“أردوغان” إلى أين أنت ذاهب بتركيا؟
شبكة البصرة
د. أبا الحكم
سؤال يثيره المواطن التركي قبل غيره، لأن تصفير الملفات الشائكة لا يتماشى مع نهج العناد والإستفزاز والتوسع الأيديولوجي للأخوان المسلمين الذين يرون في أنقره واسطنبول ملآذاً لهم بعد فشلهم في بناء نظم لا ترتضيها الشعوب ومنها على وجه التحديد الدولة المصرية والدولة التونسية والدولة الليبية والعراقية. تجمعهم في العاصمة التركية لتجندهم من اجل التوسع، كما فعل العثماني بتجنيد ابناء الشعوب، الذين تحت السطوة العثمانية ومنهم العراقيون العرب واسميتهم الـ(ترك مان) Turk Man -أي رجال تركيا المجندون في الجندرمه- وفي العصر الحديث تجند الفقراء من اللآجئين السوريين وغيرهم وتستغل حاجتهم للعيش في خارج معتقلات النظام البوليسي الدموي في دمشق لتزج بهم في حرب مليشيات في ليبيا كما تفعلها في شمال سوريا، أما شمال العراق فعينك على نفط كركوك والأخرى على الموصل. هو الاسلوب نفسه تريد تكراره رغم تغير الظروف وتغير موازين القوى في المنطقة والعالم. ومع ذلك فأنت لا تبالي في سحق خصومك في الداخل وتهديد جيرانك في الخارج، وتعلنها صراحة (الميدان بيننها) في البحر المتوسط. ما الذي تريد ان تفعله سيادة الرئيس العثماني الجديد في زمن لا يسمح بظهور الامبراطوريات ولا المليشيات، وإن الجيوش والأساطيل والطائرات والإنزالات البرية والبحرية وتجنيد المرتزقة على شاكلة مليشيات زينبيون وفاطميون وعملاء جاهزون لبيع اوطانهم بمازاد الدولار في البنك المركزي العراقي ومنافذ الحدود.
حزبك (حزب العدالة والتنمية) ليس هو الشعب التركي ولا يمثله كله بالمطلق، فلا يجوز لك ان تدفع هذا الشعب الى الهاوية. كما هو حال نظام الملالي في طهران ليسوا هم إلا اقلية تحكم الأكثرية من الشعوب الإيرانية (الأكراد والأتراك والعرب والآذربيجانيين والبلوش) وغيرهم، فلماذا يقود الملالي هذه الشعوب الى الهاوية؟ وانت تعلم وربما على يقين من ان مهمتك ومهمة الملالي مستحيلة، ولن تجلب للشعب التركي وللشعوب الايرانية وغيرها سوى الموت والفقر والتأخر والذل وضياع الكرامة. فأنتم واجهات لحزب الأخوان المسلمين لا تستطيعوا بناء دولة، إنما تستطيعون تهديم الدول وأولها دولكم، وذلك بإنهاكها في الحروب الخارجية وإفقارها وإذلالها وإرجاعها الى الخلف عقود من السنين. وإذا كان وضع التطور الاقتصادي الذي حصل في تركيا، فهو ليس بتخطيطكم، فالحداثة والمدنية بدأت من بناء الجمهورية التركية على يد “مصطفى كمال أتاتورك”. أما انتم فليس من حقكم تهديم هذا البناء بدعوى فلسفات (العمق الأستراتيجي) الذي يريد أن يعيد لتركيا مجدها العثماني البائد. والشاكلة ذاتها تقريباً في ايران حيث تضخيم الذات الشاهنشاهية إزاء فقر وبؤس وتعاسة الشعوب الايرانية، وتكريس سلاح الخميني والخامنئي لنشر الفوضى والتطلعات غير المشروعة وترك الشعوب الايرانية تعيش الفاقة والعوز والتراجع تحت دعاوى إحياء امبراطورية (كورش) قبل اكثر من الف واربعمائة عام، وهي دعاوى إحتلالية معروفة في التاريخ.
فإلى أين انت ذاهب يا “اردوغان”؟ لا تستطيع محاربة العالم بأناس فاشلين في بناء النظم السياسية، وانت تعلم قبل غيرك بأنك تستخدمهم كمعول للهدم وتدمير الشعوب شأن سياستك المتهورة شأن (الفوضى الخلاقة) التي اطلقتها اميركا والكيان الصهيوني. فأنت تعلم ايضاً بأن سلوك الدولة التركية بتصعيد الموقف في الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، وكذلك تصعيد التهديد لجارك اليوناني ولجزيرة قبرص وبطريقة متعجرفة ومتعالية ومكابرة وانت عضو في (حلف الناتو)، فهل تعلم ان الناتو والاتحاد الاوربي ودول الساحل الجنوبي للبحر المتوسط والدول العربية قد وضعوا سياساتك المتهورة على محمل الجد دون حرب لكي لا ينتعش الروس من هذه الاجواء وهم يرمون الى تصدع حلف شمال الأطلسي؟
تفكيرك قاصر لا يتعدى حدود ايديولوجيا حزبك مع بعض توجهات نبشتها لك جهاتك الإستخباراتية التي زينت لك الطريق بأنه سالك وهو ليس كذلك.
وفي ضوء ما تقدم يمكن رسم هذه الأفكار التي يبدو انها تعالج الوضع الجيو- ستراتيجي لمنطقة البحر المتوسط، وكذلك الوضع الجيو- سياسي لدول الجوار جنوب تركيا وكما يأتي:
أولاً- ربما تعتقد، سيادة الرئيس اردوغان، بأن الفرصة قد حانت في اطار الفوضى العارمة وظهور (فراغ الأمن) الذي يجب ان تملئه تركيا، ليس بالسياسة التي تحدث عنها “احمد داوود أوغلو” وهي تصفير المشكلات مع دول الجوار لبناء علاقات حسن الجوار القائمة على اساس عدم التدخل واحترام السيادة وتعزيز المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة وتحقيق السلم الاجتماعي في المنطقة وبالتالي تعزيز الأمن والسلم الاقليمي والدولي، إنما عن طريق القوة والتهديد بإستخدامها. بيد ان فراغ الأمن من الناحية النظرية هو (فخ) تصنعه السياسات الكبرى على ارض الواقع ستجد نفسك في شركه، كما وجدت ايران نفسها غائصة فيه الى قمة رأسها بالمشاكل المستعصية اقتصاديا واجتماعياً وأمنياً، وهي تنتظر خيار عودة ((كودو)) الذي لن يعود أبداً!!
ثانياً- ربما تعتقد بأن استقطابك الفاشلين في السياسة والاقتصاد وحتى في الدين من الاخوان المسلمين ستؤسس من خلالهم وانت (فاتح العصر)، الدولة الاسلامية الكبرى في العالم على انقاض دول العالم كله وافكاره وثقافاته وحضاراته ونظمه السياسية.
ثالثاً- وربما تستأنس بما يقوله القادة الأوربيون حين يشيدون بموقع تركيا الاستراتيجي الذي يشكل رأس الرمح في استراتيجية حلف شمال الاطلسي، فتشعر بالإنتفاخ والعجرفة كما هي غطرسة الفرس وعجرفتهم واستهتارهم بمقدرات شعوب العالم، وتصغي لهمس الدب الروسي وإغراءات القوة التي يقدمها اليك بأنه صار حليفاً (استراتيجياً) لك، وهذا غباء مطبق، لأنك وكما هو معروف عنك حين تخاف من الغرب تتجه الى الشرق وحين يعضك الشرق تلوذ بالغرب، فما عليك إلا الركون الى الدولة التركية المدنية وليس عسكرتها حفاظاً على مصالح الشعب التركي ومصالح شعوب البيئة التي ينتمي اليها. فلتعلم انك قد اضعت هويتك، فلا انت غربي الاتجاه ولا انت شرقي الاتجاه، متأرجح بين غرب وشرق، فهل من المصلحة التركية ان تدمر الشعب التركي وتبقى متأرجحا الى ما شاء الله.
رابعاً- قد يكون الغرب، وهو المعروف بتخطيطه بعيد المدى، قد رسم لك مساراً وأوكل اليك مهمة تمزيق المسلمين والاسلام بأداة (الأخوان المسلمين) مقابل الحصول على حصة من قيادة (الأمن الأقليمي)، كما مزق النظام الايراني الشعب العراقي والسوري واللبناني واليمني والفلسطيني (حماس والجهاد الإسلامي) تحت شعار (المقاومة والممانعة)، واستنزف موارد الدول العربية وسهل إختراقها إسرائيلياً تحت شعار التطبيع. فالتوكيل الإيراني قد انتهى وحصته في قيادة الأمن الإقليمي قد تبخرت. فهل تأتمن يا اردوغان بوعود الغرب؟!
خامساً- الغرب يريد منك حليفاً، والشرق يريد منك شريكاً. والفرق واضح بين الحليف وبين الشريك. الآول يريدك مصداً للنار إذا ما اشتعلت، والثاني يريد ان يستنزفك لتوسيع قاعدته الاقتصادية التي فقدها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. فأنت واقع بين مصد النار ومستنقع الإستنزاف. فأين تركيا من هذه المصيدة يا ريس؟ المناورة، والمشاغله في وقت فراغ القوة لا تكفي. لأن هناك من قال في تلاسن شارع (وول ستريت) ونبه خصمه الآخر إلى. إنه الأقتصاد ياغبي!!
07/09/2020
شبكة البصرة
الاثنين 19 محرم 1442 / 7 أيلول 2020
يرجى الاشارة الى شبكة البصرة عند اعادة النشر او الاقتباس
المقالات والتقارير والاخبار المنشورة في شبكتنا لا تعبر عن راي الشبكة بل عن راي الكاتب فقط


