الغزو والاختراق الصهيوني 1897 – 2018 (الحلقة الثالثة)؛
دراسة للباحث والمؤرخ الفلسطيني عبد العزيز أمين عرار
شبكة البصرة
عبد العزيز أمين عرار
باحث ومؤرخ فلسطيني
الفصل الثالث: الصراع العربي ـ الصهيوني
من الاصطدامات عام 1882 حتى ثورة القسام 1935
البداية الأولى في الاصطدامات: احتكاكات، وشجارات.
جلب الاستيطان الصهيوني الإرهاب والمشاكل والخراب لأهل البلاد الأصليين؛ لتعارضه مع حياة شعب عاش على هذه الأرض بأمن وسلام وراحة بال حيث كون تراثه، وثقافته منذ فجر التاريخ، ولا يصدق إدعاء الحركة الصهيونية بأن الاستيطان اليهودي جاء ليعمر الأرض الخربة قليلة السكان الذين هم خليط من الأفارقة والآسيويين، فقد كان هذا الكيان يعمل وباستمرار على طرد العرب وتهجيرهم لمصلحة اليهود المهاجرين وغير الشرعيين.
لقد جرت بين العرب والمستوطنين الصهاينة جملة من الاحتكاكات والتحرشات اليومية، وتطورت وزادت بسبب شراء الأرض وبيعها ونهبها من أصحابها بطرق مختلفة، ونتج عنها مظاهر عديدة من الخلاف والاشتباك والنزاعات على الملكية والأرض أطلق عليها الصهيوني أ. أفنيري (دعوى نزع الملكية)، وهذه الأعمال كانت قد هيأت لاستنفار المشاعر الوطنية والقومية لدى العرب وتطورها في نشوء الحركة الوطنية الفلسطينية، وهذه بعض مظاهرها:
– الخلاف والاحتكاك على حدود القطع التي اشتراها الصهاينة، أو التوسع على حساب جيرانهم العرب والنزاع على أراض كانت مراعي لدواب العرب، وبعد تسريبها لليهود منع الرعاة من العرب من استخدامها كما درجت العادة من سقي للاغنام، واستغلال للغلة بعد حصادها مما أدى إلى حدوث خلافات متنوعة.
– عدم استيعاب العادات والقيم العربية والتقاليد السائدة، حيث لجؤوا لمصادرة الأغنام، والدواب بمجرد مشاهدتها ترعى في الحقول، ودون سابق إنذار وجد العرب في هؤلاء المستوطنين الأجانب غير اليهود الذين تعود عليهم العرب اختلافاً في المعاملة فلم يستوعب العرب هذا التحول، فاصطدموا بهم.
ـ شملت الخلافات حقوق التصرف والملكية، فمثلاً كان المستأجر يزرع الأرض لسنة كاملة ولموسمين شتوي وصيفي (كراب، وبعل)، وعندما تباع الأرض يحدث نقض للاتفاق وللعرف السائد؛ لأن مستأجر الأرض لن يخرج منها قبل انتهاء الحول.
ـ طلب أصحاب الفتوة “القبضايات” العرب نقوداً بفرض القوة “خاوة”على اليهود المستوطنين، وعندما رفضوا تقديمها لهم هاجموا بيوتهم ليثبتوا لهم أن حمايتهم وأمنهم مرهون بدفع الخاوة، وعندما أسس المستوطنون جمعية الحراسات اليهودية “هاشومير” اندلعت المشاكل مجدداً(1).
وهذه أمثلة المصادمات التي حدثت وترافقت مع قيام المستعمرات اليهودية: الصدام الذي حدث بين أبناء يازور جنوب يافا، ومكفيه إسرائيل الذي حدث بعد أن اشترى “كارل نيتر” رئيس المنظمة الفرنسية “الحلف الإسرائيلي العالمي” مساحة 2000 دونم من الحكومة التركية؛ لإقامة مدرسة زراعية “ميكفيه إسرائيل” جنوب يافا وتم استئجار الأرض لـ 99 سنة، وقد رأى العرب العاملون عليها من أبناء قرية يازور ظلماً لهم، فحدث اصطدام بين طلاب المدرسة، وإدارتها من جهة، وبين القرويين من جهة أخرى، وقد التمس نيتر العون من البوليس التركي الذي تعامل بقسوة مع الفلاحين العرب(2).
حدثت توترات بين أبناء قرية الهودية – العباسية والمستوطنين الصهاينة في بتاح تكفا، وبدأ الخلاف حول الأرض التي اشتراها اليهود على حساب الفلاحين في قرية “ملبس” العربية، حيث ادعى الفلاحون أن بطرس التيان، وسليم قصار باعا أرض مرهونة لأبناء العباسية، وأبرزوا “القواشين”، وقد ناصرهم المتصرف “رؤوف باشا” الذي عارض بيعها لليهود، وازدادت العداوة بين أبناء العباسية والمستعمرين. ففي19/3/1886أطلق رعاة العباسية حميرهم ودوابهم لترعى في هذه الأرض، فصادرها اليهود، وطالب العرب إرجاعها فرفضوا، وفي اليوم التالي هاجم العرب الموشاف، فجرحوا وضربوا من وجدوه في المكان، عندها طلب المستعمرون اليهود العون من القنصل الروسي الذي قدم احتجاجه للسلطات التركية وبدورها أجبرت الفلاحين على التنازل عن القطيع، وتم اعتقال 30 من رجالهم(3).
استمرت الصراعات، والاشتباكات بين الطرفين بأشكال وصور مختلفة، وشكل الصراع على الأرض محورها الأساس، وحدثت في البداية بالأيدي، والعصي، ثم تطورت بإطلاق النار والخطف، وما من مستعمرة إلا ورأى العرب فيها خطراً على وجودهم.
ففي عام 1910 جرى اشتباك بين حراس المعسكر المؤقت الذي أقيم قبل إقامة (مستعمرة كفرسابا)، وبين أبناء قلقيلية، وكان الحرس مختلطاً (يهوديان، وبضعة عرب)، وكان سبب الاشتباك حينما ذهب الرعاة للرعي في الحقول، ولكن أحد الحراس أطلق عليهم النار بحجة أنهم يرعون في حقل للمستعمرة الرعي وقتل أحد العرب، عندئذً قامت جماعة من أبناء قلقيلية بالهجوم المسلح بالبنادق والمسدسات في وقت لم يكن فيه في المستعمرة سوى عائلة واحدة إضافة لحارسين يهوديين. قام المهاجمون العرب باختطافهما واقتيادهما إلى قلقيلية، ولم يفرج عنهما إلا حينما توسط لهما رئيس بلدية بتاح تكفا عند أحد وجهاء قلقيلية(5).
لقد وقعت عدة نزاعات على الأرض وصاحبتها اشتبكات في مختلف المناطق التي أسست فيها مستعمرات يهودية سواءً في منطقة ملبس أو صرفند الخراب ويازور قرب يافا وعرب الزبيدات وعرب الطليل الجزائريين الأصل.
فقد جرت نزاعات بين عرب قرية الطليل الجزائريين الذين هم من أحفاد الشيخ عبدالقادر الجزائري، وجيرانهم من اليهود، وسبب النزاع أن عربياً من القرية اقترب من المستعمرة وهو يمتطي فرساً، ونظر إلى المستعمرة بفضول، فتكلم معه يهودي، ورد العربي، ولأن اليهودي لم يفهم لغة العربي أطلق عليه النار فأرداه قتيلاً، وتطورت الأحداث إلى اشتباك وجرح ومات أحد أبناء القرية، فهاجموا الموشاف بالأسلحة النارية، وفي اللحظة الأخيرة تدخل الوسطاء، وتم ترتيب صلحة، ودفع دية، وتدل هذه القصة على أن اليهود المستعمرين أخذوا يغيرون أسلوبهم، وأن العلاقات شهدت أحياناً صوراً من التعايش بسبب إدراك اليهود أنهم أقلية(6).
ـ موقف المثقفين العرب من الاستيطان الاستعماري الصهيوني:
والسؤال الآن: ما موقف الفئات المتعلمة، والمثقفة، وأعضاء مجلس “المبعوثان” من الاستيطان الاستعماري الصهيوني؟
تعد قضية فلسطين من القضايا العربية ذات الشأن في نشأة القومية العربية وإثارة الشعور العربي الوحدوي، فمنذ عام 1891 أرسل عدد من زعماء القدس إلى الصدر الأعظم احتجاجاً يطالبون فيه منع اليهود من الهجرة إلى فلسطين، وشراء الأراضي، وكان حافظ بك السعيد نائب يافا في “مجلس المبعوثان”، قد أثار تساؤلاً فيما إذا كانت حركة الاستيطان اليهودي تنسجم مع مصالح السلطنة العثمانية، وطالب باتخاذ تدابير لازمة تحول دون دخول المهاجرين اليهود للبلاد، وعادت المشكلة لتثار من جديد عام 1911 من قبل شكري العسلي مندوب دمشق، وروحي الخالدي مندوب القدس(8).
وكتب يوسف أفندي الخالدي رسالة إلى زادوك كان (zadok kahn) في ربيع عام 1899 حيث أعرب عن خوفه من تعرض الحركة الصهيونية للتعايش السلمي بين المسلمين، والمسيحيين، واليهود وناشد اليهود انطلاقاً من الضمير، والواجب المقدس، وباسم الله أن يتركوا فلسطين في سلام، وحولت لهرتسل الذي أجاب عنها في 19/3/1899مؤكداً أن الفائدة عظيمة للدولة العثمانية عموماً ولمواطنيها خصوصاً من غير العرب بسبب الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وأتبعها بتهديد أنهم سيحصلون على غايتهم، وسيجدونه في مكان آخر(9).
وفي سياق العرائض، ودور المثقفين أرسلت عريضة باسم سعيد الحسيني، ومعه أكثر من خمسين توقيعاً من القدس، وغزة، ويافا بوساطة نائب القدس محمد يوسف القاسميفي 22 رجب سنة 1331ه، ومما جاء فيها “…. في الوقت الذي تعتصر الآلام التي تسببت فيها حرب البلقان قلوب العثمانيين، فإن ثروة أهالي فلسطين تضيع ومصائبهم تتزايد خاصة وأن الصهاينة يواصلون تملك أراضي فلسطين، وتمتد أيديهم إلى ما بقي من الأراضي. وقد علمنا أخيراً بأن الحكومة تسعى إلى تمليك الأراضي المدورة إلى شركة أصفر. وإذا تحقق ذلك، فمن المؤكد بأنه سيكون ضربة أليمة اتجاهنا، واتجاه أولادنا، وعيالنا وبلادنا. سيكون خطراً كبيراً على الوطن العثماني المعروف بالشرف والعدل، لذلك نرفع احتجاجنا الشديد على هذه الشائعة “(10).
وأرسل مهاجر بوسني أقام في فلسطين يحذر من الحراك الصهيوني قبل النكبة وخط قلمه رسالة جريئة تكشف إرهاصات الحراك الصهيوني، وستائر التمويه التي اعتمدها في نشاطه، وتظهر الرسالة مدى غيرة البوسني المسلم على فلسطين التي هاجر إليها وقبلته، وما ضاقت فلسطين يوماً بالشرفاء على مر الزمن. كما تظهر وعيه ومتابعته لما يجري.
“فلله درك ياحيفا، ولله درك يا جبل الكرمل، فالمؤامرة عليكما قديمة، وليست صهيونية فقط، بل مدعومة من أنظمة غربية. “(11).
لقد أسهم تقدم وسائل الاتصال وظهور التلغراف في انتشار الاحتجاجات وإرسال العرائض، وكان أهم موضوعاتها: دور جباة الضرائب وتنكيلهم ضد الفلاحين، ثم دور الحركة الصهيونية والاستيطان والنزاعات مع العرب حول ملكية الأراضي، الضريبة. وقد دلت اجتماعات مخاتير قرية زرنوقة، والمنطقة القريبة منها أن أفكار المجتمع العربي ومواقفه أخذت تتبلور وتتوحد ضد الصهيونية، حيث اتفق الجميع على خطرها المستقبلي تجاه الوجود العربي في فلسطين(12).
وفي سياق التنبيه إلى الخطر الصهيوني، والوعي بما يضمره من شر لفلسطين، نبه المفكر القومي العربي نجيب عازوري من خطر الصهيونية على فلسطين، وتصدى لادعاءاتها التاريخية وتعرية مقولة أن فلسطين (أرض الميعاد)، وقد اطلع على أهداف الصهيونية أثناء عمله في متصرفيه القدس ولجوئه لاحقاً إلى باريس، وقد كان ملماً بأحوال الدولة العثمانية بوجه عام، وأوضاع الإدارة بوجه خاص، وفي كتابه(يقظة الأمة العربية في آسيا) يرى عازوري أن اليهود لم يمتلكوا في تاريخهم القديم أيام “يهوشع بن نون” سوى الضفة الغربية لنهر الأردن، وأنهم اختلطوا بنسب مختلفة بالكنعانيين في هذا الجزء من البلاد. وأن العرب أمة يرغبون بالانفصال عن الدولة العثمانية التي نخرتها عوامل الضعف(13).
وقد وعى هذا الدور وخطورته الأستاذ والأديب المقدسي خليل السكاكيني الذي عرف بنزعته الإنسانية، ومعاداته للحركة الصهيونية، معبراً عن كرهه لها لأنها أرادت أن تبني نفسها على حساب الآخرين، ومع أنه يحب تحرر الأمم واستقلالها، ولكنه يرى في عمل اليهود واستيطانهم في فلسطين، وقتلهم لغيرهم من الأبرياء حياة لهم ومعيقاً لوحدة آسيا العربية وأفريقيا العربية(14).
وقد عملت الحركة الصهيونية على التأثير على الجمعيات والأحزاب العربية من خلال التضليل والترويج لأهمية التعاون والاتفاق بين رأس المال اليهودي وتقدمهم في العلم والتقنيات مقابل توفر العمالة العربية حتى إن مؤتمر الأحزاب العربية في باريس الذي عقد في 19يونيو/حزيران لم يبحث لم يبحث في خطر الصهيونية، واستعمار فلسطين، واقتصر برنامجه على قاعدة اللامركزية، وإصلاحالأحوال داخل الدولة العثمانية، و المهاجرة إلى سورياالتي تخص العثمانيين، وأهمل البحث في خطر الهجرة اليهودية(15).
لم يستمر نجاح الصهيونية في تظليلها لبعض السياسيين العرب وزعمائهم، فقد تغير موقف رفيق العظم زعيم حزب اللامركزية في القاهرة الذي دعا للتصدي للتيار الصهيوني، ووقف تيار الهجرة اليهودية، وحماية الفلاح العربي، وذلك بحماية ملكيته بمقترحات منها: مطالبة الحكومة بمسح الأراضي السورية، والفلسطينية وتقسيمها لأربابها وإلغاء الملكية الشائعة؛ لأن ملكية الشيوع تهيئ لبيع الأرض لليهود(16).
يؤرخ “الشناق” لبدايات الصراع الحقيقي والظاهري ضد الصهيونية في العهد العثماني بعد انقلاب جمعية الاتحاد والترقي على السلطان عبدالحميد على النحو التالي:
ـ نقل القضية لمجلس المبعوثان وبيان مخاطر الحركة الصهيونية على فلسطين بعد عام 1908 من خلال عدة نواب فلسطينيين وسوريين.
يعد شكري العسلي شخصاً مهماً ورائداً من رواد النهضة العربية، وقد لعب دوراً بارزاً في توضيح مخاطر الحركة الصهيونيةداعياً لمقاومتها. ففي عام 1911 دعا هذا المندوب الممثلين العرب للاحتجاج على خطر اليهود المستفحل في فلسطين خاصةً بعد شرائهم مرج ابن عامر، وعمل طوابع بريدية خاصة بهم. كما أن بهاء الدين بك قائمقام يافا و أحد كبار موظفي وزارة الداخلية ورئيس دائرة الشؤون اليهودية فيها المعروف بوطنيته قدم مشروعاً متكاملاً لوزارته يبين فيه خطورة ما يقومون به من أعمال وهي:
1ـ تخطيط الصهاينة لإقامة دولة مستقلة استقلالاً ذاتياً كما فعلوا زمن الرومان.
2ـ أوجدوا هيئة يحتكمون لها مع الاحتفاظ بجنسياتهم الأجنبية.
3ـ لهم طوابع كطوابع البريد.
4ـ لهم علم خاص بلونيه الأزرق والأبيض.
5ـ قاموا ببث العقائد الصهيونية، وكراهية العثمانيين في نفوس طلابهم.
6ـ الاهتمام بشراء الأراضي، واستعمال اللغة العبرية.
7ـ عملوا على تأسيسالأندية الرياضية. وقد صمم بهاء الدين على إزالة اللافتات العبرية، وحارب هجرتهم حتى لو كانوا من أصول يمنية.
8- القيام بتفتيش المستعمرات، وجمع الأسلحة منها(17).
وفي هذا العهد شجعت الصحافة الوطنية تأسيس الأحزاب الوطنية، وبفعل هذا التشجيع تأسس الحزب الوطني العثماني الذي تزعمه سليمان التاجي الفاروقي، وجرت الدعوة من قبل الصحافة أيضاً
لتأليف النقابات الزراعية التي تقوم بإقراض المزارع ودعمه بدلاً من وقوعه في براثن المرابين، ومطالبة الحكومة بجعل البنك الزراعي الذي جمعت أمواله من الفلاحين حامياً لملكية الفلاح، ثم حذرت من خطر الصهيونية التي تستهدف تشريد سكانها الأغنياء والفقراء على حد سواء، ونشر الشيخ سليمان التاجي الفاروقي مؤسس الحزب العثماني قصيدته “صدى الصهيونية” ومما جاء فيها:
بني الأصفر الرنان خلوا خداعنا فلسنا عن الأوطان بالمال نخدع
أنسلمها طوعاً وفيناً بقية *** من الروح إنا فعلنا لنطلع
أيرضيك يا ذا التاج أن بلادنا *** على مشهد منا تباع وتنزع(18).
وقد حملت صحيفة الكرمل لصاحبها نجيب نصار حملة عنيفة منذ عام 1908 على سياسة جمعية الاتحاد والترقي التي تعاطفت مع الصهيونية، وقامت ببيع الأراضي الحكومية لليهود، وقد قالت صحيفته: “إن الشعب يتعرض للخطر الداهم، وإن الحفاظ عليه يتم من خلال العمل الواعي والمنظم بتشكيل جمعيات، وتحسين حالة الفلاح، وزيادة ثروة البلاد، وتشجيع العلوم التطبيقية، وبفضل جهوده المباركة أسست جمعية مكافحة الصهيونية في نابلس، وأنشأت لها فروعاً أخرى في البلاد العربية، ففي عام 1913 أنشأ طلاب فلسطين فرع في الجامع الأزهر وفي الأستانة، وظهرت أيضاً جمعيات فلسطينية ونواد في فلسطين ونيويورك، وتأسست أيضاً الحركة الكشفية الفلسطينية التي ضمت عناصر مثقفة بعيدة عن الوجاهات التقليدية(19).
شهدت مدينة نابلس وعياً بما تقوم به الصهيونية تجسد في تظاهرة قامت بها المدينة حيث نشرت صحيفة الكرمل في الثاني عشر من آب 1911على صفحتها الأولى نبأ قيام مظاهرة كبيرة في نابلس ضد اعتزام الحكومة بيع أراضي بيسان التابعة لها لليهود، وقالت: إن خطباً نارية ألقيت وأبرق المواطنون احتجاجاتهم للسلطات التركية، حيث دعت الصحيفة بعد ثلاثة شهور لعقد مؤتمر في نابلس يبحث الأخطار الصهيونية والرد عليها بتأسيس جمعيات لتوعية الشعب، وتحسين حالة الفلاح، وزيادة ثروة البلاد، وتشجيع النهضة العلمية التطبيقية(20).
برغم ارتفاع هذه الأصوات ووعي النخب الثقافية العربية لما يجري على أرض فلسطين إلا أن مؤتمر الحركة القومية العربية المنعقد في باريس عام 1913 بقي متأثراً بالحديث عن حكم اللامركزية في ظل الدولة العثمانية أو الاستقلال عنها، ورغم ذلك وصلت عدة برقيات من نابلس وحيفا طالب أصحابها بالإصلاح واللامركزية، وتلقى المؤتمر برقيات من وجهاء بيسان، وجنين، وقد حثت على إعلان معارضتهم لبيع الأراضي لليهود في هاتين المنطقتين(21).
وكانت مصر أيضاً تعاني من خطر التضليل الصهيوني، وعمل الحركة الماسونية فيها إلى درجة أن عدداً من الصحف المصرية كانت تبث الدعاية لصالح المشروع الصهيوني ومنها: صحيفة المقطم، وهي واحدة من الصحف المشهورة التي ظلت تدافع عن الصهيونية من خلال مراسلها نسيم ملول الذي أثر في الرأي العام المصري ولم ينته دورها إلا بعد ثورة 23 يوليو 1952(22).
حادثة زرنوقة عام 1913 مؤشر خطر على تفاقم الخطر الصهيوني:
تعد حادثة زرنوقة من الأمثلة الحية على احتدام الخطر الصهيوني مع العرب، وقد بدأت بعد اتهامهم لعربي بسرقة قطف عنب من مستعمرة ريشون ليتسيون (عيون قارة)، التي نتج عنها مشادة جماعية، واشتباكات بالأيدي وبالسلاح وأحصي في نهايتها سقوط قتيلين من اليهود وعربي واحد، وقد فسر محبي صهيون الحادثة بأن سببها اثنين من زعران زرنوقة العرب الذين مروا على كرم عنب في مستعمرة ريشون ليتسيون، وهما يمتطيان جملين محملين، وقد تناولا قطفاً من العنب، وبعد سؤال الحارس سميلنسكي لهما عن سبب تعديهما على الأرض، نظرا إليه باستهزاء وأخذا مسدسه وضرباه، وقد فحص الكاتب اليهودي هذه الرواية بعد إطلاعه على الأرشيف العثماني، وقد وجد رواية مناقضة لها من قبل العرب ومن سكان المنطقة في ديران وعيون قارا، فقد جاء في شكواهم أن اليهود “أرادوا أن يأخذوا من صاحبي الجملين ملابسهما، ومالهما، وجمليهما، ولكن هذين الشخصين رفضا تسليم الجملين وفرا من عيون قارا مع جمليهما، وبينوا في عريضتهم أن اليهود المذكورين هاجموا رجال قريتهم، وسلبوا ونهبوا أملاكهم، وقتلوا. “(23).
واحتج العرب على حيازة السلاح الممنوع في القرى الزراعية الصهيونية، وبَينوا عملهم في رشوة المسؤولين حتى أن أراضي القرية العربية ديران بيعت للصهاينة من قبل أشخاص وتحولت إلى مستعمرة رحوفوت، وقد اشتكى فيها العرب من أنهم عملوا فيها منذ عدة أجيال وورثوها عن أجدادهم، ولكن المشتري اليهودي يرفض تعويضهم ولا يتعامل معهم بإنسانية كأن يقبل تشغيلهم فيها(24).
لم يقتصر فساد الأحوال في العهد الحكم العثماني الجديد على الاستيطان، بل طال المقدسات. ففي عام1911 جرت أيضاً حادثة الحرم الشريف، حيث حصل باركر على إذن بالتنقيب الأثري في منطقة الحرم الشريف مقابل ربح 50% من الكنوز المكتشفة لصالح الدولة العثمانية، وكان التنقيب يجري في حالك الليل حتى لا يواجهوا بردة فعل المسلمين، ولكن الخبر سرعان ما انتشر، ففي ليلة الثاني عشر من نيسان اكتشف أحد السدنة “محرومي أفندي” أن واحداً من أبواب الحرم مفتوح، وحينما دخله وجد اثني عشر رجلاً ومعهم كيسان من التراب، وانتشرت الإشاعات كالنار في الهشيم بأن آثاراً مقدسة سرقت، ونشرت الصحف الفلسطينية الخبر ونقلته جريدة الطنين التركية واستاء الناس في القدس، وجرت المسيرات في الشوارع موازية لمظاهرة أمام السرايا، ورفعت نداءات لقتل الحاكم والانجليز(25).
أطلقت السلطات العثمانية النار في الهواء لاستعادة الأمن والهدوء… وتبع ذلك هجوم الأعيان المقدسيين في مجلس المبعوثان على الحاكم لعزله، وسار حذوهم أعيان مدن نابلس وغزة وعكا وهاجم روحي الخالدي الحكومة المركزية واتهمها بالفساد، واتهم عزمي بيك وقائد الجاندرمة بتسلمهم الرواتب من البريطانيين وأمام الضغط وهبة المقدسيين ألغيت الصفقة وانتهى هذا العمل(26).
مظاهر المقاومة العربية للمشروع الصهيوني بين عامي 1918- 1935 كرست نتائج الحرب العالمية الأولى خيبة أمل العرب في وعود بريطانيا وخذلانها للعرب في حين نجحت الحركة الصهيونية بالحصول على دعم حليفتها بريطانيا بصدور تصريح أو وعد يدعم الحركة الصهيونية ورغبتها في نشوء الوطن القومي.
قابل الفلسطينيون تصريح بلفور بالاستهجان والاستنكار، وأصبح شعاراً للحركة الوطنية الفلسطينية منذ نشأتها في عام 1920، وقد عبرت عن رفضها للوعد الظالم سواءً في مهرجاناتها، أو مظاهراتها التي عقدت في القدس، ونابلس، ويافا، وحيفا وغيرها. وبهذا أيقن أحرار العرب أن بريطانيا أدارت ظهرها للحركة القومية العربية.
وفي الوقت الذي نجحت فيه الصهيونية بالحصول على وعد بلفور، وتأييد بريطانيا لمشروعها، حاولت الحصول على تصريح عربي من قبل الأمير فيصل بن الشريف حسين بعد أن اجتمعوا معه في مدينة العقبة، وقد أثيرت عدة تساؤلات حول موقف الأمير فيصل حول لقائه مع حاييم وايزمن زعيم الحركة الصهيونية العالمية في عام 1919، وتوقيعه على وثيقة كتبها لفرانكفورتر زعيم المنظمة الصهيونية العالمية في الولايات المتحدة الأميركية التي نُسب إليه إظهار عطفه على جهود الحركة الصهيونية، والاعتراف بفلسطين وطناً قومياً لليهود! وأنه ناشد اليهود التعاون معهم في إنشاء مملكة عربية متحدة من جبال طوروس حتى رفح؟! وإذا زاد عدد اليهود أصبحوا ولاية من الولايات العربية، وقد أثيرت هذه القضية بعد فترة من الزمن على فيصل، وبيّن في رده أنه وقع على الوثيقة باللغة العربية بشرط أن لا يضر بالمصالح العربية(27).
وأمام غضب الفلسطينيين وخشيتهم من مستقبل البلاد شهدت البلاد عام 1919 قيام جمعيات عربية ومنها: النادي العربي، والمنتدى الأدبي، والعفاف، ونادي الإخاء، و”جمعية الفدائية”، وهي هيئة فدائية سرية ضمت عدداً من الشرطة التي أعدت للثورة وقامت بالتخطيط لاغتيال العناصر البارزة والموالية للصهيونية، وبث الدعاية في شرق الأردن، وتدريب الشباب على السلاح، وأنهم أرسلوا الوفود إلى القرى لإثارة الفلاحين ضد اليهود، حتى إن أحد الأعضاء أشار في إحدى اللقاءات إلى أن الفلاحين والبدو ينتظرون أول إشارة وهم مستعدون لأي شيء(28).
ـ تأسيس الجمعية الإسلامية المسيحية وانتفاضة 1920.
بعد احتلال فلسطين وفرض الانتداب عليها في عام 1920. تم تأسيس الجمعية الإسلامية المسيحية وإنشائها في مدينة يافا، ثم امتدت هذه الجمعيات للمدن الأخرى التي أسهمت في توجيه الحركة الوطنية، وعقدت عدة مؤتمرات في البلاد حيث بلغ عددها 7 مؤتمرات. عقد المؤتمر الأول في دمشق في أجواء تسلم الأمير فيصل حكم البلاد، ثم عقدت في المدن الفلسطينية مثل:القدس، ويافا، وحيفا، ونابلس، وكان آخرها في عام 1928 (29).
——–
*تعرضت نابلس لتسلل يهود إليها في أواخر القرن التاسع عشر الذين استأجروا بعض مدارس نابلس القديمة وأقاموا في بعض غرفها في حي القريون، وعملوا بالربا، وشرب الخمر، والزنا واختلط بهم بعض الشباب النابلسي فأفسدوهم “فأنذرهم القاضي، والمفتي، والنقيب، والعلماء، والأمراء فخرجوا إلى القدس لا يلوون على شيء حوالي سنة 1311هـ”(النمر، إحسان ج3، ص68).
تشكلت هذه الجمعيات من أعضاء مسلمين ومسيحيين ومهمتها وطنية متبعة أسلوباً سلمياً في مقارعة العدو يقوم على إرسال البرقيات، والمضابط، والشكاوى، والاحتجاجات في كل عام على وعد بلفور وفي ذكراه السنوية يأخذون إذناً بالمظاهرة، ويصلون ظهراً في المساجد، ويسيرون في مظاهراتهم إلى دار الحكومة ويسلمون الحاكم احتجاجاً على الوعد المشؤوم، ولم يفكروا في هذه الفترة بتحريم بيع الأراضي لليهود، ولا الاحتجاج على هجرتهم، ولا الاصطدام بالانجليز، ولكنهم شددوا على عدم التعاون مع اليهود ولم يعترفوا بالانتداب(30).
تأسست في نابلس جمعية إسلامية مسيحية ضمت رئيسها الحاج توفيق حماد، ورامز أغا النمر، والحاج حافظ طوقان، وأحمد الشكعة (أمين الصندوق)، وعزة دروزة (أمين السر)، وجرجي أفندي عبدالنور وعبدالقادر الزير (سلفيت)، ونمر العبد الحاج محمد(جوريش) وغيرهم، وكانت ذات شأن وتأثير في نابلس وعرب فلسطين وخشيت حكومة الانتداب قراراتها ومواقفها ولهذا عينت أمهر ضباطها لمراقبتها(31).
حدثت مظاهرات في مدينة القدس في السابع والعشرين من شباط 1920 وتلاها مظاهرة ثانية في الثامن من آذار من هذا العام، بمناسبة تنصيب الأمير فيصل الأول ملكاً على سوريا وفلسطين، وقد قادها الحاج”أمين الحسيني” ورفيقه “عارف العارف” ومرت قرب مبنى البلدية؛ فخطب فيها رئيس بلدية القدس السيد موسى كاظم الحسيني الذي كان نصيبه العزل(32).
وفي اليوم الأول من هذه الأحداث شنت عصابة مسلحة هجوماً على مستوطنتي المطلة، وتل حاي القريبتين من الحدود السورية، وقتل في الهجومين الكابتن جوزيف ترمبلدور، وهو عسكري صهيوني بارز وستة يهود، وينسب الحادث لفلسطينيين يعيشون في سورياالذين تحمسوا بعد تنصيب فيصل ملكاً للبلاد(33).
نابلس في صدارة الكفاح والنضال الوطني والقومي:
كانت نابلس وجبلها محط الآمال لشعبنا، فاتجهت نحوها أنظاره؛ لما عرف عنها من شجاعة، وثراء، وحصانة أبنائها، وخلوها من اليهود؛ ويعود السبب لكون نابلس قد تأخر احتلالها عن القدس مدة عام، ولهذا شرح العثمانيون لشخصيات نابلس ما يحاك لبلادهم من تآمر صهيوني استعماري، وقد عرفت نابلس في هذه الفترة رجالاً وشخصيات فرضت إرادتها داخل اللجنة التنفيذية(34).
وفي هذا العهد تأسست مدرسة النجاح الوطنية فكان طلابها طليعة من يتظاهرون، ويحتجون في كل موقف وفيها عقدت المؤتمرات والاجتماعات. وكان رئيسها حسن حماد تطوع للتدريس مجاناً لفترة من الوقت، ثم قام الأستاذ قدري طوقان، وواصف العنبتاوي، فجمعا تبرعات من الكويت، وبلدان الخليج، فبنيت كلية، وقام مؤسسو مدرسة النجاح بتأسيس النادي العربي الذي ضم نخبة من المثقفين في المدينة مثل النادي أداة أشعاع فكري، وثقافي، ووطني(35).
كان دور رجال نابلس لا يقل عن دور الزعامة الفلسطينية في مدينة القدس رغم ما ظهر من قوة تأثير ديني للحاج محمد أمين الحسيني الذي خيمت جبته وعمامته على الحركة الوطنية الفلسطينية في هذه الفترة ؛وذلك بحكم وظيفته التي شغلها في رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، ومكانة القدس الدينية، وتأثير المجلس في جلب المنافع من خلال الوظائف في الأوقاف ما جعل نابلس مختبراً للتجارب، وطرح المشاريع لاحقاً.
انتفاضة يافا 1921 وثورة شاكر أبي كشك:
سببت إجراءات الانتداب البريطاني حالة الغليان عند أبناء البلاد، وجرت مظاهرات صاخبة سنة 1921بدأت في مدينة القدس وامتدت إلى يافا، ومنها للمستعمرات الصهيونية وسقط 95 قتيلاً منهم: 48 من العرب، و47 من اليهود، وجرح 219 شخصاً منهم 73 عربياً، و146 يهودياً، وتألفت لجنة للتحقيق في أسباب الاضطرابات ترأسها القاضي توماس هيكرافت الذي قال في تقريره: إن سبب الاضطرابات تعود لمشاعر القلق السائدة ضد اليهود، وتوتر أعصاب العرب، وقلقهم وأنها ليست بفعل مؤامرة وتدبير، وهذا ناشئ عن موقف الحكومة ومساندتها للمشروع القومي الصهيوني (36).
بدأت أحداث الانتفاضة في مدينة يافا في الأول من أيار 1921، حينما خرج اليهود الشيوعيون يحملون راياتهم محتفلين بعيد العمال العالمي الذي يصادف الأول من أيار، وقد ظن العرب أن المظاهرة تستهدفهم وشاع أن اليهود هاجموا يافا، فثارت ثائرة العرب وشنوا هجوماً على المستعمرات الصهيونية في السهل الساحلي، فهاجموا بتاح تكفا، والخضيرة، وديران، ويهود يافا، واستمرت الأحداث مدة أسبوعين، وتدخل الجيش البريطاني وبطش بعرب أبي كشك القاطنين في منطقة يافا، وأحرقوا بيت شيخهم الشيخ شاكر أبو كشك وقبضوا عليه رهن المحاكمة فحكم بالسجن 15 سنة وفرضوا غرامة مالية قدرها 2000 جنيه لسكان مستعمرة ملبس، وبغرامة قدرها 6000 جنيه على البلدات العربية، وهي: قلقيلية، وطولكرم، وقاقون، ووادي الحوارث، وكفرسابا، وعرب أبي كشك(37).
انطلقت هبة الجموع من مدينة طولكرم، وقرى قلقيلية، وطيرة بني صعب، وقاقون، ووادي الحوارث عزون، كفرسابا، عرب أبي كشك، بيار عدس، كفرثلث، وخربة خريش، والطيبة. وممن برزوا في التحريض، والهجوم على مستعمرة ملبس الثائر عارف عبدالرازق (الطيبة) وينقل ابنه عن تقرير جاسوس عربي للصهاينة أن عارف كان على رأس خمسين رجلاً، وهو يلبس لباس الكشافة مسلحاً ببندقية ومنظار في الهجوم الذي نفذ في اليوم الثالث من أيار1921، وفشل الهجوم بسبب تدخل الجيش البريطاني، ووصول فرقة هندية بالصدفة، وألقى الجيش القبض على الشيخ شاكر أبي كشك، وأراد حرقه، وسقط ثلاثون رجلاً من العرب ومات بالسكتة القلبية الشيخ نجيب عبدالمنان عبدالحي من (طيرة بني صعب)، وقد تم تحريض نجيب من قبل سليم عبدالرحمن الحاج إبراهيم (طولكرم)(38).
كما أن بدو الأردن وعلى رأسهم كايد المفلح وأخوه من عرب العبيدات في الأردن حضروا للنجدة فضربتهم الطائرات الإنجليزية بين سمخ والحمة(39).
ونقل د. نمر سرحان عن رواة من قرية عزون: هبَ الناس بالآلاف قادمين من قرى وبلدات جبل نابلس وقضوا ليلتهم السابقة في عزون، واستضافوا الجموع وتم فرزهم؛ بحيث لم يذهب للغزو سوى من كان معه سلاحاً نارياً. أما الذين حملوا العصي، والنبابيت، والشباري، والبلطات، والدبسات، والشواعيب؛ فقد طلب منهم أن يعودوا إلى قراهم.
بلغ عدد البنادق عشرين بندقية، وخرج الجميع عند الفجر، ومروا بالقرب من رعنانيا وسكوبية، وانطلقوا نحو مستعمرة ملبس راكبين خيولهم. دعي الجيش البريطاني لحماية المستعمرة، وُرد المهاجمون وانتهت الغزوة بالفشل(40).
ويذكر مرجع آخر أن الجموع العربية هاجمت المستعمرة من الطرف الشمالي الشرقي، وكادت أن تفتك بالمستعمرة وتحرقها لولا قدوم فرقة هندية في الجيش البريطاني قادمة من جهة جنين إلى يافا؛ فوقفت في وجه العرب المهاجمين وعند أبواب المستعمرة سقط عدد من الشهداء من قرية عزون ومنهم: رزق مصري، أبو فريج، وجرح آخرون(41).
وفي هذه المناسبة أنشد الفلاحون:
يوم الخميس خزينا إبليس *** خلينا إملبس حرايق
برز في الأحداث وخطط لها: رفيق نجيب الحاج يحيى (طيرة بني صعب)، وعثمان شبيطة من (عزون)(42)، وقاد أيضاً حسين أحمد هلال (قلقيلية) عشائر قلقيلية(43)، واشترك فيها الحاج موسى عرار، وسجن بسبب الأحداث ستة شهور، وفتشت داره بحثاً عن سلاح، ومعه ابن عمه عبد حسن عبدالسلام (خريش)(44).
توقفت الهبة الشعبية، ولم يستمر شاكر أبي كشك كقائد ثوري، وكانت هذه الانتفاضة مجرد هبة بدوي ثار لكرامته؛ لأن البدوي يرفض بفطرته العسف والظلم، ويعتبره عاراً ويثأر من ظالميه. وبعد القبض عليه حوكم بدفع غرامة كبيرة، وسجن 15 عاما، وخرج من المعتقل بوساطة شيوخ بئر السبع الذين تم دعوتهم لحضور احتفال؛ فرفضوا الحضور طالما أن شاكر أبي كشك معتقل، فتم تخفيض الحكم إلى سنتين وأفرج عنه، وعقدت صلحة في الأول من حزيران 1923 بحضور الصهيوني مختار مستعمرة ملبس إبرهام شابيرا عن المستعمرة، وتوفيق أبي كشك، ودفع العرب 500 جنيهً تعويضاً للمستعمرة، و3 كمبيالات بقيمة 1500 جنيه وأعيدت واحدة لإظهار حسن النية، وانتهت هبَّة الشيخ الثورية(45).
قرارات المؤتمر الوطني الخامس في نابلس 1922:
زادت مظاهر الخيبة عند العرب من سياسة الحكومة البريطانية بعد تعيين السير هربرت صموئيل Sir HERBERT SAMUEL P. C. G. B. E اليهودي مندوباً سامياً لفلسطين” وهو الذي سن لها من الأنظمة والقوانين ما جعلها في النهاية صالحة لإنشاء وطن قومي، وتأسيس(دولة إسرائيل)(46).
وفي عهده الذي استمر خمس سنين (1920- 1925) تظاهر بتقربه من زعماء العرب، وأفرج عن عدد من المعتقلين السياسيين باستثناء المؤرخ الفلسطيني عارف العارف، والحاج أمين الحسيني، ولكنه راح يحث قومه على السير قدماً إلى الأمام لينشئوا جزءاً كبيراً من مشروعهم، ومنح اليهود مشروع روتنبرغ للكهرباء، وكان هذا عاملاً مشجعاً للمستوطنين، وبعد أن كان عددهم 53. 000 نسمة يوم دخوله البلاد أصبحوا يوم خروجه منها 103. 000، وبيعت بتسهيل منه 200. 000 دونم من أراضي مرج ابن عامر وأخليت 21 قرية ومجموع سكانها العرب 8000 نسمة، باعها سرسق من مسيحي بيروت(47).
عقد العرب مؤتمراً في القدس بتاريخ 25حزيران سنة 1921 ثم أرسلوا وفداً إلى لندن لإقناع أقطاب السياسة البريطانية بالعدول عن سياستهم وكان الوفد برئاسة موسى كاظم الحسيني، ودفعت نابلس 1000 جنيه، واجتمعوا بتشرشل، وقطع لهم آمالاً بأن الوطن القومي الصهيوني قائم، فباتوا يائسين وعرجوا على جنيف واجتمعوا بأعضاء الوفد السوري اللبناني وعقدوا مؤتمراً عاماً دعما للقضية الفلسطينية(48).
رجع الوفد من لندن واستقبل بحماسة قل نظيرها، حتى وصلت سيارات المستقبلين من رام الله حتى نابلس، وفي بيسان استقبل الوفد بخمسمائة فارس، وعقدت الاجتماعات والمؤتمرات لأعضاء الوفد في مختلف البلاد شارحين للناس سياسة بريطانيا وموقفها من الوفد، أما الحكومة أخذت تلاحق الوفد، وتضع في وجهه العراقيل، وحاولت منعهم الاحتفاء بوفدهم، وعندها قرروا عقد مؤتمرهم الخامس في مدينة نابلس في شهر آب 1922، ويعد أهم هذه المؤتمرات العربية حيث تقرر فيه ما يلي:
1ـ مقاطعة انتخابات المجلس التشريعي2ـ رفض القرض الذي تنوي الحكومة عقده مع الصهاينة 3ـ مقاطعة اليهود مقاطعة تامة 4ـ وضع ضريبة على جميع أبناء فلسطين للدفاع عن قضيتها. 5ـ إرسال بعثة للبلاد العربية لتوضيح خطر الصهيونية، وتأسيس مكتب للدعاية في لندن. وفي نهاية المؤتمر أقسم أعضاء المؤتمر الخامس أمام الله، والأمة، والتاريخ على مواصلة سعيهم “لتحقيق الاستقلال والاتحاد العربي، ورفض الوطن القومي اليهودي، والهجرة الصهيونية”، وقد أشادت الصحف العربية بدور نابلس ومؤتمرها ووصفته بـ ” بلد الوطنية”(49).
وأمام هبة الشعب العربي. حاولت الحكومة امتصاص غضب الشعب العربي الفلسطيني، ودعت إلى مشروع إقامة مجلس تشريعي يضم عشرة من الانجليز، وعضوان يهوديان، ومسيحيان، وثمانية مسلمين بمجموع اثنين وعشرين عضواً، وقد قابلته الأمة بالرفض، ووضعت العراقيل أمام قيامهم بإحصاء السكان فألقت الحكومة القبض على أهم شخصياتها من أعضاء الجمعية الإسلامية المسيحية، لكن الشعب هجم على الشرطة وأنقذوهم منها، وفي الصباح أبلغ الحاكم البريطاني الشيخ عمر زعيتر رئيس المجلس البلدي إلغاء القرار، فسكن الهياج، وسحب مشروع المجلس التشريعي، وبهذا انتشرت سمعة نابلس ومكانتها في فلسطين ومصر(50).
وهكذا ظلت منطقة جبل نابلس مختبراً للتجارب البريطانية والصهيونية عند طرح أي مشروع أو حل سياسي ما؛ لأن في نابلس واقعاً حضارياً وثقافياً يفرض وجود مجموعة من المثقفين، والأعيان والوجهاء.
وفي عام 1923 شهدت البلاد حالة سكون في ثوراتها باستثناء ما شهدته قرية دورا، حيث بدأت أحداثها باغتيال جابي الضريبة أحمد سلطان أثناء عودته من دورا إلى الخليل عام 1923، وسلب الثوار المال الذي يحمله، وعوقبت دورا وخربها الـ 99 عقاباً جماعياً وأجبر سكان الخرب على ترك خربهم، وترحيلهم إلى دورا وفرضت السخرة عليها بشق طريق طوله 3كم في منطقة جبلية وعرة من” عين كنارعبر” إلى عين فرعا، وحوصرت القرية مدة ستة شهور، وأطلقت سلطات الاحتلال على ثوارها أسم “الأشقياء” كما درجت الدولة العثمانية على وصف الخارجين على سلطتها، وكان في دورا عدد من هؤلاء المسلحين عرف منهم:عبدالكريم ادحيدل، وعبدالله الصوص اللذين اضطرا إلى الهرب لشرق الأردن، وفرض المندوب السامي على أهالي الخرب الهجرة منها؛ بهدف حرمان الثوار من الدعم والمساندة، وأجبر أبناء دورا بتوفير الطعام لـ (250) من رجال البوليس وشنوا حملة اعتقالات، وفرضوا غرامة باهظة عليها وقيمتها 400 جنيه، ومورست أساليب تعسفية وعذب الرجال أمام زوجاتهم، وسجن عدد كبير منهم في سجنيغزة، وعكا، وقد اشتكى أهالي دورا لرئيس المجلس الإسلامي الأعلى طالبين رفع الظلم عنهم قائلين:”.. إنقاذنا من الظلم البائس، وترجيع مسلوبنا وحلالنا ودراهمنا المرغومة منا… “(51).
زرع الفتنة عبر منصب المجلس الأعلى:
بحثت السلطة البريطانية عن وسيلة يتلهى بها الفلسطينيون، وحتى تشق وحدة الصف الوطني أقالت موسى كاظم الحسيني من رئاسة بلدية القدس، ونصبت مكانه راغب النشاشيبي، ثم وضعت الحاج أمين الحسيني على رأس المجلس الإسلامي الأعلى(52).
تأثرت نابلس بانتخابات المجلس الإسلامي الأعلى وانقسمت في سنة 1925، وكان التنافس شديداً بين أنصار الحاج أمين الحسيني، وراغب النشاشيبي، وتشكل فيها حزبان الأول: باسم الأهالي الديمقراطي برئاسة عبداللطيف بك صلاح، وأصهاره أبناء الشيخ عمر زعيتر، وأخوالهم آل حماد، وحزب آخر باسم الحزب الوطني، ويضم رئيس البلدية سليمان بك طوقان، وعضو البلدية حافظ أغا طوقان، ومرشحهم أمين بك التميمي، وكانت انتخابات شديدة أثرت في انقسام جبل نابلس، وفاز الحزب الوطني بصوت واحد فرفع منافسوهم دعوى بتهمة عدم قانونية الانتخابات، ولكن الحكومة تحاشت إعادة الانتخابات وبقي التنافس والخلاف ظاهراً في نابلس بين مؤيدي المفتي، ومعارضيه حتى عام 1944(53).
بقي هذا الانقسام صفة تلازم الحركة الوطنية الفلسطينية طول البلاد وعرضها، وهو تناحر قديم قام على خلافات قديمة من العهد العثماني غذاها حزب القيسية، واليمنية، واستمرت في شق وحدة الشعب العربي الفلسطيني وبقي تأثيرها حتى بعد تأسيس الأحزاب الفلسطينية عام 1934 -1935، وستؤدي إلى فشل ثورة 1936-1939 كما سنرى لاحقاً.
ـ أعمال ثورية في سهل سارونة، واعتقال الزعيم سليم عبدالرحمن، وعارف عبدالرازق:
لم يهدأ بال عارف عبد الرزاق في طيبة بني صعب؛ لوجود المستعمرين الصهاينة بجوار أرضه، وأخذ يُحرض الحراثين، والعاملين فيها الذين سكنوا “أخصاص ” الخشب فضايق هؤلاء ” النزلاء الغرباء ” في مستعمرات كفار يعبتس، وعين ورد، وتلموند، وقام أفراد عصابته بخلع الأشجار والأسلاك الشائكة المحيطة بالبيوت.
سببت أعماله حالة من عدم الاستقرار، وإزعاج للمستعمرين الوافدين، وبدورها كثفت الشرطة البريطانية بحثها عن الفاعلين والمحرضين، فأخبرها الواشون أن عارف عبدالرازق هو المسؤول، ومعه سليم عبدالرحمن، فقبض عليهم “البوليس” البريطاني، وأجبر بعضهم على الشهادة ضد عارف، وحكمت عليه محكمة طولكرم خمس سنوات، وحكم على سليم بست شهور، أمضى عارف ثلاثة أعوام في حديقة المندوب السامي حيث كانت أشبه ما تكون بالإقامة الجبرية، وتنقل في عدة معتقلات، وحصل بفضل ذلك على تسهيلات مما جعل كتّاباً صهاينة كعزرا دينين، وبار زوهر، ويهودا بن بورات، وفخري النشاشيبي يشوهون سمعته، ويتهمونه بأنه عمل “وكيلاً” في الشرطة البريطانية، و”مخبراً”، و”سمساراً للأراضي”في منطقته(54).
شغلت قضية اعتقال سليم، وعارف الصحافة المحلية واللجنة التنفيذية العربية، حيث عقدت المحكمة برئاسة رئيس المحكمة القاضي البريطاني “ويب”، وعضوية اثنين من القضاة العرب، وجرت جلسات المحكمة مدة 28 يوماً رافع فيها اثنا عشر محامياً من كبار محامي فلسطين(55)
اهتمت اللجنة التنفيذية بهذه القضية، وقدمت احتجاجها من قبل سكرتيرها “جمال الحسيني” للحكومة واستنكرت سجن البوليس لزعيم طولكرم سليم أفندي الحاج إبراهيم، وطالبت بإخلاء سبيله بكفالة، أو محاكمته فوراً بعد اعتقاله لثلاثة أشهر”حرصاً على العدالة أن تسوء سمعتها”، وقد ادعى البوليس أن المتهم له نفوذ في قضائه وأن الإفراج عنه يربك التحقيقات(56).
ويبدو أن قضية سليم عبدالرحمن استحوذت على اهتمام الجمهور في منطقة طولكرم، فقد قدم المخاتير شكوى وعليها توقيع 3000 شخص أرسلت للمندوب السامي تطالب بالإفراج عنه، وتشكك بالواشي(57).
ويظهر أن حكومة الاحتلال تجاوبت مع الاحتجاجات، وعقدت جلسة لمحاكمته من قبل رئيس المحكمة وحضرت المحكمة عدة وفود من فلسطين عامة، ومدينة طولكرم وقراها خاصة، وقد حضر معاون قومنداننابلس عابدين الحشيمي للشهادة عليه، ووقع الشهود في تناقض، وأفرج عنه لاحقاً(58).
أسلوب المداراة في الحركة الوطنية الفلسطينية لنيل الحقوق:
سجل على الحركة الوطنية الفلسطينية في هذه الفترة اعتمادها على عقد المؤتمرات؛ ليقينهم بأن بريطانيا لم تغير في مواقفها الداعمة للحركة الصهيونية، وأن نضالاتهم لم تخرج عن إطار النضال السلبي الذي ترضى عنه السياسة البريطانية، وهو أسلوب المداراة، كالعرائض الاحتجاجية واللقاءات مع المندوب السامي أو مقابلة وزير المستعمرات، وكانت تُدعى الوفود العربية إلى لندن ويجري لقاء أقطاب السياسة والحكومة فيها حتى سخرت الجماهير الشعبية في أغانيها الشعبية وفي أعراسها بقولها “لندن مربط خيلنا”.
واكتفت القيادة بإرسال برقيات احتجاج للجنة الانتدابات على فلسطين وأحيانا تناقش الحكومة في سياساتها، وهي تحاول أن تثبت لها أنها أضرت بالبلاد في النواحي الاقتصادية، والهجرة اليهودية، ومنها:عمل المُخمنين للضرائب الذين أضروا بمصلحة الفلاح ولم تلق له الحكومة بالا ” وقد كانت للفلاح العربي عدة شكاوى أخرى حيوية فلم تلتفت إليه الحكومة، ومع أن كل إيرادها كانت من عواتق الفلاحين فإنهم لم يتمتعوا بشيء لقاء ما يدفعونه إذ لا طرق حسنة ولا إدارة أمن عام منتظمة، ولا تعليم كاف ولا معاملة لطيفة”(59).
وعندما تحدث المظاهرات تحاول القيادة الفلسطينية المتمثلة بـ”اللجنة التنفيذية العربية” التي ضمت مجموعة من أعيان البلاد إرضاء المستعمر البريطاني بالتنصل من المسؤولية، ولكنها تحذر حكومة المندوب عندما تتكلم بلسان الشعب وكأنها تحذر بأنها لن تنجح بأن تبقى صمام الأمان للحكومة إذ ستنفجر الأوضاع يوما ما “… ولا بد أن يأتي زمن يصل فيه العداء إلى درجة لا تقوى على ضبطه كل الحواجز الأدبية والسياسية. “(60).
ومع أن البلاد شهدت بعض المظاهرات بين عامي 1923 -1924 في مدن فلسطينية إلا أنها لم تتواصل؛ لترهل الحركة الوطنية وضعفها الذي أظهره لقاء مع وزير المستعمرات الجديد “ل. س. إمري” الذي استقبل اللجنة التنفيذية العربية، والحزب الوطني، وحزب الفلاحين، وقد كلف سليمان التاجي الفاروقي بإلقاء خطاب باسم الوفد، واتسم طرحه برفع التظلمات، والشكايات من السياسة البريطانية، وأن مصالح بريطانيا عند العرب وليست عند اليهود، وكرر المطالبة بإقامة حكومة وطنية ممثلة لجميع عناصر البلاد(61).
وجرياً على عادتها في تقديم الاحتجاجات والعرائض حفلت الصحافة بمقالات من قبل قادة الحركة الوطنية في صحف فلسطين والكرمل، وقدمت اللجنة التنفيذية العربية تقريراً للجنة الانتدابات يشرح مخاطر قانون الجنسية الفلسطينية لسنة 1925الذي حرم المهاجرين العرب في الشتات من حقهم في العودة والحصول على الجنسية الفلسطينية، وتتساءل صحيفة فلسطين “والعجيب أن معظم رجال اللجنة الصهيونية التنفيذية، أو الوكالة اليهودية التي تطالب حكومة فلسطين بتسهيل شروط التجنس، وإلغاء قيوده هم أنفسهم غير متجنسين بالجنسية الفلسطينية”(62).
لقد أثر هذا التهجير على نقص السكان العرب وحرمهم من جنسيتهم الفلسطينية، والاستفادة من الرأسمال الأجنبي واستثماره في البلاد، بينما زاد عدد اليهود بفعل الهجرة للبلاد، وقد رفضت الحكومة النظر في طلبات العرب الذين هاجروا من البلاد قبل عام 1920(63).
تنبيه الصحافة الفلسطينية للقيادة وتذكيرها بخطر سماسرة الأرض وباعتها:
استمرت أعمال اليهود بين عامي 1922ـ 1928 في شراء الأراضي، و مواصلة زيادة عدد المهاجرين لفلسطين، و تبع هذا النشاط من بناء مستعمرات صهيونية وتطورها إلى مدن أخرى بينما عاشت الحركة الوطنية الفلسطينية واقعاً مريراً لم يكن بمستوى الحدث، وقد وصفها عزت دروزة بالجمود، وأنها مصابة ببلوى “الوطنية الثنائية، أو الخنثوية عادت على الوطنية وأحداثها بأضرار متنوعة”(64).
وقد دام ضعف الحركة الوطنية عدة سنوات، ووهنت العزائم في هذه الفترة، وانتشر السماسرة وباعة الأراضي من ضعاف النفوس، وكاد الناس ينسون كفاحهم الذي اتفقوا عليه سواء أكانوا مسلمين أم مسيحيين حتى إن بعض الأشخاص المعروفين بوطنيتهم استساغوا السير في تيار السمسرة، واستغل اليهود هذا الواقع للسير في مشروعهم(65).
أسهمت الصحف الفلسطينية في عهد الانتداب البريطاني بدورها في فضح أساليب السماسرة، وحذرت من مخاطرهم وأدوارهم، وبلغ بها الأمر أن ذكرتهم بأسمائهم وعائلاتهم والمال الذي قبضوه، وسبقت بدورها التوعوي دور القيادة الفلسطينية، وعمل المجلس الإسلامي الأعلى الذي انتبه بعد مرور عدة سنوات لقضايا الأرض، وكان على رأس هذه الجرائد: الكرمل، وفلسطين، واليرموك، والصراط المستقيم، والاتحاد العربي واللواء، والشورى.
ففي أعداد مختلفة من جريدة اليرموك لصاحبها محمد رشيد الحاج إبراهيم نطالع عديد المقالات التي وردت من أشخاص إلى هذه الجريدة ينبهون فيها للأخطار المحدقة بالبلاد.
كتب أحدهم وبتوقيع مستعار. بعنوان:” انتشار السمسرة” وفيها يهاجم بيع أرض الجوانية من أراضي قرية السيلة الحارثية، وأرض قرية زرعين، وينتقد الكاتب أولئك الأشخاص الذين يسرحون ويمرحون على مسرح الخيانة ممن جلبوا الضرر لهذا الوطن المنكوب بأبنائه المنافقين، وأغنيائه من السلالات العريقة ممن تهافتوا على بيع أراضيهم للصهاينة الذين استغلوا هذه الفرص”(66).
وقد ظهر أن بعض الأشخاص المشهورين بوطنيتهم قد ارتكبوا آثاماً بخيانتهم وبيعهم الأرض لليهود، حتى بلغ تلونهم قولهم السخيف: “اليوم نكسب المال، وغداً نحصل على الأرض والبناء”، وقد نوه إليه محمد عزة دروزة في مذكراته، وقد علق عليهم رشيد إبراهيم محرر صحيفة اليرموك قائلاً: “ولا يسع صاحب الجريدة إلا أن يكتب: ما فائدة الوطني إذا أصبح لا يملك شبراً وهل يصح أن نطلق عليه وطني إ”ذا كان لا يملك دارا ولا أرضا، وكيف تتم له الإقامة إذا أمسى مستأجرا وإذا تمت فهل تدوم… إن الذين يجرؤون على بيع الأراضي ويتوسطون في بيعها يخربون بيوتهم بأيديهم ولا يشعرون.)”(67).
مؤتمر لعشائر قلقيلية يقاوم السمسرة:
وفي سياق المخاطر الناتجة عن بيع الأراضي وتسريبها للصهاينة، ووعي بعض العرب بالمخاطر التي تعصف بالبلاد، فقد كتبت صحيفة اليرموك في صفحتها الأولى الصادرة عام 1925 أن أبناء قلقيلية اجتمعوا في أحد الدواوين، وتدارسوا مخاطر تسريب الأراضي لليهود، وما يحيق بهذا الوطن المنكوب وينذر بالرحيل عن البلاد التي جبلت بدماء الأجداد، وورثناها عنهم، وكان حقاً علينا حفظها لنورثها للأبناء فقد قررت الحمايل ما يلي:
1) أن لا يعقد أي شخص منهم عقداً مع أي كان من أراضي قلقيلية بما يراعي المادة الثانية.
2) يتم شراء أرض المشاع العمومي لضمها للباقين، أو بغرض المساهمة بين أبناء المدينة، أو البيع الودي للأسباب الآتية:
1) أن يكون من أهل قلقيلية فقط.
2) أن يكون ممن يوثق به ما دام حياً.
3) أن لا يكون من عائلة (الشنطي) المقيمة في يافا.
4) بما أن مهنة السمسرة من الكبائر وهي خيانة عظمى يجب مقاطعة كل مشتغل بهذه المهنة الممقوتة وأن لا يرد أحدنا سلام أحد مر منهم.
5) الوقوف في سبيل سماسرة بيع الأراضي لليهود.
6) مطالبة اللجنة التنفيذية العربية بتعميم هذه الفكرة في القرى وباقي البلاد.
7) رفع هذا القرار للجنة التنفيذية باعتباره عهدا قطعناه على أنفسنا.
8) نشر هذا في جريدة فلسطين الشعب، الاتحاد العربي، اليرموك(68).
ظهور حزبين متواطئين مع حكومة الانتداب:
وأمام هذا الهوان الذي عانت منه الحركة الوطنية الفلسطينية التي ضمت كلاً من اللجنة التنفيذية العربية، والجمعيات الإسلامية المسيحية. ظهر حزبان متواطئان ومتخاذلان يؤمنان بسياسة “خذ وطالب”، وهما حزب الزراع، والحزب الوطني، وضم الأول في قيادته عدداً من أبناء القرى، بينما ضم الثاني مجموعة من أعيان المدن، وكلاهما كانا يعملان بتأثير الدعاية الصهيونية، والانتداب البريطاني، والمعارضة النشاشيبية بزعامة راغب النشاشيبي. وكان لهما أثر قوي في تفريق الصفوف، وتوهين العزائم، وإضعاف الحركة الوطنية وبلبلتها، وإشغال الناس بتوافه الأمور(69).
أسس الحزب الزراعي عام 1924الذي فرق بين المدني والفلاح ؛ بحجة حماية مصالح الفلاح والدفاع عنه والنهوض بأحواله، ولكنه سرعان ما ظهرت حقيقته للفلاح الفلسطيني الذي ابتعد عنه “ابتعاد السليم من المجذوم” كما ابتعد أيضاً عن الحزب الوطني، وأخذ هذان الحزبان على الجمعيات الإسلامية المسيحية مأخذ التطرف في مواقفها، وكانت تكمن وراء قادة هذين الحزبين النزعة الفردية والأنانية وكلاهما كان على علاقة بالحركة الصهيونية، وأحد زعمائها كالفارسكي، وقد لقي الحزبان معارضة شعبية قصرت في عمرهما(70).
وكانت هذه الحركة أقوى ما تكون في لواء نابلس؛ لكون هذا اللواء الأشد والأعنف في الحركة الوطنية وفي مقاطعته لمشاريع الانتداب(71).
قوبل تشكيل فرع للحزب الوطني في طولكرم باستنكار أبناء المدينة، فعندما وجه أعضاء المؤتمر دعوات لتشكيل فرع فيها، قوبل هؤلاء باللامبالاة، ولم يحضر سوى بعض البسطاء، أو الأعضاء المؤسسين في 22 ك1 1924، وعلقت جريدة اليرموك تحت عنوان: “يظهرون على المرسح”
ومما جاء فيه: “بهت الأهلون، ونظروا شذرا لهؤلاء، وقالوا لهم: لا تسرعوا فإن الأمة يقظة، وهي تعرف الصالح من الطالح، فلم يعد مجالاً للتظليل والتهويل”(72).
عودة بريطانيا لأساليب لتسويف والمماطلة في مفاوضاتها مع العرب:
وأمام حالة الصمت والسكون التي سادت هذه الفترة. عاد الانجليز يجرون محادثات مع العرب كعادتهم في التسويف، والمماطلة، حيث أرسل الانجليز في ظل المندوب البريطاني الجديد شخصاً يدعى ميلز، واجتمع عدة مرات مع ممثلي العرب في أواسط تموز 1926 للبحث في أسباب امتناعهم عن التعاون مع الحكومة خاصة فيما أخذته على عاتقها من إنشاء وطن قومي لليهود، ورد رفيق التميمي، ومحمد عزة دروزة، وصالح البرغوثي، ومعين الماضي، برفض أي مادة تتصل بوعد بلفور، وإقامة وطن قومي لليهود، واقترحوا إقامة كيان سياسي فلسطيني يكون فيه التمثيل بنسبة عدد العرب واليهود، وتظاهر بقبول طلباتهم(74).
وأمام الطرح البريطاني بادر العرب بعقد المؤتمر الوطني السابع الذي أعاد تأكيد قرارات صدرت عن المؤتمرات السابقة، واتسم بضعفه الذي ضم: مجلسيين، ومعارضين، ومثقفين، ووطنيين، ومنافقين، وسماسرة، ونتج عنه لجنة تنفيذية مكونة من ثمانية وأربعين شخصاً روعي تمثيلها لأقضيه فلسطين(75).
ويصف نجيب نصار سوء الحالة التي يعيشها أبناء البلاد في مقال بتاريخ 5/9/1926 وقرر أنه “لا يصلح حالنا إلا إذا صار المزارع، والعامل، والصانع يقرؤون، ولا يتكون رأي عام في الأمة ما لم يصير الشعب منه يقرأ ” ويعترف الكاتب أنه يشتغل لخدمة القومية العربية منذ زمن ويقاوم الصهيونية، ولكنه لم يحدث التأثير المطلوب؛ والسبب: إن الأمة لا تقرأ وتنحصر القراءة في فريق الأفندية والموظفين وأصحاب النفوذ، ولهذا السبب كان تأثير الصحافة ضعيفاً، وبقي الشعب أضعف، وهو يجهل حقوقه وواجباته ولا يجرأ على مظاهرة الحاكم بها، كما أن المخاصمات والنزاعات بين الحمائل والأفراد في القرى شملت التعديات على الشجر وبقر بطون البقر وحرق البيادر، وسببه قيام الزعماء ببذر بذور الشقاق والفساد بين الناس لتفريقهم، كما أن المزارعين والعمال يحتقرون أنفسهم إلى حد أنهم يعتبرون قراءة الصحافة من خصائص الكبار والوجاهات، وأن عملهم أن يطيعوا فقط.
وفي نهاية المقال ينصح أبناء شعبه بالقراءة، وفهم الحقوق والاستقلال في الرأي والتمييز بين المحتال، وعدم التمييز بين الأعمال(76).
تنبيه الصحافة العربية للمجلس الإسلامي لأهمية مقاومة بيع الأراضي لليهود:
ارتبط قيام المجلس الإسلامي الأعلى ببروز نجم زعيم البلاد المفتي أمين الحسيني الذي عينته حكومة فلسطين رئيساً للمجلس الإسلامي الأعلى حتى تنأى به عن السياسة، لكنه جذب الدين إلىالسياسة وسار في مهمته، واضطلع بمهمات واسعة في الأوقاف، والمساجد، وبناء المدارس والدفاع عن الأراضي، وقد بلغ تأثيره أقصى البلاد، ولرئيس المجلس صلاحيات غير محدودة، وقد وصفت سلطة المفتي الأكبر بأنها سلطة شعبية، وأن سلطته تشكل سلطة حكومة داخل حكومة، وظهر تأثيره في الجموع الغفيرة من الفلاحين المحتشدين في حفل النبي موسى في شهر نيسان من كل عام(77).
يشير عزة دروزة الذي كان مديراً في الأوقاف الإسلامية والمجلس الإسلامي الأعلى أن تأسيسه كانت له نتائج سلبية والتي حدثت بسبب الانتخابات، وما نتج عنها من انقسامات وتباينات في الآراء والمواقف بين معارض ومؤيد، وكانت هذه الانتخابات سبباً في إثارة العصبية بين الفريقين، بينما كان الحسينيون يهدفون لجعله ملاذاً للأمة، اتخذه المعارضون منبراً للغيرة والحسد، وقاموا بمداراة الانجليز، وفي سبيل ذلك أعمت الحزبية الضمير الوطني، وغاب الفرز الحقيقي بين العميل، والوطني، والمنافق(78).
وفي سياق النشاطات قام المجلس الإسلامي بعقد المؤتمرات ومنها: المؤتمر الإسلامي الفلسطيني الأول في 2/3/1926 الذي اقتصر على بحث آلية تشكيل المجلس وتشريعاته، واغتنم فرصة انعقاده ليحتج على الجرائم التي ارتكبت في سوريا، وشكل لجنة المؤتمر التنفيذية الممثلة لأقضيه فلسطين(79).
اهتم الحاج أمين الحسيني ومجلسه بقيادة الفلسطينيين، والتأثير بالأحداث المختلفة سواء بفتح الكلية الإسلامية في القدس التي دّرس فيها خيرة المعلمين، ومنهم:جمال الحسيني، ودرويش مقدادي الذي أسس فرقة الكشاف العربي بهدف مقاومة الاستعمار والصهيونية، وظاهرها أنشطة كشفية، وقد طردته الحكومة من دار المعلمين(80).
بدأ اهتمام المجلسيين أنصار المفتي، وموظفي المجلس الأعلى بجمع التبرعات؛ لترميم المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة، وقد شكلوا لجنة طافت البلاد العربية والإسلامية حتى إنها زارت الشيخ خزعل أمير المحمرة طالبة مد يد العون.
مرت سنوات و المجلس الإسلامي غير مكترث بما يجري في فلسطين من عمليات تسريب للأراضي ومخاطرها، ولم يتناسب دوره مع حجم القضية، وقد تنبهت جريدة فلسطين المعارضة لهذا الموقف المتأخر واستغربت إقدام المجلس على تسجيل الأراضي باسمه عام 1929، وجاء مقال المحرر بعنوان: “المجلس ومشترى الأراضي ألوجه الوطن يا ترى؟ أم لوجه الانتخابات؟! 20/6/1929”
وفيه لامت الصحيفة المجلس؛ بسبب تأخره عن إنقاذ أراضي فلسطين بعد أن بح صوت الصحافة، ورغم ذلك قدرت قيمة هذا العمل الذي يكفر عما يقوم به المجلس منذ خمسة أعوام؟؟! وقد أبدت الصحيفة خشيتها من أن يكون هذا العمل صيداً للأصوات في الانتخابات المقبلة مبينة أهمية وضع الخطط والسياسات التي تكفل نجاحه خاصة أن شراء دونم، أو دونمين لا يعيق المشروع القومي اليهودي من التحقق، وتتساءل الصحيفة طالما أن أموال الأوقاف تعطى للأيتام بفوائد وأن بعضها أنشئت به فنادق؛ لماذا لا يُشترى بهذه الأموال أسهم في شركات وطنية يشترك فيها المسلم والمسيحي؟، واستدركت الصحيفة إن إنقاذ شيء أفضل من لا شيء داعية نابلس معقل الوطنية إلى دعم هذا العمل الذي يقوم به المجلس، وإن هذه الساعة، ساعة تأدية الفروض بجد واجتهاد عند جميع أبناء الوطن(81).
اغفل المجلس الإسلامي الأعلى ما جرى من مساومة التيان المقيم في سوريا؛ ليبيع وادي الحوارث لليهود بمساحاته الواسعة، وكان بإمكان المجلس الإسلامي شراؤه، ويبقى عربياً. ففي عام 1928 انصرف الجهد نحو جمع عشرين ألف جنيه فلسطيني؛ لترميم جدار البراق، والعمل لمنع اليهود من الاستيلاء عليه. فما كان من أحد الحضور وهو الحاج فياض العبد الخضر من قرية دير الغصون قضاء طولكرم إلا أن تقدم الصفوف مطالباً وبسخرية أن يسمحوا له برؤية حائط البراق!(1).
لقد ظنوه جاهلاً واستنكروا سلوكه. فرد أنه ليس بجاهل، وأن الجدار الحقيقي هو وادي الحوارث فلن يبقى هذا الجدار لنا. استشاط المسؤولون غضباً وقالوا: “لسنا محتاجين لواحد فلاح مثلك يعلمنا. رد أنا فلاح أصلي، وهذا شرف لي يا أفندية وانسحب من الاحتفال”(82).
إن هذه القصة تظهر قصور الفهم واستيعاب مخاطر بيع الأراضي للصهاينة من قبل رئيس المجلس الإسلامي الأعلى وإدارته، ولكن هجمة الصحافة العربية، وتنبيهها، وزيادة المخاطر اليومية، وشكاوى الناس سواء أكان ذلك بإرسال العرائض والاحتجاجات إلى المجلس أم من خلال فضح البيوعات وسماسرتها عبر الصحافة مما دفع رئاسة المجلس لاحقاً لإبداء مزيد من الاهتمام وذلك بإرسال الوفود للتوعية، وتسجيل الأراضي باسمه، و توكيل المحامين للدفاع عن حقوق العرب في الدعاوي ونزاعات الملكية، ولكن جهوده وقدرته لم تكن بمستوى الأحداث الجسام، أو بمستوى مالية المنظمة الصهيونية العالمية كما سنرى. وقد أخذت الصحف المؤيدة للمفتي وخاصة الوطنية منها كجريدة الجامعة العربية، وجريدة الوحدة العربية، وجريدة الكرمل، والصراط المستقيم تثير قضية بيع الأراضي وتسريبها حيث هاجمت هذه الصحف عمليات السمسرة والسماسرة، وفضحت أساليبهم، وحذرت من السمسار (خانكين) اليهودي الذي عمل في شراء الأراضي من الملاكين العرب الذين يقيمون في لبنان وسوريا ومصر ومنهم: آل القباني و التيان وسرسق وبعض الملاكين الفلسطينيين وغيرهم.
ففي مقال بقلم سكرتير جريدة الجامعة العربية الأستاذ أسعد داغر، وهو كاتب قومي عربي، كتب متسائلاً” أأندلس أخرى في فلسطين: نشاط الصهيونيين لمشتري الأراضي في طولكرم وإقبال الأهلين على البيع بسبب سوء الحال الزراعية القدس 23/8/1928)، وفي مقاله ذكر المخاطر التي يتعرض لها قضاء طولكرم، وأخطر قضاياه:قضية وادي الحوارث الذي تزيد مساحته عن 32,000 دونم والذي عرضه أبناء التيان في مزاد علني، ويحذر داغر أيضاً بخطر آخر يحدق بوادي القباني، وبتعرض الكاتب لعشرة آلاف دونم بيعت من أجود أراضي قرية طيرة بني صعب، والتي افترسها السمسار اليهودي خانكين، وسبق له أن اشترى سبعة آلاف دونم من أراضي المشاع في كفرسابا، وتقاضى السماسرة 2. 5%، وهناك حديث عن 4,000 دونم من أراضي كفرصور اشتراها اليهودي بلوم، ومثلها في أراضي قريتي أم خالد، والطيبة، ويأسف داغر أن بيع الأرض لم يعد سراً، “وأصبح الواسطة فيه طليعة الوطنيين، وليس البيع محض قلة وطنية بل هو هوة إفلاس سحيقة، فالحكومة لا تنظر إليهم ولا مصرف زراعي يستدينون منه”، ويحذر أن تصبح فلسطين أندلس ثانية، ويخرج العرب منها كما خرج أجدادنا من الأندلس بسبب مايقوم به السماسرة من عمل مشين وعدها جريمة كبرى لا يبررها أي مبرر داعياً إلى تجنبها وعدم الانحطاط في شركها(83).
وقد فضحت الصحافة الفلسطينية دور السماسرة وباعة الأراضي وأحياناً اتهمت بعض الشخصيات ومنهم أعضاء اللجنة التنفيذية في حزب الدفاع وغيرهم ببيع الأرض، ففي أحد أعداد جريدة الجامعة العربية هاجمت المحامي مغنم مغنم عضو اللجنة التنفيذية وعضو حزب الدفاع بعد زيارته لبيروت بأنه جرى توكيله في عملية بيع مع عائلة سرسق، ولكنه دافع عن نفسه بأن غرضه من الزيارة جاء لسبب آخر.
إن هذا الواقع يذكرنا بما قاله الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان منتقداً تصرفات القادة الوطنيين ومواقفهم ممن تلاعبوا بالوطنية:
وطن يباع ويشترى *** وتصيح فليحيا الوطن
لو كنت تبغي خيره *** لبذلت من دمك الثمن
واصل رئيس المجلس الإسلامي الأعلى اهتمامه بحل عدة مشاكل تواجه عرب فلسطين. ففي مجال التصدي لبيع الأراضي والحفاظ عليها، ورغم ذلك أعاقت خلافات وانقسامات الشعب عن الحؤول دون وقف المخاطر الصهيونية، وكان خطر الزعامات قد لخصه نجيب نصار في “جريدة الكرمل” بتاريخ 5/1/1929، وهي: خطر الاستعمار، وخطر الصهيونية، وخطر زعماء البلاد والخطر الأخير أشدها خطراً ووطأة على البلاد؛ لأن النفعيين لم يحترموها، ولم يحسنوا معاً إدارة البلاد، فوقعت البلاد في الضيق وضياع الحقوق والقيم، ولم تجد نفعاً المقاومة السلبية، وهو يدعو إلى فتح العيون لزيادة الإنتاج والمنتجين، وإلى منع الأعداء الذين يعيشون كالبق والطفيليات التي تعيش على دم الأمة البريئة(84).
ويبدي نجيب نصار ندمه على تأييده بريطانيا في الحرب العالمية الأولى، ولكنه يعزي نفسه بأنه لم يكن مأجوراً، ويصارح الكاتب قُراء صحيفته بخوفه من مستقبل فلسطين وما يحيق بها من أخطار حتى إنه وبعد مرور عشرة سنوات بات لا يعرف ما سيصيب قومه عرب فلسطين غداً وهو ينقد حكومة الانتداب البريطاني التي تعمل في خدمة اليهود فقط(85).
ثورة البراق وتأثيرها في الحركة الوطنية الفلسطينية:
بعد زيادة الهجرة اليهودية والبرودة التي صاحبت الحركة الوطنية الفلسطينية واقتصارها على النضال السلبي (خطب، بيانات، احتجاجات، منشورات، عرائض) أخذ اليهود في عام 1925 يمارسون استفزازاتهم لمشاعر المسلمين بما قاموا به من وضع الستائر، والكراسي، والبكاء عند حائط البراق واعتبروه حائط الهيكل، وكرروا سلوكهم في 9 آب 1928 وتنادى المسلمون لعقد مؤتمر إسلامي وعاد العرب يكررون مطالبهم المعتادة لبريطانيا وعلى رأسها (حق تقرير المصير)(86).
أرسلت بريطانيا لجنة البراقالتي قالت بترك الأوضاع على ما هي عليه بالسماح لليهود بالصلاة والبكاء على الحائط دون إجراء أي تغيير على منطقته، ولكن اليهود لم يتراجعوا وكانت هجرتهم في زيادة مستمرة، وحصلوا على امتيازات وفرتها لهم الحكومة الانتدابية باستثمار أملاح البحر الميت، وعقدت معهم هذا الامتياز في حزيران 1929 فثارت الدماء في عروق العرب، واشتدت ثورتهم في آب 1929 وشملت البلاد من شمالها لجنوبها ولا سيما في القدس، ونابلس، وحيفا، وصفد، ويافا، والخليل(87).
لم يقتصر العمل اليهودي على البكاء بل قاموا بمسيرات رفعوا فيها العلم الصهيوني، وأنشدوا نشيد هتكفا عند حائط المبكى، وشتموا المسلمين، وصادف أن المسلمين كانوا يحتفون بذكرى المولد النبوي الشريف، فانتشرت الأحداث والتظاهرات في الأيام التالية في مدن فلسطين، وشملت الهجوم على مراكز البوليس في نابلس، و على المستعمرات في منطقة يافا، ودمرت 6مستعمرات تدميراً كاملاً، وتكررت الهجمات بين العرب واليهود، وفي هذه الأحداث تنصلت القيادة الفلسطينية بزعامة الحاج أمين الحسيني، وموسى الحسيني، وراغب النشاشيبي من مسؤوليتها عن عمل المتظاهرين تاركين الفلاحين والبدو غير المنظمين عرضة لهجمات الطائرات والمصفحات والقوات البريطانية(88).
كانت حصيلة الأحداث والاشتباكات المتبادلة بين العرب واليهود في ثورة البراق 133 قتيلاً من اليهود وجرح منهم 339، وسقط من العرب 91 شهيداً (87 مسلما و4 مسيحيين)، وجرح 181 من العرب (89).
اتهم من بين العرب في قيادة الاضطرابات السيد أحمد طافش من صفد الذي أسس عصابة الكف الأخضر الذي تهرب لمدة سنة في جبالها، وضم إليه بعض المتهمين والمريدين، فشكل عصابة، فتعقبتهم حكومة فلسطين الاستعمارية ببوليسها، واصطدم بهم فقتل مدير بوليس، وثلاثة من البوليس البريطاني، فاشتد طلبه، وقد خرج بلباس راعي غنم إلى الأردن، وقبض عليه، وُسلم لحكومة الانتداب فحكمت عليه بالإعدام، ولكن الأمير عبدالله توسط له فحكم مؤبداً وأفرج عنه في عام 1936، وعاد لجهاده، وقبض عليه مرة أخرى، وأفرج عليه قبيل الجلاء البريطاني عن فلسطين(90).
ويعود سبب فشل هذه العصابة إلى أنها ضويقت وحوصرت من قبل الاحتلاليين الفرنسي، والبريطاني في سوريا وفلسطين.
اتبع الإنجليز البطش والعسف ضد العرب، واعتبرهم تشانسلور مسؤولين عن الاضطرابات بعد رجوعه من خارج البلاد.
وجاؤوا بقوات بريطانية من مصر لقمع الانتفاضة، وقد أدانت المحاكم الانتدابية 792 عربياً، وحكمت على عشرين منهم بالإعدام، وخفضت حكم المؤبد على 17 منهم، وقررت إعدام القادة الثلاثة:عطا أحمد الزير، ومحمد خليل جمجوم، وفؤاد حسن حجازي، وحكموا على يهودي بالإعدام بتهمة قتل أسرة عربية وخفض الحكم لاحقاً وأعفي عنه(91).
انتظرت الأمة إعدام الأبطال الثلاثة يوم 17/6/1930، والذين تحلوا بإرادة قوية، وغنوا، وأنشدوا غناء رددته الأجيال القادمة:
يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما
ليس بعد السجن إلا فجر يوم يتسامى
وقد حَملوا وصيتهم قبل يوم واحد من إعدامهم للمجاهد الوطني سليم بك عبدالرحمن الذي سجنه الإنكليز معهم وقضى مدة ستة شهور، وهم يرجون من الأمة أن تواصل استقلالها واتحادها، وأن لا تبيع للعدو منها شبراً، وأن لا تهن عزيمتها، وأن لا يضعفها التهديد والوعيد، وهم يرجون رؤساء العرب أن لا يثقوا بالأجانب وسياسييهم، وليعلموا أنهم يراوغون كما يروغ الثعلب(92).
تابعت الجماهير الفلسطينية من مسلمين ومسيحيين إعدام القادة الثلاث، وقد خلد الشاعر إبراهيم طوقان إعدام القادة في قصيدته المشهورة الثلاثاء الحمراء ومن مطلعها نقتطف:
لما تعرض نجمك المنحوس *** وترنحت بعرى الحبال رؤوس
ناح الآذان وأعول الناقوس *** فالليل أكدر، والنهار عبوس
وانتشرت الأغنية الشعبية التي حفظتها الذاكرة الشعبية الفلسطينية، ورسخت في عمق التراث النضالي والكفاحي وجاء في مطلعها:
من سجن عكا وطلعت جنازة
محمد جمجوم وفؤاد حجازي
جازي عليهم يا ربي جازي
المندوب السامي وربعه عموما(93).
كشفت أحداث البراق عن استعداد اليهود لأي معركة قادمة مع العرب من خلال تدريبهم، وتهريبهم السلاح، وتشكيلهم العصابات المسلحة، وقد استخدموا إرهابهم في قتل العرب دون تفريق في الجنس والعمر بصورة وحشية وفظيعة، حتى إن اليهود الملتحقين بالبوليس البريطاني قاموا بقتل العرب والنيل منهم(94).
زادت انتفاضة البراق عام 1929من فرص استخدام بعض العرب للسلاح أكثر من الثورات السابقة لدرجة أن سكان ستة مستعمرات أجبروا على مغادرتها، ولكن هذه الثورة التي خطط لها المفتي توقفت ولم يكن رغبة للقيادة باستمرارها، واعتبر عوني عبدالهادي في لقائه مع المندوب السامي تشانسلور أنهم مضطرين أحياناً للخضوع لضغط أنصارهم مع أنها تشكلت بعص العصابات المسلحة في منطقتي نابلس، وحيفا، لشن حرب عصابات، كما ورد في تقارير الاستخبارات البريطانية(95).
وكانت أهم نتائج ثورة البراق أنها عملت على تغيير نظرة العرب تجاه تحديد من عدو العرب الرئيس. هل هي بريطانيا؟ أم الحركة الصهيونية؟
فقد ظهرت اتجاهات سياسية بعضها ينادي بمقاومة البريطانيين باعتبارهم ” أصل الداء والبلاء والرزايا” واتجاه آخر يرى بمحاربة الصهيونية كعدو رئيس.. ثم بينت كم كانت الطبقات الدنيا من الفلاحين يائسة من بيع الأرض وتسريبها. كما أن فئات جديدة انضمت للنضال الفلسطيني ومنها: طلبة المدارس، والمعاهد، والنساء خاصة زوجات القادة السياسيين، وممثلات الاتحادات والتنظيمات النسائية.
ففي 26 تشرين أول 1929 عقدت مجموعة من نساء السياسيين وأعضاء اللجنة التنفيذية العربية مؤتمراً في القدس وعددهن ثلاثمائة امرأةحيث قمن بمظاهرة طافت شوارع المدينة بالسيارات، وأكدن على مطالب الشعب الفلسطيني الوطنية، وسلمن المندوب السامي السير جون تشانسيلورJOHN CHANCELLOR وزوجته في دار الحكومة قرارات المؤتمر المتمثلة برفض وعد بلفور والهجرة الصهيونية، وتطبيق العقوبة الجماعية ورفض استبقاء نورمان بنتويش NORMAN BENTWICH في وظيفته، وهو موظف صهيوني، وبهذا العمل دخلت المرأة الفلسطينية معترك النضال الوطني الفلسطيني متخطية القيم والحواجز السائدة وبدعم من أزواجهن وأقاربهن، وكذلك أضرب طلاب في نابلس ضد تبرع الحكومة البريطانية للاجئين اليهود بعشرة آلاف جنيه وعدم التبرع للعرب (96).
أسهمت نابلس بواجبها تجاه القدس في هذه الثورة فهاجموا ثكنة البوليس الذي اعترضهم في مظاهرة وجرح عدد منهم “وأمدت نابلس القدس بالرجال والمؤن طيلة الاضطراب”(97).
نتائج التحقيق في لجنة شو:
عملت بريطانيا على امتصاص الغضب الشعبي الفلسطيني الذي تفجر في ثورة البراق بإرسال لجنة برئاسة القاضي البريطاني “والتر شو” التي حققت في اتهامات الفلاحين بطردهم من أراضيهم، وقامت بمسح الأوضاع الاقتصادية التي استغرقت 3 شهور، وبدأت من تشرين أول حتى كانون أول 1929. وقد اعتمدت تقارير الحكومة المنتدبة قائمة بمن طردوا من أراضيهم في وادي جزريل وزبلون وأفادت أنهم 1806 عائلة، مثل: قرى تل الفر، وجالود، وبينت اللجنة أن الشركات اليهودية تصرفت تصرفاً سليماً في عمليات الشراء، وقالت بأن شراء اليهود الأرض يشكل خطراً وتهديداً ماثلاً للوجود القومي العربي، ولهذا أوصت الحكومة بمراقبة انتقال الأراضي لليهود، ومنع بيعها لهم، وتبع ذلك إرسال خبير بريطاني يدعى هوب سمبسون؛ بهدف تحديد حجم الملكيات والمساحات المتبقية، ووصل البلاد في أيار 1930، وأمدته الحكومة المنتدبة ببيانات عديدة، وقد التقى مع ممثلين من الطرفين، وبعد دراسة مستفيضة بنيت على دخل الفلاح وأجرته استنتج أنه ينبغي عدم السماح لليهود شراء المزيد من الأراضي من العرب، وأن التصديق على انتقال الأرض يجب أن لا يتم إلا في حالات نادرة(98).
وأتَبعت الحكومة هذه اللجنة بكتاب أبيض الصادر في 21 تشرين أول 1930 المتضمن مجموعة بنود التي أقنعت العرب بالتعاطي معها، وأدت إلى يأس اليهود وتراجع عدد مهجريهم للبلاد، ولكن حاييم وايزمن ومعه عدد من قادة الصهاينة راحوا يهاجمون حكومة الانتداب ويتهمونها بالانحياز للعرب، ولم تمض سوى مئة يوم ومحى مكدونالد بجرة قلم ما جاء في الكتاب الأبيض، ووصل العرب لقناعة أن عليهم النضال ضد بريطانيا أولاً(99).
——————-
الهوامش
(1) (أ. أفنيري، دعوى نزع الملكية، ص72ـ ص74).
(2) (أ. أفنيري، المرجع السابق دعوى نزع الملكية، ص76).
(3) (المرجع نفسه، ص78).
(5) (أ. أفنيري، دعوى نزع الملكية، ص90).
(6) (أ. أفنيري، المرجع السابق، ص83)
(8) (أبراش، ابراهيم، البعد القومي للقضية الفلسطينية، ص 21ـ 22).
(9) (تحولات جذرية في تاريخ فلسطين، ص289).
(10) (مؤسسة فلسطين للثقافة).
(11) (مؤسسة فلسطين للثقافة، وثائق من الأرشيف العثماني ترجمة الأستاذ كمال خوجة تركيا اسطنبول Y. E. E 136/110-1).
(12) انظر: مقال نير حسون في جريدة هآرتس اليهودية 5/11/2013).
(13) (العازوري، نجيب، يقظة الأمة العربي، مؤسس جامعة الوطن العربي، ص41)
(14) (حداد، يوسف، خليل السكاكيني، ص57).
(15) (الشناق1913، ص547ـ 549).
(16) (الشناق، المرجع السابق، ص 526).
(17) (الدباغ، مصطفى:بلادنا فلسطين، ج7، ق2، ص142وص143).
(18) (الشناق، مرجع السابق، ص554).
(19) (حداد أيوب يوسف، خليل السكاكيني، ص31ـ33).
(20) (الكيالي، عبدالوهاب، تاريخ فلسطين الحديث، ص58وص59).
(21) (لكيالي، عبدالوهاب، موجز تاريخ فلسطين الحديث، ص57 ـ58).
(22) (أنظر: الشناق، محمود:المرجع، السابق، ص554).
(23) (انظر:مقال نير حسون، هآرتس 5/11/2013).
(24) (انظر:مقال نير حسون، هآرتس 5/11/2013).
(25) (الحركة الوطنية الفلسطينية، المرجع نفسه، ص، 43ـ46). تراجع
(25) (أنظر:مقال سميح حمودة مرجع سابق، ص61ـ62)
(26) (المرجع السابق نفسه، حوليات القدس، ص62ـ63).
(27) (مقال “عود إلى اتفاقية فيصل ـ وايزمن “، مجلة آفاق عربية، ع5، كانون الثاني 1978، ص18) (28) الكيالي، عبدالوهاب، موجزتاريخ فلسطين الحديث، ص117وص 118).
(29) (جرار، حسني، شعب فلسطين، ص 27).
(30) (النمر، إحسان، تاريخ جبل نابلس، ج3، ص190).
(31) (النمر، إحسان:تاريخ جبل نابلس، ج3ص196و197).
(32) (دروزة، محمد عزة:حول الحركة العربية الحديثة، ص33).
(33) (الكيالي، عبدالوهاب:تاريخ فلسطين الحديث، ص121).
(34) (النمر، إحسان، تاريخ جبل نابلس ج3ص191).
(35) (المرجع السابق، ص194و195).
(36) (المرجع السابق، 584و كتاب قضية فلسطين في دورها البلدي، ص111).
(37) (النمر، احسان:قضية فلسطين في دورها البلدي، ص111).
(38) (عبدالرازق، فيصل، كتاب أمجاد ثورية، ص5)
(39) (النمر، إحسان: تاريخ جبل نابلس ج3 ص206).
(40) (سلسلة دراسات التاريخ الشفوي، عبدالرحيم الحاج محمد، ص 11 و12).
(41) (الشيخ رشيد عبدالسلام، ص11).
(42) (مقابلةعبدالخالق يجيى من عزون سنة 2012
(43) (انظر:هلال ربحي، الحاج حسين هلال 5ج1 ص28)
(44)(رواية زوجتة المرحومة نعمة داود عام 1985)
(45) (سلسلة دراسات التاريخ الشفوي 1 عبدالرحيم الحاج محمد ص12).
(46) (العارف، عارف، المفصل في تاريخ القدس، ص582).
(47) (المرجع السابق، المفصل في تاريخ القدس، ص 582 و583).
(48) (النمر، إحسان، تاريخ جبل نابلس ج3 ص198 و199).
(49) (المرجع السابق، ص 201ـ203).
(50) (المرجع السابق، ص203ـ205).
(51) (كتاب ناحية دورا، ص192ـ196).
(52) (العارف، عارف: المفصل في تاريخ القدس، ص 584).
(53) (تاريخ جبل نابلس ج3، ص169و170).
(54) (مقابلة مع فيصل عبدالرازق سنة 1986وانظر كتابه:أمجاد ثورية فلسطينية، ص6).
(55) (المرجع السابق، ص7)
(56) (جريدة اليرموك، ع8 بتاريخ 18أيلول 1924).
(57) (المرجع نفسه، ع9، ص1).
(58) (جريدة اليرموك، ع17، بتاريخ5تشرين أول 1924).
(59) (أنظر:حسين، حماد: مجموعة وثائق حول تاريخ فلسطين، ص133).
(60) (المرجع نفسه، ص134).
(61) (الكيالي، عبدالوهاب:تاريخ فلسطين الحديث، ص194).
(62) (مجموعة وثائق، مرجع سابق،، ص168).
(63) (مجموعة وثائق حول فلسطين، مرجع سابق، ص192).
(64) (دروزة، محمد عزة:الحركة العربية الحديثة، ص52)
(65) (المرجع السابق، الحركة العربية الحديثة، ص54).
(66)(جريدة اليرموك 4حزيران 1925 ع66، ص1و4
(67) (جريدة اليرموك 4حزيران 1925، ع 66، ص1).
(68) (جريدة اليرموك ع 68حزيران 1925، ص1).
(69) (دروزة، عزة، حول الحركة العربية، ص41).
(70) (عطية، سعود، الحزب العربي، ص68وص 69).
(71) (حول الحركة العربيةمرجع سابق،، ص42).
(72) (جريدة اليرموك ع33، ص2)
(74) (الحركة العربية الحديثة، ص54)
(75) (المرجع السابق، ص55).
(76) (حسين، حماد: مجموعة وثائق، ص412وص413).
(77) (عطية، سعود:الحزب العربي الفلسطيني، ص64وص65).
(78) (عزة، دروزة، حول الحركة العربية، ص49ـ ص50).
(79) (جريدة فلسطين وثائق، ص80 وص81).
(80) (العناني، جذور الصبر، ص 89).
(81) (حسين، حماد، مجموعة وثائق، ص55ـص57)
(82) (الموسوعة التربوية12ف1ـ 13ع1، ص11و12).
(83) (مجموعة وثائق، ص54، وص55).
(84) (مجموعة وثائق، ص324).
(85) (المرجع السابق، ص324و325).
(86) (العارف، عارف:المفصل في تاريخ القدس، ص596).
(87) (العارف، عارف، المفصل في تاريخ القدس، ص597).
(88) (تاريخ فلسطين الحديث، ص 202ـ206).
(89) (العارف، عارف، المفصل في تاريخ القدس، ص597).
(90) (النمر، احسان، قضية فلسطين في دورها البلدي، ص 127وص 128).
(91) (المرجع نفسه، ص597).
(92) (غوشة، صبحي، شمسنا لن تغيب، ص195 وص196)
(93) (انظر:عودة، زياد، من رواد النضال في فلسطين 1929 ـ 1948، ص18ـ25).
(94) (مجموعة وثائق، ص43).
(95) (تاريخ فلسطين الحديث، ص 210وص211).
(96) (التنظيمات النسائية، ص24ـ ص26).
(97) (تاريخ جبل نابلس ج3 ص206و207).
(98) (أ. أفنيري:نزع الملكية، ص 112و115).
(99) (العارف عارف، المفصل في تاريخ القدس، ص 601 و602).
يتبع…
شبكة البصرة
الاربعاء 5 صفر 1442 / 23 أيلول 2020
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


