-{{{{{{داروسيا..............................................................إذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر ........................................................................... ولا بد لليل ان ينجلي وللجهل ان ينحسر؟؟؟!!!..................................................................................... بعناتا}}}}}}
(((( مسجد الاقصى يناديكم )))) ------=========================================================

الغزو والاختراق الصهيوني 1897 – 2018 (الحلقة السادسة)؛ دراسة للباحث والمؤرخ الفلسطيني أ.عبد العزيز أمين عرار

الغزو والاختراق الصهيوني 1897 – 2018 (الحلقة السادسة)؛

دراسة للباحث والمؤرخ الفلسطيني أ.عبد العزيز أمين عرار

شبكة البصرة

أ.عبد العزيز أمين عرار

ـ تأثير التعسف البريطاني في إذكاء لهيب الثورة في البلاد:

مارس الاحتلال البريطاني القوة والتعسف وحاول قمع الثورة بتنفيذ قوانين الطوارئ والأحكام العرفية وشن حملة اعتقالات جماعية وإبعاد السياسيين داخل فلسطين وخارجها، وقد شملت قيادات المجتمع الفلسطيني، وطالت مختلف الأحزاب حتى المعارضين والمحسوبين عليها، ومنهم:حزب الدفاع، وفرضت غرامات، وأعمال التعذيب والتنكيل والتصفية بدم بارد، وتطويق المدن والقرى إلى درجة بات فيها أقرباء الشهداء ينكرون صلتهم بهم كي يحموا بيوتهم من الهدم.

بدأت أولى إجراءات السلطات البريطانية بإبعاد الشخصيات الوطنية والحزبية في مدن نابلس، والخليل، والقدس، وحيفا إلى معتقل عوجة الحفير عند حدود فلسطين مع مصر يوم 23 أيار، وضمت أكرم زعيتر (نابلس)، وصبري عابدين (الخليل)، وتلاهم إبعاد الشيخ الجليل عبدالقادر اليوسف العبدالهادي (جنين)، ورفيق الشيخ نجيب (طيرة بني صعب)، وتوالت قوافل المبعدين إلى هذا المعتقل، وطالت كتاباً وصحفيين، ورؤساء أحزاب، وشيوخ دين وعشائر، وأعضاء اللجان القومية، وترافقت حملة الاعتقالات والأبعاد الشرسة مع فتح معتقلات وسجون جديدة في صرفند الخراب والمزرعة في عكا، وعتليت، كما أن السلطة أخذت تمارس القمع ضد القرى العربية بعمليات دهم، وتفتيش تم فيها تخريب الأثاث، والبيوت، وخلط المواد، وإجبار المضربين على فتح حوانيتهم بالرغم من مخالفته لحرية الفرد المقدسة(92).

وقام الجند بعمليات إطلاق نار متعمدة على الأماكن المستهدفة، فقد هاجموا بيارة عاشور غرب قلقيلية التي كان يتردد عليها الثوار، ويبيت فيها القائد حسن الشنطي “أبو نجيم”، وقائد فصيل كفر سابا المرحوم فارس العرباسي، ومعه ثائر من آل أبي خديجة من قلقيلية، و6 ثوار سوريين، وقد أصيب فارس بطلق ناري، وعندما حققوا مع والدته أنكرت صلتها به، ولكنه توفي بسبب جرحه الغائر، فاحتضنته الأم وبكت عندها دفعها أحد الجنود، وقال الآن عرفنا أنك أمه(93).

لقد أبرزت الصحافة الفلسطينية مظاهر كثيرة تدل على تعاضد طبقات المجتمع، وتلاحمه، فأعلنت عشر قرى مواصلة الإضراب، وهي: قرى قلقيلية، عزون، جيوس، كفرزيباد، كفرعبوش، صير، الطيرة، مسكة، فلامية، كور، كفر جمال وبعد البحث اتخذ الأهالي قراراً بتأييد اللجنة العربية العليا، ومطالبها التي أعلنت عنهاالقائمة على إلغاء وعد بلفور، والضرائب المفروضة على القرى، والعفو عن المعتقلين السياسيين، واستنكار أعمال الدهم والتفتيش للقرى، وتعديات البوليس الإضافي اليهودي واستخدام سلاح الحكومة كما حدث مع الجريح رشيد حمد الولويل من كفرسابا، وقتل يوسف داود عراقي من الطيرة بجانب بيارة عبداللطيف صلاح، وأعلنوا استمرارهم في الإضراب، حتى تنال الأمة مطالبها(94).

مضايقة أسر القادة وقراهم:

رد الإنجليز على أعمال القادة والثوار بعقوبات جماعية، وأعلنت عنهم مطلوبين لعدالتها!. وعرضت جوائز لمن يدلي بالوشاية عن أماكنهم، وتم تفتيش بيوتهم يومياً، فقد داهم الجند بيت القائد عبدالرحيم قبل بزوغ الفجر، وراحوا يوقظون أبناءه الأربعة، وأخته حليمة التي كانت ترعاهم، ويفتشون البيت تفتيشاً دقيقاً، ثم يغادرون المكان متوعدين، ومهددين ساكنيه، عندها لجأ عبد الرحيم بشكل تام إلى الجبال، وانضم إليه رجال جدد، ونسق جهوده مع آخرين في هذه المنطقة وخارجها، وسنأتي على ذكرهم في موقع آخر من هذا الكتاب(95).

وقد جرت عمليات تفتيش في قرية طيبة بني صعب وغيرها من القرى التي تحتضن الثورة وقادتها أمثال: القائد “عارف عبدالرازق” ومن معه، وتعرضت بلدة عزون لسلسة أعمال انتقامية، ومنع التجوال لفرض المضايقة على القائد فارس العزوني ورجاله، وكذلك ضويقت أسرة الثائر سعيد بيت إيبا، واستدعيت عائلته يومياً إلى الحكم العسكري.

حدثنا المرحوم الباحث الصيدلي موسى علوش، فقال:”دخل إلى مقر الحاكم العسكري بلباس امرأة، وفاجأ الحاكم، وهدده بمسدسه أن يكف شره عن أهله، وإلا سيضطر لقتله، وبالفعل تراجع عن مضايقتهم”(96).

تهديد مخاتير طولكرم بالعقوبات القاسية:

بعد ان عطل الثوار أسلاك البرق والهاتف على نحو متكرر في منطقة طولكرم ثارت حفيظة الحاكم العسكري البريطاني في طولكرم “جون ايفتس”* فبعث في طلب تسعه من مخاتير قرى المنطقة بالحضور عن طريق الاخطارات، وعند حضورهم منذ الصباح الباكر إلى سرايا الحاكم يوم 2/10/1936 تركوا في الساحة مهملينحتى يأتي تاسعهم الذي تأخر وتلكأ عن البقية، وتضايق الجميع، فأخبرهم الحاكم أنه لن يجتمع بهم قبل حضور زميلهم، وتمضي الساعات بطيئة ثقيلة على هؤلاء، وهم ينتظرون مجيء صاحبهم مختار كفر رمان الشيخ عبد، وبعد حضوره عند ارتفاع شمس الضحى، اندفع الثمانية في وجهه بصوت واحد ينحون عليه باللائمة لتأخره، لكنه لم يظهر اكتراثا، وبرر سبب تأخره أنه كانت وراءه أعمالاً أنجزهاعلاوة على طول الطريق.

ويأتي بعد ذلك من يدعوهم إلى مقابلة الحاكم العسكري الذي خرج عليهم في أبهته ليبدأهم بحديث مشحون بالتهديد والوعيد قائلا:” ستدفع كل قرية تمر منها خطوط الهاتف، والبرق غرامة تقدر بمقدار الضرر الحاصل، وعليكم تقع مسؤولية دفع ما يترتب على قريتكم من غرم جزاء على كل تخريب يقع”.

ران على المخاتير صمت إلا المختار عبد الذي نهضوقال من غير استئذان: يا حضرة الحاكم، كيف تطلب من قرية مثل كفر رمان شيء بريطانيا العظمى نفسها مش قادري عليه والرأي عندي إنكم تحملوا سلوكاتكم وحدايدكم ولما تصيروا قادرين على حمايتها ترجعوها مرة ثانية.

دهش الحاكم لما جاء في كلام المختار وقوة منطقه، ولم يعد يسأل المخاتير أو يرسل في طلبهم.

وقد لجأ المحتل إلى أساليب أخرى أكثر عقوبة، مثل:نسف البيوت، وتشتيت أهلها. وخاصة قرى: بلعا، وقولة، واكتابا، والطيرة، وكاد أن يحذو حذوهم أهالي عنبتا، وكفراللبد، وكفرمان بسبب كثرة المصادمات في واديهم في خطوط البرق والهاتف أيّا كان مصدرها(97).

ومما زاد الثورة اشتعالاً ولهيباً وتوسعاً، أعمال النفي والتشتيت للرجال الناقمين على الحكومة الملتحقين بالثورة، وزجوجهائهمفي السجون والمعتقلات، وإثبات وجودهماليومي، وهدم بيوت كثيرة، ومنها:دار رافع الفاهوم بقرية أندور قضاء الناصرة، ودار حافظ الجرار بقرية جبع، ومارس الجند وحشيتهم القاسية في عدة قرى، وخاصة قرى قادة الفصائل والثورة، ومنها:قرية قولة، وأندور، وسيلة الظهر، وعارة، ونسفتمدينة يافا بذريعة تجميل شوارعها(98).

تواصل معارك الثورة وشمولها مختلف المناطق:

استمر الشعب يناضل، ويكافح غير مبال بقوة بريطانيا العظمى، وبأساليبها التعسفية، وكانت له معارك مشهودة طيلة ثلاثة أعوام، ودلت على إيمان الشعب، واستعداده العظيم للجهاد، والتضحية، وكانت للعصابات الثورية أعمال وبطولات في فلسطين عامة ومنطقة مثلث الرعب (ألوية نابلس، وجنين، وطولكرم)*خاصة. (99).

وفي مواجهة التعسف البريطاني، وتأخر الثورة، وانتقالها إلى الخليل أرسل ثوار جبل نابلس أرغفة مغمسة بالدم إلى شيوخ الخليل حتى يثيروا فيهم النخوة والحمية، فاستجابوا وكانت لهم معارك حامية الوطيس في جورة بحلص، وبني نعيم، وحلحول(100).

ولم يقتصر التضامن والتعاضد على داخل فلسطين، فقد شملت مظاهر التضامن مع قضيتها العادلة وثورتها التحررية أقطار عربية ومنها: العراق، وسوريا، ومصر، والسعودية، وتشكلت فيها جمعيات، ونشطت صحافتها الشعبية، والهيئات الرسمية في دعم القضية الفلسطينية، وكانت أقواها في القطر العراقي بفضل جمعيات ونواد ذات غايات قومية عربية: كالجوالة، ونادي المثنى العراقية، وجمعية الدفاع عن فلسطين، ومن أبرز شخصياتها سعيد بك ثابت، وأخذت هذه الشخصيات تعد لإرسال فرق المتطوعين إلى فلسطين، وتعمل سراً بترتيب مع رجال من فلسطين، وقد وقع الاختيار على منطقة جبل نابلس.

………….

*وهذه بعض المعارك التي خاضوها: وادي التفاح، وادي داعوق، وادي عزون، وادي بلعمة، عين حارود، وادي عرعرة، نور شمس، بلعا الأولى، وبلعا الثانية، الفندقومية، بيت إمرين، طريق عيون الحرامية، كفرصور، عارة، عين الزيتونة، لية اللبن الشرقي، جورة بحلص في الخليل، وبني نعيم، وعصيرة الشمالية، جبع، معركة اليامون الكبرى، أم الفحم الأولى والثانية، أم الدرج في جبل الكرمل. و لد العوادين، ابريكة، وعتليت، ومعركة دير بلوط، دير غسانة، واحتلال مدن لعدة ساعات وأيام كالقدس، ورام الله، وبئر السبع، وطبريا، ويافا، وأريحا، والخليل، ونابلس، وحيفا، والهجوم على مستعمرات زمارين، ورمات هاكوفيش، وكلمانيا، وكفار هاحورش، وأم الكتب، وبن يهودا.

شهدت الثورة منذ شهر تموز عام 1936استعار لهيبها وأوارها الذي عم جميع فلسطين، وكانت الفصائل الثورية الجهادية تنتشر في الجبال، والأودية، والقرى، بينما كانت مجموعات الفدائيين تنشط في المدن، وتقلق راحة المستعمروهي تعمل بروح جهادية مؤمنة بالنصر أو الاستشهاد، وقد تعاضدت، والتحمت قوى الشعب العربي الفلسطيني، بحيث ظهر تعاون الفلاح، والمدني، والعامل، والتاجر، والرجل والمرأة، ومن صور التعاون أن قرية عزون أرسلت أربعة وثلاثين كيس حنطة لدعم الأسر المنكوبة في نابلس والتخفيف من ضائقتهم، كما ورد في أحد أعداد جريدة الدفاع.

كان لواء نابلس مسرحاً لمعارك حربية واسعة النطاق حقق الثوار فيها أروع الانتصارات على القوات البريطانية، وكانت مواقف هذه المنطقة دروساً ثمينة في الوطنية، وبقيت حاضرة في تاريخها المعاصر(101).

استمرت معارك الثوار في منطقة جبل نابلس التي كان يتبعها عمليات تطويق وتفتيش، ومع تسجيل الثوار لانتصاراتهم الباهرة في هذه المنطقة قام الإنجليز بزيادة قواتهم من جيش، وبوليس، وجلبوا من مصر عدداً كبيراً من القوات، وأصبحت خمسة وعشرين ألفاً، وجاؤوا بأسلحة ثقيلة كالدبابات، والطائرات، والمدافع، ولكنهم قابلوا ثواراً مصممين على الاستشهاد مما دفعهم الى ممارسة البطش والتعسف في القرى(102).

لم يكتف الإنجليز باستخدام القوة تجاه الشعب، ولكنهم استخدموا أسلوبهم المعتاد ” فرق تسد” الذي اشتهروا به، فقد ألقوا المناشير بوساطة طائراتهم في المدن والقرى، وراحت تخاطبهم بمنطق المصالح، وتناقضها بين القروي، والمدني، والغني، والفقير، وقد جاء في بعضها قولهم:من الذي يخسر من الأعمال الخارجة على القانون القائمة الآن؟(103).

ـ قدوم المجاهدين العرب إلى جبل نابلس:

كان من نتائج الثورة الشعبية الفلسطينية أنها اكتسبت زخماً وتأييداً في البلاد العربية، بحيث تحركت فيهم روح القومية العربية، ومشاعر الأخوة الإسلامية.

بدأت الترتيبات والجهود لإرسال قوة من المتطوعين العرب بجهود قام بها عادل العظمة الذي استقدم الثائر اللبناني فوزي القاوقجي على رأس قوة من المتطوعين العرب *، بعد استقالته من الجيش العراقي.

اختار الثوار العرب القادمون لنصرة أخوانهم في فلسطين قرية ياصيد في منتصف جبال نابلس، وكان على رأسهم: القائد العام فوزي القاوقجي *، ومعهم نحو مئة وخمسون مجاهداً، وبمجرد وصولهم أوجدوا مكتباً عاماً، وفرعاً للاستخبارات وآخر للتموين، وتفاهموا مع قادة الثورة المحليين، وهم السادة: فخري عبدالهادي، وإبراهيم النصار، وعبدالرحيم الحاج محمد، وعبدالحميد المرداوي، واتصل بهم السيد راغب بدران من نابلسالذي كان قائد رشاش في الثورة العربية الكبرى، وسَيَرهم القاوقجي في خرائط، وتدبير محكم، وأصدر البلاغات، ونظم المجاهدين في مدة أسبوع؛ لأن الجميع كانوا مهيئين، واجتمعت معه عدة وفود، أمثال: سليمان طوقان رئيس البلدية في نابلس، وقدموا لهم كل ما يحتاجونه، وبهذا العمل شهدت القضية الفلسطينية تحريكاً للموقف الشعبي والرسمي العربي لتستعر المظاهرات في العديد من المدن العربية(104).

وكان أيضاً على رأس الأبطال الوافدين إلى فلسطين الثائر سعيد العاص من أبطال الثورة السورية عام 1925 الذي رافق القائد عبدالقادر الحسيني، وخاضا معاً معارك مشهورة في جبل الخليل، وسقط سعيد العاص شهيداً في 6 تشرين أول 1936 في حين جرح رفيقه عبدالقادر(105).

قسَم القاوقجي ميدان الثورة الرئيس إلى ثلاث مناطق:

المنطقة الأولي: تمتد شمال طريق طولكرم ـ دير شرف، وغربي دير شرف ـ جنين وجنوبي وادي عارة، وعين فخري عبد الهادي قائداً لهذه المنطقة.

والمنطقة الثانية: جنوبي طريق (دير شرف- طولكرم)، وغربي طريق دير شرف – نابلس حتى السهول الغربية، وعيَّن عليها قائداً”عبد الرحيم الحاج محمد” يساعده عارف عبد الرازق(طيبة بني صعب).

جاء اختيار القاوقجي لمنطقة جبال نابلس بما عرف عنها من أعمال ثورية ملتهبة، وتعاون الناس مع الثوار، ومناسبة المنطقة لحرب العصابات.

المنطقة الثالثة: تمتد شرقي طريق جنين ـ نابلس، وكانت بقيادة الشهيد سليمان السعدي الصانوري (106).

وقد أصدر القاوقجي بلاغات وبيانات عن قراراته ومعاركه، وأولى هذه القرارات تشكيل لجنة خاصة بجمع التبرعات داعياً الجميع للتعاون معها*، وقبض الإعانات فقط ممن تفوضهم خطياً.

ومنذ أن احتل فوزي القاوقجي موقعه في القيادة العامة للثورة في سوريا الجنوبية. أخذت المعارك بين الثوار، وجند الحكومة شكلاً حربياً منظماً، فصارت هناك خطط للهجوم، والاستدراج، والانسحاب، وحصل الثوار على (ميترليوزات) مدافع رشاشة، وبنادق، وقاذفات القنابل لإسقاط الطائراتالتي كانت تدب الرعب في القلوب(107).

وقد أصدر القاوقجي بيانا يعبر فيه عن عميق سروره بتكليفه قيادة الثورة في سوريا الجنوبية (فلسطين)، وهو يدعو إخوانه إلى حمل السلاح تحقيقاً للأماني القومية العربية وإنقاذ فلسطين العزيزة من براثن الصهيونية(108).

كانت هذه المرة الأولى التي تخطت فيها الثورة الفلسطينية واقعها القطري ليشارك فيها عرباً وبذلك تعززت روح القومية، والوحدة العربية، ومشاعرها النبيلة في النفوس.

قابل الفلسطينيون قدوم إخوانهم المجاهدين العرب بروح نبيلة مقدرين غاية التقدير مجيئهم لنصرة إخوانهم في فلسطين، وكعادتها راحت القرى، والمدن الفلسطينية تقدم لهم الطعام والهدايا بما يعبرعن حسن القرى والضيافة.

وهذا ما قامت به قرية بلعا التي نزل إليها الثوار:

كتب المعلم أبو دبسة رحمه الله:” تشكلت لجنة قومية فرعية من وجوه القرية، وأخذت تنظم القرية وتهيئها لاستضافة ما يفد عليها من الثوار. فخصصت كل حمولة بيتاً، ووضعت فيه فراشاً جمع من أفراد الحمولة، ومعدات لعمل القهوة والشاي، وكميات من الدخان والتمباك. أما خيول المجاهدين فوضع لها الشعير عند الشيخ ياسين الجودي. ثم حفروا في الطريق الرئيس المؤدي للقرية قرب الحرش خندقاً واسعاً لقطع الطريق. وفي عصر يوم من أيام صيف 1936 تنادى الناس إلى استقبال الثوار القادمين من الشرق بقيادة القائدين فوزي القاوقجي، وفخري عبدالهادي إلى قرية بلعا، وتابع القائدان، ومعاونيهم السير إلى المنطار على صهوات جيادهم ؛ لرسم خطة معركة المنطار أما باقي الثوار، وكانوا في معظمهم من العراقيين، والدروز، والسوريين، والفلسطينيين فتوزعوا على أهل القرية، فاستقبلوهم على سطوح المنازل؛ لقلة البيوت آنذاك وكثرة الوافدين، وكانوا حَضَّروا لهم العشاء؛ لعلمهم المسبق بقدومهم. وكان من بينهم محمد الأشمر وهو مجاهد سوري، وداعية إسلامي، وقد رأيته في عريشة الحاج مصطفى اليوسف يشع النور من وجهه”(109).

……..

*جون ايفتس قائد لواء المشاة السادس عشر في فلسطين. كان معه أمين سره حميد سليمان العراقي، والشيخ محمد الأشمر الميداني الدمشقي وحمد صعب من الشويفات لبنان، وجميل شاكر العراقي، وقاسم الكردي العراقي ولحق بهم السيد منير الريس الصحفي الدمشقي، والسيد بهاء الدين الطباع الخبير بالإسعاف.

وعن حسن استقبال أبناء قرية كفرعبوش للقائد فوزي وجيشه. حدثنا:حسين يوسف الصيفي “أبو طلال”: “حضر القائد فوزي القاوقجي لقريتنا كفر عبوش، وعملنا له غداء في الديوان، وقعد في روس المساقيف، ومعه ثوار كثيرين، ونحن ننقل الأكل، وكانت معهم رشاشات، وصارت المعركة عند كفرصور، وخرجت الدبابات الانجليزية من الطيبة، حتى قرية الراس، وظلوا يضربوا في الدبابات، وطلع واحد من جيش القاوقجي، الذي كان درزيا، وركب ظهر الدبابة، وخربها، وخسروها الانجليز”(110).

حدثنا المرحوم -باذن الله- عبدالفتاح علي بشناق عام 2008 من كفرعبوش: “جاء القاوقجي لكفرعبوش، ومعه حوالي 500 ثائر، واستقبلته البلد بالزغاريد وأخرجنا الأطعمة للثوار، وقد هاجموا يومها دبابة إنجليزية في معركة كفرصور”(111).

وقد سجل القاوقجي أيضاً في مذكراته فخوراً بدور القرى والأشخاص الذين برزوا في معمعة الثورة، وقد أشاد بالقادة:عبدالرحيم الحاج محمد، وعارف عبدالرازق، وفخري عبدالهادي، وقد وصف عارف عبدالرازق بأنه مثالاً لروح الجندية النظامية بين مجاهدي فلسطين كافة(112).

ولا تقتصر أعمال الثورة على منطقة القاوقجي، فقد جرت اتصالات مع الثوار في مناطق: صفد، والقدس، والخليل، وعكا، وحيفا، ومنطقة المزار بين بيسان، وجنين؛ بهدف المشاغلة (113).

معارك شديدة وحامية الوطيس تحت قيادة القاوقجي:

خاض الثوار العرب والفلسطينيون بقيادة القاوقجي عدة معارك في جبل نابلس التي ذكرها فوزي في بلاغاته العسكرية، وقد تناولتها معظم مصادر التاريخ، ولكنها اختلفت في تحديد عدد الخسائر من كلا الطرفين العرب والإنجليز، وفي ظل غياب طرف ثالث وسيط، ونزيه فإن الأرقام يظهر عليها أحياناً المبالغة سواء أكان ذلك في الزيادة، أم في النقصان، ومن كلا الطرفين العرب والإنجليز، ولكن هذا لا ينفي القول إن معارك القاوقجي كانت نوعية، وشاملة لخبرات وتكتيكات حربية جديدة.

تنظيم معركة بلعا (المنطار) الثانية بقيادة فوزي القاوقجي في 3/9/1936:

بدأت المعركة بعد أيام قليلة من وصول القاوقجي ورجاله وذلك بوضع حواجز حجرية على الطريق العام، ومرابطتهم على جانب الشارع، وشارك في التخطيط والتنفيذ عدد من الثوار العرب، وعلى رأسهم جاسم علي ـقائد الفرقة العراقية، وحمد صعب قائد الفرقة الدرزية، وفخري عبدالهادي، وعبدالرحيم الحاج محمد، ويوسف أبو درة، وحمد الزواتي، وإبراهيم نصار، وعارف عبدالرازق، وتوفيق علاري، وثوار عرعرة، ومحمد الصالح (أبو خالد)، والشيخ فرحان السعدي، واتفقوا على تنظيم المعركة في “لية” بلعا (114).

وقد بدأها الثوار بزرع الألغام في الطريق العام وفي مسافة طويلة بانتظار انفجار أول سيارة قادمة من القافلة الإنجليزية المكونة من عشرين سيارة حربية مملوءة بالجند، وما كادت تصل إلى شرق سجن نور شمس حتى تفجرت تحتها الألغام، وبتفجيرها تحطمت أربع سيارات قتل معظم ركابها، ثم انهال الثوار المرابطون من سفح جبل المنطار، وحضرت أيضاً سيارات ركاب يهودية فحَول الثوار رصاصهم إليها فأجهزوا على من بداخلها، وتواصلت النجدات الإنجليزية المكونة من 5000 جندي بريطاني بأسلحتهم المتنوعة والكاملة ترافقهم 15 طائرة حربية، وقد شارك نحو 1000 من المجاهدين العرب والفلسطينيين، وفيهم الشيخ القائد محمد الأشمر، وأصبحت المنطقة مسرحاً لمعركة حربية استمرت 12 ساعة انهزم الإنجليز على أثرها، وقد أسقطت لهم طائرتان حربيتان، وقتل ضابط الطيران “هنتر”، والضابط “لنكولن”، وامباشي طيران “ويلكس”، وبلغ عدد القتلى الإنجليز مئة قتيل. أما شهداء العرب فكانوا 15 شهيداً منهم البطل الدرزي “محمود أبو يحيى”، ومجاهدان دمشقيان هما: حسن اعرار، ومنصور الحوراني، وثلاثة من أبطال شرق الأردن، وعراقيان، وستة فلسطينيين(115).

ومما جاء في مذكرات القاوقجي أنه تم دراسة الأراضي دراسة وافية، ودراسة نفسية الفلسطينيين، وعلى هذا الأساس انتخبت منطقة بلعا ميداناً للمعركة، ويبدأ نظام المعركة بخط أساسي للدفاع يشغل قلبه المفرزة العراقية النظامية بقيادة جاسم علي، وعلى جناحه الأيمن المفرزة الدرزية بقيادة حمد صعب يساعده محمود أبو يحي، وعلى يمينها المفرزة الحمصية الحموية بقيادة منير الريس، وعلى الجناح الأيسر المفرزة الشامية بقيادة محمد الأشمرالتي تسيطر نيرانها على الأماكن الناتئة من السفوح وعلى الأودية، وأنيطت مهمة المفرزتين الفلسطينيتين القويتين وهما:الأولى إلى القائد عبدالرحيم، والثانية بقيادة العريف يونس، ومهمتها أن تكمن لرتل السيارات الإنجليزية على الطريق العام، وإطلاق النار على الإنجليز ثم استدراجهم وانسحابها، واتفق على انقسامها واحدة شطر الجنوب، وثانية يستدرجها العريف يونس نحو مواضع الثوار العرب، كما خصصت مفرزة فلسطينية لحماية الجناح الأيسر للثوار العرب، وتجمعوا في قرية بلعا في الأول من أيلول دون أن يدري أحد هذه الغاية، واستقبلوا بحفاوة بالغة، ولم يصبح صباح اليوم الثالث من أيلول إلا وجميع المفارز احتلت مواقعها.

ثار نقيع المعركة في الساعة الثامنة والأربعين دقيقة صباحاً بعد أن تقدم الرتل الإنجليزي وأطلق الكمين النار على القافلة، وانفجرت الرشاشات والمدافع صوب الكمين، وانشطر الجنود الإنكليز قسمين، وأطلقت مفارز الثوار نيرانها الحامية على الجند الإنجليزي الذين لم يتوقعوا مثل هذه الإصابات الكبيرة، وأرسل عامل اللاسلكي يطلب الاستغاثة، فحضرت تسع طائرات، و أرتال من السيارات يحملن الجنود، فترجلوا منها إلا انهم فشلوا في التقدم، والالتفاف، ونجحت زمر الثوار بإسقاط أول طائرة، واحترقت على طريق طولكرم، وعلا هتاف الثوار، ثم أسقطت الثانية، وقتل قائدها، وأخذوا دفتر مذكراته وشوهدت الثالثة، وهي تجر أذيال دخانها، وعند الساعة الثانية اشتدت المعركة، وتكثفت نيران المدافع والرشاشات، وانسحب الثوار تدريجياً إلى الوراء، وبقي العدو تحت سيطرتهم، ولم تترك المفارز أماكنها حتى الغياب، وكانت حصيلة الخسائر تسعة من الشهداء، وستة من الجرحى، وكانت خسائر العدو ثلاث طائرات ومئة وخمسين قتيلا(116).

وهكذا استمرت المعركة على جبهة طويلة قاتل الثوار فيها قتالاً عنيفاً قبل أن تتمكن القوات البريطانية من دخول قرية بلعا، واحتلالها الساعة الثالثة والنصف مساءً، وتدمير بعض منازلها بعد نفاذ عتاد الثوار وانسحابهم. وقد علق الفايس مارشال بيرز القائد العام للقوات البريطانية في فلسطين وشرق الأردن على هذه المعركة بقوله: “لقد بات من الملاحظ أن تكتيك رجال العصابات، وتنظيمهم قد تطور كثيراً، كما أن قيادتهم أصبحت على درجة عالية من الفعالية”(117).

نتائج المعركة:اعترف البريطانيون بمقتل ضابطين أحدهما طيار وإصابة ثلاثة جنود بجروح خطيرة، ومقتل عريف وجرح اثنين آخرين، كما اعترفوا بتدمير طائرة، وإصابة ثلاث أخرى بنيران البنادق، وأن 14 من الثوار قتلوا. أما الثوار فقد أعلنوا عن مقتل 80 جندياً بريطانياً بينهم عدة ضباط، عدا الجرحى، وإصابة ثلاث طائرات وتعطيل أخرى، كما أعلنوا عن استيلائهم على رشاش طائرة من طراز”برن”، وأقر المندوب السامي البريطاني السير آرثر واكهوب في بيانه الرسمي بتلك الخسائر إلا انه لم يعلن إلا عن تدمير طائرة واحدة.

وأمامنا شاهد العصر على هذه المعركة المعلم أبو دبسة من قرية بلعا، ومما كتبه”. وفي صباح اليوم التالي استيقظ الناس على لعلعة الرصاص، وصوت الرشاشات، ومدافع الهاون، وأزيز الطائرات، وحمي وطيس المعركة، واشتد أوارها، واستمرت، حتى أرخى الليل سدوله، وانسحب الثوار شمالاً بين غابات الزيتون، والمشمش، وعسكروا في غابة تدعى الظهور إلى الشمال من خربة “وطاة جمعة”، وأسفرت المعركة عن استشهاد عبدالله أبو نزهة، ومحمد عمير من بلعا، وثلاثة من الثوار من سوريا والعراق:واحد في خلة حمد، وآخر في كرم أبي حمص، وثالث في أرض الصنوبر دفنوا مؤقتاً في مواقع استشهادهم ثم نقلوا بعدها إلى مقبرة الشهداء في أرض المصفة. كما أسفرت عن إسقاط طائرة فاستعملها الأهالي في سقوف منازلهم.، ومما حدث أثناء المعركة أن حاصرت طائرة ثلاثة من الثوار، وهم أحمد محمد سليمان عمر من المسقوفة، ومحمد حسين قعدان من الجاروشية، والشيخ محمد عبدالرحمن جابر من اكتابا، فلجؤوا إلى مغارة بالقرب من المنطار في خلة السدرة، وظلت الطائرة تحاصرهم وتلقي الإشارات على موقعهم حتى حضر جنود الإنجليز وحاصروهم، وكلما أطل واحد من الجنود عليهم أطلقوا عليه النار. وأخيراً أطلقوا عليهم قنابل غاز فأغمي عليهم واستطاع الجنود بعد ذلك من الوصول إليهم واعتقالهم، وحكم عليهم فيما بعد بالسجن مدة طويلة. “(118).

تبع هذه المعارك إجراءات قام بها الجند البريطاني كعادتهم في ممارسة العنف ضد المدنيين كتب أبو دبسة:ـ”ففي صباح اليوم التالي حلقت طائرة، وألقت مناشير في سماء القرية جاء فيها “هذا إنذار لكم كي تلزموا بيوتكم. كل شخص يحاول الدخول إلى القرية أو الخروج عنها يعرض نفسه لإطلاق النار عليه، وبالفعل أطلقت النار على المرحومين عارف أبو يونس، والحاج إبراهيم الخضر فاستشهدا في الحال، وكانا قد خرجا مبكرين إلى حقولهما، ثم دخلت القرية قوات كبيرة من الإنجليز، وجمعت النساء والصبيان في المسجد والرجال على بيادر الأعوج، وقامت بتفتيش القرية بيتاً بيتاً:يكسرون الأبواب والخزائن، ويصبون الزيت على الفراش ويخلطون السكر بالملح، ويسرقون ما تقع أعينهم عليه.، وقد استجوبوا الرجال جميعاً واعتقلوا ثلاثة من أبناء القرية المعلمين؛ لأنهم كانوا يلبسون الطرابيش. قدموا للمحاكمة، وحكم على الأستاذ محمد أبي شقرة بالإقامة الجبرية في طولكرم مع إثبات الوجود يومياً في مركز الشرطة هناك، وحكم على الأستاذين أحمد عماوي، وعبداللطيف كمال بالنفي إلى صرفند مع طرد الثلاثة من وظائفهم. “(119).

اتخذت الحكومة البريطانية قرارات صارمة وعقوبات شديدة ضد الثوار؛بهدف القضاء عليهم، ومن أجل إعادة النظام بما فيها إعلان حالة الطوارئ، كما تم تعيين الجنرال جون ديل (J. Dill) بدلاً من الفايس مارشال بيرز قائداً عاماً للقوات البريطانية في فلسطين، وشرق الأردن يوم 15/9/1936؛ لينفذ تلك الإجراءات، وتبع قدومه تعزيزات كبيرة من الجنود لكن الثورة تنامت إلى درجة يصعب فيها السيطرة عليهاولقد صورت معركة بلعا من قبل صحيفة فلسطين الصادرة يوم 4 أيلول 1936 على أنها أكبر معركة حربية جرت في تاريخ الثورة.

وبهذا توحدت الإرادة العربية الحرة لتعلن للإنجليز، والعالم عروبة فلسطين، ووحدة النضال العربي، وأن العرب أمة واحدة يشتركون في الآلام، ولا تفرقهم الحدود، ولا السياسات والمبادئ الطائفية الهَدامة، وهي معركة تاريخية رائعة من مفاخر الجهاد العربي، ورمزاً عظيماً للاتحاد العربي المتين (120).

كانت هذه المعركة ناجحة بسبب استغلال عنصر المباغتة والبلبلة التي حدثت في صفوف الإنجليز؛ لعدم توقعهم بأن يكون الثوار بهذا المستوى من التنظيم، والتكتيك العسكري، وفي هذه المعركة استخدم الإنجليز الطائرات، وقرروا قصف القرى التي خرج منها الثوار ظناً منهم أن هذا يرعب الثوار، ولكن توقعاتهم اخفقت(121).

وفي اليوم التالي للمعركة بتاريخ 4/9/1936م صدر بلاغ عن تشكيل لجنه لجمع التبرعات من المواطنين بصورة رسمية ومنظمة على أعلى مستوى عن القيادة العامة للثورة العربية في سوريا الجنوبية (فلسطين).

لقد عبر الناس عن إعجابهم بمعارك الثورة التي قادها فوزي القاوقجي، ومما قيل فيها:

بين بلعا والمنطار ** صار أشي عمره ما صار

والدبابة أحرقناها ** والعسكر ذبحناها

وبين بلعا واللية ** والبارود يدوي دية(122)

معارك في جبع ونابلس:

تعد معركة جبع من المعارك الكبيرة التي دونت في بلاغات القاوقجي وفي مذكراته، ويذكر البلاغ أنه شارك فيها 4000 جندي بريطاني، و400 آلية مختلفة، وعدة طائرات، ففي بيان رقم 7/36 عن القيادة العامة للثورة في سوريا الجنوبية، فقد توجهت قوات القاوقجي* يوم 23/24/9/1936 إلى منطقة جبع ولسوء الحظ بَلَّغ جاسوس، وتبع هذه المعركة المشهورة معركة أخرى في مدينة نابلس، ففي 24/9/1936 طوق الثوار في جبع، وكانت قوات الجيش كبيرةتساندها 7 طائرات، وجرى اشتباك كبير، وكاد الثوار أن ينهزموا بعد نفاذ ذخيرتهم، ولكن الله حماهم بفضل نجدة إخوانهم العرب السريعة، فقاموا بتطويق الجند البريطاني، واستمر قتالهم حتى المساء، وقد خسر الثوار في المعركة 44 إصابة، بينما أسقط للعدو طائرة، وجرح الطيار استيوارت، وانفجر لغم في مصفحة مرت فوقه بعد عودتها إلى نابلس، ولم يمض سوى نصف ساعة حتى اسند الجيش بقوات فائقة العدد والعدة، وابتدأت المعركة الساعة الواحدة وأربعين ظهراً وبنظام الأرتال، وفرقتها عن بعضها بمسافة سبعة كلم، ورغم إحاطة العدو، وسرعته إلا أن الثوار واصلوا ضغطهم على أجنحة العدو حتى الساعة الثامنة مساءً، وقد كبدت العدو طائرة في أول عشر دقائق من القتال، وقد غنم الثوار عدة رشاشات، وخوذ فولاذية، واستبسلت المفرزة الفلسطينية في الجهة الغربية، وكانت حصيلة خسائر الثوار أربعة شهداء سوريين، وشهيدين عراقيين، وستة جرحى ولم تعرف خسائر العدو كاملةً، ولكن عدة سيارات صحية نقلت القتلى والجرحى قبل الغياب، وفي ملحق آخر لهذا البلاغ تبين أن خسائر العدو ما يقارب مائتي جندي بين قتيل وجريح، بينهم ضابط برتبة كبيرة، وإسقاط ثلاث طائرات(123).

وبعد انتهاء معركة جبع قسم الثوار أنفسهم سبعة فرق، وهاجموا عدة مراكز، وثكنات مختلفة في مدينة نابلس في وقت واحد، وعمت المدينة حالة حرب، وهلع، وخوف، ورد قائد القوات البريطانية باعتقال سليمان طوقان، ووضعه على سطح أحد البنايات العسكرية، وليسهر على صوت الرشاشات، وفي اليوم التالي استقال رئيس وأعضاء البلدية، وقذف سليمان بالوسام الإنجليزي الذي قدم له سابقاً(124).

معركة بيت إمرين 29 أيلول 1936:

استمر الإنجليز بجهودهمالمحمومة للقضاء على الثورة، فقاموا بحملات تطويقية لمواقع الثوار بهدف القبض عليهم، وتقديم دعاية إعلامية بانتصارهم، وهذه المعركة التي جرت في قرية بيت إمرين من قرى نابلس تناولتها عدة مصادر عربية وأجنبية، ويذكر محمد حجاز أن القائدفوزي عسكر بعصابة تعدادها مائتان، ونظر في دربيله(منظاره) إلى جميع الجهات، ومن أراضي القرية شاهد الإنجليز قادمين من جهات نابلس، وطولكرم، وجنين، وبشكل حلقة، أو قوس منجلي يريد حصد ما يعترض أمامه، وقد رسموا خطتهم لأسر، أو قتل الثوار.

ولكن هيهات فقد ثبت الثوار في مواقعهم يقاتلون عدوهم، ويشتبكون معه في معركة حامية وقد حضرت نجدات الفلاحين العرب من جميع الجهات، وتركوا الجند الإنجليز في وسط الطاحونة، ومع أن النجدات الإنجليزية حضرت لتقابلهم بقوة كبيرة لكنها عجزت في الوصول إليهم؛ لوجود ثوار عرب قاموا بسد طريقهم بصخور كبيرة، وتوقفت سياراتهم عاجزة عن التقدم، وقد كسب العرب أسلحة وبنادق، وخراطيش، وأسقطت طائرات، وخربت عربات، وفي هذه المعركة أجار أحد الثوار جندياًجريحاً، ولم يكمل قتله، وهو ما وقع أيضاً للمهندس اليهودي لفشر في وادي الشاغور عند مجد الكروم قرب عكا. وقد اعترف تقرير الجيش بخسارة طائرتين، ومقتل ضابط، وجنديين، وغنم الثوار بعضاً من الأسلحة والذخائر، واستمرت العمليات حتى دخول الليل، واستغرقت 8 ساعات، ويعتقد أن الإصابات التي لحقت برجال العصابة بلغت 22 إصابة(125).

ومع أن ثماني طائرات كانت توجه حممها للثوار إلا أن الحماسة بثت في قلوبهم من جديد، بعد أن شاهدوا عدداً كبيراً من نساء القرى العربيات اللواتي حملن المؤن، والماء للثوار، واخترقن صفوف الأعداء، ورحن يزغردن، ويحمسن، ويشجعن، وشوهد الأطفال يتقدمون الصفوف، مما أثار شغاف القلوب، واستمر القتال طيلة اليوم، وخلف الإنجليز وراءهم مئة وخمسين قتيلاً، وحطام طائرتين أسقطهما الثوار على أرض المعركة، وكان شهداء العرب تسعة شهداء، وستة جرحى، وقد أبلى الثوار العرب والفلسطينيون بلاء حسناً(126).

لقد تضاربت الأنباء حول خسائر الطرفين، وعدد القتلى ربما يعود لأسباب منها:إخفاء معلومات من قبل الحكومة البريطانية، ولأنها تضم مرتزقة من عدة دول، ولعدم وجود طرف محايد يقدر الخسائر.

محاولة إنجليزية فاشلة لتطويق الثوار العرب في كفرصور:

حاولت القوات البريطانية القيام بعمل أخير، وقبل أيام قليلة من وقف الإضراب قامت بحملة تطويقية كبيرة، واتجهت صوب وادي التين في جهات طولكرم، وما جاورها من قرى الطيبة، وكفرجمال، وكفرزيباد؛ بهدف القبض على الثوار، والقضاء على ثورتهم، والقول إنها قمعت بيد الإنجليز، لا بنداء ملوك العرب الذين دعوهم لوقف الأحداث، وكشف فوزي هذه الخطة، وهيأ لهم عدداً كبيراً من الثوار، ونشر المستر (دل) كتائبه على طول الجبال وعرضها، وزحفوا بكل ما لديهم من قوة الطيران، والمدافع، والبنادق؛ليتمكنوا من الثوار، ثمتقابل الفريقان، ولكن دون قتال، ولم يقع صدام عنيف اللهم مهاجمة الدبابات من قبل شبان عرب ودروز، وسقط فيها سليمان الصانوري، وملحم، وانقلبت هذه الحركة إلى معركة حربية، وكانت آخر سهم أطلقه الجند البريطاني من جعبتهم 8/10/1936(127).

استشهد الثائر القسامي سليمان الصانوري بعد هجومه بسلاحه على الدبابات، ولكن البندقية أمسكت على إخراج طلقتها، فرماها بحجر، ورد الجند بقتلهفخر شهيداً(128).

أما صبحي ياسين فيذكر أن الثوار بقيادة فارس العزوني هاجموا قافلة عسكرية قرب كفرصور، وتتكون من اثنتي عشرة سيارة، وعشر دبابات، واستطاع الثوار بفضل تركيز هجومهم إعطاب دبابتين، وقتل الجند فيهما، وغنموا دبابة ثالثة، واستولوا على الأسلحة التي كانت بداخلها، وحرقوها، وبلغ عدد قتلى الإنجليز خمسة وثلاثين قتيلاً، واستشهد ثلاثة ثوار(129).

ويظهر أن أرقام صبحي ياسين غير دقيقة ومبالغ فيها. ففي بلاغ رقم 13 بتاريخ 8/10/36 تحدث القائد فوزي عن مصادفة دورياته للعدو وقت الظهر التي صوبت نيران رشاشاتها على الدوريات العربية، وبعد اشتباك يقارب الساعتين تعطلت إحدى دبابات العدو، وبفعل الاشتباك والالتحام مع العدو قتل الثوار من الجند ستة، وتمكنوا من تعطيل، وبقي الاشتباك حتى التاسعة ليلاً، وفي تفصيلات البلاغ اللاحق رقم 14. ذكر فوزي أن القوة الإنجليزية بلغت عشرة آلاف، ومن الجدير ذكره ان هذه الارقام مبالغ فيها.

أبرز أماكن التخفي والاختباء والمراقبة التي اتخذها الثوار العرب:

استفاد القائد فوزي القاوقجي من خبراته العسكرية في عدة ثورات عربية، وفي خدمته في الجيش العراقي فاختار مواقع إستراتيجية في منطقة جنين، وطولكرم تسمح له بمراقبة العدو، ومنها:

تل ظهرة جمعة في أراضي قرية بلعا، وهي تله مرتفعة وتبعد 2 كم شمال (بلعا)، وتشرف على قرى الشعراوية (عتيل، ودير الغصون، وزيتا)، وأيضاً على السهل الساحلي، وتحيط بها مجموعة من الأودية يصعب اجتيازها والمرور فيها، وزرعت بأشجار الزيتون حيث كان أفراد العصابات (الثوار) يحتمون تحتها من أشعة الشمس، ومن نيران الجنود المشاة، ونيران طائراتهم النفاثة.

ترتفع بلعا 417 م عن سطح البحر، وتبعد 9كم شمال شرق طولكرم، نشأت فوق بقعة متموّجة من الأرض عند الأقدام الغربية لمرتفعات نابلس.

وقد جعل منها “جبل المنطار” الواقع على مسافة طويلة من الطريق الواصل بين طولكرم ونابلس مركزاً رئيساً للعمليات العسكرية، وساحة حرب ضد القوات البريطانية، وقد لعبت بلدة بلعا في هذه الفترة من تاريخ فلسطين دوراً كبيراً حين نجح الثوار انطلاقا من أراضيها في أن يلحقوا بالقوات البريطانية واليهودية خسائر فادحة في المعدات والأرواحخاصًة في معركة بلعا الثانية التي سبق الحديث عنها(130).

وتحتل قرية ياصيد موقعاً إستراتيجياً مهماً، وتقع على رأس جبل مرتفع، وتمتاز بطرقها الحادة ومداخلها الصعبة، وتشرف على سهول، وأودية، وقرى مجاورة، وقد نجح الجيش في الوصول إلى القرية لكن بعد صعوبات كثيرة، وجهود مضاعفة، وبالقرب منها يقع جبل حريش، وهو جبل مرتفع، ولا توجد طرق سهلة للوصول إلى قمته، وتحيط به قرى جبع، وصانور، وميثلون، وسيريس، والجديدة، وكلها في قضاء جنين.

واختيرت أيضاً قرية كفر صور الواقعة في قضاء طولكرم، وعرفت بصعوبة الطرق الواصلة إليها، بسبب موقعها المرتفع المشرف على الأودية والقرى المجاورة(131).

و رابط الثوار في “خربة أبو خميش” قرب قرية كفراللبد، وفي سفارين، وتجولوا في جبال نابلس قرب قراوة بني حسان، ودير استيا.

وإذا كانت جبال نابلس، ومناطقها قد وفرت للثوار ملاذاً آمناً وأماكن مهمة للتخفي والمراقبة والاختباء فان أهالي القرى في منطقة طولكرم، وجنين، ومدينة نابلس كانوا حاضنة الثورة، كما السمكة في بحرها حيث برزت روح الشهامة والكرم الحاتمي، واستضافوا الثوار، وقدموا لهم التموين، وقد سجل القاوقجي افتخاره بعدة قرىكما أسلفنا ذكره(132).

تلقى شعبنا الفلسطيني أخبار هذه المعارك الظافرة بارتياح كبير عززت الروح المعنوية لديه في حين قررت الحكومة البريطانية اتخاذ إجراءات صارمة مع رجال العصابات من أجل إعادة النظام، ومنها إعلان حالة الطوارئ، وتعيين الجنرال دل بدلاً من بيرز قائداً عاماً للقوات البريطانية في فلسطين وشرق الأردن، وأرسلت تعزيزات جديدة (133).

وقد ردت السلطات البريطانية بالرد القاسي على قادة الثورة بهدم بيوتهم، فقد هدمت بيت الثائر عبد الرحيم الحاج محمد بتاريخ 27/9/1936، ولكن الأهالي قاموا ببناء المنازل من جديد، وقد أغاضت المستعمر البريطاني حالة الالتفاف الجماهيري حول القائد عبدالرحيم، فقامت بنسف بيته مرة ثانية سنة 1938، كما كانت قريته عرضه للتفتيش، والتنكيل، والدهم المفاجئ، وفرض مستر (هيوفوت)؛أي اللورد كرادون مساعد حاكم اللواء الشمالي(السامرة)، وصاحب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 على قرية ذنابةغرامة كبيرة قيمتها مئة وخمسون جنيهاً فلسطينياً، ونسف بيته لإجبار الناس على تسليمه(134).

ولم تفت اعمال دل الاجرامية من عضد الجماهير العربية الثائرة، فرددت هذه الجماهير على لسان الشاعر نوح إبراهيم قصيدة ومنها:

يا حضرة القائد “دل”

لا تظن الأمة بتمل

لكن أنت سايرها

يمكن على يدك بتحل

***

إن كنت عاوز يا جنرال

بالقوة تغير هالحال

لازم تعتقد أكيد

طلبك صعب من المحال

***

ما دمت صاحب السلطة

حل هالمشكل وهالورطة

ومد يدك صافحنا

ما تخلي ولا أورطة

***

للدولة هذا أشرف

وأحسن مشروع وخطة

دبرها يا مستر دل

يمكن على يدك بتحل(135).

الدور العربي الرسمي والشعبي وعلاقته بدعم الثورة:

نالت الثورة الفلسطينية دعم الجماهير العربية في العراق، وسوريا، ومصر خاصة وباقي الأقطار العربية عامة، وكان شعب العراق في مقدمة الباذلين للمال والرجال، وقد اشتهر عدد من رجاله بنشاطهم، وإيمانهم القومي الوحدوي، وتمثل ذلك في عدد من جمعياته، وفي جيشه وضباطه، وكان بعضهم عضواً في حزب الاستقلال، وحركة القوميين العرب، وكانت سوريا أيضاً خير داعم للثورة الفلسطينية الكبرى، وقد شاركت بالمال والسلاح والرجال خاصة مدينة حماة، وقدمت نساء مصر بعض حليهن للثورة، وهذه بعض أشكال الدعم العراقي للثورة الفلسطينية

1ـ أسست جمعية الدفاع عن فلسطين في العراق.

2ـ أعطت الحكومة العراقية تصاريحها للراغبين بمغادرة العراق والعودة إليها دون الحصول على جوازات السفر، وكانوا يغادرون العراق بالسيارات عبر طريق الرطبة الواقعة تحت إشراف دوريات الشرطة العراقية ومراقبتها.

3ـ ترك عديد من الأشخاص الخدمة في الجيش العراقي، وانضموا لثورة فلسطين، وعند عودتهم للعراق التحقوا مجدداً بصفوف الجيش العراقي دون فرض أي عقوبات عليهم، ولم يطلب منهم أي تقارير عن أسباب تغيبهم عن الجيش.

وقد غضت حكومة شرق الأردن الطرف عنهم، وتركتهم يعبرون النهر إلى فلسطين؛ بسبب الاتفاق بين المجلس الإسلامي الأعلى، وهذه الحكومة على إعطاء القاوقجي مجالاً للمرورودون اعتراض(136).

لقد وصف هذا الدور العربي الذي لعبه العراق يومئذ باعتباره “بيضة العروبة” وحاضنتها، وهو مثل رائع للتضامن مع القضية الفلسطينية حيث أرسل رجاله للتطوع في فلسطين، وبفضل التبرعات والمساعدات التي انهالت من العراق جرى سداد نفقات الثورة(137).

إعلان انتهاء الإضراب ووقف الثورة المسلحة.

لقد دفعت المعارك والأعمال الثورية المختلفة، واستمرار الشعب في إضرابه وصموده الرائع في اضراب قل نظيره في تاريخ البشرية الىطلب الانجليز من الزعماء العرب التوسط لوقف الإضراب، علاوة على أن القائد القاوقجي أخذ يمثل مصدر استقطاب للثوار والجماهير الفلسطينية على حساب زعامة المفتي الأكبر أمين الحسيني، فبعضهم ينشد له، وآخرون يحملون صوره، وهو فوق ذلك أقام علاقات مع المعارضين، عندها أخذت الزعامة الفلسطينية بقيادة المفتي تنظر إليه بعين الارتياب والكراهية، ثم أخذت تبحث عن وسيلة، ومخرج لوقف الإضرابوالثورة، وترافق هذا مع رغبة الملاكين الكبار في قطف محصول البرتقال وتصديره، ثم مبادرة الزعماء والملوك والرؤساء العرب للتوسط ورفعها الإحراج عن بريطانيا، وهكذا تم وقف الإضراب نزولاً عند وساطتهم، وتبع ذلك وقف القتال، والاتفاق على خروج الثوار والمناضلين والمتطوعين العرب من فلسطين.

قرر فوزي ومن معه الانسحاب مقابل أن لا يتعرض لهم الإنجليز، ولكنهم نقضوا قولهم، وحاولوا تطويقهم في وادي الخشنة إلا أن أبناء البلاد تقاطروا وتخابروا فيما بينهم، وحصل توتر شديد، ودارت مراسلات بين اللجنة العليا، وسليمان طوقان، والجنرال (دل)، وانتقل فوزي إلى شرق الأردن قاطعاً العهد بالعودة إلى فلسطين إذا ما دعا داعي الجهاد(138).

لقد كان لفك الاضراب الاثر الإيجابي الكبير على الرؤساء العرب وعلى القيادة الفلسطينية وعلى راسها المفتي الأكبر “محمد أمين الحسيني”، وقد جاء في دعوة اللجنة العربية العليا وعلى لسان الملوك والرؤساء العرب أن يخلد أبناء البلاد للسكينة والراحة، وذلك حقناً للدماء، ونزولاً عند رغبة ملوكهممعتمدين على حسن نوايا صديقتهم بريطانيا، ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وقد جرى وقف المعارك في 12 تشرين أول 1936 في 26 رجب سنة 1350هـ بعد استمراره ستة شهور، وقد ضم الوسطاء الملك غازي بن فيصل ملك العراق، وعبدالعزيز آل سعود ملك السعودية، والأمير عبدالله أمير شرق الأردن، ويحي حـميد الدين ملك اليمن(139).

وقدعزا المؤرخ إحسان النمر أن من أسباب وقف الإضراب يعود إلى خشية القيادة الوطنية الفلسطينية على مصالحها، وكانت مشكلة القيادة الفلسطينية أنها لم تتفق مع الإنجليز على التفصيلات الدقيقة، ووصف اتفاقهما بـ”اتفاق عفار ودفان” وفيه قام الإنجليز بإطلاق سراح المعتقلين(140).

…….

*هي قرى: بلعا، وصيدا، وبيت إمرين وعصيرة الشمالية، وبرقة، وسيلة الحارثية، وسيلة الظهر، وقباطية، ونصف جبيل، وشوفة، وكفرصور، وكفرعبوش، والنزلة الشرقية، وقفين.

فشل نوايا الغدر الإنجليزي المبيت بالثوار العرب:

أبدى القاوقجي استعداده للخروج ومعه قواته من المتطوعين العرب واعداً بالرجوع إلى فلسطين إذا ما دعا داعي الجهاد، ولكن الإنجليز حشدوا له في منطقة جبل نابلس، وحول قباطية دلت على نيتهم الغدر بهذه القوات، والقبض على قائدها، ولكن استطلاعاته كشفت هذه التحركات والنوايا الخبيثة، عندها أصدر القاوقجي بلاغاً باسم القيادة العربية للثورة العربية في سوريا الجنوبية في فلسطين، كشف فيه عن نوايا الغدر الإنجليزي بعد أن اغتنم الإنجليز وجود الثوار العرب في قرية قباطية، فأرسلت قوة كبيرة ليلة 20/10/1936 بكامل قواها ومعداتها وأحاطت بالثوار، وأقامت نطاقا حولهم، ولكنهم نجوا من الطوق بتدبير محكم، وعاد الجنود الإنجليز، وكرروا غدرهم يوم 26 تشرين أول 1936 مرسلين دباباتهم لقطع الطريق من أريحا حتى بيسان، وجعلها كسد منيع فاصطدمت طليعة قواته بهم وأردت ضابطاً، وجرحت جنديين، وما إن انتشر الخبر حتى ثارت مشاعر الفلسطينين وهبت النجدات الشعبية بالآلاف من البلاد مما ساعد الثوار على الإفلات من الطوق الإنجليزي(141).

وبعد أن افتضح أمر بريطانيا واستشعارها لخطر التفاف الجماهير حول القائد فوزي، وحضور النجدات الشعبية، وخشية الإنجليز من تجدد الأحداث، والاضطرابات في البلادأخذوا يناورونواختاروا الانسحاب، بينما جرت الاحتفالات في غور الأردن وطوباس، وأقيمت مراسم الوداع للقائد الكبير(142).

لقد برهن الناس على استعدادهم لحماية القائد ورجاله، وقد هب الجميع رجالاً ونساء يحملون العصي والبنادق مصممين على حمايته ودون المس بهوأحسوا أن في طوق الجنود الإنجليز استفزازاً وغدراً، وقد قدرت صحيفتا الدفاع والجامعة الإسلامية عدد العرب بخمسة عشر ألفاً، وأمام حرج الموقف وخطورته قدمت اللجنة العربية احتجاجها، في حين أدرك الإنجليز خطورة الموقف، وكي لا تتجدد الثورة ومعاركها تركوا المجال للقائد فوزي ومن معه بالعبور في ساعة متأخرة من الليل، حيث عبروا نهر الأردن إلى الضفة الشرقية يوم 27/10/1936(143).

يمثل خروج قوة المتطوعين العرب من البلاد ووقف القتال خطأ سياسياً، والسبب أن الناس لم تفرق بين الإضراب كمفهوم سياسي كفاحي وخط الثورة، واستمرار القتال، والعمليات المسلحة، حيث لم تتحقق بعد شروط الانتصار، وكي تبقى جذوة الثورة الفلسطينيةمشتعلة، ويحسب لها حساب، وفي حال إخفاق اللجنة الملكية سيعود الناس للقتال(144).

ومع أن ثوار فلسطين أخلدوا للراحة إلا أن حكومة الانتداب استمرت في استفزاز الشعب العربي الفلسطيني بعدة صور، ومنها: قيامها بحملة تفتيش للمغارات، والكهوف، ونسفها، وتحديدها من خلال رسم خرائط طبوغرافية دقيقة، وقد أدرك الشعب أن وقف القتال لم يكن سوى “هدنة مؤقتة”؛لأن الإنجليز لا يمكن الثقة بوعودهم، وهم المجربون في عدة مناسبات، فبعد هدوء الثورة رحل غالبية القادة إلى دمشق برفقة القاوقجي، ومنهم: عارف عبدالرازق، عبدالرحيم محمد، خميس العقرباوي، عبدالله البيروتي، تركي عديلي وآخرين ريثما تنقشع الحالة بعد ترك الجهود للجنة الملكية.

ـ ايجابيات الثورة في المرحلة الأولى عام 1936:

حفلت الثورة في المرحلة الأولى بإيجابيات كثيرة منها:- مشاركة جميع فئات المجتمع من فلاحين ومثقفين وعرب، لقد كانت بحق أول ثورة شعبية شاملة، تميزت بجسامة التضحيات حيث استشهد سبعون شهيداً من مدينتي نابلس، وجنين وقراها، في حين قدر عدد شهداء فلسطين400 شهيد حتى وقف الإضراب(145).

ـ رفعت راية العصيان ضد الاستعمار البريطاني، واعتبرته الخطر الأساس الذي ينبغي على العرب مواجهته، بل وحولت هذه الإستراتيجية إلى واقع عملي بحملها السلاح، وخوضها المعارك ضد القوات البريطانية.

ـ لقد نقلت القضية الفلسطينية من قضية محلية إلى قضية عربية إسلامية مثيرة اهتمام العرب والمسلمين من المغرب حتى الهند، وكانت مشاركة الثوار العرب في عمليات الثورة تعبيراً ايجابياً عن هذا الاهتمام، وعن وحدة النضال.

ـ تميزت بسرية العمل، وبعدها عن الاستعراضات مما أوقع استخبارات الإنجليزفي حيرة من أمرهاولم تنجح شبكات العملاء والجواسيس العرب في دعم دور قوى الجيش ومساندته في معاركه الميدانية التي لجأت لممارسة أسلوب الحديد والنار للقضاء على الثورة، وقد لمس الباحث مثل هذه السرية حتى بعد انتهاء الثورة ومرور خمسين عاماً، فقد حرص بعضهم على عدم تقديم أي معلومات بسبب هذه السرية التي لا تفارقه والحرص عليها.

وبفضل هذه السرية فشلت الاستخبارات البريطانية في إلقاء القبض على الثوار واختراق عملياتهم العسكرية، وفشلت في النيل منهم إلى أن جاءت الثورة الثانية في منتصف 1937، وعندها تدفقت القرارات والإجراءات في البلاد وغدا السرمفضوحاً للجميع، وعندها وصلت المعلومات للاستخبارات بالمجان ومن غير طلب، وذلك بفضل عدة أعمال وإجراءات سنبينها لاحقاً.

-شهدت فترة الثورة الأولى تعاوناً وتكافلاً بين جميع فئات الشعب، وصبروا على أحكام الإنجليز القاسية، ومن تجليات وقوة التعاضد والتعاون الاجتماعي أنه لم تقع طيلة ستة شهور من الإضرابأي سرقات، ولمترفع دعوى واحدة أمام المحاكم؛ وهذا دليل على التفاف الشعب حول قرارات القيادة، لقد كان عبء فلسطين كبيراً مقارنة بالقارة الهندية التي خدم فيها ستون ألف جندي بريطاني مقابل ثلاثين ألفاً في فلسطين(146).

بعض الأعمال الثورية بعد وقف الاضراب والأحداث المسلحة:

بعد انتهاء الاضراب الكبير ارسلت بريطانيا لجنة ملكية للبحث في ايجاد حل للقضية الفلسطينية وذلك من خلال ساعها لشخصيات عربية ويهودية وانجليزية إلا أنهالم تتوقف إجراءات الحكومة الاستفزازية لأبناء فلسطين في فترة التهدئة سواء اكان ذلك بسماحها بهجرة 1800 يهودي سنوياً، أم بقيام الجنود بالتحرش بالرجال الجالسين على المقاهي في مدينة نابلس، علاوة علىقيامها بنسف الكهوف، والمغارات، واتخذت بعض الأماكن في مناطق معينة على قمم جبال نابلس مراكز وطوقتها بالأسلاك الشائكة، وتضع فيها ألغاما، وتحذر الناس الاقتراب منها (147).

رفضت اللجنة العربية العليا في البداية مقابلة اللجنة الملكية، ولكن الحكام العرب ضغطوا على هذه اللجنة فأرسلت وفداً مكوناً من السادة عوني عبدالهادي، وعزة دروزة، والشيخ كامل القصاب، ومعين الماضي، فعاد الوفد قانعاً بالاتصال، وقدمت اللجنة إلى البلاد في 12 كانون ثاني سنة 1937، واستمعت لشهادات عرب، ويهود وافتتح الجلسة أمين الحسيني، وناقشت أمير شرق الأردن، وفي تموز 1937 أصدرت تقريراً مفصلاً، وأوصت فيه بتقسيم فلسطين، وتبادل السكان بين المنطقتين العربية واليهودية(148).

لم يلتزم الإنجليز مع العرب بفرض الهدنة، كما أن العرب لم يلتزموا جميعاً بوقف الأحداث والعمليات، وقد واصلت حكومة الانتداب استفزاز العرب من خلال عدة ممارسات منها:فرض الأحكام والغرامات الباهظة عليهم، وقامتبتفتيش المغارات ونسفها، ورسم خرائط جديدة، بالمقابل واصل بعض الشباب العربي أعماله الثورية، ولم يحتملوا استفزازات الإنجليز مما شجع اليهود القيام بأعمال معادية، كما أن العرب كانوا متشككين من نجاح فرض الهدنة، ووقف القتال، وبقي بعضهم يواصل بحثه وشراءه للسلاح، ومن الأحداث البارزة التي جرت بعد وقف الإضراب والثورة المسلحةحادثة الثائر أسعد أبي قصقوص من قرية عقربا ـ نابلس، عندما توجهت دورية من الجيش إلى أراضي عقربا ـ نابلس، وقاموا بمسح المغارات والكهوف، وراحوا يفجرونها قبل أن تتجدد الثورة؛فاصطدم بهم الثائران أسعد قصقوص، ورشيد أبو شنارة، وجرت معركة بطولية بينهم وبين الجيش الإنجليزي، وقد استشهد فيها رشيد في بداية المواجهة، أما أسعد فقد نفذت ذخيرته؛ فقام بكسر بندقيته، وألقاها أمامهم، وفر باتجاه الوادي، واختبأ فيه، وتبعه الجنود ليقبضوا عليه، فأخرج من جيبه قنبلتان فألقاهما بين الجنود؛فأصاب عدداً منهم، ثم أطلقوا عليه النار فسقط شهيداً.

وقد ذكر الدكتور مصطفى بشناق رحمه الله-تعالى- أنه كان في طريقه من خربة يانون إلى نابلس حين شاهد القوات البريطانية وهي تنقل جثث اثنين من قتلاها في تلك المعركة، وذهب أهالي القرية إلى المنطقة، ونقلوا جثماني الشهيدين ودفنوهما في عقربا، وقد قال فيهم الشاعر أبو عيسى العقرباوي قصيدة طويلة نسجل هذا البيت:

أبو حكمت بنخى رشيد *** كل ما طابت فعله يـزيد (149).

نشطت في هذا الوقت الدعاية الصهيونية ضد العرب بأنهم لا يلتزمون بالُهدن، واتهمتهم بالشغب الداخلي والخارجي، ثم إن الإنجليز واصلوا تطبيق سياستهم المعادية للعرب كمنع عرباتهم المرور من شارع يافا ـ تل أبيب، أو الصيد في طبريا مقابل دفع ضريبة العشور مع أنها كانت وقفا خيريا زمن الأتراك، وحاول اليهود تصوير أنفسهم باللطف المزيف مقابل قسوة العرب متذرعين بأن العرب قاموا بمعركة طبرية في 19/2/1937 وإلقاء القنابل في عدة مواقع بتاريخ 17/3/1937، و 18/3/37 في مدينة يافا.

وفي ظل الهدنة جرت معركة في بيسان بين العرب واليهود، وكان سببها بعد قيام كلب أحد اليهودبعقر أحد الرعاة العرب مما ادى الى وقوع اشتباكات بينهماانتهت بجرح سبعة أشخاص من اليهود، وحدثت عدة معارك بقرارات فردية، ولا علاقة لزعماء البلاد فيها، فقد هجم عدد من الثوار على مستعمرة زفستا(عين الكتب ـ طبريا)، وسلبوا 400 رأس غنم من كفار هاحورش ـ الناصرة، وأطلقوا النار على مستعمرة الشجرة، واشتد الخرق على الراتق، فقد ألقى الصهاينة عدة قنابل، وفي عدة مواقع من فلسطين في مدن القدس، ويافا، وحيفا، ففي مدينة يافاألقيت قنبلة في شارع يافا ـ القدس قرب سينما رينون، فأصيب 17 شخصاً، وأطلقت قنبلة من العصابات الصهيونية على مقهى عربي في شارع مأمن الله بالقدس، فأصيب 3 من العرب، وكان رد القيادة العربية أن طالبت جماهيرها بالإخلاد للسكينة منبهين للدور الصهيوني في التشويش السياسي (150).

لم تكن بريطانيا جادة في حل القضية، فقد استغرقت تسعة أشهر في إجراء مباحثات، وإجراء مناقشاتوسماع شهادات من مختلف أطراف الصراع عرب ويهود وإنجليز، وامتدت من وقف الإضراب 13/10/1936 حتى صدور تقرير اللجنة في السابع من تموز 1937، وذلك في عمل قصد منه التسويف والممطالة، ورغم وجود هدنة إلا أن الإنجليز أعدموا عرباً بتهمة نشر الاضطرابات.

لقد أدرك مختار عزون مصطفى السرور استحالة صدق النوايا الإنجليزية، ولدى سؤاله عن رأيه في جهودها بعد زيارتها لقرية عزونرد عليهم قائلاً: “اللي بجرب المجرب عقله مخرب لقد جربنا بريطانيا، ونحن لا نثق بوعودها “(151).

واستمرت الحكومة في المراوغة حول موعد صدور تقرير اللجنة الملكية والاعتداءات اليهودية السافرة على العرب، فهم تارة يتحدثون عن هجرة يهودية مشروعة، وأخرى غير مشروعة، وقد واصلت تجنيد اليهود في البوليس الإضافي، وتغاضت عن تشكيل العصابات الصهيونية وميثاقها المعلن (بريت هاخيال)، واحتكار العمل لليهود في طريق يافاـ حيفا الشطية، وتسويفهم بمواعيد تقرير اللجنة وتأجيلها من 31/5/37 إلى شهر تموز(152).

وبدورهم قام العرب من طرفهم بتصعيد الأحداث حيث قاموا بالهجوم على المستعمرات ومصالح الحكومة، وقاموا بعمليات نسف سكك حديدية، وقطع خطوط البرق والهاتف، واغتيال ضباطالبوليس من العربالذين لعبوا أدواراً مخزية، وارتكبوا جرائم وعمليات اغتيال لصالح اليهود والإنجليز، وقد بلغ مجموع عمليات الثوار في فلسطين سنة 1937(511) عملية سقط فيها 276 قتيلاً عدا عن خسائر الثوار(153).

خيبة آمال العرب من نتائج تقرير لجنة بيل الملكية:

بعد فترة تسويف ومماطلة جاء الإنجليز باقتراح تقسيم فلسطين الذي عبَر عنه المعلم عبدالله حجاز بقوله: “وهو شبكة صيد رميت في بحرنا، فإن بلعنا الطعم البسيط صدنا”وبدورهم قاموا بعرض قضيتهم بخلفياتها، وأبعادها، وأسباب انفجار الثورة والمظالم الواقعة على شعب فلسطين، وبادر أعضاء اللجنة العربية العليا وغيرهم من زعماء البلاد بعرض إجاباتهم وتقاريرهممقابل عرض شخصيات يهودية لخلفيات الصراع العربي ـ الصهيوني، وقد مكثت اللجنة في التحقيق مدة 74 يوماً بدأت يوم11/11/36 وانتهت يوم 23/1/1937، ومن المعروف أن الشعب العربي الفلسطيني جرب عدة لجان وفشلت جميعها في تطبيق مقترحاتها (154).

بلغت صفحات التقرير قرابة 400 صفحة باللغة الإنجليزية، ولم يتوقع العرب خيراً منها، وكان وقف الإضراب والثورة لا بد منه؛لأن الشعب العربي الفلسطيني لا يمكنه أن يستغرق فترة أطول من الفترة التي قضاها، كما أن حاجة أصحاب البيارات لقطف الحمضيات جعلتهم يضغطون باتجاه وقف الإضراب.

خرجت اللجنة بقرار تقسيم البلاد إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: المنطقة العربية، وتضم:غزة وبئر السبع، وصحراء النقب، والخليل، ونابلس، والقسم الشرقي من طولكرم، وجنين، وبيسان، ومدينة يافا، ويتبع إمارة شرق الأردن، ويرتبط بمعاهدة مع بريطانيا على غرار العراق، وسوريا.

القسم الثاني: المنطقة اليهودية، وتشمل جميع الساحل من حدود لبنان إلى مجدل عسقلان، وسهل سارونة، ومرج ابن عامر، وبيسان، ومنطقتي الجليل الشرقية والغربية، وتقوم فيه دولة يهودية ذات سيادة مرتبطة بمعاهدة مع بريطانيا.

المنطقة الثالثة: منطقة انتداب إنجليزية، وتشمل مناطق: القدس، وبيت لحم، والناصرة، ومعها ممر من القدس إلى يافا، ويشمل قرى هذه الطريق، ومدينتي اللد والرملة، وقد أوصت اللجنة بتبادل السكان بين مناطق العرب واليهود، وقد لاحظت اللجنة أن دولة المنطقة العربية ستكون ضعيفةفأوجبت مساعدتها من اليهود والانجليز(155).

وقد شعر العرب بالغبن والظلم فرفضوا قرار التقسيم، وجاء من كلا الحزبين الرئيسين المجلسي والمعارض اللذين طالبا بالسيادة الكاملة على البلاد، وأذاع علماء الدين في العالم الإسلامي من السنة والشيعة نداءات بوجوب مؤازرة إخوانهم الفلسطينيين حفاظاً على عروبة فلسطين وإسلاميتها، وأرسل المصريون برقيات من الشخصيات الرسمية والشعبية، وقد شملت الاستنكارات علماء الأزهر، وكذلك إمام اليمن، وجميل مردم رئيس الوزارة السورية، وأضربت عمان، ووردت برقيات من المغرب العربي، وقد أظهرت ” وحدة الشعور والتجاوب بين أقطار العرب المختلفة، واتساع الوعي القومي فيها ” (156).

لم يقتصر رفض القرار على العرب بل إن اليهود رفضوه رغم أن عددهم لم يزد عن 30% من مجموع السكان ونسبة أراضيهم الزراعية تبلغ قرابة 16%، وقد احتجت الوكالة اليهودية داخل البلاد وخارجها؛ بذريعة أن رقعة دولتهم لا تساعد على النمو والهجرة، وقد زعمت الأحزاب الصهيونية المتطرفة أن وايزمن تآمر مع الإنجليز فتظاهر اليهود ضد التقسيم؛ لأن القدس، والنقب خارج المنطقة المقررة لهم، وقد اتهمت بعض صحفهم كل من حاييم وايزمن، والوكالة اليهودية بالتآمر عليهم(157).

عقد شباب نابلس في 12/7/1937 اجتماعاً أكدوا فيه رفضهم ومقاومتهم لمشروع التقسيم واعتبروا أن الثورة هي السبيل الوحيد لمقاومة الخطة الاستعمارية البريطانية الصهيونية المجرمة(158).

مؤتمر بلودان يرفض التقسيم:

جاءعقد العرب لمؤتمر بلودان في سوريا تعبيراً عن رفضهم المطلق لقرارات لجنة بيل لتقسيم البلاد، وقد جرى عقده في شهر أيلول 1937 بحضور ممثلين عن العراق، ومصر، وأقطار بلاد الشام، وكان صوت العراق حاضراً، قوياً، معبراً في هذا المؤتمر عن أن القوة هي السبيل الحقيقي لنيل الحق العربي في فلسطين وشبَه ممثل العراق يومئذً الكيان الصهيوني بـ”الُخراج” وأكد نبيه العظمة الاستقلالي السوري باسم الله والعرب على رفض هذه القرارات، وتحدث فؤاد مفرج من لبنان في كلمته مبيناً غاية المؤتمر؛ ليبحث في قضية فلسطين، ويتخذ الأساليب الفعالة التي تساعد ذلك الجزء العزيز من بلاد العرب من الظفر والانتصار عبر مبدأ العربالقوميين الذين يؤمنون بأهمية الوحدة العربية ونضال جميع البلاد العربية في الوقوف صفاً واحداً أمام عدوهم المشترك(159).

ولم تقتصر المعارضة لقرار التقسيم على مندوبي الأقطار العربية المشاركة في المؤتمر بل إن الشباب العربي قابل هو الآخر قرارات التقسيم بالرفض، حيث اجتمعوا في مؤتمر بلودان بالقرب من دمشق، وحضر ممثلو الشباب من عدة أقطار عربية شامية، ومصرية، وعراقية، وأقطار إسلامية وقاموا بإلقاء الخطب المعبرة عن هذا الرفض.

ضم مؤتمر شباب الحركة القومية العربية أشخاصاً فعالين من حزب الاستقلال العربي في فلسطين، ومعهم عصبة العمل القومي، والكتلة الوطنية في سوريا، وغيرهم من البلاد العربية الذين أكدوا قرارات وفود دولهم الرسمية، وقد عبرت جريدة النهار اللبنانية عن غبطتها وقد جاء على صدر صفحاتها “إن العرب يستعيدون وعيهم القومي ويعملون، فليعتبر المتمسكون بالفنيقية، والفرعونية، والشعوبية. وإن هذه الروح القومية التي رفرفت في جو المؤتمر، وهزت نفوس المؤتمرين دلت أوضح دلالة على أن الفكرة العربية التي كانت خيالاً يضحك منها بعض المتشائمين والشعوبيين أصبحت حقيقة ملموسة “(160).

اغتيال لويس أندروز في 26/9/1937 ايذان باشتعال الثورة الثانية:

جاء اغتيال حاكم اللواء الشمالي لويس أندروز في 15 نيسان عام 1937 ليشعل نار الثورة من جديد رغم أن أعمال تصفية، واغتيال لعدد من رجال البوليس البريطاني سبقت اغتياله، وقد تولى مهمة اغتياله الشيخ القسامي محمد أبو جعب: قائد فصيل قباطية الذي نسق أعماله مع القائد القسامي محمد الصالح في سيلة الظهر بطلب من عبدالرحيم الحاج محمد وقد وضعت أعماله الثورية قرية قباطية، ومدينة جنين في صدارة الأعمال الثورية(161).

وقد عبرت جماهير الشعب الفلسطيني عن ترحيبها بهذه الاغتيالات التي أصابت رجال المباحث في الحكومة منهم:أحمد النايف الذي عمل مع الإنجليز، وهو ضابط بوليس ومساعد لحليم بسطة. أغتيل في 7/8/1936 من قبل مجموعة من الثوار، وقد رفض أبناء حيفا الصلاة عليه، ورفضوا دفنه في المقبرة(162).

حدثنا الشيخ عبدالفتاح المزرعاوي: “قام رفاق القسام بتشكيل جمعية الكف الأسود، وهدفها تصفية العملاء والجواسيس، تشكلت من عدة مجموعات كل أربعة يعرفون بعضهم بعضاً، ولا يعرفهم الباقون، وكان معي حسن الزواوي، والشيخ ذيب رشيد من طيرة حيفا، واثنين لا أذكرهما، وقد استشهدا في الثورة الفلسطينية “قمنا بقتل احمد النايف* في حيفا، وهي واحدة من العمليات التي قامت بها جمعية الكف الأسود التي تعقب الشيخ القسام، وأصبت بجرح فوضعوني في عكا عند عضو من أعضاء الجمعية، وكان الطبيب أنور الشقيري يأتي ليداويني، وبعدما شفيت أمروني بالصعود للجبال، وأخذوني علىدمشق الشام إلى ديوان الثورة العربية”(163).

وتبع هذه الاغتيالات محاولتان لاغتيال عبدالحليم بسطة، وكانت من الأهمية بمكان بسبب دوره المشين في خدمة دائرة البوليس والمباحث البريطانية.

بدأت الأولى في أوائل تشرين أول 1936 بعد أن داهمه فدائي حوالي الساعة السادسة مساء قرب بيته الواقع في شارع هرتسيليا أمام سينما ارمون بحيفا، وأطلق عليه رصاصة أصابته في رقبته من الخلف ونقل على أثرها للمشفى(164).

تعرض عبدالحليم لمحاولتي اغتيال أصيب في الأولى بجروح خفيفة، وأخذ على أثرها إجازة إلى مصر، ومع أن زوجته نصحته بعدم العودة إلى فلسطين إلا أنه قال: ” سأعبي الفلسطينيين في الجزمة”، وأخذ يعمل بكل ما أوتي من جهد في خدمة أسياده وتكررت المحاولة لاصطياده حتى وقع صريعاً، ففي يوم 14/4/1937 رابطت له مجموعة على الطريق عند بيته، فنزل ومعه حارسه حنا شحادة من شفا عمرو، فتقدم عبدالله محمد زيني، وأطلق النار على حارسه فوقع الحارس، فأخذ عبدالحليم بالبكاء، وراح يُلوح في البستون الذي يحمله وكأنه يدافع عن نفسه، فأطلقت عليه رصاصة أصابت فخذه، وهرب إلى منجرة ليختبئ فيها، فدخل عليه عبدالله محمد السعدي وأطلق عليه رصاصة في جبينه بمشاركة الثائر محمود الديراوي(165).

أمام سوء الحال واستمرار المماطلة البريطانية وعدم استعدادها للتخلي عن سياستها في تشجيع الهجرة اليهودية، ومنح بطاقات الهجرة لليهود وخوف العرب من أن تذهب تضحياتهم هدراً. كما عبر عنها الصحفي محمد علي الطاهر في مصر محرر جريدة الشورى والشباب وهو من مدينة نابلس، فقد جرت محاولة لاغتيال سبايسر مدير الأمن العام البريطاني في 12/6/1937، وأوجدت هزة ورجّة عظيمة، وجرى الحادث في مدينة القدس أثناء خروجه من المسكوبية إذ أطلق عليه مجهولون كانوا يلبسون ملابس الفلاحين عدة عيارات نارية ولم يصب بأذى بل أصيب كونستابل كان يرافقه(166).

وتمثل عجز بريطانيا المتكرر زمن الثورة بتغيير قادة القوات البريطانية حيث غيرت الجنرال السير جون ديل من قيادة القوات البريطانية في فلسطين والأردن، وجاءت بالجنرال أ. ب. ويفل ظنا ًمنها أنه سيأتي بما لم يستطعه سابقه.

ارتبطت أسباب اغتيال لويس أندروز بشر أعماله التي أوجبت قتله، فهو من قام بسجن أناس، وضغط عليهم؛ كي يبيعوا الأرض، وقام بمهمات سمسرة لصالح الصهاينة، وضغط معنوياً على محمد الزيناتي، ومحمد الفالح المثقال لبيع الأراضي في منطقة الأغوار؛لمصلحة اليهود، ولعدائه السافر للحركة الوطنية الفلسطينية ورجالها(167).

روى محمد أبي جعب في تسجيل له مرسل لمؤلفي كتاب سجل الثوار: إن مجموعته تكونت من خمسة أشخاص، وضمت أحمد التوبة من صفورية، ورجلان آخران لا يتذكرهما من نفس القرية، ورجل من العشائر البدوية في المنطقة قاموا بمراقبة أندروز، وعرفوا ذهابه المتكرر للكنيسة في أيام الآحاد حيث انتظروه وفي يوم 26/9/1937 نجحوا في اغتياله، وبسبب الحادث تخفىوتشرد أبو جعب في البلاد، وأخيراً قبض عليه بوشاية من رجال حزب المعارضة في نابلس، وأجري معه تحقيق وتعذيب فظيعين، واستمروا باعتقاله تسعة عشر شهراً في سجون ومعتقلات:نابلس، عكا، المسكوبية في القدس، واللطرون، وبتاريخ 13/3/1941 فر من معتقل اللطرون، ومعه صديقه أحمد توبة، وجماعة القسام، وبلغ عددهم 16 رجلاً، وتنقل الشيخ أبو جعب بين قباطية، وصفورية وذهب أخيراً للملكة العربية السعودية، وعاش فيها لاجئًا، ومات، ودفن فيها(168).

جن جنون حكومة الانتداب بعد مقتل أندروز، وكأن هستيريا أصابتها فأخذت تمارس أبشع صور العنف، والقتل، والتعذيب في محاولة يائسةتهدف لقمع الحركة الوطنية الفلسطينية وقادتها مبتدئةبزعيم البلاد محمد أمين الحسيني.

بلغت الحاج أمين الحسيني رغبة الإنجليز باعتقاله فتسلل إلى المسجد الأقصى؛ ليحتمي به، ولم يكن بمقدورها المغامرة باعتقاله لحراجة الموقف، ولكنها ضيقت الخناق عليه، فتخفى وهرب إلى يافا، وركب قارباً شراعياً، ووصل لبنان، ثم قبضت عليه السلطات الفرنسية بوساطة قوة خفر السواحل، وبعد توسط من عدة جهات عربية قبلته لاجئاً سياسياً، ولكنها مارست عليه بعض القيود، وأخذ المفتي يدير أحداث الثورة عبر تعليماته لعزة دروزة في لجنة الجهاد المركزية التي ضمت مجموعة من قادة البلاد، وكان مقرها في دمشق، وبيروت وأبعدت بريطانيا بعض أعضاء اللجنة العربية العليا الموجودين في البلاد، ومنعت من هم خارجها بالعودة إليها، وأعلنت عدم شرعية اللجنة العربية العليا، وحلت اللجان القومية في البلاد وإدارة المجلس الإسلامي الأعلى واعتبرتهم مسؤولين عن الحوادث طيلة الأشهر الماضية(169).

اختلف الناس والكُتاب حول هروب المفتي من فلسطين وتركه البلاد ومدى صحة قراره، فكتب أكرم زعيتر في هذا الشأن: “وقد اختلف الإخوان في هرب المفتي، فبعضهم قال:إنه يفترض فيه أن لا يهرب من جوار الحرم الشريف، وليكن ما يكون، وأن أي أذى يصاب به هو ما يفترضأن تتعرض له الزعامة الوطنية، وأن من شأن ذلك أن يذكي الثورة، ومنا من قال:إن التضحية ليست غاية في ذاتها، وأن من الأجدى له أن يفلت ويتزعم القضية الوطنية من بعيد”(170).

أما حزب الدفاع المعارض للمفتي، فقد وقف موقفاً انتهازياً واستنكر سياسة مفتي فلسطين، ومن معه، واعتبرها سياسة فاشلة “وأعرب عن استعداده لشغور المكان”!؟ ولم يثق الناس به حيث سبق له أن انسحب من اللجنة العربية العليا في 3 تموز 1937، وأربد الجو وزادت الأحداث سوءاً وشحناً، وخرج الثوار إلى الجبال، وعادت الفصائل السابقة للعمل، وسارت الأحداث عنيفة أكثر من سابقاتها، وتبع هذه السياسة سن جملة من قوانين الطوارئ البريطانية، وأهمها تشكيل محكمتين عسكريتين في القدس، وحيفا، وإعدام كل من يعثر بحوزته على رصاصة، واختصت بالمجلس الإسلامي الأعلى بمجموعة من قوانين الطوارئ في هذه الفترة(171).

وزاد لهيب الثورة اشتعالاً حينما اعتقلت السلطات الشيخ فرحان السعدي بعد أن ألقت عليه القبض في بيت أخته زريفة أبو سرحان زوجة ذيب نهار السعدي(172).

وجدت السلطة البريطانية فرصتها السانحة للنيل من أحد مطلوبيها الكبار الذي سبق له أن قام بحادثة بلعا، وقاد معارك ناجحة وهو المشهور بمعركة عين جالوت التي خاضها في 30 حزيران 1936، وجرح في زنده الأيمن؛ مما أعاقه عن استخدام السلاح، ولكنه لم يتوقف عن القتال، بل استمر يجاهد، ويقاتل فاستعمل المسدس بيده الأخرى، وكان يقود يومها مجموعة تزيد عن مئة من الثوار الذين هاجموا قافلة عسكرية بريطانية على طريق جنين ـ نابلس، وأوقعوا بها خسائر فادحة أوشكت على الاستسلام لولا نجدة وصلتها من قوات الاحتلال البريطاني تقدر بألفي جندي يتسلحون بالدبابات، والمدافع، والطائرات.

لم يتوقف الثوار عن القتال على الرغم من البون الشاسع بين القوتين في العدد والعدة، بل قاتلوا ببسالة، وهب لنجدتهم إخوانهم المجاهدون من القرى المجاورة، فكانت ملحمة، خسر الإنجليز نتيجتها ثلاثين قتيلاً، وتعطلت مدرعة لهم عندما انفجر فيها لغم أرضي، وبمجرد أن قبضت عليه، وهو يحمل سلاحه في 22/11/1937. سارعت بعقد جلسات سريعة لمحاكمته في محكمة عسكرية لم تستغرق جلساتها سوى ساعتين بدأت من الساعة العاشرة من صباح يوم 24 تشرين الثاني 1937، وانتهت في الساعة الثانية عشرة ظهراً، ولم تمكّن المحكمة المحامين العرب من المرافعة، ولا من إحضار شهود نفي. وامتنع الشيخ عن الكلام أثنائها، إلا أنه كان جريئاً إذا تكلم، وحين سأله رئيس المحكمة: هل أنتمذنب؟ أجاب، وهو مقيد: معاذ الله أن أكون مذنباً. لقد أعلن رئيس المحكمة على الفور الحكم عليه بالإعدام، ونفذفيه بتاريخ 27 تشرين الثاني الموافق 14 رمضان 1356 هـ، وكان الشيخ صائماً(173).

هكذا التحق الشيخ فرحان السعدي بعمر المختار في ليبيا، والشيخ عزالدين القسام في فلسطين، وهذا دأب المستعمرين الذين نصبوا المشانق في أقطار العروبة والإسلام محاولين القضاء على جذوة الثورات ومن أشعلوها، ولم يراعوا كرامة الإنسان، فلم يكترثوا إن كان الشهيد طفلاً أم شيخاً أم امرأة.

وقد بعث إعدامه في جماهير الأمة العربية مزيداً من مشاعر الغضب والكراهية للإنجليز، وعمت الاحتجاجات، والمظاهرات، والإضرابات مدن: فلسطين، وسوريا، والأردن، ولبنان، والعراق ؛احتجاجا على حكم الإنجليز الجائر بحق هذا البطل الذي منع من الدفاع عن نفسه(174).

لم يتراجع إخوان القسام عن أعمالهم البطولية، وسميت إحدى الفصائل بعد أيام من استشهاده باسم “إخوان فرحان”، ومن رجالها البارزين المجاهد سرور العبد الله(175).

خاطب الشاعر عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) الأمة العربية حكاماً، ومحكومين في رثائه وقال:

قوموا اسمعوا من كل ناحيةٍ يصيح دم الشهيد

قوموا اشهدوا فرحان فوق جبينه أثُر السجودِ

يمشي إلى حبلِ الشهادة صائماً مشي الأسودِ

سبعون عاماً في سبيل الله والحق التليدِ

خجل الشباب من المشيب بل السنونَ من القعودِ.

وهكذا كان القبض على الثوار، وشنقهم يلهب المشاعر حتى باتت الثورة مشتعلة في جميع فلسطين خاصة في مناطقها الجبلية من الجليل شمالاً حتى الجليل جنوباً.

معارك شديدة في قرى مشاريق نابلس:

تواصلت المعارك في مختلف مناطق فلسطين، وسنتناول بعضها كأمثلة، وليست للحصر:

خاض الثوار معارك عديدة في مختلف مناطق جبل نابلس شملت الريف والمدينةمنها:معركة وادي سباس 1938 بالقرب من قرية قصرى، وأخرى جرت على طريق نابلس ـ القدس في عيون الحرامية، وليات اللبن الشرقي، وعقبة زعترة، واليامون، وبيت فوريك، وبديا، ومردة، ثم زادت قوة الثورة باحتلال المدن عام 1938 وتوجت باحتلال القدس لبضعة أيام في تشرين أول 1938، وكانت تتم المعارك بنصب الكمائن، ثم يتبعها وضع حجارة في الطريق، وينتظر الثوار قافلة إنجليزية تحرس سيارات يهودية، ثم تجري عمليات اشتباك لعدة ساعات، وعند مغيب الشمس ينسحبوا بأمان، وفي هذه المعارك أسقطت طائرات، وقتل جنود وضباط، ونال الشهادة عدة ثوار، واتسمت هذه المعارك بالشدة والاحتدام بما بذل فيها من غال الأنفس.

معركة وادي سباس: شهد عام 1938 عقد اجتماع لعدد من قادة الثورة في منطقة المشاريق في قرية عقربا بحضور القادة: عبدالله البيروتي، وخميس العقرباوي، وأحمد وحافظ النجداوي (أردنيان)، وتركي عديلي، وأثناء اجتماعهم بلغهم خبر مرور دوريات للإنكليز من واد سباس الواقع بين قريتي قصرى، وجالود فتحرك ثوار القريتين ومعهم ثوار من قرى: بيتا، ودير الحطب، وجوريش، والفارعة، وفصائلها؛ للمرابطة في السفوح المشرفة عليه بتوجيه من الثائر شحادة عبدالقادر أبو العباس حامل اللواء ومدرب الثوار. كمن الثوار حتى حضرت القافلة العسكرية المكونة من 11 سيارة، فتصدوا لها بقوة وحزم، ونجحوا في التغلب على عدوهم، فطلب الإمدادات، ثم حضرت طائرتان عسكريتان، وتمكن الثوار من إسقاط إحداها. استمرت المعركة من العصر حتى ساعات الغروب، تكبدت فيها القوات البريطانية خسائر فادحة، وأصيبت إحدى طائراتها مما اضطرها للهبوط. فيما استشهد ثمانية من الثوار. وقد قام المتطوعون والفزيعة من القرى بالمشاركة في المعركة(176).

وقدر عدد القتلى من الإنجليز واليهود بـ 40 رجلاً. وقد قيل فيهم قصيدة من الشعر الشعبي للشيخ ناصر البندي:

ثمانية من الثوار قتل وخمسة غيره جرحى صويب

ومن جند الأعادي أربعينا وسبعة كل من جرحه يطيب

بوادي القلط قد سوى الهوايل وقد رطب اليهود رطيب

ثلاثة أسرى خائنين من الأسافل أمامه ساقهم سوق الجليب(177).

ـ معركة بديا: بتاريخ 20/7/1938

بعد وضع لغم من قبل الثوار وقدوم قافلة من جيش العدو الإنجليزي جرت معركة قام بها الثوار قرب القرية أسقط الثوار خلالها طائرة حربية وهوت إلى الأرض، وقتل سائقها زاسمه جانكسي، وقتل ضابط بريطاني كبير اسمه: باوبل، وضابطان آخران من ضباطه، وعشرون جندياً، وسقط ستة من الثوار(178).

معركة بيت فوريك شرق نابلس:

بعد استلام القائد الشيخ عبدالفتاح محمد الحاج مصطفى أبو عبدالله السيلاوي قيادة فصيل محمد الصالح أبو خالد الذي استشهد في معركة دير غسانة في منتصف أيلول 1938. جعل من بيت فوريك موقعاً لهحيث الجبال العالية المحيطة بالقريةالتي تشبه السور، وفيها من الكهوف والمغارات التي يسهل اللجوء إليها، ويسهل حراستها ومراقبة الطريق القادم إلى نابلس، وكذلك تعاون أهلها الشجعان مع الثورة، وعونهم لكل ملهوف، ونظراً لشخصية القائد عبدالفتاح، وتدينه، وتقواه أحبه الناس وتوجهوا إليه في حل مشاكلهم، وأصبحت أحكامه لا ترد، ولإعجابهم به انضم إليه فصيل بيت فوريك بقيادة عبدالكريم حمد وعدده 15ـ 20 شخصاً. رتب القائد عبدالفتاح اجتماعاً في قرية بيت فوريك شرق نابلس، وتم الاجتماع في منطقة الشراربة في مكان يُسمى (بستان المشمش)، وقد شمل الاجتماع قادة الفصائل النشطة في المنطقة، ومنها: فصيل أبي عبدالله، وفصيل عبدالله البيروتي (عقربا)، وأحمد النجداوي (شرق الأردن)، وتركي عديلي (بيتا)(179).

توجهت قوة بريطانية يقدر عددها ثلاثة آلاف جندي لقرية بيت فوريك للقضاء على القائد أبي عبدالله ورفاقه، وحدثت معركة ضارية بين الثوار العرب والجند البريطاني، واستمر القتال يوماً تكبد العدو خسائر فادحة، ويؤكد شهود العيان سقوط طائرة حربية في أرض المعركة، وسقوط عشرات الجنود القتلى والجرحى، وبقي هيكل الطائرة المحطمة مدة أربعين عاماً شاهدا على ضراوة القتال، وقدرفض أبو عبدالله الانسحاب، وكانت النتيجة استشهاده، ومعه: الشهيد أحمد النجداوي (أردني)(180).

كما تمت عمليات الإعدام التي أقدمت عليها قوات الحقد البريطاني ضد الشهيد حسن علي الفرحات من القرية، وتعرضت القرية للتنكيل، وهدمت مضافاتها الأربعة، وهدمت منازل كل من عبدالله أحمد حميدان، وعايش الطويل بحجة إيواء الثوارواستضافتهم، وزج بعدد منهم في السجن(181).

وقد أصيب بجراح في هذه المعركة القائد عبدالله البيروتي، والمجاهد مصطفى الشيخ محمد من عصيرة الشمالية وآخرون، وقد انسحب عبدالله ببقية الثوار إلى منطقة (عين الدوا) شمال عقربا وعسكروا هناك. كان من نتائج هذه المعارك البطولية أن نفذت ذخيرة الثوار وانقطع سلاحهم، و اضطر الثوار لفرض التبرعات وجمع الاتاوات على أبناء القرى الذين فرضوها أغنيائهم وتجارهم، كما أن معارضي الثورة في نابلسوجوارها قد أخذوا يبثون دعاياتهم المسمومة، وجرت اشتباكات بين الثواروقتل بعضهم أثناء مراسلات جرت بين الشيخ عبدالفتاح المزرعاوي، وابراهيم العبد من جالود، وتحول تركي عديلي إلى فصيل معارض بتأثير من سليمان طوقان(183).

وفي أواخر العام 1938 حدث تراخ في فصائل الثورة عبَر عنه عبدالله البيروتي بكتاب إلى القائد العام عبدالرحيم الحاج محمد يشكوا فيه سوء الأحوال، فكان جواب القائد العام للثورة في19/10/38 أن أبدى امتعاضه “من الحالة التي وصلت فيها الثورة في مشاريق نابلس. إننا نفعل كل ما بوسعنا من أجل المجاهدين، ولكنني لا أستطيع أن أقبل وضعاً لا يقوم فيه المجاهدون بواجبهم ” وطلب منه معاقبة من يحرض المجاهدين على الامتناع عن الجهاد ريثما تأتي الذخيرة، ويقول:” إنني أرى في هذا العمل رفضاً، والرافضون بنظري أسوأ من الكفار، لقد حذرنا القرويين من التعاون مع الخونة، وسنفرض على الخونة عقوبات شديدة”(184).

وبعد هذه المعارك البطولية للثورة في مشاريق نابلس أمر القائد العام عبدالرحيم الحاج محمد بانتقال القائد عبدالله البيروتي وفصيله إلى منطقة الجنوب (الخليل، الفالوجة، غزة)، وذلك بتكليف منه، وقد قام فصيله بعدة عمليات في تلك المناطق. حيث كانت الثورة هناك في حالة من الضعف. ومن بين العمليات التي نفذها القائد الشجاع عبدالله البيروتي في منطقة الجنوب عملية قتل عمال شركة الكهرباء قرب قرية المسمية(185).

يتبع……

شبكة البصرة

الاثنين 10 صفر 1442 / 28 أيلول 2020

يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط

الموقع رأي حر الموقع لا يتحمل ما يكتبه الكتاب
كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب كل ما ُينشر يمثل وجهة نظر الكاتب