنها بشَرت بدور الشبابالذين شكلوا حراسات للسواحل والحدود؛ لمنع اليهود من تهريبهم السلاح، وحذت جمعية العمال العربية حذوهم بتشكيل حاميات لتمنع تشغيل اليهود في المشاريع التي تنفذها الحكومة. لقد كانت الانتفاضة بحق ثوريةوبمثابة حرب، كما وصفها عزة دروزة أحد المشاركين فيها، والأديب خليل السكاكيني الشاهد عليها؛ ففيها حدثت هجمات على مراكز البوليس في كل مكان، ومحطات سكك الحديد، ونقل الجرحى بالمئات، وغصت بهم المستشفيات، واضطرمت النفوس غضباُ(133).
وفي غمرة آثار الهَبة الجماهيرية ونتائجها في أكتوبر 1933، فقدجاءت وفاة السيد موسى كاظم الحسيني بمثابة غياب صمام لشخصية مهمة كانت قادرة على توحيد الحزبين الرئيسين المعارضة، والمجلسية، لما عرف عنه بأنه ضد العصبية، وروح العائلية، والحساسيات المنبثقة عنها، وقد استحق احترام جميع الشعب، كما وصفته المصادر البريطانية الحكومية بفضل نزاهته وترفعه عن الخلافات والمصالح الشخصية؛ ولهذا انفجرت من جديد خلافاتهم حيث اختلفوا على من سيأتي محله، كما إن اللجنة التنفيذية أصبحت محل خلاف(134).
استشرى الخلاف والتنافس بينهم، وظهر بقوة في انتخابات بلدية القدس في عام 1934، واختل التوازن العائلي بين النشاشيبية، والحسينية. ودخلت اللجنة التنفيذية العربية في دور الاحتضار. وانصرف كل فريق إلى تشكيل أحزاب سياسية فرحين بها، وكانت أولاهما حزب الدفاع الذي تألف في شهر كانون أول 1934 ومقره القدس ومن رجالاته: راغب النشاشيبي، وعدد من رؤساء البلديات والوجهاء، وتلاه الحزب العربي الفلسطيني في عام 1935 برئاسة د. جمال الحسيني اليد اليمنى للحاج أمين الحسينيمتخذاً الصفة الشعبية، وأظهر الحزب تصميماً على مقارعة الصهيونية والانتداب، ثم جاء تأسيس حزب مؤتمر الشباب العربي برآسة يعقوب الغصين، ويقوم على حشد الجيل الناشئ والمطالبة بتحسين الأحوال المختلفة، وحزب الإصلاح العربي الفلسطيني بقيادة د. حسين فخري الخالدي، وحزب الكتلة الوطنية بقيادة الأستاذ المحامي عبداللطيف صلاح من نابلس، وقد أثارت كثرتها انتقاد الفلاحين معتتقدين أنها أحزاب لأشخاص أنانيين يبحثون عن مصالحهم(135).
دور عصابة أبي جلدة في تحريك المشاعر الوطنية والثورية في جبل نابلس:
لم تقتصر الأدوار المحركة للثورة على الشباب المثقف، بل طالت الفلاحين البسطاء وأصحاب الجنايات والسوابق؛ولأن النزعة الوطنية صفة أصيلة عند بني البشر، ولكن مداها يختلف بحسب اختلاف العقائد والأفكار التي يؤمن بها الناس والوعي الذي يحركهم. فقد خرج بعض الأشخاص في منطقة نابلس على الحكومة، ولم ينصاعوا لأوامرها، ومنهم: أحمد حمد محمود “أبو جلدة” من قرية طمون الذي حصل نزاع بينه وبين أقاربه؛بسبب جنائي؛ فتشرد وطورد. ثم التفت حوله مجموعة من الفلاحين وهم:صالح أحمد المصطفى “العرميط” من قرية بيتا، ومحمود الدولة من قلقيلية وادعت بريطانيا أنه قام بعمليات قطع طرق، وأنه قتل رجالاً من الشرطة الخاصة ومنهم: حسين العسلي، وحسان الجاغوب في اشتباك وقع معه قرب خربة يوسف(136).
لقد أطلقت عليهم السلطات البريطانية اسم ” الأشقياء “وأخذت تطاردهم للقبض عليهم، وأمام الملاحقتهاالمستمرة لهم تحول هؤلاء إلى أبطال في عيون الشعب، واستمروا لمدة عامين مطاردين فصممت الحكومة في طلبهم مستخدمةً قواها البوليسية.
بعث عمل حمد الطموني ورفيقه صالح العرميط الجرأة في نفوس أبناء القرى، وغذى لديهم إمكانية الخروج على حكومة الانتداب، واتحد الرأي العام ضدها، واستغل السيد جمال الحسيني دوره؛فكتب في جريدة الجامعة العربية مفتخراً بأعماله وهازئاً بالحكومة، كما أن السيد محمود عثمان الملقب بـ”ضرار النشاشيبي” أهداهما بندقيتين مع ذخيرتين وخمسين جنيهاً، ولقبهم مراسلو الصحف الأجنبية باسم الملك أبي جلدة(137).
ويذكر إميل الغوري أن عبدالقادر الحسيني اتصل بأبي جلدة وعرض عليه المساعدة؛ مقابل التوقف عن السلب والنهب، والتوجه كلياً لإزعاج الإنجليز ومحاربتهم، فوافق أبو جلدة على ذلك، وهكذا ونشط في قتل رجال البوليس، والعملاء ومن يلاحقونه، ونسبت له صحيفة الجامعة الإسلامية شعار إلقاء اليهود في البحر وأسهم في التنبيه؛ لأهمية صندوق الأمة وفي 4آب 1933 قامت الطائرات بالبحث عنه ولكن المجموعة ضعفت بعد أن سلم محمود أبو الدولة نفسه للسلطات واستخدمته للكشف عن الباقين(138).
وقد كتب عن عصابة أبي جلدة عدد من الباحثين والصحفيين والمؤرخين المعاصرين ولطالما وصفوهم بالأبطال الشعبيين؛ لمقاومتهم الاستعمار البريطاني؛ ولأنه عجز عن القبض عليهم بسهولة، وجذبت بطولة العصابة إعجاب الفلاحين وغنّت النسوة في الأعراس لها، وارتجل المنشدون الشعبيون الأهازيج، وسرت سيرتهما في كّل فلسطين حتى باتا شخصيتين خارقتين وهي عصابة أوقعت بقوّات البوليس البريطاني خسائر فادحة، وكعادته دائما أخذ الاحتلال البريطاني يشوه صورة أبي جلدة، والعرميط ووصفهما بقاطعي الطريق وشقيين ينفذان أعمال لا تنسجم مع الشهامة(139).
كان أبو جلده نحيلاً وقصيراً، وخفيف الحركة، أما صاحبه صالح العرميط فهو ضخم، وطويل ويثق بمعلمه، وقائده، ويسلّم له أمره، وبقي اسم أبو جلدة مثار رعب لجنود الإنكليز، وكبار جنرالاتهم، ولتابعيهم من العملاء المحليين فهو يضرب ويختفي؛ ولذلك زرعت حكومة فلسطين الاستعمارية العيون لمتابعته، واستأجرت العسس والمخبرين للقبض عليه.
لقد برز هذان الثائران عام 1933 وألّفا عصابة لمحاربة الدولة المنتدبة مثل عدد من العصابات المنتشرة في البلاد، واتخذت من القرى والأغوار مجالاً لأعمالها، والمؤلفة غالباً من الفلاحين الفقراء، واصطدمت مع القوات البريطانيّة عدة مرات، وقد أراد زعيمها أبو جلدة أن يبعد عن العصابة تهمة “الأشقياء”، فارتدى لباساً عسكريّاً، ووضع عليه أقشاطاً من الرصاص وجّر سيفاً صقيلاً طويلاً له يد مذهّبة (140).
روي عن ثائرنا خفته ورشاقته وسرعته وقدرته على التحايل على قوات البوليس البريطاني، وكانت طريق نابلس ـ رام الله مجالاً حيوياً لعمله، وأطلق عليها اسم (طريق الحراميّة)، واستغل أبو جلدة منعة جبال المنطقة بكهوفها ومغاورها، وباغت القوّات البريطانية بالكمائن، واستولى على بعض أسلحتها. لم ترحم عصابته الإقطاعيين والمخاتير الفلسطينيين الذين أثروا ثراءً فاحشاً، وقد وضعهم في صّف الإنكليز والصهاينة، ووجه لهم ضرباتقاسية في منطقة (جنين) خّاصةً، ووصل إلى ممتلكاتهم وإليهم شخصيّاً رغم استنجادهم بمستر طومسون رئيس شرطة جنين.
وبرز في عصابة أبو جلدة صديقه صالح أحمد مصطفى العرميط من بلدة بيتا الذي ولد نهاية الحكم العثماني لفلسطين، وكان وحيداً لوالديه. عُرف بنشاطه وحيويته وجرأته مُنذ صغره، وكان يُعد الأقوى بين أبناء جيله وأقرانه. وكان عمله في الزراعة والفلاحة، التقى به الأديب نجاتي صدقي في السجن مع رفيقه أبي جلده وقبل إعدامهما وصف العرميط بأنه:”رجل قوي البنية، شديد البأس، عَينه أبو جلدة نائباً له، وله مُطلق الصلاحيات”. كلاهما طاردتهما الحكومة الإنجليزية، وجاء فرارهما بسبب خلافات ومشاكل.
حاول الاحتلال استمالة العرميط وإغرائه بالعفو العام مقابل تسليم أبي جلدة، أو إرشادهم لمكانه، حيث طُلب من خاله(سليم حسن عديلي) إحضاره لمبنى القشله بنابلس للمقابلة ووفق ضمانات للإفراج عنه. وقد ماطل العرميط بالإجابه ليتمكن من الخروج وكي لا يُغدر به ويتم اعتقاله.
بقي العرميط أمينا وفيا لصديقه ورفيقه أبو جلدة تجمعهما المفاخر البطوليه والقصص الشعبية التي رويت عن هذه العصابة الصغيرة، وعندما قام الإنجليز بتجنيد أحد الأشخاص من البدو ليلتحق به بغرض قتله، أو تسليمه. وبعد مرور شهرين من مرافقتهما استغل هذا الرجل نومهم وحاول الغدر به، لكن يقظة رفيقه صالح العرميط حالت دون النيل منه(141).
بدى أبو جلدة بفطرته عاشقاً للحريّة، وقمم الجبال، ناقماً على الظلم. اشتغل في ميناء حيفا عتّالاً، وهناك تعرّف بأوفى صحبه، وشاهد بأم عينه الهيمنة البريطانية حتى بدأت عمليات الهجرة اليهودية تتزايد باضطراد، وترافقت مع تسريب الأراضي العربية للصهاينة، وتدمير حياة الفلاحين الفلسطينيين بالضرائب الباهظة.
تعرّف أبو جلدة بالرجل المتعلّم المثقّف سليمان العامري وتأثّر به، واستمع لخطب الشيخ عز الدين القسّام في مسجد الاستقلال، وعايش مأساة أهالي قرى مرج بن عامر والأراضي التي باعها سرسق الإقطاعي من خارج فلسطين، وطرد منها سكّانها، فحقد على السماسرة وعلى الصهاينة، وازدادت كراهيتة للإنكليز وعَدهمأصل البلاء في كّل ما يصيب أهالي فلسطين خّاصة الفلاحين، وقد توزعت عملياته بين الغور، وجنين، ومرج ابن عامر، وشمال فلسطين. وفي منطقة الجولة، وما حولها حيث توجهت العصابة بقيادة أبي جلده، والعرميط وقارعوا اليهود الوافدين لفلسطين(142).
أظهرت السلطات الانجليزية عجزها في القبض عليه رغم أنها بذلت جهوداً كبيرةً في تجنيد المخبرين والعسس حتى أنها أنشئت مخفراً خاصاً للبوليس في قرية عقربا من قرى مشاريق نابلس، بيد أن أبا جلده، ورفاقه كانوا حذرين ؛ فغّيروا أماكن تواجدهم ونومهم، وتنقلوا بين الشمال، والجنوب فمكثوا في غور عقربا بين فصايل، والجفتلك مدة طويلة وكانوا في الصيف يختبئون في خربة يانون شمال عقربا(143).
وحول التعريف بهذه الشخصية حدثنا تاجر الأقمشة المتجول في المنطة داود الأشقر من بلدة كفرثلث.
“حمد الطموني شخص من قرية طمون حصل بينه وبين قرايبه خلاف على أرض قتل إحداهم وعمل عمل جنائي صار مطارد لحكومة الانتداب وحاولت الحكومة القبض عليه ولكن جميع محاولاتها فشلت وأهمها مطاردة الشرطي حسين العسلي من القدس له، ولكنه قبض عليه قرب اللبن الغربية وقله: رِوح أحسنلك. ومرة من المرات حاصروه في منطقة الغور بعد ما أجت إخبارية قوية، ولكنه لف حاله بعباية سوداء ولبس مثل نساء طوباس، وتظاهر بأنه امرأة وبدها تبول، وفشلت جميع الملاحقات والدوريات وانضم معاه صالح العرميط من بيتا، وأبو الدولة من قلقيلية، وربطوا للحكومة عند عقبة زعترة، وصاروا يقتلوا من البوليس والمخاتير ويقوموا في أعمال ثورية بهرت الناس منها، وين ما راح لاقى الترحيب والحفاوة وحضر لكفرثلث ونام في خربة كفرقرع، وفي خربة خريش، وأخيرا قبضت عليه الحكومة بعد عملية غدر قام فيها أحد أقاربه وقيل أخوه حيث وضعوا له مخدر في الأكل وسلموه للانجليز وأعدموه والناس عز عليها وحدت عليه النسوان وغنت له”(144).
أخيراً وفي صيف عام 1934 وقع أبو جلدة، والعرميط في كمين محكم نُصبه لهما أحد أقربائه بالتعاون مع الإنجليز، فقد أرسل له طعاماً ووضع به مخدراً، وعندها قبض عليهما واقتيدا لمعتقل نابلس والمسكوبية في القدس، وهناك انتظرا في السجن قرار حكمهما بالإعدام، ومما يؤثر عن صالح العرميط أنه طلب من والدته أن تحضر له في الزيارة الأخيرة خنجراً ليدخله معه في قبره ليطعن الخائن الذي وشى عنه للاحتلال. قٌدم الأبطال أبو جلده والعرميط للمحاكمة وأوصى أبو جلده ابنه كي يثأر له من بريطانيا، ونفذ فيهما حكم الإعدام في سجن القشلة في القدس(145).
وقع خبر القبض عليهما كوقع الصاعقة بين الجماهير الفلسطينية، وهزت نفوس الفلاحين على وجه الخصوص، وقد حزنوا وتأسفوا عليهما وقيلت فيهما مرثيات، وقد انتبه لهذا التحليل المؤرخ السوفيتي لوتسكي حيث قال: “إن الناس حزنوا وتأسفوا بعد قبض حكومة بريطانيا على أبي جلدة واعتبروه بطلاً بسبب مقاومته لها”.
وهكذا دخلت قصصهما وحكايتهما في الأشعار والأهازيج الشعبية التي روتها نساء في كفرثلث وبيت جبرين وجلجولية، وعقربا، وتبدأ أولاها في تحديد هدف رجال العصابة:
قال أبو جلدة وأنا الطموني *** كل الأعادي ما يهموني
قال أبو جلدة للعرميطي *** وإن متت بكفيني الصيتي
قال أبو الجلدة يا خويا صالح *** اضرب ولا تخطي والعمر رايح
وأبو جلدة ماشي لحالو *** والعرميط رأس ماله
أبو جلدة والعرميط *** يا ما كسروا برانيط(146).
وفي هذه الأبيات وصف لمشاعر زوجة أبي جلدة وابنته حينما بلغهن خبر القبض عليه:
بنت أبو جلدة قاعدة بتخيط *** وأجاها الخبر صارت تعيط
بنت أبو جلدة قاعدة ع الصندوق *** وأجاها الخبر أبوها مشنوق
مرة أبو الجلدة قالت يا ناري *** وانطوني جوزي تيرجع بلادي
أعطونـــي زوجـــي *** وقبل ما اشرب كاس الهمومي
ويحتفظ الأبطال بسيرتهم وذكراهم العطرة وفيها يتحدث أبو جلده لصديقه العرميط:
قال أبو الجلدة لأبو العرميط وإحنا انشنقنا ويكفينا الصيتي(147).
كانت هذه العصابة وغيرها في فلسطين من العصابات التي شجعت العديد من أبناء جبل نابلس على الفرار والثورة على الاحتلال البريطاني ومقاومته.
مؤتمر الشباب العربي الثاني عام 1935 والتحضير للثورة:
عاد مؤتمر الشباب لينعقد مرة أخرى في العاشر من أيار 1935 وبلغ حضوره 1000 شخص وتولى رئاسته الحاج يعقوب بك الغصين، وكان برنامج المؤتمر أوسع من السابق في معالجة عدة قضايا منها:قضية الأراضي ومقاومة بيعها بإجراءات عملية، وقضية التعليم والمدارس، وطالب بإدارة عربية للمعارف أسوة بالإدارة اليهودية، وفي مجال العمل والعمال: طالب تنظيمهم في نقابات وتأسيسها في كل بلد، واهتم بالمخيمات الكشفية والرياضية، وبفضله شهدت البلاد نشاطاً ملموساًللكشافة في مواسم عديدة عقدت في مواسم النبي صالح بالرملة في 13نيسان 1934، و موسم النبي روبينالذي عقد في يافا أيلول 1935، وشاركت فيهفرق عديدةمنها: فرقة أسامة من قلقيلية بقيادة إبراهيم داود الشنطي، وأبو عبيدة عامر بن الجراح من طولكرم بقيادة توفيق عبدالرازق، مع فرق مشاركة من القدس، وغزة، والمجدل، ويافا، وكانت هذه المخيمات وسيلة للتعارف والإخاء والتمرن على حياة المخيمات الكشفية المشتركة(148).
لقد شكل مؤتمر الشباب العربي الثاني غطاءً للتحركات الوطنية والداعية منها لتبني أسلوب الكفاح المسلح والعمل الثوري لتحقيق أهداف الشعب العربي الفلسطيني، وترافق مع هذا الدور تشكيل تنظيمات وجماعات تناضل نضالاً شعبياً، وتؤمن بأهمية الإعداد لليوم القادم الذي تنفجر فيه الثورة المسلحة، وقد تم في ظل هذا النشاط التعرف إلى القوى والعناصر الوطنية المؤهلين لحمل البندقية على درب الكفاح المسلح، وقد عرج هذا النشاط مستهدفاً القوى السوداء من العملاء، والمخبرين وسماسرة الأرض أولئك الذين ينحازون مع كل هبة ريح إلى مصالحهم الذاتية الضيقة على حساب الوطن والشعب (149).
كان إبراهيم النصار من بلدة عنبتا عضواً تنفيذياً في مؤتمر الشباب العربي الثاني الذي انعقد في 10/5/1935، وكان مسؤولاً عن ملف المعارف والتعليم القومي ومشاركاً في الملفات الأخرى منها: بحث مشكلة السمسرة، وبيع الأراضي. وقد استطاع هو وغيره من أعضاء المؤتمر أن يستثمروا المزية الجوهرية لمؤتمر الشباب العربي المتمثلة في حيوية الاتصالات التي كان يقوم بها الأعضاء في طول البلاد وعرضها وقد وفرت هذه فرصة كبيرة للعمل على رفع درجة الوعي بالثورة المسلحة والتمهيد لها في أوساط الناس وفي الريف بصورة خاصة، كما أتاحت فرصة واسعة وخصبة من الاتصال بأصحاب الرأي والشأن في الحياة الاجتماعية.
تناول نصار ” التعليم وإدارة المعارف في فلسطين” في مجموعة أوراق قدمها للمؤتمر مفصلاً فيها أغراض التعليم وأوضاعه في فلسطين في ظل حكومة الانتداب، ومبيناً قلة أعداد المدارس، وأشار إلى أن عدد المقبولين من بين الطلاب كان 40% من مجموع المتقدمين البالغ عددهم 7134 من المدن، و7294 من القرى ويفصل بأرقام حول مظاهر الإهمال والتجهيل المتعمد ومسخ العلم، وتطرق نصار لمحاربة العاطفة الوطنية والقومية. فقد جاء في قوانينها في المادة الثامنة، والمادة الثالثة من مواد قانون المعارف (للمدير أن يطلب عزل أي معلم. إذا أدين بجرم مخل بالآداب، أو إذا ثبت للمندوب السامي بعد إجراء تحقيق قضائي. بأنه لقن الطلبة أموراً تنطوي على الفساد، وعدم الولاء. ” وتساءل لمن يريدون الولاء؟؟؟أيريدونه لله ورسوله. كلا ثم كلا. أم يريدونه للاحتلال وحكومته؟! بلى وألف بلى.
وفي قرارات لجنة مؤتمر الشباب ذكر أنها أخذت على عاتقها تحقيق عدة قضايا:
ـ أن تتولى إدارة التعليم إدارة عربية؛ لأنه من حق العرب، وأسوة باليهود.
ـ الإكثار من مدارس البنات، وإيجاد مدارس كافية في مختلف التخصصات، وإرسال بعثات علمية للخارج، ـولفت الأنظار إلى قصور إدارة المعارف وإغفالها.
ـ عقد مؤتمر عام للمدارس الأهلية وتأليف اتحاد لها. ـ زيادة مخصصات المدارس الأهلية وتقديم ما يمكن من مساعدة لها(150).
رغم أن حزب الاستقلال كان من الأحزاب القومية والوطنية الأولى التي أعلن عن تأسيسها، والذي سبق له أن حاول الظهور بمظهر المتطرف، ولكن أسلوبه لم يكن بعيداً عن أسلوب اللجنة التنفيذية بزعامة المفتي أمين الحسيني، فقد لجأ هذا الحزب للشعارات الطنانة واستخدام أساليبها في العمل السياسي، وانتهى عمله عام 1933 بسبب سوء أوضاعه المالية ومحدودية عدد أعضائه واقتصاره على تنظيم النخبة ولم ينفتح على الجماهير العريضة. فقد تكونت مالية الحزب من اكتتابات شهرية يدفعها عضو الحزب من التبرعات لهذا كانت ميزانيته ضعيفة لقلة عدد الأعضاء وهي سبب في انحساره ثم تلاشيه، ورغم قلة عدد أعضائه، فقد كان له صدى قوي من خلال مهرجاناته، كما إن الموقف العربي من الحزب كان مرحباً به من قبل عدة شخصيات في لبنان، وسوريا، والعراق، ومصر كان من بينهم: أسعد داغر، ورياض الصلح، وشكري القوتلي(151).
لقد ارتهنت قيادة الأحزاب إرادة الأمة، وخطفتها بعيداً عن الكفاح الثوريالذي تطمح اليه الأمة إلى استقلالها وحريتها، وذلك ما ألقى على كاهل الشباب مسؤولية مهمة الدعوة إلى الثورة المسلحة كسبيل وحيد تتحقق فيه الأهداف الوطنية والقومية، ويتحقق به الخلاص.
والى هذه الثورة أخذت تتجه قوى مؤتمر الشباب يدعون إليها، ويمهدون لها في السر والعلن وهو ما أثمر لاحقاً القيام بثورة 1936.
زيارة الأمير (عبدالعزيز بن آل سعود) إلى فلسطين:
بعد أن تم للأمير عبدالعزيز آل سعود السيطرة على الحجاز عام 1926، فقد نجح في توحيد معظم الجزيرة العربية بعد عدة انتصارات حققها في جزيرة العرب التي أثارت دوياً في الوطن العربي والإسلامي فرأى فيه الشعب العربي الفلسطيني أملاً للتحرير، وخلاصاً من العدو الصهيوني، وفي شهر آب 1935 زار البلاد بدعوة من سماحة المفتي الأكبر في فلسطين، واستقبل استقبالاً بهيجاً وحافلاً في فلسطين في القدس في الحرم الشريف، ثم في اليوم التالي مر ابن سعود بمدينة قلقيلية واستقبل استقبالاً حاشداً، وقد أعد له سرادق كبير نصبه أبناء قلقيليةغربي قريتهم، وقد رافقه سماحة الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين وزعيمها الأكبر، وبعد أن شرب القهوة العربية ألقى أمامه حسين هلال كلمة ترحيبية، وركب سيارته متجهاً صوب الشمال والجماهير تهتف:
يا بن السعود يا بن السعود والإنكليز خانونا العهود(152).
وقد اتجهوا بالضيف إلى قرية الطيبة، ومنها إلى مدينة طولكرم، وتابع سموه السير إلى قرية عنبتا، وكان هناك جمع كبير من أهالي قرى المنطقة في استقباله، وتشريف سموه، وقد أبت الجموع أن تترك سيارة سموه تمر دون أن يٌشرف القرية التي زينت بأقواس النصر والأعلام العربية، وبعد أن تناول سموه المثلجات. ألقى السيدان إبراهيم نصار* وفريد الحمدالله خطباً وطنية قوبلت بالإعجاب والتصفيق.
وقد ألقى السيد إبراهيم نصار خطبة في هذا اليوم الحافل بالجماهير بتاريخ 14/8/1935 أثناء مرور سموه في قرية عنبتا، ومما جاء فيها.
“يا صاحب السمو والعظمة!
إن مدينة طولكرم وجميع أهالي القرى العربية التابعة لهذا القضاء احتشدوا من يومين، وها هم تراهم يتوافدون من أقصى البلاد جارين على أقدامهم ليل نهار ليقوموا ببعض الواجبات نحو سمو شخصكم الكريم وليظهروا إليكم عظيم سرورهم بهذه الزيارة. سكان هذا القضاء يعتبرون تشريفكم إلى فلسطين العربية عيدا ً قوميا ً من أكبر أعيادهم التاريخية، وإن فلسطين اليوم من جهاتها الأربع تزحف مهرولة لتقوم ببعض الواجب ترحيبا ً بسمو الأمير المحبوب الذي تنعقد عليه وعلى جلالة والده وحدتها وأكبر الآمال، وأنتم تمرون بهذه الديار المقدسة. لا بد أن تشمل عنايتكم أهالي هذه البلاد الكئيبة.
تمرون ووجهتكم مهبط الوحي ومقام النبي الكريم، وستظل قلوب هؤلاء العرب وأفئدتهم سائرة طائرة معكم، لا شك أن سموكم أدرك ما يكن أبناء هذه البلاد نحوكم من الحب والإخلاص والولاء. وإنكم لا شك لاحظتم في الوقت ذاته ما حل بهم من شقاء وعناء وبلاء، ولا يخفى سموكم ما يعانونه. وقد أظهره بعد أن قلب لهم ظهر المجن وداهمهم بكوارثه فمن جراء ذلك ضاقت السبل وإني أقول ما قاله أحد الشعراء:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظن أنها لا تفرج
فلا إخالكم إلا حاملون عواطف هذا الشعب الكئيب وشعوره الممزوج بذكرى ما هم فيه من الشدائد والأخطار المحدقة بهم. وإني أرفع لسموكم تحيات هذه الجماهير باسمها وباسم مؤتمر الشباب العربي الفلسطيني.
فاحمل تحت ظل جناحك جناح الرحمة آمالا، وحنوا، وشفقة وها هم شاخصة أبصارهم نحو شخصكم الكريم المنقذ لها من البلاء والمحن. وندعو الله العظيم أن يوفقكم في حلكم وترحالكم وأن يحرس جلالة والدكم بعنايته آمين”(153).
وقد ألقى الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود* في هذه المناسبة قصيدة بعنوان (نجم السعود)، والتي استشرف فيها ضياع المسجد الأقصى، ومما جاء فيها.
نجم السعود وفي جبينك مطلعه *** أنى توجه ركب عزك يتبعه
العرب جيش لا يفل عرمرم *** وأبوك في هذا العرمرم تبعه
يا ذا الأمير أمام عينك شاعر *** ضمت على الشكوى المريرة أضلعه
المسجد الأقصى أجئتَ تزوره *** أم جئت من قبل الضياع تودعه؟
وغدا وما أدناه لا يبقي سوى *** دمع لنا يهمي وسن نقرعه! (154).
خروج الشيخ عزالدين القسام إلى أحراج يعبد:
أمام أسلوب تقليدي ممل انتهجته الحركة الوطنية الفلسطينية لمدة خمسة عشر عاماً وعلى رأسها المفتي الأكبر الحاج أمين الحسيني الذي اكتفت قيادته بمهادنة الإنجليز. يخرج القسام في حركته على مألوف الحركة الوطنية وأسلوبها العقيم مقدماً نهج الجهاد والدفاع عن العقيدة طريقاً لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني الذي أعد عصبة ثورية تعتمد على برنامج تنظيمي، وعمل لجان للتدريب والتجنيد وجمع التبرعات والاستخبارات. بدأ القسام بالإعداد لها حينما أصبح إماماً لمسجد الاستقلال عام1925بنشر العقيدة والوعي، ثم جاء عام 1928 ليؤسس العصبة الجهادية، وقدر عددهم بمائتي شخص، وعدد المهيئين للاشتراك في المعركة ثمانمئة شخص(155).
ويجدر الذكر أن هذه العصابة قامت بأكثر من 25 عملية، ومنها عملية في مستعمرة نهلال عام 22/12/1932، وسجن خليل عيسى أبو إبراهيم مدة 9 شهور، ومعه مصطفى الأحمدالذي خضع للتعذيب في سجن الناصرة، وسجن أحمد الغلاييني بتهمة هذا العمل (156).
التحق بتنظيمه فلاحون، وعمال وأبناء طبقات فقيرة، وقد اتخذ الجلسات، وحلقات الذكر، وخطب الجمعة طريقاًلهداية الشباب العربي المسلم وتوجيههم مُنبهاً إلى الخطر الصهيوني الذي يتهدد البلاد.
ويبرز نقاش حول أسباب خروج الشيخ عزالدين القسام والعامل المباشر الذي جعله يشتبك مع الإنجليز. لقد كانت حادثة اكتشاف شحنة الأسلحة المهربة من ميناء يافا في شهر تشرين الأول 1935 دافعاً للقسام للخروج مع إخوانه المجاهدين وعددهم قرابة ستة عشر إلا أنهم لم يستمروا معه وانقسموا قسمين: القسم الأول سار بمعية الشيخ القسام وعددهم تسعة إلى أحراج يعبد. أما القسم الثاني فتركوا القسام وعادوا إلى حيفا ولاحقاً شاركوا في ثورة 1936ـ 1939، ضمت الجماعة كل من: 1ـ عزالدين القسام من جبلةـ سوريا. 2ـ داود أحمد من قرية بيتاـ نابلس 3ـ محمود سالم من قباطية ـ زرعين ـ جنين. 4ـ يوسف أبو درة من سيلة الحارثيةـ جنين. 5ـ صالح الصفوري من صفوريةـ الناصرة 6ـ حسن الباير من برقين ـ جنين. 7ـ أسعد المفلح من أم الفحم 8 ـ داود حطاب من الكبابير ـ حيفا9. ـ الشيخ الزيباوي نسبة للزيب من قرى عكا 10ـ معروف جابر يعبد ـ جنين 11. الشيخ نمر السعدي بسمة طبعون الناصرة 12. محمد يحيى يوسف سبسطيةـ نابلس 13. عربي بدوي قبلان ـ نابلس. 14. محمد أبو قاسم حلحول ـ الخليل. 15. حنفي عطيفة المصري من مصر. 16. أحمد عبدالرحمن اكتابا ـ طولكرم. (157).
ويروي الكاتب صبحي ياسين وهو قسامي ولكنه أصغر عمرا يومئذ: أن الشيخ عزالدين القسام ترك مدينة حيفا في ليلة 12 تشرين ثاني سنة 1935 ومعه أكثر من خمسة وعشرين من أخوانه إلى قرى قضاء جنين؛ لدعوة الناس للثورة، وقد رأى شيخهم في جبل نابلس موقعاً مناسباً للتبشير بالثورة، وضم الأنصار إليه، وكانوا يبغون الوصول للوادي الأحمر، ولكن حدثت بعض التطورات التي سّرعت في وتيرة الأحداثعندما قام محمود سالم (أبو أحمد) بقتل شاويش يهودي يدعى روزنفيلد قرب فقوعة بعد قدومه من مستعمرة عين حارود، وفي 15/11/1935، وقد انتشرت قوات كبيرة من البوليس، وطوقت عدة قرى، وأسفرت الأحداث عن استشهاد البطل الشيخ محمد القاسم الحلحولي، وقتل نفران من البوليس، وبذلك خسر القسام عنصر المفاجأة (158).
تختلف المصادر والمراجع في تحديد العدد الذي ذهب مع القسام إلى يعبد ويتراوح العدد بين 8ـ 11 كما أن أسباب افتراق المجموعتين في قرية نورس غير واضحة تماماً.
ويذكر ياسين: وفي 19/11/1935 قامت قوات كبيرة من الجند بتطويق قرية يعبد، واليامون، وبرقين وكفردان بعدد يتراوح بين 400 ـ 600 جندي. أما مجموعة القسام فكانوا 11 وهم:الشيخ محمد الحنفي أحمد، الشيخ يوسف الزيباوي، الشيخ حسن الباير، وأحمد جابر، وأسعد كلش من أم الفحم، وعربي بدوي، ونمر السعدي، وتوفيق الزبري، وناجي أبو زيد، ومحمد يوسف، وداود الحطاب، وهنا أبلغوا قائدهم بتطويق المنطقة منذ الصباح الباكر، واستمر الاشتباك 6 ساعات، وكانت حصيلتها استشهاد القسام وأربعة من أخوانه، وأسر بعضهم، وفر البعض الآخر(159).
حوصرت المجموعة المرافقة للشيخ القسام في خربة زيد القريبة من قرية يعبد وطوقته قوة البوليس ويقدر عددها بأربعماية بقيادة مستر فيتزر جيرالد مدير بوليس لواء نابلس(160).
وفيه أعطى القسام أوامره بعدم إطلاق النار على أفراد الشرطة العرب، وكان الضباط الإنجليز قد وضعوهم في الصفوف الأمامية، ولم يكن هؤلاء بعارفين الجهة التي يقاتلونها، وأخذ الاشتباك صفة الانتقال والحركة من قبل رجاله(161).
استمر الاشتباك المتنقل حتى الساعة العاشرة صباحا؛، وعندما دعاهم الضابط فيتزر جيرالد للاستسلام رد عليه الشيخ القسام بنداء وجهه لرفاقه وبأعلى صوته:قال:” موتوا شهداء” وشعاره المشهور” النصر أو الاستشهاد”، وقد استشهد منهم أربعة، وقبض على أربعة باقين. وقتل (ر. س. ت. بت) من أفراد البوليس الانجليزي، وأصيب نمر السعدي بجروح خطرة(162).
نشر هذا الحادث مشاعر السخط والكراهية للاحتلال البريطاني، وأثبت فشل سياسة التعاون معها مثلما أشعر الناس بسخف قيادتهم ورفضها استخدام الكفاح المسلح، وتالياً تناول صبحي ياسين موقف قيادة الحاج أمين الحسيني؛ ليُّبين قصورها ورغبتها في تبني خط المهادنة للحكومة البريطانية بدلاً من انتهاج أساليب ثورية فاعلة، وقد ذكر أن الشيخ عزالدين القسام أرسل رسالة للمفتي عبر محمود سالم المخزومي”أبو أحمد ” من قرية زرعين قبل خروجه إلى أحراج يعبد بفترة قليلة، واتصل بوساطة الشيخ موسى العزراوي أحد أعوان الحاج أمين، وأعلمه بطلب القسام أن يشرع الحاج أمين في ثورته جنوب فلسطين بينما يقوم القسام بثورته شمال فلسطين، لكن المفتي أجاب من خلال العزراوي أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا العمل، وأن الجهود السياسية التي تبذل تكفي لحصول عرب فلسطين على حقوقهم(163).
أيقظ خروج الشهيد القسام إلى أحراج يعبد واستشهاده في عرب فلسطين روح الثورة والتحدي، وزاد في غضبهم واستعدادهم للعمل الثوري، وعَدوه بطلاً خاصة أنه كان معروفا بخطبه الدينية ودوره التحريضي، أما البريطانيون فوصفوا عصابته بـ”عصابة الأشقياء ” جرياً على عادة إعلامهم وصحافتهم وتقاريرهم الحكومية الكاذبة، وشعر العرب بالمهانة بعد أن سرت أقوال بأن الضابط “فيتزرجيرالد” داس على جثة الشيخ عزالدين القسام وهو ميت(164).
لقد مثل عمل القسام ومجموعته تجاوزاً للأساليب السلمية والباردة والمسيطرة على نضال الشعب الفلسطيني، ولدور العصابات الصغيرة كعصابة أبي جلدة المرتبطة بشخصين إلى ثلاثة في التنظيم العقائدي الذي قدر أعضاؤه وأنصاره ببضعة مئات، كذلك بشرت ثورة القسام بدور الصدارة الذي سيحتله الفلاحون والعمال في الثورة العربية الفلسطينية الكبرى.
قدر صبحي ياسين عدد عصابة القسام بـ مائتي مجاهد وأكثرهم يشرف على حلقات توجيهية، أما الأنصار فعددهم 800 قياساً بعصبة القسام الثورية التي امتلكت رؤيا وبرنامج وأفق مستقبلي نحو التغيير(165).
أما بيان الحوت فقد سمت في كتابها عدداً من القادة العامين وقادة الفروع وبلغوا 85 شخصاً، أما القيادة المحيطة بالقسام فكان عددها 16 شخصاً، وقد استشهدفي الثورة 20% منهم(166).
اختلف دور الشيخ عز الدين القسام عن دور سابقيه في تخطيطه وتنظيمه للشباب في منظمة ثورية قائمة على أسس عقدية منظمة، وخلايا سرية وعضوية قائمة على التضحية بالمال والنفس وهو شرط فُرض على أعضاء العصبة القسامية ؛ لشراء السلاح ولا ينتفع أعضاؤها من التنظيم، وتؤمن بوحدة الشعب ويرفض شيخهم المفاهيم السطحية للدين التي تركز على المآتم ومنع التدخين، ودخول الحمام وما أشبه، كما ظهر في خطبه، وجل تركيزه على الجهاد الذي آمن بتجنيد الفقراء وإصلاح الأشقياء متخذاً من هدي الإسلام طريقاً لإنارة القلوب.
وبرز نشاطه أيضاً في جمعية الشبان المسلمين التي تأسست عام 1930 وشكلت لها فروعاً في مدن عكا، وطبريا، وصفد وشفا عمرو والطيرة وبلد الشيخ وزاد عدد أعضائها عن ألف عضو، وقد عقدت مؤتمرات وانتخبت لجنة تنفيذية برأسه رشيد الحاج إبراهيم ومن أبرز أعضائها الشيخ القسام، والأستاذ هاني أبو مصلح سكرتيراً للجنة، ومن قراراتها تدريب عدد من الشباب العرب على حمل السلاح والدعوة سراً للتسلح(167).
يعد حادث يعبد الشهير انفجاراً مهماً وكبيراً في الوعي الفلسطيني تاركاً أثره في الأجيال الحاضرة واللاحقة، ففي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ثار الحديث من جديد حول الشيخ عزالدين القسام وقد تبناه أصحاب الأحزاب والأفكار المختلفة، وادعى كثيرون بالانتساب إلى تنظيمه، أو انتسابه الفكري إليهم، فأنصار المفتي الحاج أمين الحسيني وعلى رأسهم إميل الغوري قالوا: إن القسام خرج للثورة باتفاق مع المفتي، ويذكر عزة دروزة من مؤسسي حزب الاستقلال أنه كان على علم بتنظيم القسام وكانت له علاقة بحزب الاستقلال، وأما غسان كنفاني فقد ارتكز على ضم الكادحين والفقراء ومن كانوا لصوصاً وكأنه أراد القول أن فلسفته ثورية واشتراكية، أما الإخوان المسلمون فكانت صلتهم معهم من خلال جمعية الشبان المسلمين.
بقي ولا زال عمل القسام يؤشر لطريق الجهاد كطريق وحيد لحل الصراع العربي الصهيوني “والجهاد ذروة سنام الإسلام” ؛ كما جاء في حديث الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم – وقدم عمله درساً نافعاً وقوياً للمؤمنين بأن فلسطين أرض الديانات ومهد الأنبياء لا تحرر باللهاث وراء الحلول والتسويات، وأنها لا تسترد بغير الحديد والنار، وأن ثمن النصر والتحرير لا بد أن يكون في الاستشهاد وأن لا حرية بلا فداء وتضحية بالنفس، وسيصبح هذا الاسم منارة وطريقاً تهتدي به مختلف التنظيمات والحركات ومن مختلف الاتجاهات الدينية، والوطنية، والقومية، والأممية؛ وذلك لأهمية تقدير قيمة الوعي ودوره في خلق الثورة. لقد سأل “عربي بدوي” شيخه القسام عن سبب خروجه فأجابه شيخه قائلاً: “سنكون عود الثقاب ومن يشعل جبل الحطب”(168).
وحول معرفته بالشيخ القسام أسباب هجرته من بلده وعمل التنظيم الذي التحق به.
حدثنا عربي بدوي:” كنت صبيًا حينما قررت الهجرة من قرية قبلان إلى مدينة حيفا للعمل في مصفاة البترول، وكان الشباب يهاجر من الداخل إلى حيفا، وفيها تعرفنا على الشيخ عزالدين القسام، وكنت أذهب للصلاة في جامع الاستقلال بحيفا وأستمع لخطبه يوم الجمعة، وخرجت معه إلى يعبد، وكنت ابن السادسة عشرة، واعتقلت عشر سنوات، ووظفوني في إدارة صندوق الأمة في حرب 1948 وعملت رئيساً لمجلس قبلان في العهد الأردني”(169).
وحول أهمية دور القسام وعمله ورسائله مع الحاج أمين الحسيني. حدثنا عربي بدوي:
“أجرى الشيخ القسام اتصالاته قبل خروجه مع الحاج أمين الحسيني، ولم يلق التشجيع. و يوم أن خرجنا وبعد أن حاصرنا الأنجليز واشتبكنا معهم كان الشيخ ينادي علي ويقول: يا صبي، انبطح على الأرض، وهو يقاتل ويشتبك معهم من خلف صخرة قرب خربة زيد، ولكني بقيت واقف وموش ميخذ بالي، وصدقني ما جرالي شيء، و كنت أرى الَملك يدافع عني ويحميني من رصاص العدو، وهذا دليل أن النصر والموت والاستشهاد هو من عند الله، مرت ساعات واستشهد الشيخ عزالدين القسام وقبض علي، وكان من أسباب انكشافنا ومعرفة الانجليز أننا في هذا الحرش أن أحدنا خرج لشراء بعض الحاجيات من يعبد وهو يحمل السلاح فأثار هذا انتباه العميل الذي بدوره بلّغ البريطانيين عن مكان وجودنا، وكان بإمكاننا البحث عن وسيلة للهرب والنجاة ولكننا اخترنا النصر أوالاستشهاد كما قالها سيدنا الشيخ الشهيد عزالدين القسام رحمه الله”(170).
وحول تأثير هذا الحادث في الأحزاب والحركات المعاصرة للقسام يرى دروزة أن فيه إحراجاً ومفاجأة للأحزاب وقيادات الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث دخل الملل إلى نفوس الجماهير بسبب سياسة بريطانيا القائمة على التسويف والمماطلة، وقد تكرر إرسال لجان التحقيق البريطانية إلى فلسطين للبحث في أسباب الثورات والمظاهرات، التي حدثت منذ عام 1920، ورغم أن المعركة استمرت من الضحى حتى قبيل العصر، ولم يخسر الإنجليز واليهود عدداً يذكر مقارنة بالأعمال الجهادية والاستشهادية اللاحقة إلا أنه كان حافزاً لثورة جماهير الشعب العربي الفلسطيني وجعلهميتوثبون إلى عمل أطول إضراب في تاريخ ثورات فلسطين، والذي مكث ستة شهور بواقع 176 يوماً وانفجرت في أثنائه الثورة الكبرى بين عامي 1936 ـ 1939 (171).
كانت جنازة القسام الكبيرة التي توجهت من حيفا إلى بلد الشيخ بحضور الآلاف ممن يصرخون الله أكبر ويملئون الفضاء بكلمات الانتقام! الانتقام!، وفيها مشى الجمهور حاملا نعش الشهيد القسام خمسة كيلو مترات، وقد سبقها الجمهور بقذف الجند البريطاني بالحجارة حتى إنهم اضطروا للهرب
وترك المكان، ودل يوم التأبين للقسام أن الشعب الفلسطيني تحول “عن سياسة المجاملة إلى سياسة المصارحة والمعالنة” وأن روحاً جديدة دبت فيه(172).
وقد أبنه الشاعر إبراهيم نوح الملقب بتلميذ القسام، وأنشد قصيدته التي سجلت في اسطوانة وترددت في جميع أصقاع فلسطين. بعنوان: يا خسارة يا عزالدين
نسوق منها بعض الأبيات التالية:
عزالدين يا خسارتك ** رحت فدا لأمتك
مين بينكر شهامتك ** يا شهيد فلسطين
أسست عصبة للجهاد ** حتى تحرر البلاد
غايتها نصر أو استشهاد ** وجمعت رجال غيورين
وسجل عندك يا زمان ** كل واحد منا عزالدين(173).
لقد طويت صفحة أحداث عام 1935 من مفكرة الكتاب السنوي الفلسطيني، ولكن تجربة القسام لم تطو معها بل ظلت البندقية مشرعة في أيدي أتباعه ومريديه وممن آمنوا بأن فلسطين لا تحرر بغير الحديد والنار، وظلت تجربته يستأنس بها الذين أخذوا يعملون على شق الطريق إلى الثورة بعيداً عن أدعياء الزعامة الصغار و وهدة أساليبهم العقيمة.
———–
الهوامش
(100) (حسين، حماد، مجموعة وثائق، ص110).
(101) (حول الحركة العربية، ص78ـ82بتصرف)
(102) (دروزة، عزة، حول الحركة العربية، ص97 وأنظر:أكرم زعيتر، بواكير النضال، 1909ـ 1935، ص412و413).
(103) انظر: بواكير النضال: من مذكرات أكرم زعيتر 1909 ـ 1935، ص 412 وص 413ودروزة، عزة، حول الحركة العربية، ص98و99).
(104) (دروزة، عزة، حول الحركة العربية، ص103ـ 104).
(105) (المرجع السابق، حول الحركة العربية، ص105ـ 107).
(106) (عطية، سعود، الحزب العربي الفلسطيني وحزب الدفاع الوطني 1924ـ 1927).
(107) (انظر:الأسعد، هالة، واصف كمال شاهد على قضية فلسطين، ص16و36وص42). (108) (النمر، إحسان تاريخ جبل نابلس ج3، ص 196ـ200)
(109) (تاريخ جبل نابلس، ج3ص213و214).
(110) (دعوى نزع الملكية، ص124ـ 126).
(111) (دعوى نزع الملكية 127ـ 134).
(112) (عودة، زياد: من رواد النضال الفلسطيني، الكتاب الثاني 1929ـ 1948، ص52 و53).
(113) (حماد، حسين، وثائق حول فلسطين، ص65ـ 68 بتصرف).
(114) (عطية مسعود، الحزب العربي، ص218).
(115) (انظر:حمودة، سميح:دور المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الحفاظ على أراضي فلسطين من خطر التسرب للحركة الصهيونية 1922ـ1948، مجلة حوليات، ع 15ص 87).
(116) (وثائق حول فلسطين، ص70ـ ص71).
(117) (وثائق حول تاريخ فلسطين، ص72).
(118) (جريدة الجامعة 1935، وثائق حول تاريخ فلسطين، ص73).
(119) (النمر، إحسان:قضية فلسطين في دورها البلدي، ص152ـ ص153).
(120) (عقل، محمد، المفصل في تاريخ عارة، ص26).
(121) (حوليات القدس، ع11، ص33، ص42).
(122) (هليل كوهين، جيش الظلال بالانجليزية، ص68 وص69).
(123)(أحد أعداد جريدة الجامعة العربية عام 1932)
(124)(مسعود، عطية:الحزب العربي، ص220).
(125) (أنظر:اعطية عي سعود، الحزب العربي، ص86) ومجموعة وثائق حول تاريخ فلسطين، ص362).
(126) (المرجع السابق، وص363).
(127) (فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية، ص179وص180).
(128) (عن دفتر أعده ابنه الأكبر “محمد أمين” إبراهيم نصار وثبتت استقالته في أوراقه)
(129) (عطية علي، الحزب العربي الفلسطيني، ص93).
(130) (الكيالي، عبدالوهاب، ص238ـ240).
(131) (النمر، احسان، ج3، 217ـ219).
(132) (أنظر: لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية المعاصر، ص221و223و224).
(133) (عطية، سعود علي، الحزب العربي، ص 96 و97).
(134) (الحزب العربي وحزب الدفاع، ص130)
(135) (الكيالي، عبدالوهاب، تاريخ فلسطين الحديث، ص247 و248).
(136) (القوات العسكرية والشرطة في فلسطين ودورها في تنفيذ السياسة البريطانية 1917ـ 1939، ص418).
(137) (قضية فلسطين في دورها البلدي، ص 191 ـ 192)
(138) (القوات العسكرية والشرطة في فلسطين، مرجع سابق، ص419).
(139)) مقالة حمزة ديرية مرسلة للباحث عام 2010).
(140)) مقالة حمزة ديرية مرسلة للباحث عام 2010).
(141) (حمزة ديرية، عن مقال أرسل للباحث 2010).
(142) (القوات العسكرية والشرطة في فلسطين ودورها في تنفيذ السياسة البريطانية 1917ـ 1939ـص419).
(143) (المرجع السابق).
(144) (مقابلة جرت في منزله عام 2007)
(145) (حمزة ديرية، مقال أرسل للباحث)
(146) (أسامة حمزة ديرية، مقال للمؤلف ورواية نعمة داود عرار 1985).
(147) (رواية جدتي نعمة داود عرارعام 1984)
(148) (السفري، عيسى، قضية فلسطين بين الانتداب والصهيونية، ص181و184).
(149) (النمر، احسان، قضية فلسطين، ص194).
(150) (من أوراق المرحوم ابراهيم نصار، و الخطاب بحوزة المؤلف).
(151) (قدورة محمد، الأحزاب السياسية الفلسطينية 1929-1936 ص 141)
(152) (هلال، ربحي، حسين هلال، ص15 وص16)
(153) (الخطاب محفوظ في أوراق إبراهيم نصار وبحوزة المؤلف).
(154) (http://ar. wikipedia. org )
(155) (الحوت بينان نويهض، الشيخ عزالدين القسام، ص47).
(156) (أنظر:أبو نضال، نزيه، مذكرات أبو ابراهيم الكبير، ص31و32).
(157) (سرحان، نمر:سجل القادة والثوار رواية طلال أبو جعب، ص498).
(158) (الثورة العربية الكبرى في فلسطين، ص38ـ 39).
(159) (الثورة العربية الكبرى في فلسطين، ص39ـ 40).
(160) (النمر، احسان، قضية فلسطين، ص176).
(161) (حمودة، سميح، الوعي والثورة، ص78و79).
(162) (زعيتر، أكرم، الحركة الوطنية الفلسطينية، ص31).
(163) (لثورة العربية الكبرى في فلسطين، ص32).
(164) (النمر، احسان:قضية فلسطين، ص 176).
(165) (الثورة العربية الكبرى في فلسطين، ص34).
(166) الحوت، بيان نويهض، الشيخ عزالدين القسام في تاريخ فلسطين، ص88
(167) جمعية الدفاع عن حيفا وقضية فلسطين، ص150و151)
(168) (مقابلة جرت مع عربي بدوي في قرية قبلان عام 1985).
(169) (مقابلة جرت في بيته بقرية قبلان ـ نابلس عام 1985).
(170) (مقابلة الباحث مع عربي بدوي في بيته قرية قبلان عام 1985)
(171) (أنظر:دروزة، محمد عزة:حول الحركة العربية الحديثة ج3، ص117).
(172) (زعيتر، أكرم:الحركة الوطنية، ص33وص 42).
(173) (عودة، زياد، من رواد النضال الفلسطيني، الكتاب الثاني، 1929ـ 1948، ص89)
يتبع…
شبكة البصرة
الجمعة 7 صفر 1442 / 25 أيلول 2020
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب ف


